بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

روسيا: كيف أُجهِضت الثورة

« السابق التالي »

من سلطة السوفييتات إلى ديكتاتورية البلاشفة

كانت مؤسّسات 1917 الثورية -وعلى رأسها السوفييتات- مرتبطةً عضويًا بالطبقة التي قادت الثورة. ولم تكن لتوجد فجوة بين تطلعات ونوايا أعضائها وبين تطلعات العمال الذين انتخبوهم. فبينما كانت الجماهيرُ منشفيّةً كانت السوفييتات منشفيّة؛ وحين بدأت الجماهير تتبع البلاشفة تبعتها السوفييتات كذلك.

أمّا حزبُ البلاشفة فلم يكن إلا هيئةً من مناضلين واعين طبقيًا ومنسَّقين، يستطيعون صياغة السياسات واقتراح مسارات العمل إلى جانب هيئات مماثلة، في السوفييتات كما في المصانع نفسها. وكانت آراؤهم المتماسكة وانضباطهم الذاتي يعنيان قدرتهم على تنفيذ السياسات بفعالية فقط إذا تبعتهم جماهيرُ العمال.
حتى الخصومُ الثابتون للبلاشفة اعترفوا بذلك. فقد كتب أبرزُ ناقدٍ منشفي لهم:
«تفهموا من فضلكم، أنّ أمامنا بعد كل شيء انتفاضةٌ منتصرة للبروليتاريا. البروليتاريا بأسرها تقريبًا تدعم لينين وتتوقع تحررَها الاجتماعي من هذه الانتفاضة …» [2]
وحتى حين أن أخذت الحربُ الأهلية طريقها، أمكن استمرارُ هذه الجدلية الديمقراطية بين الحزب والطبقة. فقد احتفظ البلاشفة بالسلطة بصفتهم حزبَ الأغلبية في السوفييتات، غير أنّ أحزابًا أخرى ظلّت موجودةً فيها أيضًا. وبقي المناشفة يعملون قانونيًا ويتنافسون مع البلاشفة على التأييد حتى يونيو/حزيران 1918.

غير أنّ الإبادة الجزئية للطبقة العاملة غيّرت كلَّ ذلك. وبحكم الضرورة، بدأت المؤسّساتُ السوفييتية تكتسب حياةً مستقلّةً عن الطبقة التي نشأت منها. فالعمالُ والفلاحون الذين خاضوا الحربَ الأهلية لم يكونوا قادرين على حكم أنفسهم جمعيًا من مواقعهم في المصانع. وكان لا بدّ للعمال الاشتراكيين المنتشرين على امتداد مناطق الحرب وعرضها من تنظيمٍ وتنسيقٍ عبر جهازٍ حكوميٍّ مركزيّ مستقلٍّ عن سيطرتهم المباشرة، على الأقل مؤقتًا.

وبدا للبلاشفة أنّ مثل هذا البنيان لا يمكن الحفاظُ على تماسكه إلا إذا اشتمل في داخله على أولئك الذين يدعمون الثورة من أعماقهم، أي البلاشفة وحدهم. فالاشتراكيون الثوريون اليمينيون كانوا محرّكي الثورة المضادة. والاشتراكيون الثوريون اليساريون كانوا على استعدادٍ للجوء إلى الإرهاب عندما يختلفون مع سياسة الحكومة. أمّا المناشفة فكانت سياستُهم تتمثّل في مساندة البلاشفة ضد الثورة المضادة، مع مطالبتهم هؤلاء بتسليم السلطة للجمعية التأسيسية (وهو أحد المطالب الرئيسة للثورة المضادة).

في الواقع، كان هذا يعني أنّ الحزبَ يضمّ مؤيّدين ومعارضين للسلطة السوفييتية معًا. وقد انتقل كثيرٌ من أعضائه إلى جانب «البيض» (فمثلًا تعاطفت منظماتُ المناشفة في منطقة الفولغا مع حكومة سامارا المضادّة للثورة، وانضمّ عضوٌ من اللجنة المركزية للمناشفة، إيفان مايسكي — الذي أصبح لاحقًا سفيرَ ستالين — إليها). [3] وكان ردُّ البلاشفة السماحَ لأعضاء الحزب بحرياتهم (في معظم الأحيان على الأقل)، مع منعهم من العمل كقوةٍ سياسيةٍ فعالة. فمثلًا لم يُسمح لهم بصحافةٍ بعد يونيو/حزيران 1918 إلا لثلاثة أشهر في العام التالي.

ولم يكن للبلاشفة في هذا خيار. فلم يكن في وسعهم التخلّي عن السلطة لمجرّد أنّ الطبقة التي مثّلوها كانت قد تلاشت وهي تقاتل للدفاع عن تلك السلطة. كما لم يكن في وسعهم التسامحُ مع نشر الأفكار التي تقوّض أساسَ سلطتهم، تحديدًا لأنّ الطبقةَ العاملة نفسها لم تعد موجودةً ككتلة منظّمةٍ جمعيًا قادرةٍ على تحديد مصالحها الخاصة.

وبحكم الضرورة، استُبدلت دولةُ 1917 السوفييتية بدولةِ الحزب الواحد ابتداءً من عام 1920 فصاعدًا. وأضحت السوفييتاتُ الباقيةُ واجهةً لسلطة البلاشفة على نحوٍ متزايد (مع أنّ أحزابًا أخرى، مثل المناشفة، واصلت العمل فيها حتى عام 1920).ففي موسكو مثلاً، لم تُجرَ انتخابات لمجلس السوفيات لأكثر من 18 شهرًا عام 1919. [4]

« السابق التالي »