روسيا: كيف أُجهِضت الثورة
من المفارقات أنّ نهاية الحرب الأهلية لم تُخفِّف وطأة هذا الوضع، بل عمّقته في وجوهٍ عديدة. فمع زوال الخطر المباشر للثورة المضادّة، انقطع الخيطُ الذي كان يَشدُّ معًا عمليتين ثوريتين: سلطةَ العمال في المدن والانتفاضاتِ الفلاحيةَ في الريف.
وبعد أن استولى الفلاحون على الأرض وغدوا مالكيها، فتر اهتمامُهم بالمقاصد الجماعية لثورة أكتوبر. صارت دوافعُهم فرديةً نابعةً من طابع عملهم الفردي؛ إذ سعى كلُّ واحدٍ إلى تعظيم مستوى معيشته بجهده على قطعته من الأرض. والواقع أنّ الشيءَ الوحيد القادرَ آنذاك على جمع الفلاحين في جماعةٍ متماسكةٍ كان مقاومتَهم الضرائبَ وجمعَ الحبوب القسريَّ المُوجَّه لإطعام سكان المدن.
بلغت ذروةُ هذه المعارضة قبل أسبوعٍ من انعقاد المؤتمر العاشر للحزب. إذ اندلع تمردٌ للبحّارة في حصنِ كرونشتادت، الحارسِ لمداخل بتروغراد. وقد نظر كثيرون لاحقًا إلى ما تلا ذلك بوصفه أولَ شرخٍ بين النظام البلشفي ومقاصده الاشتراكية، واستُخدم كونُ بحّارة كرونشتادت من القوى الدافعة الرئيسية في ثورة 1917 حُجّةً على ذلك.
غير أنّه في حينه لم يشكّ أحدٌ داخل الحزب البلشفي -حتى «معارضةُ العمال» التي ادّعت تمثيلَ نفورِ كثيرٍ من العمّال من النظام- في ما يلزمُ فعلُه. والسبب بسيط: فكرونشتادت عام 1920 لم تكن كرونشتادت عام 1917. لقد تبدّل التكوينُ الطبقيُّ لبحّارتها؛ إذ غاب منذ زمنٍ أفضلُ عناصرها الاشتراكيين للقتال في الخطوط الأمامية، وحلّت محلّهم في الأغلب عناصرُ فلاحية كان ولاؤها للثورة على قدر مصالح طبقتها.
وقد انعكس هذا في مطالب التمرّد: «سوفييتات بلا بلاشفة» و«سوقٌ حرّة في الزراعة». لم يكن في وُسع القادة البلاشفة الاستجابةَ لمثل هذه المطالب؛ إذ كان ذلك يعني تصفيةَ المقاصد الاشتراكية للثورة بلا نضال. فبرغم عِللِه، كان الحزبُ البلشفي القوةَ الوحيدةَ التي ساندت سلطةَ السوفييت بإخلاصٍ كامل، فيما تردّدت الأحزابُ الأخرى -حتى الاشتراكية منها- بينه وبين الانحياز إلى «البيض». ولهذا انجذب إليه خيرةُ المناضلين.
إن الدعوة إلى «سوفييتات بلا بلاشفة» لا تعني إلا «سوفييتات بلا الحزب» الذي سعى على نحوٍ متّسق إلى تمثيل المقاصد الاشتراكية والجماعية للطبقة العاملة في الثورة. وما عبَّر عنه تمرّدُ كرونشتادت، في الجوهر، هو التباينُ البنيويُّ البعيدُ المدى في المصالح بين الطبقتين اللتين صنعتا الثورة.
ومن ثمّ ينبغي النظرُ إلى قمع التمرّد لا بوصفه اعتداءً على الجوهر الاشتراكي للثورة، بل بوصفه مسعى يائسًا -استخدم القوة- للحيلولة دون أن تُفضي المعارضةُ الفلاحيةُ المتناميةُ لأهدافها الجماعية إلى تدميرها. [5]
ومع ذلك، فإن مجردَ وقوع كرونشتادت كان نذيرًا؛ إذ طرح موضعَ تساؤلٍ الدورَ القياديَّ للطبقة العاملة في الثورة بأسرها. فهذا الدورُ لم يعد مُسنَدًا إلى نمطٍ اقتصاديٍّ أرقى تمثّله الطبقةُ العاملة، ولا إلى إنتاجيتها الأعلى، بل إلى القوة المادية فحسب. ولم تعد هذه القوةُ تُمارَس مباشرةً على يد العمال المسلّحين أنفسهم، بل عبر حزبٍ باتت صلتُه بالطبقة العاملة غيرَ مباشرة: صلةُ أفكارٍ، لا صلةَ تنظيمٍ مباشر كما في أيام 1917.
كانت مثلُ هذه السياسة ضرورةً آنذاك؛ غير أنّ فيها قليلًا مما يمكن للاشتراكيين تأييدُه في ظرفٍ آخر. فبدلًا من أن تكون الثورةُ في روسيا «حركةً واعيةً بذاتها، مستقلةً، تقوم بها الأغلبيةُ الساحقةُ لمصلحةِ الأغلبيةِ الساحقة»، بلغت طورًا غدت فيه تعني استغلالَ الريف من قِبَل المدن، وتثبيتَه بالقوة وحدَها. وكان واضحًا لدى جميع التيارات داخل الحزب البلشفي أنّ هذا الوضعَ يُبقي الثورةَ مهدَّدةً بالانقلاب عليها عبر انتفاضاتٍ فلاحية.
وبدا أنّ ثمة خيارًا واحدًا لا غير: القبولَ بالعديد من مطالب الفلاحين، مع الإبقاء في الوقت نفسه على جهاز دولةٍ اشتراكيٍّ قويٍّ ومركزي. وهذا ما سعت إليه السياسةُ الاقتصاديةُ الجديدة (النيب، NEP)؛ إذ كان هدفُها مُصَالحةَ الفلاحين مع النظام وتشجيعَ التطور الاقتصادي بمنح قدرٍ محدودٍ من الحرية للإنتاجِ السلعيِّ الخاص. وأضحت الدولةُ وصناعاتُها المملوكةُ لها عنصرًا واحدًا ضمن اقتصادٍ تحكمه احتياجاتُ الإنتاجِ الفلاحي ولُعبةُ قوى السوق.






