روسيا: كيف أُجهِضت الثورة
في فترة السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب، NEP) لم يعد في مقدور روسيا، بأي معنى، أن تزعم أنها «اشتراكية»؛ لا من حيث علاقة الطبقة العاملة بالدولة التي أنشأتها ابتداءً، ولا من حيث طبيعة العلاقات الاقتصادية الداخلية. فلم يكن العمال يمارسون السلطة، ولم يكن الاقتصاد مُخطَّطًا. غير أنّ الدولة -ذلك الجهاز من الرجال المسلّحين الذي يسيطر على المجتمع ويُشرف عليه- كانت بيد حزبٍ تحرّكه مقاصدُ اشتراكية. وبدا أنّ اتجاه سياساته سيكون اشتراكيًّا.
ومع ذلك كان المشهد أكثر تعقيدًا. أوّلًا، لم تكن مؤسساتُ الدولة التي هيمنت على المجتمع الروسي مطابقةً لِما كان عليه الحزبُ البلشفي المناضل عام 1917. فالذين كانوا في الحزب إبّان ثورة فبراير كانوا اشتراكيين ملتزمين خاطروا كثيرًا في مقاومة القمع القيصري تعبيرًا عن مُثلهم. وحتى أربع سنواتٍ من الحرب الأهلية والعزلة عن الجماهير العمالية لم يكن يسيرًا أن تمحو تطلعاتهم الاشتراكية.
ولكن بحلول 1919 لم يعودوا سوى عُشر الحزب، وبحلول 1922 تقلّصوا إلى نحو جزء من أربعين جزءًا منه. وخلال الثورة والحرب الأهلية شهد الحزب نموًّا مطّردًا؛ عكَسَ جزئيًا نزوعَ كل العمال المناضلين والاشتراكيين الموقنين إلى الانضمام، لكنه كان أيضًا نتاجَ عواملَ أخرى: فبعد أن استُنزِفت الطبقةُ العاملة، اضطلع الحزبُ بإدارة كل المناطق التي تُدار سوفييتيًا، ولم يكن ذلك ممكنًا إلا بتوسيع صفوفه.
ثمّ، ما إن اتّضح مَن يربح الحربَ الأهلية، حاوَل كثيرون من قليلي القناعة بالاشتراكية -أو الخالين منها- دخولَ الحزب. وهكذا صار الحزب بعيدًا عن كونه قوةً اشتراكيةً متجانسة؛ وفي أحسن الأحوال لم تكن سوى عناصره القيادية والأكثر نضالية منغرسةً حقًّا في التقليد الاشتراكي.
وقد وازَى هذا التخفيفَ الداخلي في الحزب ظاهرةٌ مماثلة في جهاز الدولة ذاته. فلكي يحافظ البلاشفةُ على السيطرة على المجتمع الروسي اضطرّوا إلى الاستعانة بآلاف من موظفي البيروقراطية القيصرية القديمة لإبقاء آلة الحكم عاملةً. نظريًا كان من المفترض أن يوجِّه البلاشفةُ عملَ هؤلاء في اتجاهٍ اشتراكي، أمّا عمليًا فقد غلبت العاداتُ وطرائقُ العمل القديمة، خصوصًا المواقفُ ما قبل الثورية إزاء الجماهير.
كان لينين شديدَ الوعي بتبعات ذلك؛ إذ قال في مؤتمر الحزب في مارس/آذار 1922:
«ما ينقصنا واضحٌ تمامًا… إن الشريحة الحاكمة من الشيوعيين تفتقر إلى الثقافة. لننظر إلى موسكو: هذه الكتلة من البيروقراطيين — من يقود مَن؟ أَهُم الـ4,700 شيوعيًّا المسؤولين، أم هذه الكتلة البيروقراطية؟ لا أظن أن في وسعكم أن تقولوا بصدق إن الشيوعيين يقودون هذه الكتلة. بصراحة: إنهم ليسوا القادة بل المقودون.»
وفي أواخر 1922 وصف جهاز الدولة بأنه «مُستعارٌ من القيصرية ولم تمسّه روحُ العالم السوفييتي إلا بالكاد… إنه آليةٌ برجوازيةٌ وقيصرية.» [6] وفي جدل 1920 حول دور النقابات قال:
«إن دولتنا ليست في الحقيقة دولةَ عمّالٍ خالصة، بل دولةُ عمّالٍ وفلاحين… وليس هذا كل شيء. يُبيّن برنامجُ حزبنا أنّ دولتنا دولةُ عمّالٍ ذاتُ تشوّهاتٍ بيروقراطية.» [7]
وكان الواقع أشدَّ سوءًا من ذلك. فلم يكن الأمر أنّ البلاشفة القدامى وجدوا أنفسهم حيث تجعل القوةُ المركّبةُ للطبقات المعادية والجمودُ البيروقراطي تحقيقَ مقاصدهم الاشتراكية عسيرًا فحسب، بل إن هذه المقاصد نفسَها لم يكن بوسعها أن تبقى غيرَ ملوّثة في بيئةٍ معادية. فقد ألزمت متطلباتُ بناء جيشٍ من كتلةٍ فلاحيةٍ في الغالب غيرِ مكترثة كثيرًا من خيرةِ أعضاء الحزب بعاداتٍ سلطوية.
وتحت «النيب» تغيّر الوضع، لكنه ظلّ بعيدًا عن التفاعل الديمقراطي بين القادة والمقودين الذي هو جوهرُ الديمقراطية الاشتراكية. وجد كثير من أعضاء الحزب أنفسهم يحتاجون إلى ضبط المجتمع عبر التفاهم مع التاجر الصغير والرأسمالي الصغير والكولاك؛ كان عليهم تمثيلُ مصالح «دولة العمال» في مواجهة هذه العناصر، لا عبر صدامٍ مباشر كما في السابق، بل عبر تعاونٍ محدود. وبدا أنّ كثيرين منهم صاروا أكثر تأثرًا بهذه العلاقة المباشرة الملموسة مع عناصر البرجوازية الصغيرة من روابطهم غير الملموسة بطبقةٍ عاملةٍ ضعيفةٍ مُحبَطة.
وفوق ذلك كلّه، تسرّب تأثيرُ البيروقراطية القديمة -التي غمر أفرادُها الحزبَ- إلى داخله. وقد فرض انعزالُ الحزب عن القوى الطبقية خارجه، تلك التي كان يمكن أن تسند حكمَه، أن يُعمِل على ذاته انضباطًا حديديًا. لذا، وفي المؤتمر العاشر للحزب -مع افتراض استمرار النقاش الداخلي [8]- حُظِر تشكيلُ الفِرَق/الفصائل رسميًا مؤقتًا. غير أنّ هذا الطلبَ على التماسك سرعان ما انحدر إلى قبول طرائق السيطرة البيروقراطية داخل الحزب. وقد ظهرت شكاوى المعارضة من ذلك في أبريل/نيسان 1920. وبحلول 1922 كتب لينين نفسُه: «لدينا بيروقراطيةٌ لا في مؤسسات السوفييت فحسب، بل في مؤسسات الحزب أيضًا.»
ويتجلّى تآكلُ الديمقراطية الداخلية أوضحَ ما يكون في مصائر المعارضات المتعاقبة للقيادة المركزية. ففي 1917 و1918 كان الجدلُ الحرّ داخل الحزب، وحقُّ المجموعات المختلفة في التنظيم حول برامجها، أمرًا مُسَلَّمًا به. كان لينين نفسُه في الأقلية مرتين على الأقل (عند «موضوعات أبريل»، وبعدها بنحو عام إبّان مفاوضات بريست–ليتوفسك).
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1917 استطاع البلاشفةُ الذين خالفوا قرارَ استيلاء الحزب منفردًا على السلطة أن يستقيلوا من الحكومة لإرغامها -من دون إجراءاتٍ تأديبية- على تغيير موقفها. كما نوقشت الخلافات حول التقدّم نحو وارسو وحول دور النقابات علنًا في صحافة الحزب. وحتى 1921 طُبع «برنامجُ معارضة العمال» بربع مليون نسخة على نفقة الحزب، وانتُخب اثنان من المعارضة في اللجنة المركزية. وفي 1923، حين تبلورت «المعارضة اليسارية»، ظلّ بوسعها أن تعرِض آراءها في «البرافدا»، وإنْ كانت مقابل كل مقالٍ معارض عشرةُ مقالاتٍ تدافع عن القيادة.
ومع ذلك، ظلّت فرصُ أيّ معارضةٍ للعمل بفعالية تتضاءل. فبعد المؤتمر العاشر حُظِرت «معارضةُ العمال». وبحلول 1923 كتبت «منصة الـ46» أنّ «السلمَ الأماناتيَّ للحزب (التسلسل الهرمي للأمانة) يستقطب، على نحوٍ متزايد، عضويةَ المؤتمرات والكونجرسات.» [9] وحتى بوخارين، المؤيدُ للقيادة ورئيسُ تحرير «البرافدا»، صوّر آلياتِ العمل المعتادة في الحزب على أنها غيرُ ديمقراطية:
«… عادةً ما يُعيَّن أمناءُ اللجان الفرعية من قِبل اللجان المناطقية؛ واعلموا أنّ المناطق لا تحاول حتى حمل هذه اللجان الفرعية على قبول مرشّحيها، بل تكتفي بتعيين هذا الرفيق أو ذاك. وكقاعدةٍ عامة، يجري التصويتُ على نحوٍ مُسَلَّمٍ به: يُسأل الحضورُ: “مَن ضد؟” وبمقدار ما يخشى المرءُ الكلامَ ضدّ، يجد المرشحُ المُعيَّن نفسَه مُنتخَبًا…» [10]
وقد انكشف المدى الحقيقي للبيروقراطية حين انقسمت «الثلاثية» التي تولّت قيادة الحزب أثناء مرض لينين. ففي أواخر 1925 انتقل زينوفييف وكامينيف وكروبسكايا إلى المعارضة في مواجهة مركز الحزب الذي صار تحت سيطرة ستالين. كان زينوفييف يرأس الحزبَ في لينينغراد، ومن ذلك المنصب كان يُمسك جهازَ العاصمة الشمالية وعدةَ صحفٍ مؤثّرة.
وفي المؤتمر الرابع عشر للحزب أيّد كلُّ مندوبٍ من لينينغراد معارضتَه للمركز. لكن خلال أسابيع من هزيمة معارضته، باتت جميعُ أقسام الحزب في لينينغراد -باستثناء بضع مئاتٍ من المعارضين المتمرّسين- تصوّت على قراراتٍ تؤيّد سياساتِ ستالين. كلّ ما تطلّبه الأمر إقصاءُ رؤساء إدارة الحزب في المدينة. مَن يسيطر على البيروقراطية يسيطر على الحزب. حين كان زينوفييف يسيطر عليها كانت معارضة؛ فلمّا أضاف ستالين المدينة إلى جهازه القُطري تحوّلت إلى مؤيدةٍ لسياساته. وبمجرد تبدّل القادة تحوّل «المونوليث الزينوفييفي» إلى «مونوليث ستاليني».
لقد بدأ صعودُ البيروقراطية في جهاز الدولة السوفييتية وفي الحزب نتيجةَ استئصال الطبقة العاملة خلال الحرب الأهلية، لكنه تواصل حتى مع تعافي الصناعة ونموّ الطبقة العاملة زمن «النيب». لقد أدّى التعافي الاقتصادي، بدلًا من رفع مكانة الطبقة العاملة داخل «دولة العمال»، إلى خفضها.
ومن حيث المادّة الخالصة، ساءَت (نسبيًا) مكانةُ العامل بفعل التنازلات للفلاحين في «النيب»:
«بعد أن كان محطَّ الإشادة في كل مكان إبّان “شيوعية الحرب” بوصفه البطل الاسميّ لدكتاتورية البروليتاريا، بات مُعرّضًا لأن يصير “الابنَ غير الشرعي” للنيب. وفي أزمة 1923 الاقتصادية لم يجد لا المدافعون عن السياسة الرسمية ولا من ناهضوها باسم تطوير الصناعة ضرورةً لمعالجة مظالم العامل الصناعي أو مصالحه كمسألةٍ ذات شأنٍ كبير.» [11]
ولم يتراجع وضعُ العامل إزاء الفلاح فحسب، بل أيضًا مقارنةً بمديري الصناعة ومُشغّليها. فبينما كان 65٪ من الكادر الإداري في 1922 يُصنَّفون رسميًا كعمّال (و35٪ غيرَ عمّال)، انقلبت الأرقام بعد عامٍ تقريبًا: 36٪ عمّال و64٪ غيرُ عمّال. [12]
وظهرت طبقةُ «الصناعيين الحُمر» جماعةً مميَّزة برواتب مرتفعة، وبفضل نظام «الإدارة الفردية» في المصانع، باتت هذه الطبقة قادرةً على التوظيف والصرف بإرادةٍ منفردة. وفي الوقت نفسة أصبحت البطالةُ واسعةَ الانتشار سِمةً مزمنةً للاقتصاد السوفييتي، فبلغت نحو مليونٍ وربع المليون في 1923–1924.






