روسيا: كيف أُجهِضت الثورة
ولا شكّ أنّ المعارضة اليسارية كانت، من حيث أفكارها، الفصيلَ الأكثر التصاقًا بالتراث الاشتراكي الثوري للبلشفية. فقد رفضت إعادةَ تعريف الاشتراكية كي تعني إمّا اقتصادًا فلاحيًا بطيءَ النمو، أو تراكمًا لأجل التراكم. وحافظت على اعتبار الديمقراطية العمالية جوهرَ الاشتراكية. ورفضت إخضاع الثورة العالمية لمقتضيات الشعار الشوفيني الرجعي «بناء الاشتراكية في بلدٍ واحد».
مع ذلك، لا يمكن القول إنّ المعارضة اليسارية كانت -بمعنى مباشر- «الفصيلَ البروليتاري» داخل الحزب. ففي روسيا العشرينيات كانت الطبقةُ العاملة أقلَّ من غيرها قدرةً على الضغط على الحزب. فبعد الحرب الأهلية، أُعيد بناؤها في ظروفٍ أضعفت قدرتَها على النضال لأجل أهدافها: بطالةٌ مرتفعة؛ أكثرُ العمال نضاليةً إمّا قضوا في الحرب الأهلية أو رُفعوا إلى مراتب البيروقراطية؛ وقسمٌ كبير من الطبقة مؤلّفٌ من فلاحين قادمين حديثًا من الريف. وكان موقفُها المألوف ليس تأييد المعارضة، بل اللامبالاةَ بالنقاشات السياسية، ما جعلها قابلةً للتوجيه من أعلى في معظم الأحيان على الأقل.
وهكذا وجدت المعارضةُ اليسارية نفسها في الوضع المألوف لدى الاشتراكيين: برنامجٌ اشتراكيٌّ لفعلٍ عمّاليٍّ جماعي، فيما العمّال أنفسهم مُرهقون مثبَّطو الهمّة عن القتال.
ولم تقتصر صعوباتُ المعارضة على لامبالاة العمال، بل شملت إدراكَها الواقعيَّ للظروف الاقتصادية. فقد شدّدت حججُها على أنّ نقصَ الموضوعي للموارد سيجعل الحياةَ عسيرةً أيًّا تكن السياسات المتّبَعة. وأكّدت ضرورةَ تطوير الصناعة داخليًا، إلى جانب حتميّة امتداد الثورة وسيلةً لتحقيق ذلك.
لكن على المدى القصير، لم يكن في وُسعها أن تقدّم الكثير للعمّال حتى مع انتهاج سياسةٍ اشتراكيةٍ صائبة. ولمّا بدأ تروتسكي وبريوبراجينسكي بالمطالبة بزيادة التخطيط، أوضحا أنّ ذلك لا يتمّ إلا عبر الضغط على الفلاحين ومع تضحياتٍ من العمال. ولمّا توحّدت المعارضةُ «التروتسكيّة» و«الزينوفييفيّة» عام 1926 جعلت تحسينَ أوضاع العمّال أولويةً أولى، لكنها كانت واقعيةً كفايةً لتندّد بوعودِ ستالين للعمّال -التي جاوزت مطالبَها- واصفةً إيّاها بالطوباوية.
لا متّسع هنا لمناقشة المنصّات المتعدّدة التي قدّمتها المعارضةُ اليسارية. لكن يمكن إجمالُها في ثلاثة محاورَ مترابطة:
1. لا يمكن للثورة أن تتقدّم في اتجاهٍ اشتراكي إلا إذا ازداد الثقلُ الاقتصادي للمدن قياسًا بالريف، وللصناعة قياسًا بالزراعة. وهذا يقتضي تخطيط الصناعة واتباع سياسةٍ ضريبيةٍ تميّز عمدًا ضدّ الفلاح الثري. وإلاّ راكم هذا الأخيرُ قوّةً اقتصاديةً تكفي لإخضاع الدولة لمصالحه، فتحدثُ ترميدور (ثورةٌ مضادّة داخلية).
2. ينبغي أن يصاحب هذا التطوّر الصناعي تعزيزُ الديمقراطية العمالية، لإنهاء النزعات البيروقراطية في الحزب والدولة.
3. قد تُبقي هاتان السياستان روسيا معقلًا للثورة، لكنّهما لا تصنعان المستوى المادّي والثقافيّ المشروط للاشتراكية؛ وذلك يتطلّب امتداد الثورة إلى الخارج.
ومن حيث الاقتصاد البحت، لم يتضمّن هذا البرنامج ما يستحيل. بل إنّ مطلب تخطيط التصنيع والضغط على الفلاحين قد نُفِّذ في النهاية، وإنْ على نحوٍ ناقضَ مقاصدَ المعارضة. غير أنّ الذين سيطروا على الحزب منذ 1923 لم يرَوا في ذلك حكمة؛ ولم يُجبِرْهم على التخطيط والتصنيع إلا أزمةٌ اقتصاديةٌ حادّة في 1928. وعلى مدى السنوات الخمس السابقة طاردوا اليساريين وطردوا قادتهم. أمّا المحورُ الثاني فلم يُنفَّذ قطّ. وبالنسبة للمحور الثالث فقد كان أرثوذكسيةً بلشفية في 1923 [13]، ثم رُفض نهائيًا على يد قادة الحزب عام 1925.
ولم تكن الاعتبارات الاقتصادية هي ما منع الحزب من قبول هذا البرنامج، بل ميزانُ القوى الاجتماعية المتشكّل داخل الحزب ذاته. كان البرنامج يقتضي قطعًا مع وتيرة إنتاجٍ تُحدِّدها الضغوطُ الاقتصادية للفلاحين. وقد نشأت داخل الحزب فئتـان من القوى الاجتماعية عارضتا ذلك.






