بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

روسيا: كيف أُجهِضت الثورة

« السابق التالي »

«اليمين» و«الوسط»

كانت المجموعة الأولى هي الأبسط: تألّفت من عناصر لا ترى في تقديم التنازلات للفلاحين ضررًا على البناء الاشتراكي، وأرادت بوعيٍ أن يُكيّف الحزب برنامجَه مع احتياجات الفلاحين. ولم يكن هذا مجرّد طرحٍ نظري، بل عبّر عن مصالح كلّ من في الحزب والمؤسسات السوفييتية ممّن وجدوا التعاونَ مع الفلاحين -بما في ذلك الكولاك والمزارعون الرأسماليون وأثرياء النيب (NEPmen)- أمرًا ملائمًا. وقد وجد هؤلاء تعبيرهم النظري لدى بوخارين في شعاره للفلاحين: «اغنوا أنفسكم».

أما التيارُ الثاني فاستمدّ قوّتَه من قوىً اجتماعية داخل الحزب وخارجه على حدٍّ سواء. وكان همُّه المُعلَن حفظَ التماسك الاجتماعي؛ لذا قاوم التوتّرات التي يُرجَّح أن تنشأ إذا بُذلت جهودٌ واعية لإخضاع الريف للمدينة، لكنّه لم يذهب في ميله المؤيِّد للفلاحين إلى الحدّ الذي بلغه «اليمين». وبوجهٍ عام تكوّن هذا التيار من عناصرَ داخل جهاز الحزب نفسه، وكان موجَّهًا أساسًا إلى الحفاظ على تماسك الحزب بوسائل بيروقراطية. وكان زعيمُه ستالين، رئيسَ الجهاز الحزبي.

بالنسبة إلى المعارضة اليسارية آنذاك، بدا فصيلُ ستالين تيارًا «وسطيًّا» يتأرجح بين تقاليد الحزب (المتجسِّدة في برنامج اليسار) وبين «اليمين». وفي عام 1928، حين تبنّى ستالين فجأةً البندَ الأول من برنامج المعارضة نفسها، وانقلب على «اليمين» بحدّةٍ لا تقلّ عن حدّته ضدّ «اليسار» قبل أشهر، وبدأ التصنيع ونزعَ ملكية الفلاحين بالكامل (ما عُرف بـ«التجميع» وخصوصًا التجميع القسري) تلقّى هذا التفسيرُ صدمةً قوية. لقد اتّضح أن لستالين قاعدةً اجتماعيةً خاصةً به؛ قاعدةٌ تمكّنه من البقاء حين لا تمارس لا البروليتاريا ولا الفلاحون السلطة.

فإذا كانت المعارضةُ اليسارية حصيلةَ مجموعاتٍ تحرّكها تقاليدُ الحزب الاشتراكية والعمّالية، تسعى إلى تجسيدها في سياساتٍ واقعية، وكانت «اليمين» نتاجَ التكيّف مع ضغوط الفلاحين على الحزب، فإن الفصيلَ الستاليني المنتصر ارتكز أساسًا إلى بيروقراطية الحزب ذاتها.

وقد بدأت هذه البيروقراطية وجودَها عنصرًا ثانويًّا داخل البنية الاجتماعية التي أوجدتها الثورة، تؤدّي وظائفَ أوليّةً فحسب لخدمة حزب العمال. ومع استئصالِ جزءٍ كبيرٍ من البروليتاريا في الحرب الأهلية، وجد الحزبُ نفسَه قائمًا فوق الطبقة.

وفي هذا الظرف غدت مهمّةُ الحفاظ على تماسك الحزب والدولة محوريّة. وعلى نحوٍ متزايد، في الدولة أولًا ثم في الحزب، تولّى هذا الدور أساليبُ السيطرة البيروقراطية، كثيرًا ما مارسها بيروقراطيون قياصرة سابقون. وأخذ جهازُ الحزب يمارس السلطةَ الفعلية داخل الحزب: يعيّن الكوادرَ في كلّ المستويات، ويختار المندوبين للمؤتمرات. فإذا كان الحزبُ -لا الطبقةُ- هو من يسيطر على الدولة والصناعة، فإن جهازَه البيروقراطي هو مَن ورث تدريجيًّا مكاسبَ العمال في الثورة.

وأوّلُ آثار ذلك على مستوى السياسات كان الجمودَ البيروقراطي: قدّم بيروقراطيو الجهاز مقاومةً سلبيةً لكل سياسةٍ قد تُربك مواقعهم، وبدؤوا يتصرّفون قوةً قمعيةً تجاه أيّ مجموعةٍ تُهدِّد مكانتهم؛ ومن هنا اعتراضُهم على برامج اليسار ورفضُهم السماحَ بنقاشٍ حقيقي حولها.

وبينما واجهت البيروقراطيةُ تهديداتِ الاضطراب الاجتماعي بهذه السلبية، كان طبيعيًّا أن تتحالفَ مع «اليمين» وبوخارين. وقد ساعد هذا على حجب تحوّلها المتزايد إلى كيانٍ اجتماعي مستقلّ بذاته، له علاقةٌ مخصوصة بوسائل الإنتاج. بدا قمعُها للمعارضة محاولةً لفرض سياسةٍ مُواليةٍ للفلاحين من أعلى؛ لكنه كان أيضًا جزءًا من صراعها لإزالة أيّ مقاومةٍ لسلطتها هي في الدولة والصناعة. وحتى بعد إعلانها شعارَ «الاشتراكية في بلدٍ واحد»، بدت إخفاقاتُها الخارجية صادرةً -في الظاهر- عن جمودها البيروقراطي وميل سياساتها داخليًّا إلى الفلاحين، أكثرَ من صدورها عن دورٍ مُضادٍّ للثورة عن وعيٍ وتصميم.

ومع ذلك، فقد كانت البيروقراطيةُ -طوال هذه الفترة- تتحوّل من «طبقةٍ في ذاتها» إلى «طبقةٍ لذاتها». فعند تدشين «النيب» كان من الموضوعي أنّ السلطةَ في الحزب والدولة بيد مجموعةٍ صغيرةٍ من المكلَّفين؛ لكن هؤلاء لم يكونوا بعدُ طبقةً حاكمةً متماسكة ولا واعيةً بمصلحةٍ مشتركة.

كانت السياساتُ المطبَّقة لا تزال تتشكّل تحت تأثير عناصرَ في الحزب متأثّرةٍ بقوة بتقاليد الاشتراكية الثورية. وإذا كانت الظروفُ الموضوعية في الداخل قد جعلت الديمقراطيةَ العمّالية غير موجودة عمليًّا، فقد بقي احتمالُ أن يعيدَ أولئك المتشبّعون بتقاليد الحزب بناءَها متى وقع التعافي الصناعي في الداخل وامتدّت الثورةُ إلى الخارج.

وعلى الصعيد العالمي واصل الحزبُ أداءَ دورٍ ثوري؛ إذ إن أخطاءه في نصح الأحزاب الأجنبية -وبعضُها، بلا ريب، نتج من طابعه البيروقراطي المتزايد- لم ترقَ إلى جرائم إخضاع هذه الأحزاب لمصالح وطنيةٍ ضيّقة. وتحت سطح الصراعات الفئوية في عشرينيات القرن الماضي كانت تجري عمليةُ تخلُّص هذا التكتّل الاجتماعي من إرث الثورة ليغدو طبقةً واعيةً بذاتها، ذات أهدافٍ ومصالحَ مستقلّة.

« السابق التالي »