بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

روسيا: كيف أُجهِضت الثورة

« السابق التالي »

الثورة المضادّة

يُقال كثيرًا إن صعود الستالينية في روسيا لا يمكن اعتباره «ثورةً مضادّة» لأنه كان عمليةً تدريجية (فعلى سبيل المثال، رأى تروتسكي أن هذا التصوّر ينطوي على «إرجاع شريط الإصلاحية إلى الوراء»).

لكن هذا يُسيء فهم المنهج الماركسي. فليس صحيحًا أن الانتقال من نمطٍ اجتماعي إلى آخر يستلزم دومًا تحوّلًا مباغتًا واحدًا. هذا صحيحٌ في الانتقال من دولةٍ رأسمالية إلى دولة عمّال، لأن الطبقة العاملة لا تمارس سلطتها إلا دفعةً واحدة، وبصورةٍ جماعية، عبر صدامٍ مع الطبقة الحاكمة تُهزم فيه قوى الأخيرة بوصفه تتويجًا لسنواتٍ طويلة من النضال.

أمّا في الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، فثمّة حالاتٌ كثيرة لا يقع فيها صدامٌ حاسمٌ واحد، بل سلسلةٌ من التحوّلات متفاوتة الحدّة وعلى مستوياتٍ مختلفة، تفرض فيها الطبقةُ الاقتصاديةُ الحاسمة -أي البرجوازية- تنازلاتٍ سياسيةً لصالحها.

وقد سارت الثورةُ المضادّة في روسيا على هذا الطريق الثاني لا الأوّل. إذ لم تكن البيروقراطية مضطرةً إلى انتزاع السلطة من الطبقة العاملة دفعةً واحدة. فبعد استئصال الطبقة العاملة، باتت السلطةُ في يدها على كلّ مستويات المجتمع الروسي. كان أفرادُها يسيطرون على الصناعة والشرطة والجيش. ولم يكن عليهم حتى أن ينتزعوا السيطرة على جهاز الدولة كي يطابق قوّتهم الاقتصادية، على نحو ما فعلت البرجوازيةُ بنجاحٍ في بلدانٍ عدّة دون مواجهةٍ مباغتة؛ كان عليهم فقط أن يُخضعوا البنيةَ السياسيةَ والصناعية التي كانوا يتحكّمون بها أصلًا لمصالحهم الخاصة.

وقد وقع ذلك لا «بالتدرّج» بالمعنى السطحي، بل عبر تتابعٍ من التحوّلات النوعية التي جرى فيها مواءمةُ طريقةِ عمل الحزب مع مقتضيات البيروقراطية المركزية. ولم يكن بالإمكان إنجازُ أيٍّ من هذه التحوّلات النوعية إلا بمواجهةٍ مباشرة مع العناصر داخل الحزب التي ظلّت -لأيّ سبب- متمسّكةً بالتقاليد الاشتراكية الثورية.

كانت أوّلُ هذه المواجهات -وأهمُّها- مع المعارضة اليسارية عام 1923. ورغم أن هذه المعارضة لم تكن -بحسمٍ لا لُبس فيه- مناهِضةً لما كان يجري داخل الحزب (فزعيمُها، تروتسكي، أدلى إبّان جدل النقابات عام 1920 ببعض التصريحات الاستبدالية الفجّة؛ كما أن بيانَها العلني الأوّل، «منصة الـ46»، لم يُقرَّه موقّعوه إلا مع تحفّظاتٍ وتعديلاتٍ عديدة)، فقد واجهتها البيروقراطيةُ بعداءٍ غير مسبوق.

ولحماية سلطتها لجأت المجموعةُ الحاكمة إلى أساليب جدلٍ لم يعرفها الحزبُ البلشفي من قبل: حلّ التشهيرُ المنهجي محلَّ النقاش العقلاني؛ وبات تحكّمُ أمانة الحزب بالتعيينات يُستَخدم علنًا، ولأوّل مرّة، لإقصاء المتعاطفين مع المعارضة من مناصبهم (مثلًا: أُقيلت أغلبيةُ أعضاء اللجنة المركزية لـالكومسومول ونُقلوا إلى الأقاليم بعد أن ردّ بعضُهم على الهجمات ضد تروتسكي).

ولتبرير ذلك ابتدعت الفئةُ الحاكمة كيانين أيديولوجيَّين متقابلين: من جهةٍ دشّنت عبادة «اللينينية» (على الرغم من اعتراض أرملة لينين)، وحاولت رفعَ لينين إلى منزلةٍ شبه مقدّسة عبر تحنيط جثمانه على طريقة الفراعنة؛ ومن جهةٍ أخرى اخترعت «التروتسكية» بوصفها اتجاهًا مناوئًا «للينينية»، واستندت إلى اقتباساتٍ متفرّقة من لينين تعود إلى عشرةٍ أو حتى عشرين عامًا، متجاهلةً «وصيّته» الأخيرة التي وصف فيها تروتسكي بأنه «أكفأُ أعضاء اللجنة المركزية» واقترح فيها عزل ستالين.

لقد ارتكب قادةُ الحزب هذه التشويهات عن وعيٍ صريحٍ لدرء أي تهديدٍ لسيطرتهم على الحزب (واعترف زينوفييف — وكان يومها من قادة «الثلاثية» — بذلك لاحقًا). وبذلك كانت فئةٌ من الحزب تُظهِر أن سلطتَها باتت أهمَّ عندها من تقليد الحزب في النقاش الداخلي الحرّ؛ وباختزال النظرية إلى مجرّد مُلحقٍ لطموحاتها، بدأت بيروقراطيةُ الحزب تُثبِت هويتها في مواجهة الجماعات الاجتماعية الأخرى.

أما المواجهةُ الكبرى الثانية فبدأت على نحوٍ مختلف: لم تكن بادئ الأمر صدامًا بين أصحاب التطلّعات الاشتراكية وبين البيروقراطية المتنامية، بل بين الزعيم الظاهري للحزب يومئذ (زينوفييف) وجهاز الحزب الذي كان يحكم فعليًّا.

ففي لينينغراد كان زينوفييف يسيطر على قسمٍ من البيروقراطية باستقلالٍ نسبيّ عن سائر الجهاز. ورغم أن أسلوبَ عمل هذا القسم لم يختلف عن السائد في البلاد، فإن استقلالَه نفسَه كان عقبةً أمام البيروقراطية المركزية، إذ مثّل مصدرًا محتملًا لسياساتٍ وأنشطة قد تربك حكمها العام.

لذا كان لا بد من استتباعه للجهاز المركزي؛ وفي هذا المسار أُجبِر زينوفييف على التخلّي عن موقعه القيادي. وإذ فقده عاد يلتفت إلى تقاليد البلشفية التاريخية وسياسات اليسار (من دون أن يفقد تمامًا رغبته في البقاء ضمن الكتلة الحاكمة، فظلّ يتأرجح عشرَ سنواتٍ بين اليسار والجهاز).

ومع سقوط زينوفييف آلت السلطة إلى ستالين الذي جسّد -باستعماله غير المقيَّد لأساليب السيطرة البيروقراطية على الحزب، وازدرائه النظرية، وعدائه لتقاليد الثورة التي كان دوره فيها ثانويًّا، واستعداده لأي وسيلة لتصفية من قادوا الثورة فعلًا- تنامي وعي الجهاز بذاته.

وقد ظهرت هذه السمات بأقصى ما يكون في صراعه مع المعارضة الجديدة: تُحشَد الاجتماعات، ويُقاطع الخطباء بالصراخ، وتُرحَّل قياداتٌ معارِضة بارزة إلى مناصبَ ثانويةٍ في مناطق نائية، ويُستَخدم ضبّاطٌ قياصرةٌ سابقون عملاءَ مُندسّين محرِّضين لتشويه المعارضة. وفي 1928 بدأ ستالين يحاكي القياصرة صراحةً، فشرع ينفي الثوريين إلى سيبيريا. وعلى المدى الأطول لم يكفِ هذا؛ ففَعَل ما عجز عنه آل رومانوف: القتلُ المنهجيّ لأولئك الذين شكّلوا حزبَ 1917 الثوري.

بحلول 1928 كانت الكتلةُ الستالينية قد أحكمت سيطرتَها على الحزب والدولة. وحين انشقّ بوخارين والجناحُ اليميني -مذعورين ممّا أسهموا في صنعه- وجدوا أنفسهم أضعفَ من المعارضة اليسارية سابقًا. غير أنّ الحزب لم يكن مسيطرًا على كامل المجتمع الروسي؛ فالمدن-حيث السلطة الفعلية- كانت لا تزال محاطةً ببحرٍ من الإنتاج الفلاحي. لقد اغتصبت البيروقراطيةُ مكاسبَ الطبقة العاملة في الثورة، لكن الفلاحين لم يمسَّهم ذلك مباشرة. وقد كشفت ممانعةٌ جماهيريةٌ لبيع الحبوب عام 1928 حدودَ سلطة البيروقراطية بوضوح.

ما تلا ذلك كان توكيدَ سلطة المدن على الريف، ذاك الذي طالبت به المعارضةُ اليسارية لسنوات. وقد دفع هذا بعضَ المعارضين السابقين (مثل بريوبراجينسكي وراديك) إلى مصالحة ستالين. غير أنّ هذه السياسة كانت، في روحها، نقيضًا لسياسة اليسار: فقد كان اليسارُ يشدّد على إخضاع الإنتاج الفلاحي للصناعة المملوكة للعمّال في المدن؛ لكن الصناعة في المدن لم تعد مملوكةً للعمّال، بل خضعت لسيطرة بيروقراطيةٍ تمسك بالدولة.

وهكذا صار توكيدُ هيمنة المدينة على الريف توكيدًا لهيمنة البيروقراطية على آخر أجزاء المجتمع الواقعة خارج قبضتها، لا هيمنة الطبقة العاملة على الفلاحين. وقد فُرِضت هذه الهيمنة بكلّ ما عرفتْه الطبقاتُ الحاكمة دومًا من شراسة: لم يقتصر الأمر على الكولاك، بل طال جميعَ درجات الفلاحين، وقُرىً بأكملها عانت. وهكذا كان «الانعطاف اليساري» عام 1928 تصفيةً نهائيةً لثورة 1917 في المدينة والريف معًا.

لا شكّ أنه بحلول 1928 كانت طبقةٌ جديدة قد أمسكت بالسلطة في روسيا. ولم تحتج هذه الطبقةُ إلى صدامٍ عسكريّ مباشرٍ مع العمّال كي تستولي على السلطة، لأن سلطةَ العمّال المباشرة كانت قد زالت منذ 1918. لكنها احتاجت إلى تطهير الحزب الذي بقي ممسكًا بالسلطة من كلّ من احتفظ -ولو بخيطٍ واهٍ- بصلةٍ بالتقليد الاشتراكي. ولمّا واجهتها طبقةٌ عاملةٌ متجدّدة لاحقًا، في برلين أو بودابست، أو في روسيا نفسها (كما في نوفوتشِركاسك 1962)، استعملت الدبابات التي لم تحتج إليها عام 1928.

كانت المعارضةُ اليسارية بعيدةً عن الوضوح التام بشأن ما تقاتل ضده. فقد ظلّ تروتسكي — حتى مماتِه — يرى أن جهازَ الدولة الذي لاحقه واغتاله «جهازُ دولةٍ عماليةٌ متدهورة». ومع ذلك، كانت تلك المعارضةُ وحدها مَن ناضلت يومًا بيوم ضد تدمير البيروقراطية الستالينية للثورة في الداخل ومنعها الثورةَ في الخارج. [14] وعلى مدى فترةٍ تاريخيةٍ كاملة، كانت هي من قاوم التشويهات التي أحدثتها الستالينيةُ والديمقراطيةُ الاجتماعية في الحركة الاشتراكية. وقد زادت نظريتُها الخاصة عن روسيا من صعوبة مهمّتها، لكنها أدّتها مع ذلك. ولهذا، فإن أيَّ حركةٍ ثوريةٍ حقيقيةٍ اليوم لا بُدّ أن تضع نفسها ضمن ذلك التقليد.

« السابق التالي »