التروتسكية بعد تروتسكي
الفصل الأول: تحديد المشكلة
يقول ماركس وإنجلز في “البيان الشيوعي”: إن على الشيوعيين أن يستخلصوا أفكارهم من الخبرة التاريخية والأممية للطبقة العاملة. هذه الخبرة متغيرة ومتطورة على الدوام، وبالتالي تتغير الماركسية هي أيضًا بصورة لا تنقطع، واللحظة التي تكف فيها عن ذلك هي لحظة موتها. يجري التطور التاريخي ببطء أحيانًا، والأغلب على نحو يصعب إدراكه لكن أحيانًا تكون هذه المتغيرات جذرية وحاسمة. وبناء عليه، هناك بعض التحولات السريعة والمفاجئة في تاريخ الماركسية. على سبيل المثال، لا يمكن فهم الانطلاقة الكبرى التي حققها “البيان الشيوعي” لدى صدوره دون وضع ثورة 1848 التالية عليه في الاعتبار.
تمثلت نقطة تحول أخرى في كميونة باريس1871، التي ألهمت ماركس ليكتب في “الحرب الأهلية في فرنسا” أنه “الطبقة العاملة لا يمكنها الاستيلاء على آلة الدولة القديمة واستخدامها لبناء الاشتراكية” (1). لقد جادل بأن على الطبقة العاملة أن تحطم جهاز الدولة الرأسمالية، وأن تبني دولة جديدة دون قوة شرطية أو جيش نظامي أو بيروقراطية، دولة يُنتخب فيها كل المسئولين ويكونون قابلين للاستدعاء والاستبدال على الفور ويتلقون نفس أجور العمال الذين يمثلونهم. لم يذكر “البيان الشيوعي” أيًا من ذلك. ولكننا هنا نجد أن ماركس قد تعرف على السمات المركزية للدولة العمالية. لم يتوصل إلى هذه الاستنتاجات من جلسات الدراسة المكثفة في قاعة المتحف البريطاني، بل نبع فهمه هذا من حركة العمال الباريسيين الذين استولوا على السلطة لـ 74 يومًا وأظهروا كيف تكون الدولة التي تؤسسها الطبقة العاملة.
وبالمثل، تعد نظرية “الثورة الدائمة” لتروتسكي نتاجًا للثورة الروسية عام 1905. جادلت هذه النظرية بأن البرجوازية في البلدان المتأخرة ضعيفة التطور، كونها متأخرة النشوء، كانت أجبن وأكثر محافظة من أن تتمكن من حسم المهمات البرجوازية الديمقراطية مثل الظفر بالاستقلال الوطني وتطبيق الإصلاح الزراعي، لا يمكن إنجاز هذه المهمات إلا من خلال ثورة بقيادة الطبقة العاملة على رأس جماهير الفلاحين. وفي أثناء عمل الثورة العمالية على حل هذه المشكلات، فإنها سوف تتجاوز الحدود الضيقة لمفاهيم الملكية البرجوازية، ويؤدي بها ذلك إلى تأسيس دولة عمالية.
لم تكن الفكرة القائلة بأن البرجوازية قوة معادية للثورة وأن الطبقة العاملة سوف تقود الفلاحين مجرد تصور انبثق تلقائيًا من دماغ تروتسكي وعقله اللامع، بل أنه اكتشف ذلك في أرض الواقع في ثورة 1905. أوضحت هذه الثورة في الممارسة العملية كيف ناضل العمال وليس البرجوازية، لإطاحة القيصرية والتحكم الديمقراطي في المجتمع. حتى أن بترو جراد، العاصمة التي وقعت في مركز الثورة، طورت أجهزة الدولة العمالية – مجالس عمالية أو سوفييتات. نبعت تطويرات أخرى في الماركسية، على يد شخصيات بارزة مثل لينين ولوكسمورج، أيضًا من الخبرة التاريخية، مثل كتاب لوكسمبرج الرائع عن الإضراب الجماهيري، الذي كان هو الآخر نتاجًا لنضالات في روسيا وبولندا في 1905.
وقعت انعطافة جديدة حين حاول ستالين محو تراث الثورة البلشفية، وكان تروتسكي هو مَنْ تصدَّر الدفاع عنها. هذا ما كان يفعله بجدارة حتى مقتله في 1940. بيد أنه، بعد ما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، واجهت الأممية الرابعة، التي أسسَّها تروتسكي نفسه، تحديًا جديدًا وحاسمًا – كيف يمكن التعاطي مع موقف مختلف جذريًا عن ذلك الذي تصوره مؤسسها؟ أسفر هذا السؤال عن صعوبات خاصة، لأن الحركة آنذاك قد حُرمت من ذلك المفكر العملاق الذي قادها من قبل.
تكهنات تروتسكي
طرح تروتسكي قبل مقتله عددًا من التوقعات الخطيرة، التي اصطدمت أربعة منها بواقع تطورات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
1. توقع أن النظام الستاليني في روسيا لن ينجو من الحرب. وهكذا في مقالة كتبها تروتسكي في 1 فبراير 1935 بعنوان “الدولة العمالية والتروميدور والبونابرتية”، جادل بأن الستالينية، بوصفها شكل من أشكال البونابرتية، “لا يمكن أن تحافظ على نفسها طويلًاً”، مشبهًا إياها بـ “كتلة ترتكز على قمة هرم، ولابد على أي حال أن تتدحرج على جانب أو آخر”، وبالتالي فإن “انهيار النظام الستاليني أمر حتمي” (2).
قد تتمثل إحدى النتائج في استعادة الرأسمالية في أطروحة “الحرب والأممية الرابعة” (10 يونيو 1934)، كتب تروتسكي أن “في حالة حرب مطولة مصحوبة بسلبية من جانب البروليتاريا العالمية، فإن التناقضات الاجتماعية الداخلية في الاتحاد السوفييتي ستؤدي إلى ثورة مضادة برجوازية بونابرتية، بل سيكون عليها أن تؤدي إلى ذلك” (3).
وفي 8 يوليو 1936، طرح سيناريو بديل، إذ كتب: “سيتمكن الاتحاد السوفييتي من الخروج من حرب دون هزيمة بشرط واحد، وهو أن يتلقى العون من الثورة في الغرب أو في الشرق. لكن الثورة الأممية، التي هي الطريق الوحيد لإنقاذ الاتحاد السوفييتي، ستكون في الوقت نفسه هي الضربة القاضية في وجه البيروقراطية السوفييتية” (4).
بصرف النظر عن المنظور الذي وضعه تروتسكي في اعتباره، من الواضح أنه كان مقتنعًا تمامًا بعدم استقرار النظام الستاليني “إلى درجة أنه كتب في مقالة بعنوان: الاتحاد السوفييتي في الحرب”، 25 سبتمبر 1939، أن “رؤية النظام الروسي باعتباره نظامًا طبقيًا مستقرًا من شأنها أن تضعنا في موقف مثير للسخرية، لأنه في ذلك الوقت لم تكن تفصلنا إلا سنوات قليلة، أو حتى شهور قليلة، عن سقوطه “المشين” (5).
كانت الحقيقة على أرض الواقع بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مختلفة بالكلية. لم يتداعَ النظام الستاليني، بل ازداد قوة بعد العام 1945 متوسعًا في أوروبا الشرقية.
2. اعتقد تروتسكي أن الرأسمالية تعيش أزمتها النهائية. وعليه، لا يمكن للإنتاج أن يتوسع، ومن ثَمَّ لا يمكن أيضًا أن تجري إصلاحات اجتماعية مهمة أو يتحسن مستوى معيشة الجماهير. كتب تروتسكي في “احتضار الرأسمالية ومهمات الأممية الرابعة” (1932) أن العالم الغربي كان:
“في عصر الرأسمالية المتحللة، حيث لا مجال بشكل عام للنقاش حول إصلاحات اجتماعية ممنهجة ورفع مستوى معيشة الجماهير… حيث كل مطلب جاء للبروليتاريا، وحتى كل مطلب جاء للبرجوازية الصغيرة، يتجاوز حتمًا حدود علاقات الملكية الرأسمالية والدولة البرجوازية” (6).
غير أن الرأسمالية العالمية ما بعد الحرب لم تقع في شرك الركود والتحلل العام. على العكس، تمتعت الرأسمالية الغربية بتوسع هائل النطاق، وبالتوازي مع ذلك شهدت الإصلاحية انتعاشًا كبيرًا. وكما أشار مايك كيدرون، فإن “النظام ككل لم يشهد نموًا سريعًا كهذا لفترة طويلة كهذه كما حدث بعد الحرب -أسرع مرتين في الفترة من 1950 إلى 1964 مما كان في الفترة من 1913 إلى 1950” (7).
ونتيجة لذلك، لم تتدهور قوى الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الشيوعية، بل نهضت في ما بعد الحرب أقوى من حيث الأعداد والدعم الجماهيري من ذي قبل. لقد انتعشت الإصلاحية على قاعدة ارتفاع مستوى المعيشة.
في بريطانيا على سبيل المثال، مثلت حكومة أتلي ذروة الإصلاحية. لم تكن تلك الحكومة، التي تشكلت في العام 1945 أول حكومة أغلبية لحزب العمال فحسب، بل لقد بلغت أعلى نقطة يصل إليها الحزب في تاريخه. وبمعزل عن الأساطير المتعلقة بحكومة حزب العمال 1945 – 1951، ما من شك أنها كانت أكفأ حكومة إصلاحية شكًلها الحزب من ضمن جميع حكوماته على الإطلاق.
في ظل حكومة أتلي، كان العمال وعائلتهم يتلقون أجورًا أفضل مما قبل الحرب. حافظت الحكومة على مستوى مرتفع من الإنفاق على الخدمات الاجتماعية، وبينما ظلت أشكال الدعم على الغذاء مثبتة في ميزانية أبريل 1949 عند 465 مليون جنيه إسترليني، كان ذلك ما يزال مبلغًا كبيرًا ساهم بالكثير في خفض تكلفة معيشة العمال. وبالطبع كان التوظيف الكامل ومعدلات التضخم المعتدلة نسبيًا أمورًا إيجابية للغاية في حياة العاملين بأجر.
كان أحد العوامل التي ضمنت التأييد الجماهيري لهذه الحكومة هو التوظيف الكامل. خلال ولاية الحكومة، انخفض مستوى البطالة إلى حد متدنِ للغاية (باستثناء في فترة أزمة الوقود في شتاء 1947 حيث بلغت نسبة 3%). كانت هناك زيادة قدرها 3.5 مليون عامل في التوظيف في يونيو 1951 عما كان قبل ذلك بست سنوات (8).
ظلت شعبية حكومة حزب العمال مرتفعة في الأوساط العمالية، ولم يفقد الحزب في 43 انتخابات فرعية إلا مقعد واحد فقط. وعلاوة على ذلك، حصد الحزب في الانتخابات العامة في أكتوبر 1951 أعلى عدد من الأصوات يمكن أن يحققها حزب واحد على الإطلاق -13 مليون و948 ألفًا و605 صوتًا، أي 49.8% من إجمالي الأصوات. فقط ثغرات النظام الانتخابي هي التي منحت حزب المحافظين أغلبية في البرلمان. حافظت إصلاحية حزب العمال على الدعم الجماهيري حتى رغم التقشف في الداخل والحروب في الخارج (9).
ولم تكن بريطانيا مجرد استثناء. كانت مستويات المعيشة تتحسن عبر أرجاء أوروبا. صار التوظيف الكامل أو شبه الكامل هو السائد في أوروبا. كانت إصلاحات ممنهجة تجري هنا وهناك، ولم تخبو جذوة الأحزاب الإصلاحية الجماهيرية. استقرت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في الحكم لفترة طويلة في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا والنرويج والدنمارك والسويد، وغيرها من البلدان.
3. باستخدام نظرية الثورة الدائمة، جادل تروتسكي بأنه في البلدان المتأخرة وضعيفة التطور، لا يمكن إنجاز المهمات البرجوازية الديمقراطية -التحرر الوطني والإصلاح الزراعي -إلا على يد سلطة الطبقة العاملة.
هذه أيضًا دحضته الأحداث على أرض الواقع. في الصين، أكثر بلدان العالم اكتظاظًا بالسكان، قاد ماو حزبًا ستالينيًا منفصل بالكامل عن الطبقة العاملة، لتوحيد البلد وانتزاع الاستقلال عن الإمبريالية وفرض إصلاحات زراعية. وجرت عمليات مشابهة في بلدان أخرى مثل كوبا وفيتنام.
4. وأخيرًا، لو كانت التكهنات أعلاه قد أثبتت صحتها فعليًا، لما كان هناك أي مستقبل للستالينية أو الإصلاحية، بل لكان هذا المستقبل قد فتح أبوابه على مصراعيها أمام تطور فائق السرعة للأممية الرابعة. على هذا الأساس كان تروتسكي واثقًا للغاية من المستقبل الزاهر الذي ينتظر أمميته في غضون سنوات قليلة. وفي 10 أكتوبر 1938، كتب: “أصبحت البشرية أفقر مما كانت قبل 25 سنة، في حين صارت وسائل التدمير أقوى بما لا يُقاس. في الشهور الأولى من الحرب، سيتولد في أوساط جماهير العمال رد فعل عاصف ضد ستائر دخان الشوفينية. وإلى جانب الفاشية، سيكون أول ضحايا رد الفعل هذا هم أحزاب الأمميتين الثانية والثالثة. سيكون انهيارهم هو الشرط الضروري لحركة ثورية حازمة لن تجد محورًا آخر تتبلور حوله غير الأممية الرابعة. سيقود كوادرها المخضرمون الكادحين إلى الهجوم العظيم” (10).
كان تروتسكي قد صرح بالفعل بأنه: “بينما يجري الاحتفال بمئوية البيان الشيوعي (أي في العام 1948)، ستكون الأممية الرابعة قد أصبحت القوة الثورية الحاسمة على ظهر كوكبنا” (11).
وفي 18 أكتوبر 1938، في خطبة بعنوان: “تأسيس الأممية الرابعة”، شدد تروتسكي على هذه الفكرة، قائلًا: “عشر سنوات! فقط عشر سنوات! اسمحوا لي بأن أختم حديثي بالتوقع التالي. خلال الـ 10 سنوات المقبلة سيصبح برنامج الأممية الرابعة مرشدًا للملايين، وستعرف هذه الملايين الثورية كيف تدك السماء والأرض” (12).
تثبت التعليقات المتكررة على هذا النسق حقيقة أن تصريحات تروتسكي حول الانتصار السريع للأممية الرابعة لم تكن ملاحظات عابرة، بل خطًا ثابتًا ظل يحافظ عليه حتى مقتله.
للأسف، لم يثبت هذا التكهن نفسه هو الآخر، لأن توقعات بشأن روسيا، والرأسمالية الغربية، والعالم الثالث، دحضها الواقع الفعلي للأحداث بعد 1945. لم يتبقَ للأممية الرابعة غير مجال محدود للغاية، فقد ظلت المنظمات التروتسكية ضئيلة بشدة وذات نفوذ ضيق بصورة بائسة في صفوف الطبقة العاملة.
مكانة تروتسكي في الماركسية
لعل ملاحظة تمهيدية ضرورية هنا بشأن الطريقة التي لابد لنا نحن التروتسكيين أن ننظر بها إلى تروتسكي لقد كان عملاقًا سياسيًا: منظم ثورة أكتوبر، وقائد الجيش الأحمر، وقائد الأممية الشيوعية -مع لينين.
ومرة بعد أخرى، أظهر تروتسكي -في التعامل مع الأوضاع المختلفة سواء في بريطانيا 1926 أو الثورة الصينية 1925-1927، أو ألمانيا وقت صعود النازية، أو فرنسا 1936، أو إسبانيا 1931-1938- قدرة مذهلة على تحليل المواقف المعقدة، وتوقع التطورات المستقبلية، وطرح الإستراتيجية المطلوبة.
كثيرًا ما كانت كلمات تروتسكي نبوئية، ولقد صمدت تحليلاته ببراعة في اختبار الزمن في الكثير من الجوانب. لم يضاهه أحد من المفكرين الماركسيين العظام في قدرته على استخدام النهج المادي التاريخي، أو على النسج بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ورؤية علاقة هذه العوامل بنفسية الملايين من الناس، وفهم أهمية العامل الذاتي – دور أحزاب العمال وقادة العمال في الأحداث الكبرى (13). يسمو كتابه “تاريخ الثورة الروسية” فوق أي كتاب ماركسي آخر في التاريخ. أنه في حد ذاته صرح فني وتحليلي ذو ثراء وجمال غير مسبوقين (14).
تعد كتابات تروتسكي بين 1928 و1940 -المقالات والمقالات المطولة والكتب عن التطورات في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا- من بين أروع الكتابات الماركسية على الإطلاق. إنها في نفس منزلة أفضل كتابات كارل ماركس التاريخية “18 من برومير لويس بونابرت” و”النضال الطبقي في فرنسا”. لم يقتصر تروتسكي نفسه على تحليل الأوضاع، بل قدًم أيضًا خطًا واضحًا لحركة البروليتاريا. هو من حيث الإستراتيجية والتكتيك، فإن كتاباته بمثابة مرشد ثوري يضاهي في قيمته أفضل ما أنتجه لنا لينين.
أحد الأمثلة على ذلك، وهو درة تاج كتابات تروتسكي، هو مخطوطاته عن ألمانيا في السنوات السابقة على صعود هتلر للسلطة. كانت ألمانيا في ذلك الوقت تتمتع بأهم حركة للطبقة العاملة في العالم أجمع. كانت على أعتاب ركود عميق وأزمة اجتماعية، شكلتا خلفية النمو السريع للحركة النازية. حشد تروتسكي كل طاقته ومعرفته في مواجهة ذلك. كتب في تلك الفترة عددًا لا يُحصى من الكتيبات والكراسات والمقالات التي تحلل الوضع الألماني، والتي هي من أروع ما سطر قلمه.
هذا التركيز شديد التكثيف في مسار الأحداث لا نظير له في أي كتابات أخرى. لقد حذَّر من الكارثة المحدقة ليس فقط بالطبقة العاملة الألمانية، بل أيضًا بالطبقة العاملة على المستوى الدولي، جراء صعود النازية.
صارت دعوته إلى التحرك الفوري لإيقاف النازيين، ولبناء جبهة متحدة من كل منظمات الحركة العمالية، أكثر وأكثر إلحاحًا، ومن المأساوي أن كتاباته النبوئية لم تجد من يُصغي إليها. لا الحزب الشيوعي ولا الحزب الاشتراكي الديمقراطي اكترث لما قاله تروتسكي. لو كانت التحليلات واقتراحات تروتسكي قد حظت بقبول آنذاك، لكان التاريخ اللاحق للقرن الـ 20 بأكمله قد تغير تمامًا. كان تحليل تروتسكي للأحداث الألمانية مذهلًا بصورة خاصة بالنظر إلى المسافة الطويلة التي تعزل الكاتب عن المشهد الحي لهذه الأحداث. بيد أنه نجح في متابعة الانعطافات والتحولات في مجرى الأحداث على منوال يومي. إن من يقرأ كتاباته في فترة 1930-1933، يلاحظ على الفور ما يمنحه صوابها من انطباع واضح بأن كاتبها لابد أنه كان يعيش في ألمانيا، وليس بعيدًا في برينكيبو التركية (15).
في تلك الأيام المظلمة والمفزعة في الثلاثينيات، كان تروتسكي يبرق أمامنا كنجم يرشدنا الطريق. في ظل التقدم المروع للنازيين، ومحاكمات موسكو الصورية التي أدانت قادة ثورة أكتوبر والحزب البلشفي والكومنترن باعتبارهم عملاء للنازية، كان اعتمادنا الأيديولوجي والعاطفي على تروتسكي عميقًا ومفهومًا. كنا مقتنعين تمامًا، عن صواب وحق، بعبقرية تحليله للموقف الإجمالي والإستراتيجية والتكتيك اللازمين لمواجهته والذين قام هو بتطويرهما.
كيف تعامل التروتسكيين مع الأوضاع بعد الحرب العالمية الثانية؟
كان من المؤلم بشدة حقًا أن يواجه التروتسكيون بعد الحرب حقيقة أن توقعات تروتسكي وتكهناته بشأن مستقبل النظام الستاليني والوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الغرب الرأسمالي، إضافة إلى المجريات في الشرق المتأخر والنامي، لم تثبت صحتها. كان من شأن تكرار كلمات تروتسكي وترديدها بالحرف، مع تجاهل أو تفادي مواجهة الواقع الحي، أن يوجه تكريمًا فائقًا لتروتسكي، لكنه أيضًا يلصق به إهانة مشينة.
إن التعامل مع تروتسكي وكأنه شخص فوق التاريخ يناسب طائفة دينية وليس أنصار اشتراكية علمية؛ أنصار الماركسية. لابد لنا، وإن بقلب مكلوم، أن نتذكر ما يُنسب إلى أرسطو من حديث، حين قال: “أفلاطون عزيز عليّ لكن الحقيقة أعز”.
من المفهوم، ومن الخطأ أيضًا بالطبع، أن قيادة الأممية الرابعة رفضت إلى حد كبير مواجهة حقيقة أن الأحداث دحضت بالفعل التوقعات الرئيسية لتروتسكي. كانت هذه المواجهة شرطًا مسبقًا للإجابة عن سؤال: لماذا لم تتحقق هذه التوقعات؟ إن طرح السؤال الصحيح هو 90% من الإجابة نفسها. كانت ثمار التفاح تتساقط من أشجارها قبل إسحاق نيوتن بكثير، لكن طرحه سؤال “لماذا؟” أدى إلى اكتشاف قانون الجاذبية.
كان لزامًا من أجل تجاوز أزمة التروتسكية أن يواجه المرء الهوة الفاصلة بين توقعات تروتسكي والواقع. وهذا لم يحدث بالضرورة.
لنأخذ التوقع الأول لتروتسكي، مثل ما هو مذكور من قبل، اعتقد تروتسكي أن النظام الستاليني لن ينجو من الحرب، إلا أنه حين استمر ستالين في إحكام سيطرته على روسيا، كان استنتاج جيمس كانون زعيم التروتسكيين في الولايات المتحدة هو أن الحرب هكذا لم تكن قد انتهت بعد!
“توقع تروتسكي أن مصير الاتحاد السوفييتي سيتحدد في الحرب. يظلُّ ذلك قناعةً راسخةً لدينا، نحن فقط لا نوافق بعض الناس الذين يعتقدون، بكل لا مبالاة، أن الحرب انتهت. لقد مرت الحرب فقط بمرحلة واحدة، وهي الآن في عملية إعادة الحشد وإعادة التنظيم لأجل المرحلة. لم تنتهِ الحرب بعد، والثورة التي قلنا إنها سوف تنبثق من رحم الحرب في أوروبا لم تُستبعد من الأجندة. لقد تأجلت أو تأخرت ليس إلا، بالأساس بسبب الافتقار إلى حزب ثوري قوي بما فيه الكفاية” (16).
كانت تلك حالة قصوى من السكولائية. في العصور الوسطى، حين تناقش السكولائيون في ما بينهم حول ما إذا كان الزيت يتجمد في الشتاء، لم يطبقوا الاختبار البسيط بأن يتركوا إناء ممتلئًا بالزيت في الثلج ثم ينتظروا ليروا ما سيحدث، بل أخذوا يبحثون عن اقتباسات من أرسطو حول الأمر.
بعد أحد عشر شهرًا من نهاية الحرب، بات واضحًا حتى لأكثر التروتسكيين عمى أن النظام الستاليني نجا من الحرب. بيد أنهم ظلوا مصممين على أن النظام كان في حالة من التزعزع التام. وهكذا مجلة “الأممية الرابعة” في عددها الصادر في أبريل 1946 أنه: “دون أي خوف في المبالغة، يمكن القول إن الكرملين لم يواجه من قبل قط موقفًا أكثر حرجًا في الداخل والخارج مما يواجهه اليوم” (17).
ولدعم هذا التأكيد، استخدمت المجلة هذه الحكاية الطريفة: “في اجتماع حاشد ترأسه كالينين، نهضت امرأة لتسأله لماذا وكيف يرتدي مثل هذا الحذاء الأنيق اللامع، بينما أبناء الشعب يسيرون حفاة أو ينتعلون أحذية بالية. كان ذلك فعلًا جريئًا بالتأكيد! تشير الواقعة إلى الدرجة التي بلغها السخط وسط الجماهير ضد الامتيازات التي تحظى بها البيروقراطية” (18).
بمعزل عن أن الواقع بعيد كل البعد عن تصوير الحالة الواقعية لروسيا ما بعد الحرب، مثلما أخبرتُ إرنست ماندل، أحد قيادات الأممية الرابعة البارزين، حيث قابلته في سبتمبر 1946 في باريس، فإن هذه القصة كانت قد نُشرت سابقًا قبل وقت طويل من تاريخه. لقد أشارت القصة إلى واقعة حدثت بالفعل منذ أكثر من ربع قرن! غير أن مؤتمر الأممية الرابعة المنعقد في أبريل 1946 واصل التشديد على أنه: “وراء مظهر القوة التي لم يشهد مثلها من قبل، تقبع حقيقة أن الاتحاد السوفييتي والبيروقراطية السوفييتية قد دخلا المرحلة الحرجة من وجودهما” (19).
كان توقع تروتسكي بانهيار الستالينية هو النتيجة التي لا مفر منها لتحليله للطابع الطبقي لروسيا. فإذا كان التوقع خاطئًا، لابد إذًا بالضرورة أن يوضع تحليله الأصلي موضع الشك والتساؤل. وإذا كان الأمر كذلك، فمن الضروري أن يولد تفسير جديد للبيروقراطية الستالينية. ويتمثل أحد الطرق في التعامل مع هذه المهمة في إثارة السؤال حول الطبيعة الطبقية لبلدان أوروبا الشرقية التي استولى عليها ستالين، والتي سرعان ما اُعيد تشكيلها لتصير نسخًا شبه مطابقة لروسيا نفسها.
قبلت الأممية الرابعة رؤية تروتسكي بأن روسيا كانت دولة عمالية، “دولة عمالية منحطة”، دولة عمالية شوهتها بيروقراطية حاكمة. لكن، إذا كانت بولندا أو تشيكوسلوفاكيا والمجر وغيرها من البلدان لها نفس طبيعة روسيا، ألا يتبع ذلك أن ستالين قد جلب ثورة إلى أوروبا الشرقية؟ ألم يكن هو بهذا الشكل ثوريًا وليس معاديًا للثورة؟ لم يكن الأمر كذلك على الإطلاق. في البداية، حلً قادة الأممية الرابعة هذا التناقض ببساطة تامة رغم التشابهات بين الجانبين، كانت دول الكتلة الشرقية رأسمالية بينما روسيا دولة عمالية.
أعلن ماندل في سبتمبر 1946 أن “كل الديمقراطيات الشعبية”، بما فيها يوغوسلافيا، كانت بلدانًا رأسمالية. لم يجلب الستالينيون ثورة إلى أوروبا الشرقية، بل ما جلبوه كانت ثورة مضادة. لنقتبس إذًا ما كتبه فقط عن ألبانيا ويوغسلافيا: “في هذين البلدين، لم يكن على البيروقراطية السوفييتية أن تواصل أي نشاط متماسك معادي للثورة، إذ أخذ الستالينيون من أبناء البلدين هذه المهمة على عاتقهم هم أنفسهم”. لقد شيد الستالينيون في كلا البلدين “جهاز دولة برجوازية” (20).
استمرت الأممية الرابعة على الخط نفسه إزاء أوروبا الشرقية لعامين آخرين. يقول قرار المؤتمر العالمي الثاني للأممية الرابعة، أبريل 1948، بشأن الطبيعة الطبقية للـ “ديمقراطيات الشعبية” (بما فيها يوغوسلافيا)، أن “هذه البلدان تبقي على هيكلها الرأسمالي بصورة جوهرية… وهكذا، بينما تحافظ الدولة في بلدان “الحاجز” على الهيكل البرجوازي والوظائف البرجوازية، فإنها تمثل في الوقت نفسه شكلًا أقصى من البونابرتية”. ويستطرد القرار: “الديمقراطيات الشعبية إنما هي بلدان رأسمالية بأشكال قصوى من البونابرتية والديكتاتورية البوليسية، إلخ. وبالتالي فإن تدمير الرأسمالية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال “الحركة الثورية للجماهير”، التي هي ليست متجسدة في الواقع بعد لأن الثورة تستلزم التدمير العنيف لجهاز الدولة البيروقراطي”. وهكذا لا يمكنك الدفاع عن هذه الدول، لكن عليك أن تنتظر وتراقب “الانهزامية الثورية الأكثر صراحة” (21).
وبعد شهرين، حين أعلن تيتو القطيعة مع ستالين، قلبت الأممية الرابعة موقفها تمامًا، إذ لم تعد تعتبر يوغوسلافيا بلدًا رأسماليًا تحكمه دكتاتورية بوليسية – بونابرتية، بل دولة عمالية حقيقية. وفي 1 يوليو 1948، أصدرت الأمانة الدولية للأممية الرابعة “خطابًا مفتوحًا للحزب الشيوعي اليوغوسلافي”، قالت فيه: “إنكم تحوزون بين أيديكم سلطة وقوة هائلتين إذا حفظتم على المسير في طريق الثورة الاشتراكية”، وذكرت في ختام الخطاب “بشرى المقاومة المنتظرة التي يشنها حزب عمالي ثوري ضد آلة الكرملين…عاشت الثورة الاشتراكية ليوغوسلافيا” (22).
كان ذلك تحليلًا لا يقل ضحالة على الموقف الأول، بل وقد تجاهل هذا التحليل زهوة تيتو وتفاخره أمام المؤتمر الخامس للحزب اليوغوسلافي في 1948 بأنه هو وزملاءه عرفوا جيدًا كيف يتعقبون “الفاشيين التروتسكيين” ويقدمونهم أمام “محاكم الشعب” لينالوا أقصى العقوبات. وكما ذكرت صحيفة “بوربا” في 4 يوليو 1948، فإن:
“حفنة التروتسكيين الذين أظهروا وجههم الحقيقي في الحرب كمتعاونين وعملاء للغزاة، انتهى بهم الحال موصومين بالعار أمام محاكم الشعب” (23).
ومع السهولة التي تتخذ بها تقلبات كهذه، دشن ميشيل بابلو، الأمين العام للأممية الرابعة، الخط الجديد الذي يقضي بأن الكتلة الشرقية التابعة لروسيا ما هي إلا أشكال من دول عمالية بامتياز. قدم بابلو في العام 1949 مفهوم “قرون من الدول العمالية المشوهة” (24). وفي قبل الـ 1954 كتب: “بين التهديد الإمبريالي والثورة العالمية، انحازت البيروقراطية السوفييتية إلى الثورة العالمية” (25). الأكثر من ذلك أنه اعتبر أن البيروقراطية السوفييتية كانت تضع على عاتقه مهمة نزع البيروقراطية، وسوف تستمر في “لبرلة النظام على نحو حقيقي وشامل” (26). صار بابلو بذلك مدافعًا عن الستالينية. لو كان لابد من أن تمضي “قرون من الدول العمالية المشوهة”، فما إذًا الدور المفترض أن تضطلع به التروتسكية أو الثورة العمالية؟ بهذه الطريقة أضحت الستالينية تبدو تقدمية، والتروتسكية عفا عليها الزمن.
كان خوان بوساداس، التروتسكي الأرجنتيني وزعيم أحد فصائل الأممية الرابعة، هو الوحيد الذي تجاوز بابلو في مباركة بلدان مختلفة باعتبارها دولًا عمالية. فبالإضافة إلى بلدان أوروبا الشرقية وكوبا والصين وفيتنام الشمالية وكوريا الشمالية ومنغوليا الخارجية، اكتشف بوساداس مجموعة كاملة من الدول الأخرى بصفتها دولًا عمالية. أعلن قائلا:
“لابد أن تتابع الأممية عن كثب تطور سلسلة من بلدان إفريقيا وآسيا التي تتحول إلى دول عمالية، مثل سوريا ومصر والعراق ومالي وغينيا والكونغو برازافيل… إلخ، من أجل تحديد الوقت الذي يلجئون فيه إلى رحاب الدول العمالية بالفعل”(27).
ومن المدهش أن بوساداس تطلًع بحماس إلى حرب نووية عالمية. لقد دعا الاتحاد السوفييتي إلى ضرب الولايات المتحدة نوويًا. وأعلن مؤتمر استثنائي لأمميته الرابعة في 1962 أن: “الحرب النووية حتمية. ربما ستدمر نصف البشرية، وبالتأكيد ستدمر ثروات بشرية هائلة. هذا ممكن جدًا. سوف تشعل الحرب النووية جحيمًا حقيقيًا على الأرض. لكنها لن تعيق الشيوعية. إن الشيوعية ضرورة ماثلة، ليس بسبب السلعة المادية المنتجة، بل لأنها في وعي البشر. حين تتفاعل البشرية وتعمل بشكل شيوعي، كما هو الحال الآن، ما من قنبلة نووية يمكنها تغيير ما اكتسبه الوعي البشري وتعلمه… يوضح التاريخ، بصورة عنيفة ومتشنجة أن الوقت الباقي للرأسمالية محدود جدًا. وقت بسيط للغاية. يمكن أن نقول بوعي كامل وعلى نحو مؤكد أنه إذا أوفت الدول العمالية بواجبها التاريخي بمساندة الثورات في المستعمرات، فلن يكون أمام الرأسمالية أكثر من 10 سنوات من الحياة. هذا تصريح جسور، لكنه منطقي تمامًا، ليس أمام الرأسمالية أكثر من 10 سنوات من الحياة، إذا دشَّنت الدول العمالية مساندتها للثورات في البلدان المستعمرة بكل قواها، لن تعيش الرأسمالية أكثر من خمس سنوات، ولن تستغرق الحرب النووية وقتًا طويلًا أبدًا” (28).
نصف البشرية سوف يباد! لكن ذلك ليس بالأمر الجلل، وانتصار الشيوعية مضمون!
“نحن نستعد لمرحلة نناضل فيها من أجل السلطة قبل الحرب النووية، وفي أثنائها نواصل النضال من أجل السلطة وسوف نكون بالفعل في السلطة. ليس هناك بداية ولا نهاية للحرب النووية، لأن هذه الحرب إنما هي ثورة فورية في العالم أجمع؛ ليس سلسلة من التفاعلات الثورية، بل ثورة فورية. ولا تعني الفورية أن تندلع الثورة في اليوم نفسه أو الساعة نفسها، فالأحداث التاريخية العظمى لا يجب أن تُقاس بالساعات أو الأيام، بل بالحقب الزمنية… الطبقة العاملة وحدها هي التي ستحافظ على نفسها، وهي التي ستسعى وحدها إلى التماسك والمركزة… وبعدما يسود الدمار، ستنهض الجماهير في كل البلدان – خلال وقت قصير؛ ساعات قليلة. ولا يمكن للرأسمالية أن تدافع عن نفسها في حرب نووية إلا باللجوء إلى العيش في الكهوف وتدمير كل ما في وسعها تدميره من هناك. أما الجماهير، في المقابل، سيكون عليها أن تخرج، وسوف تخرج، لأن هذا هو الطريق الوحيد للنجاة: إنزال الهزيمة بالعدو… لن تقدر أجهزة الرأسمالية من شرطة وجيش على المقاومة… سيكون من الضروري تنظيم سلطة العمال على الفور” (29).
بهذا المنطق، إذا سقطت قنبلة هيدروجينية على لندن، فإن البقايا المتبقية من الطبقة العاملة، التي يشلها الخوف والعجز، سوف تستولي على السلطة! تحول الأمر كله هكذا من دول عمالية لا سلطة فيها للعمال ولا قول، إلى ثورة عمالية تكون نتيجة للتدمير النووي للعمال! يا له من خبل أيديولوجي! في القرن التاسع عشر، تنحت الاشتراكية الطوباوية جانبًا وحلت محلها الاشتراكية العلمية (الماركسية)، والآن تترك الماركسية مكانها للاشتراكية “الإعجازية”!
لقد جاء مانديل وبابلو وبوساداس من نفس التروتسكية الدوجمائية الجامدة التي تتشبث بكلمات تروتسكي ونصوصه وتفرغها من روحها.
ماذا عن توقع تروتسكي الثاني المتعلق بمصير الرأسمالية العالمية؟ في مواجهة الرخاء المتنامي الذي استمر ليمثل أطول فترة رخاء في تاريخ الرأسمالية، أعلن مؤتمر الأممية الرابعة في العام 1946: “ما من سبب على الإطلاق، مهما كان، للافتراض بأننا أمام فترة جديدة من الاستقرار الرأسمالي والتنمية الرأسمالية… لقد فاقمت الحرب من فوضى الاقتصاد الرأسمالي ودمرت آخر احتمالات تحقيق توازن مستقر في العلاقات الاجتماعية والدولية” (30).
إضافةً إلى ذلك:
“سوف يتسم إنعاش النشاط الاقتصادي في البلدان الرأسمالية التي أضعفتها الحرب، وبالأخص بلدان القارة الأوروبية، بوتيرة بطيئة بصورة خاصة سوف تبقي على الاقتصاد في مستويات تترنح على حافة الركود والتفكك” (31).
أقر المؤتمر أن “الاقتصاد الأمريكي سرعان ما سيشهد رخاءً نسبيًا”، لكن هذا الرخاء سيكون قصير الأمد: “سوف تتجه الولايات المتحدة بعدئذ صوب أزمة اقتصادية جديدة ستكون أعمق وأوسع من أزمة 1929-1933، بتداعيات أكثر تدميرًا بكثير على الاقتصاد العالمي”. أما الآفاق التي تنتظر الرأسمالية البريطانية، فتتمثل في فترة مطولة من المصاعب الاقتصادية العويصة، والتوترات، والأزمات العامة والجزئية”. “إذًا، ماذا عن أحوال الطبقة العاملة عبر العالم؟” سوف تستمر البروليتاريا في العمل في ظل ظروف عمل أسوأ من تلك التي سادت قبل الحرب” (32).
وفقًا لهم، كان من الحتمي في ظل هذه الظروف أن تندلع موجة ثورية صاعدة، لأن:
“مقاومة البروليتاريا تتطلب تحسينات في ظروف حياتهم، تحسينات لا تتوافق مع إمكانية إنعاش الرأسمالية. وإذا لم تولد الحرب في أوروبا نهوضًا ثوريًا بالنطاق والإيقاع الذي نتوقعه، لا يمكن مع ذلك إنكار أنها دمرت التوازن الرأسمالي على الصعيد العالمي، وهكذا تفتح الباب أمام فترة ثورية طويلة” (33).
لقد رأوا أن ركود الرأسمالية العالمية ومعدلات البطالة المرتفعة سوف تخلق وضعًا ثوريًا:
“ما نواجهه اليوم هو أزمة عالمية تتجاوز كل ما عرفناه أو شهدناه من قبل، علاوة على نهوض ثوري عالمي يتطور، بصورة مؤكدة، بإيقاعات متفاوتة في أجزاء مختلفة من العالم، لكنها لا تكف عن ممارسة تأثير متبادل من مركز إلى آخر، وهكذا تفتح أفقًا ثوريًا طويلًا” (34).
في 1946، تنبأت الأممية الرابعة بأن الموجة الثورية ستكون أوسع وأعلى من تلك التي أعقبت الحرب العالمية الأولى:
“في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تميز منحنى النضال الثوري في البداية بصعود موجز بلغ ذروته في ربيع 1919، وتلاه تراجع حاد ومستمر، لم ينقطع إلا بصعود جديد ومقتضب للغاية في 1923”.
أضافت الأممية: “أما هذه المرة، يبدأ منحنى النضال الثوري بنهوض بطيء ومتردد، تقطعه الكثير من التذبذبات أو التراجعات الجزئية، لكن تياره العام يتجه نحو الأعلى. لعل أهمية هذه الحقيقة واضحة. بينما عانت الحركة في ما بعد الحرب العالمية الأولى من البداية من عبء الهزائم، في ألمانيا في المقام الأول، تعاني الحركة الجارية في المقابل من أنها لم تحظ بعد بقوة البروليتاريا كاملة في المعركة. وهكذا فإن الهزائم ليست إلا انتقالية ونسبية في طابعها، ولا تتماشى مع التطورات اللاحقة للأحداث، ويمكن أن تتطور في مسار النضال على نحو يحد منها في مرحلة أكثر تقدمًا” (35).
وإذا لم تسفر الموجة الثورية عن انتصار البروليتاريا، فإن البديل الآخر الوحيد الذي تتصوره الأممية الرابعة هو أن الديمقراطية البرجوازية سوف تُطاح بعد وقت قصير لتحل محلها أنظمة فاشية:
“منذ اللحظة التي تستعيد فيها جهازها القمعي مرة أخرى، ويهدد الظرف الاقتصادي والاجتماعي وجود نظامها، سوف ترد البرجوازية الكبيرة على كل حركة للجماهير البروليتارية بمساهمات مالية أكبر وأكبر للقادة الفاشيين الجدد. والصعوبة الوحيدة التي ستواجههم هنا إنما تتعلق فقط بالاختيار، إذ أننا إذا درسنا الموقف السياسي في بلدان أوروبا العديدة عن كثب، سنجد في المشهد السياسي بالفعل ليس واحدًا، بل العديد من الرموز والزعماء الذين يحتمل أن يكون أي منهم دوريوت أو موسوليني المستقبل. بهذا المعنى، فإن الخطر الفاشي موجود وقائم بالفعل في القارة برمتها” (36).
في 1947، كتب ماندل مقالة توصل فيها إلى الاستنتاجات التالية:
أ. تستمر الأزمات لفترة أطول وتصبح أكثر عنفًا وتحمل معها ركودًا أطول بكثير من فترة الانتعاش والازدهار. لقد ظهرت الرأسمالية الصاعدة في صورة ازدهار طويل تقطعه فواصل قصيرة من الأزمة. أما الرأسمالية المتحللة فتظهر في رداء الأزمة الطويلة التي تقطعها فواصل من الانتعاش الأقصر بكثير والأقل استقرارًا بكثير أيضًا.
ب. تتوقف السوق العالمية عن التوسع على صعيد الكوكب. ما من رخاء يسود أرجاء العالم. إن انقسام السوق العالمية أو التدمير العنيف للمنافسين هو وحده ما يسمح بفترات رخاء كبرى في بلدان رأسمالية بعينها.
ج. يختفي أي تطوير شامل لقوى الإنتاج على صعيد وطني. وحتى خلال فترة “الازدهار”، تتطور فروع معينة فقط على حساب فروع أخرى، ويتوقف التقدم التقني تمامًا أو يندمج بصورة جزئية ضئيلة فقط في الإنتاج.
د. ما من تحسين شامل في مستوى معيشة العمال الصناعيين من انتعاش إلى آخر. وهذا بطبيعة الحال لا يستبعد التحسين النسبي بين الأزمة والانتعاش أو التحسين النسبي للأوضاع المعيشية للعاطلين أو الفلاحين، إلخ، الذين يتحولون في “الانتعاش” إلى عمال صناعيين” (37).
يا له من عالمٍ خيالي!
إن أي شخص يقرأ اليوم، للمرة الأولى، التصريحات السابقة لمندل وبابلو وبوساداس، لابد أنه سوف يُصدم من أن أناسًا عاقلين يمكن أن يحملوا مثل هذه الأوهام في رؤوسهم. ليس هناك من هو أكثر عمى من ذلك الذي يرفض أن يرى بأم عينيه. لقد بذل قادة الحركة التروتسكية جهدًا جهيدًا لتفادي النظر إلى الواقع. ولا يسعى المرء إلا أن يدهش بمجرد أن ينظر إلى الأمر بأثر رجعي. لكن من أجل فهم لماذا رفض القادة التروتسكيون مواجهة الواقع، لابد أن نفهم قدر الألم الذي سببه هذا الواقع لهم، محطمًا الأعمال الكبرى التي عقدوها في نفوسهم. كانت الحركة التروتسكية تتصرف بصورة أشبه بالطوائف المسيحية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، تلك التي تشبثت بالأفكار القديمة للعصور الوسطى في الوقت الذي كان العالم فيه يتفكك وما يزال عالم رأسمالي جديد قيد البناء. كان إحراقهم الساحرات فعلًا غير عقلاني بالمرة، لكن يمكن تفسيره بشكل عقلاني تمامًا.
ومع أنه يمكن فهم دوافع مندل وبابلو وبوساداس، لا يمكن على الإطلاق تبرير هذه الدوافع. بالنسبة للماركسيين، فإن القاعدة رقم واحد هي أنه إذا أردت تغيير الواقع، لابد أن تفهمه. كانت بعثرة صفوف الحركة التروتسكية، ومساراتها المتناقضة، وكذلك انشقاقاتها، نتاجات حتمية لعدم فهم الوضع الحقيقي الذي وجدت فيه الطبقة العاملة نفسها. كان هؤلاء يحاولون رسم طريق على خريطة تجاوزها الزمن تمامًا. لقد دخلت هذه التروتسكية في طريق مسدود. وهذه الأزمة العامة للحركة التروتسكية تطلبت إعادة تقييم جذري للآفاق المطروحة أمام البشرية.
الحفاظ على التروتسكية والانحراف عن حرفية كلمات تروتسكي
لم يكن الرفاق القلائل الذين دشنوا التيار الاشتراكي الأممي على استعداد لاستخدام الماركسية كبديل عن الواقع. على العكس من ذلك، فقد أملوا إلى استخدامها كسلاح يساعدهم على التدخل في الواقع ومحاولة تغييره. في السنوات 1946-1948 كان علينا أن نتصارع مع علامات استفهام شديدة الصعوبة. لقد تعين علينا أن نكون واضحين في أننا نواصل تراثًا طويلًا، في أننا أنصار ماركس ولينين وتروتسكي، لكن علينا أن نواجه أوضاعًا جديدة. كان ذلك استكمالًا بقدر ما كان بداية جديدة. إن التماسك الفكري لا يعني الدوجمائية، وفهم الواقع المتغير لا يعني الغموض. كنا نفهم نقدنا للتروتسكية الأرثوذكسية باعتباره عودة إلى الماركسية الكلاسيكية.
لن تتعاطى المناقشة التالية مع هذه المشكلات على أساس فهمها بعد مرور كل هذا الزمن الطويل. فالرؤى التي تتبلور بعد فوات الزمن غالبًا ما تكون مثالية. سوف نرى في الصفحات التالية كيف نشأت ثلاث نظريات في تفاعل ورد على الأحداث بعد وقت قصير فقط من انتهاء الحرب العالمية الثانية (نظرية رأسمالية الدولة، ونظرية اقتصاد التسلُّح الدائم، ونظرية الثورة الدائمة المنحرفة). وتغطي المساحات الثلاث التي تتعامل معها هذه النظريات (روسيا وأوروبا الشرقية، والبلدان الرأسمالية المتقدمة، والعالم الثالث) العالم بأكمله.
سنتعامل أولًا مع كل قضية بشكل منفصل عن الأخرى. ولاحقًا سيغدو من الممكن إيجاد العلاقة المتبادلة في ما بينهم، وبالتالي تفسير النمط الكلي للتطور. فقط من خلال اعتلاء قمة الجبل يمكن للمرء أن ينظر لأسفل ويرى كيف تتلاقى المسارات المختلفة.
المراجع
1. K. Marx, The Civil War in France (Moscow, 1977)
2. L. Trotsky, Writings 1934-35 (New York, 1974), pp. 181-82.
3. L. Trotsky, Writings 1933-34 (New York, 1974), p. 316.
4. L. Trotsky, Writings 1935-36 (New York, 1974), p. 260.
5. L. Trotsky, In Defence of Marxism (London, 1971), pp. 16-17.
6. W. Reisner (ed.), Documents of the Fourth International (New York, 1973), p. 183.
7. Z. M. Kidron, Western Capitalism Since the War (London, 1970), p. 11
8. T. Cliff and D. Gluckstein, The Labour Party: A Marxist History (London, 1988), p. 227.
9. Ibid., p. 253.
10. L. Trotsky, Writings 1938-39 (New York, 1974), p. 78.
11. L. Trotsky, Writings 1937-38 (New York, 1974), p. 27.
12. L. Trotsky, Writings 1938-39, op. cit., p. 87
13. See T. Cliff, Trotsky: The Darker the Night, the Brighter the Star (London, 1993), p. 198
14. Ibid., p. 383
15. Ibid., p. 109
16. This statement was made in November 1945. See J.P. Cannon, The Struggle for Socialism in the ‘American Century’ (New York, 1977), p. 200
17. Fourth International, April 1946
18. Ibid.
19. Fourth International, June 1946
20. E. Germain (Mandel), The Soviet Union After the War, Fourth International, September 1946
21. Fourth International, June 1948
22. Fourth International, August 1948
23. Quoted in T. Cliff, Neither Washington Nor Moscow (London, 1982), pp. 84-85
24. See the issue of The Class Nature of Yugoslavia, published in the October 1949 issue of International Information Bulletin.
25. Internal Bulletin of the LSSP Ceylan, April 1954, p. 7.
26. Ibid., p. 15.
27. Robert J. Alexander, International Trotskyism (Durham and London, 1991) p. 664.
28. Ibid., p. 334.
29. Ibid., pp. 663-664.
30. Fourth International, June 1946.
31. Ibid.
32. Ibid.
33. Ibid.
34. Ibid.
35. E. Germain (Mandel), The First Phase of the European Revolution, in Fourth International, August 1946.
36. E. Germain (Mandel), Problems of the European Revolution, in Fourth International, September 1946
37. E. Germain (Mandel). From the ABC to Current Reading: Boom, Revival or Crisis? A refutation of Mandel’s attempt to deny the evidence of economic recovery was carried out by T. Cliff in an article called All that Glitters is not Gold reprinted in T. Cliff, Neither Washington Nor Moscow, op. cit., pp. 24-39






