بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التروتسكية بعد تروتسكي

« السابق التالي »

الفصل الثاني: رأسمالية الدولة

كيف نجا النظام الستاليني من الحرب؟ ما هي طبيعة “الديمقراطيات الشعبية” في أوروبا الشرقية؟ ما الذي يشير إليه إنشاء هذه الأنظمة بالنسبة لطبيعة النظام الستاليني؟ تطورت نظرية رأسمالية الدولة من محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة. ولقد حددت الإجابات روسيا الستالينية باعتبارها رأسمالية دولة.

كانت أول وثيقة كتبها مؤلف هذا الكتاب عرَّفت روسيا باعتبارها رأسمالية دولة، وثيقة طويلة ومزدوجة من 142 صفحة، كتبت في العام 1948، بعنوان “الطبيعة الطبقية لروسيا الستالينية”. غير أنه، من أجل فهم ميلاد هذه النظرية، من المفيد الالتفات إلى “الديمقراطيات الشعبية”، تلك البلدان التي استولى عليها الجيش الروسي في أواخر الحرب العالمية الثانية. قال نابليون ذات مرة: “الجيش بالخارج هو الدولة في حالة حراك”، وينطبق هذا القول المأثور تمام الانطباق على بلدان مثل بولندا والمجر، التي لم تكن حكومتهم سوى امتدادات للدولة الروسية. وبالتالي فقد منحت دراسة هذه البلدان رؤية ثاقبة للنظام في “البلد الأم”.

رغم أنه يمكن رؤية شكل روسيا الستالينية بوضوح من خلال عدسة “الديمقراطيات الشعبية”. فقد صيغت الحجج الداعمة لذلك كتابيًا فقط بعد صدور “الطبيعة الطبقية للديمقراطيات الشعبية”. تمثلت نقطة الانطلاق في أنه إذا كانت دول أوروبا الشرقية دولًا عمالية حقًا، فلابد إذًا أن ثورة اجتماعية قد اندلعت بالفعل لتؤسس هذه الدول. وبالعكس أيضًا، فإذا لم تكن هناك ثورة اجتماعية، فلابد من إعادة تقييم دول أوروبا الشرقية.

تمحورت المناقشة حول نظرية ماركس ولينين عن الدولة. كثيرًا ما كرر ماركس فكرة أن السيادة السياسية للطبقة العاملة شرط مسبق لسيادتها الاقتصادية. لا يمكن للعمال أن يتملكوا وسائل الإنتاج جماعيًا -أي أن يصبحوا هم الطبقة الحاكمة اقتصاديًا- إذا لم تقع الدولة التي تمتلك وتتحكم في وسائل الإنتاج بين أيديهم، وبعبارة أخرى: ما لم تحوز البروليتاريا السلطة السياسية.

تختلف البروليتاريا في هذا الصدد اختلافًا جوهريًا عن البرجوازية. تتمتع البرجوازية بالملكية المباشرة للثروة، وبالتالي أيًا كان شكل الحكومة، فإن البرجوازية تظل في الطبقة الحاكمة ما لم تُصادر أملاكها. يمكن للرأسمالي أن يمتلك في ظل نظام ملكي إقطاعي، أو في ظل جمهورية برجوازية، أو تحت حكم روبسبير أو هتلر أو تشرشل أو أتلي. في المقابل، ينفصل العمال عن وسائل الإنتاج، وهذه هي الحقيقة التي تجعل منه عبيدًا مأجورين؛ أي عبيد يعملون بأجر. وإذا طرأ أمر ما، فالدولة هنا هي التي تحمي وسائل الإنتاج. وطالما أن هذه الدولة مغتربة تمامًا عن الطبقة العاملة، فلا يمكن لهذه الطبقة أن تصير هي الحاكمة (38).

لعل قليلًا من الاقتباسات من بعض كبار المفكرين الماركسيين يمكنها توضيح هذه النقاط. يقول “البيان الشيوعي”: “إن أول خطوة للطبقة العاملة في الثورة هي أن ترفع نفسها إلى مصاف الطبقة الحاكمة، أن تظفر بمعركة الديمقراطية. سوف تستخدم البروليتاريا سيادتها السياسية لكي تنتزع، درجةً بعد أخرى، كل رأس المال من البرجوازية، ولكي تمركز كل أدوات الإنتاج في أيدي الدول، أي في أيدي البروليتاريا المنظمة باعتبارها الطبقة الحاكمة” (39).

إن الثورة البروليتارية هي لحظة انتصار “معركة الديمقراطية” والدولة العمالية هي “البروليتاريا المنظمة باعتبارها الطبقة الحاكمة”. فكيف إذًا يمكن لـ “ثورة اجتماعية” ستالينية مفروضة من الخارج تمامًا بقوة الدبابات الحمراء أن تلائم المفهوم الماركسي لدور وعي الطبقة البروليتارية في الثورة؟

لقد كرر ماركس مئات المرات أن الثورة البروليتارية تنجم من الفعل الواعي للطبقة العاملة نفسها. وبالتالي إذا قبلنا بـ “الديمقراطيات الشعبية” باعتبارها دولًا عمالية، فإننا بذلك ندحض ما قاله ماركس وإنجلز عن الثورة الاشتراكية بصفتها “التاريخ الواعي بذاته” الأمر نفسه ينطبق على قول إنجلز:
“فقط انطلاقًا من هذه النقطة (أي الثورة الاشتراكية)، يمكن للبشر، بوعي كامل، أن يشكلوا تاريخهم الخاص. فقط انطلاقًا من هذه النقطة، تسفر القضايا الاجتماعية التي يحركها البشر… عن آثار يرغب فيها هؤلاء البشر أنفسهم. إنها قفزة البشرية من مملكة الضرورة إلى ملكوت الحرية” (40).

لابد أن روزا لوكسمبرج أيضًا كانت مخطئة في تلخيصها لمثل ما كتبه الرواد الماركسيون عن دور ومكانة الوعي البروليتاري في الثورة:
“في كل صراعات الماضي الطبقية، التي دارت رحاها لمصلحة الأقلية، والتي جرى فيها، بحسب كلمات ماركس، كل التطورات ضد الجماهير العظمى للشعب، كان أحد الشروط الجوهرية للحركة هو غفلة هذه الجماهير عن الأحداث الحقيقية للصراع أو مضمونه المادي، وحدوده. هذا التضارب وهو في حقيقة الأمر القاعدة التاريخية الخاصة لـ “الدور القيادي” للبرجوازية “المتنورة”، الذي يتوافق مع دور الجماهير كأتباع خانعين. لكن، كما كتب ماركس قبل وقت طويل في 1895، “بينما تتعمق الحركة التاريخية، لابد أن أعداد الجماهير المنخرطة في هذه الحركة تتعاظم”. إن النضال الطبقي للبروليتاريا هو الحركة التاريخية “الأعمق” من بين كل الحركات التاريخية إلى يومنا هذا، إنها تتضمن كل الشرائح الدنيا من الشعب، ومنذ اللحظة التي انقسم فيها المجتمع إلى طبقات فإن هذه هي أول حركة تتوافق مع المصالح الحقيقية للجماهير. وهذا هو السبب الذي يجعل تنوير الجماهير فيما يتعلق بمهمتهم وأساليبهم شرطًا تاريخيًا لا بديل عنه للحركة الاشتراكية، تمامًا مثل ما كانت غفلة الجماهير في حقب سابقة شرطًا لحركة الطبقات المهيمنة” (41).

لقد سعى مندل وبابلو إلى الالتفاف حول هذه المشكلة بالحديث عن “المسار البيسماركي لتطور الثورة البروليتارية” مقارنين ذلك بالطريق الذي اتخذته الرأسمالية الألمانية للنمو في ظل الحكم السياسي لمستشار القيصر (بيسمارك) وملاك الأرض القدامى (اليونكرز). كان هؤلاء التروتسكيون يطمحون إلى إثبات الثورة البروليتارية الاجتماعية يمكن إنجازها دون حركة ثورية للبروليتاريا نفسها، بل على يد بيروقراطية دولة تتمتع بـ “زخم من تلقاء ذاتها”. إذا أمعنا النظر في هذه الفكرة، نجدها تؤدي إلى أكثر الاستنتاجات إدهاشًا على الإطلاق. صحيح أن البرجوازية أخذت السلطة بالكثير من الطرق المتنوعة، إلا أنه في الحقيقة هناك حالة واحدة فقط شنوا فيها نضالًا ثوريًا إلى النهاية ضد الإقطاعية، وهذه الحالة هي فرنسا بعد 1789. في إنجلترا، عقدوا المساومات مع ملاك الأرض الإقطاعيين. وفي ألمانيا وإيطاليا وبولندا وروسيا والصين وأمريكا الجنوبية، اعتلوا السلطة دون نضال ثوري. وفي أمريكا، فإن الغياب شبه التام لبقايا الإقطاع مكَّن البرجوازية من تفادي تدشين النضال الثوري ضد هذا الإقطاع من الأصل.

لم يكن المسار “البيسماركي” استثناء بالنسبة للبرجوازية، بل كان في الأغلب هو القاعدة. فرنسا كانت هي الاستثناء. إذا كانت الثورة البروليتارية لا تتحقق بالضرورة من خلال نشاط الطبقة العاملة نفسها، بل عبر بيروقراطية دولة، إذًا فالثورة الروسية حتمًا هي الاستثناء، بينما المسار “البيسماركي” هو القاعدة. ويصبح الاستنتاج هكذا هو أن ما من حاجة إلى قيادة ثورية مستقلة (بواسطة التروتسكيين أنفسهم).

علاوة على ذلك، صعدت البرجوازية بالأساس من خلال تعبئة الجماهير ثم خداعهم -سواء في حالة المعدمين الفرنسيين أو جنود بيسمارك. إذا كان من الممكن تدشين ثورة بروليتارية بهذه الطريقة، أي بأقل مقاومة ممكنة، فسوف يختار التاريخ مسار الثورة على يد أقليات صغيرة تخدع الأغلبيات الكبيرة (42).

اختتمت وثيقة الطبيعة الطبقية للديمقراطيات الشعبية” بالإشارة إلى أنه رغم تكرار قيادات الأممية الرابعة الاستنتاجات الماركسية الأساسية وترديدهم إياها (تحرير الطبقة العاملة لا يمكن أن يتحقق إلا على يد الطبقة العاملة نفسها والعمال لا يمكن أن يضعوا أيديهم على آلة الدولة البرجوازية بل لابد أن يحطموها ويشيدون دولة جديدة قائمة على الديمقراطية البروليتارية، إلخ)، فإنهم واصلوا تعريفهم لـ “الديمقراطيات الشعبية” بأنها دول عمالية.

يكمن السبب وراء ذلك في تصور روسيا باعتبارها دولة عمالية منحطة. إذا كانت روسيا فعلًا دولة عمالية، رغم أن العمال كانوا منفصلين عن وسائل الإنتاج، وليس لهم أي قول في إدارة الاقتصاد والدولة، وعاشوا خاضعين لأكثر أجهزة الدول البيروقراطية والعسكرية وحشية، فما من سبب على الإطلاق لماذا لا يتوجب على الثورة العمالية التي تؤسس دولًا عمالية جديدة أن تفعل ذلك بدون النشاط المستقل والواعي للطبقة العاملة وبدون تحطيم أجهزة الدول البيروقراطية والعسكرية القائمة. كان ليصبح هكذا من الكافي أن تتمكن البيروقراطية من مصادرة أملاك البرجوازية بينما تبقي على العمال “في مكانهم” خلال الانتقال من الرأسمالية إلى الدولة العمالية.

حسنًا، إذا كانت نظرية الماركسية – اللينينية للثورة قد قُلبت رأسًا على عقب عندما اعتبرنا أن “الديمقراطيات الشعبية” هي شكل من أشكال الدولة العمالية، فماذا عن طبيعة هذه الدولة العمالية نفسها؟ (43).

تمثلت نقطة الانطلاق في تحليل هذه القضية في الفحص الدقيق لتعريف تروتسكي لروسيا كدولة عمالية منحطة. هل يمكن لدولة لا تقع تحت سيطرة العمال أن تكون دولة عمالية؟

نجد في كتابات تروتسكي تعريفين مختلفين، بل ومتناقضين للدولة العمالية. وفقًا لأحدهما، فإن معيار الدولة العمالية هو ما إذا كانت البروليتاريا تتحكم بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى وإن كان محدودًا، في سلطة الدولة، أي ما إذا كانت البروليتاريا بإمكانها التخلص من البيروقراطية من خلال الإصلاح وحده، دون الحاجة إلى ثورة. في العام 1931، كتب تروتسكي:

“إن تعريف الدولة السوفييتية الراهنة على إنها دولة عمالية لا يشير إلى أن البرجوازية لا يمكنها الظفر بالسلطة بأية طريقة أخرى غير الانتفاض المسلح فحسب، بل إن بروليتاريا الاتحاد السوفيتي لم تخسر بعد احتمال أن تقوم بإخضاع البيروقراطية لنفسها، أو أن تراجع سياسات الحزب مرة أخرى، أو أن تقوم بإصلاح النظام الديكتاتوري بدون ثورة جديدة، بل بأساليب الإصلاح وفي مسار الإصلاح” (44).

عبَّر تروتسكي عن الفكرة بوضوح أكبر في خطاب ربما كُتب في أواخر العام 1928، ردًا على سؤال “هل انحطاط جهاز وسلطة السوفييت حقيقة؟”:
“ما من شك في أن انحطاط جهاز السوفييت بلغ مرحلة متقدمة أكثر بكثير من العملية نفسها في جهاز الحزب، إلا أن الحزب هو مَن يقرر الأمور في نهاية المطاف. وفي الوقت الراهن هذا يعني جهاز الحزب. وهكذا يتنقل السؤال إلى: هل يمكن للنواة البروليتارية للحزب، بمساندة الطبقة العاملة ككل، أن تنتصر على أوتوقراطية جهاز الحزب المندمجة مع جهاز الدولة؟ إن مَن يرد على هذا السؤال مقدمًا بأن نعم تستطيع، فإنه بذلك لا يتحدث فقط عن ضرورة بناء حزب جديد على أساس جديد، بل أيضًا عن ضرورة ثورة بروليتارية جديده ثانية” (45).

وفي موضع لاحق من الخطاب نفسه، يقول تروتسكي:
“إذا أصبح الحزب جثة هامدة، فلابد هكذا من حزب جديد على أساس جديد، ولابد أن تعرف الطبقة العاملة بذلك جهرًا وعلانيًة. وإذا كانت الحركة الرجعية… قد اكتملت، وديكتاتورية البروليتاريا تفككت، فلابد من رفع لواء الثورة البروليتارية الثانية. هذا هو ما ينبغي علينا فعله في حال انسد طريق الإصلاح، الذي نتبناه، أو أُثبت أنه لا طائل منه” (46).

يعبر التعريف الثاني عن معيار مختلف جوهريًا. فبصرف النظر عن مدى استقلالية جهاز الدولة عن الجماهير، وحتى لو كان الطريق الوحيد للتخلص من البيروقراطية هو الثورة، فطالما أن وسائل الإنتاج مملوكة للدولة، تظل هذه الدولة دولة عمالية مع بقاء البروليتاريا طبقة حاكمة.
يمكن استخلاص ثلاثة استنتاجات من ذلك:
‌أ. أن تعريف تروتسكي الثاني ينفي تعريفه الأول.
‌ب. أنه إذا كان التعريف الثاني صحيحًا، فإن “البيان الشيوعي” مخطئ في القول بأن “الخطوة الأولى في ثورة الطبقة العاملة هي أن ترفع نفسها إلى مصاف الطاقة الحاكمة”. وعلاوة على ذلك، وفقًا لذلك لا يمكن اعتبار كميونة باريس ولا السلطة البلشفية دولًا عمالية، لأن الأولى لم تصادر وسائل الإنتاج على الإطلاق، والثانية لم تفعل ذلك لبعض الوقت.
‌ج. إذا كانت الدولة هي حامية ومالكة وسائل الإنتاج، والعمال لا يتحكمون في وسائل الإنتاج هذه، فإنهم لا يملكونها، أي أنهم ليسوا الطبقة الحاكمة. يقر التعريف الأول ذلك، بينما يتجنبه التعريف الثاني لكنه لا يدحضه.

تعريف روسيا كدولة عمالية والنظرية الماركسية للدولة
يؤدي الافتراض بأن روسيا دولة عمالية منحطة حتميًا إلى استنتاجات متناقضة بصورة مباشرة مع المفهوم المركزي للدولة، وتحليل دور ما أسماه بالثورة السياسية والثورة المضادة الاجتماعية سوف يثبت ذلك. خلال الثورات السياسية البرجوازية، على سبيل المثال ثورتي فرنسا في 1830 و1848، تغير شكل الحكومة بهذا القدر أو ذلك، لكن الدولة بقيت كما هي -“أجهزة خاصة من رجال مسلحين وسجون، إلخ”، مستقلة عن الشعب وتخدم الطبقة الرأسمالية.

غير أنه هناك بالضرورة اتصال أقرب كثيرًا بين المضمون والشكل في الدولة العمالية من أي دولة أخرى، وبالتالي، حتى لو افترضنا أن الثورات السياسية يمكن أن تندلع في دولة عمالية، فهذا ينم عن شيء واحد واضح: أن نفس جهاز الدولة العمالية لابد أن يظل قائمًا بعد الثورة السياسية البروليتارية كما كان من قبل. لو كانت روسيا دولة عمالية حقًا، ثم لو أجرى حزب العمال “تطهيرًا” واسع النطاق في ثورة سياسية، فإنه سوف يستخدم جهاز الدولة القائم بالفعل. على الجانب الآخر، من أجل أن تستعيد البرجوازية السابقة سيطرتها، لا يكن لها أن تستخدم جهاز الدولة القائم، بل ستجد نفسها مجبرة على تحطيمه وبناء جهاز دولة آخر على أنقاضه.

هل كانت هذه الشروط متحققة في روسيا؟ إن الطريقة الصحيحة في طرح السؤال تقطع نصف مسافة الإجابة عنه. إذا كانت البرجوازية للسلطة فإنها بالتأكيد ستستخدم الكي جي بي والجهاز النظامي وغيرهما. ومن المؤكد أن حزبًا ثوريًا لا يستخدم لا جهاز الاستخبارات ولا البيروقراطية ولا الجيش النظامي، بل سيكون على هذا الحزب أن يحطم الدولة القائمة ويحل محلها السوفييتات والميليشيا الشعبية، إلخ.

لقد تجنب تروتسكي جزئيًا تطبيق دروس النظرية الماركسية للدولة بقوله إن الحزب الثوري سيبدأ باستعادة الديمقراطية في النقابات والسوفييتات (47)، وفي حقيقة الأمر لم يكن في روسيا ثمة نقابات أو سوفييتات لاستعادة الديمقراطية فيهما. لا يمكن لدولة عمالية أن يُعاد إنشائها من خلال إصلاح جهاز الدولة الستاليني بل بتحطيمه وبناء آخر مكانه.

وإذا كان على البروليتاريا أن تحطم جهاز الدولة القائم لدى وصولها إلى السلطة، بينما يمكن للبرجوازية أن تستخدمه، إن روسيا بذلك ليست دولة عمالية. وحتى إذا افترضنا أن كلًا من البروليتاريا والبرجوازية سيكون عليهما إجراء “تطهير لجهاز وآلة الدولة” (مما يتضمن بالضرورة تغييرًا عميقًا يكافئ تغيير هذه الدولة نوعيًا)، فيتعيَّن علينا أن نستنتج مرة أخرى أن روسيا لم تكن دولة عمالية.

إن التصديق بأن البروليتاريا والبرجوازية يمكن لأي منهما على السواء استخدام جهاز الدولة نفسه كأداةٍ للسيادة الطبقية لهو مكافئ لرفض المضمون الثوري لنظرية الدولة كما عبَّر عنها ماركس وإنجلز ولينين، وتروتسكي نفسه.

اعتبار شكل الملكية مستقلًا على علاقات الإنتاج تجريد ميتافيزيقي
إن إحدى سمات روسيا التي شدَّد تروتسكي أنها تثبت إنها دولة عمالية ( حتى وإن منحطة) هي غياب الملكية الخاصة واسعة النطاق. غير أنه، في الحقيقة، لمن تسخيف الماركسية اعتبار الملكية الخاصة مستقلة عن علاقات الإنتاج، فليس هذا إلا تجريد فوق تاريخي.

يعرف التاريخ الملكية الخاصة في النظام العبودي، والنظام الإقطاعي، والنظام الرأسمالي، وكانت هذه الملكية في كل من هذه الأنظمة مختلفة جوهريًا عن الأخرى. لقد سخر ماركس من برودون لمحاولته تعريف الملكية الخاصة بمعزل عن علاقات الإنتاج:

“في كل حقبة تاريخية، تطورت الملكية بصورة مختلفة وفي ظل مجموعة مختلفة تمامًا من العلاقات الاجتماعية، وهكذا فإن تعريف الملكية البرجوازية ليس أكثر من كشف لكل العلاقات الاجتماعية الخاصة بالإنتاج البرجوازي. أما محاولة تقديم تعريفًاً للملكية كما لو أنها علاقة مستقلة، أو قسم منفصل، أي كفكرة أبدية مجردة، فهو ليس إلا وهم ميتافيزيقي” (48).

إن الرأسمالية كنظام هي المجموع الإجمالي لعلاقات الإنتاج، وكل الأقسام التي تعبر عن العلاقات بين الناس في عملية الإنتاج الرأسمالي -القيمة والسعر والأجور، إلخ- تؤلف جزءًا مكملًا لهذه العملية. كانت قوانين حركة النظام الرأسمالي هي التي حددت الملكية الخاصة الرأسمالية في سياقها التاريخي وما ميزتها عن الأشكال الأخرى من الملكية الخاصة. أما برودون، الذي جرًد شكل الملكية عن علاقات الإنتاج، فقد “اختزل كل هذه العلاقات الاقتصادية (علاقات الإنتاج الرأسمالية) في المفهوم القانوني للملكية”، وبالتالي “لم يتجاوز برودون الإجابة التي كان بريسوت قد قدمها في عمل مشابه، قبل 1789، بالكلمات نفسها: “الملكية سرقة” (49).

لقد أوضح ماركس بجلاء أن شكل الملكية الخاصة يمكن أن يتخذ طابعًا تاريخيًا مختلفًا تمامًا في نظام طبقي عن آخر، وبالتالي يمكن أن يكون معقلًا لطبقة مختلفة عن أخرى. وليس من الواضح على الإطلاق أن الأمر نفسه يمكن أن ينطبق أيضًا على ملكية الدولة. وهذا لأن التاريخ، في تياره الأعم، شهد صراعًا طبقيًا على أساس الملكية الخاصة، وحالات التمايز الطبقي غير المبنية على الملكية الخاصة ليست كثيرة، وفي المجمل ليست معروفة. إلا أنها كانت موجودة.

دعونا نأخذ مثالً اعلى ذلك من فصل في تاريخ أوروبا: الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى. كانت لدى الكنيسة مساحات شاسعة من الأرض عمل فيها مئات الآلاف من الفلاحين. كانت العلاقات بين الكنيسة والفلاحين هي نفسها العلاقات الإقطاعية التي كانت قائمة بين السيد الإقطاعي وفلاحيه. كانت الكنيسة إذًا إقطاعية. لكن في الوقت نفسه، لم يكن أي من الأساقفة أو الكاردينالات أو غيرهم لديه حقوق فردية في هذه الملكية الإقطاعية. كانت علاقات الإنتاج إذًا هي التي حددت الطابع الطبقي الإقطاعي لملكية الكنيسة، رغم أنها لم تكن ملكية خاصة.

البيروقراطية الروسية: حارس ظهر في عملية التوزيع؟
تتمثَّل سمةٌ أخرى في نظرية تروتسكي بأن روسيا دولة عمالية منحطة في أن النظام الستاليني لا يشكل طبقة حاكمة جديدة. في المقابل، يضطلع النظام بدور البيروقراطية، التي تختلف عن بيروقراطية قادة النقابات. لقد اعتقد بأن هذا حدث لأن ندرة السلع في روسيا أجبرت المشترين على الوقوف في طابور، ووظيفة البيروقراطية هي وظيفة الحارس الذي يتحكم في الطابور.

هل كان ذلك هو الحال بالفعل؟ هل اقتصرت وظيفة البيروقراطية على عملية التوزيع، أم أنها ظهرت في عملية الإنتاج ككل، التي لم تكن عملية التوزيع إلا جزءًا ثانويًا فيها؟ هذه القضية إنما هي ذات أهمية نظرية فائقة.

قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، دعونا نفحص ما فكر فيه ماركس بشأن الصلات بين علاقات الإنتاج والتوزيع. كتب ماركس:
“بالنسبة للفرد الواحد، تبدو عملية التوزيع كقانون يرسيه المجتمع ليحدد مكانه في مجال الإنتاج، الذي ينتج فيه، وبالتالي فإنها عملية تسبق الإنتاج. في البداية، لا يمتلك هذا الفرد أي رأس مال أو ملكية أرض. منذ مولده تكلفه القوى الاجتماعية للتوزيع بالعمل المأجور. لكن هذا الشرط نفسه بأن يكون مكلفًا بالعمل المأجور هو نتيجة لوجود رأس المال وملكية الأرض كعوامل إنتاجية مستقلة عنه.

ومن وجهة نظر المجتمع ككل، يبدو أن التوزيع يسبق الإنتاج ويحدده بطريقة أخرى أيضًا، كحقيقة ما قبل اقتصادية إن جاز التعبير. يقسم قوم منتصر الأرض بين الفاتحين، ويؤسس بالتالي تقسيمًا وشكلًا لملكية الأرض ويحدد طابع الإنتاج، أو أنهم يحولون أبناء القوم المهزوم إلى عبيد وبالتالي يجعلهم من العمل العبودي أساسًا للإنتاج. أو أن أمة ثائرة تقسم ملكية الأرض الكبيرة إلى قطع صغيرة، وبهذا التوزيع الجديد تضفي طابعًا جديدًا على الإنتاج. أو أن تشريعًا يقر ملكية الأرض باعتبارها امتيازًا موروثًا في العائلات الكبيرة… في كل هذه الحالات، وهي كلها حالات تاريخية، ليس التوزيع هو الذي يبدو أن الإنتاج ينظمه ويحدده، بالعكس، الإنتاج هو الذي ينظمه التوزيع ويحدده.

في المفهوم الأكثر ضحالة للتوزيع، يظهر التوزيع على أنه توزيع المنتجات، وعند هذا الحد يكون التوزيع منفصلًا وشبه مستقل عن الإنتاج. لكن قبل أن يعني التوزيع توزيع المنتجات، فإنه توزيع في المقام الأول، وهو في المقام الثاني -الأمر الذي هو تعبير آخر عن الحقيقة نفسها- توزيع لأفراد المجتمع على أقسام مختلفة من الإنتاج (إخضاع الأفراد لظروف إنتاج معينة). إن توزيع المنتجات لهو بوضوح نتيجة لهذا التوزيع، الذي هو مرتبط بعملية الإنتاج ويحدد تنظيمها” (50).

لعل هذا الاقتباس من ماركس، الذي يتكرر مرة بعد أخرى عبر أعماله، كاف كنقطة انطلاق لتحليل موضع البيروقراطية الستالينية في الاقتصاد.

هل أدارت البيروقراطية فقط توزيع وسائل الاستهلاك بين الناس، أم أنها أيضًا أدارت توزيع هؤلاء الناس في عملية الإنتاج؟ هل مارست البيروقراطية احتكارًا للتحكم في التوزيع فقط، أم أيضًا للتحكم في وسائل الإنتاج؟ هل كانت تقسم وسائل الاستهلاك فحسب، أم أنها أيضًا كانت توزع وقت العمل الإجمالي للمجتمع بين التراكم والاستهلاك؛ بين إنتاج وسائل الإنتاج وإنتاج وسائل الاستهلاك؟ ألم تكن علاقات الإنتاج السائدة في روسيا تحدد علاقات التوزيع التي ألًفت جزءًا من علاقات الإنتاج نفسها؟ يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالنظر إلى السجل التاريخي.

روسيا الستالينية: رأسمالية دولة
يتضمن تحليل ماركس للرأسمالية نظرية للعلاقة بين المُستَغلين والمُستغِلين، وبين المستغِلين وبعضهم أيضًا. إن السمتين الرئيسية لنمط الإنتاج الرأسمالي هما فصل العمال وعزلهم عن وسائل الإنتاج، وتحويل قوة العمل إلى سلعة لابد للعمال أن يبيعوها كي يتمكنوا من العيش، من ناحية، وإعادة استثمار فائض القيمة -مراكمة رأس المال-التي هي مفروضة على الرأسماليين الأفراد بواسطة الصراع التنافسي فيما بينهم من الناحية الأخرى. لقد التصقت كلتا السمتين بالاتحاد السوفييتي في أثناء الخطة الخمسية الأولى (1928-1932). كان تجميع الزراعة في سنوات مشابهة للغاية لمصادرة أراضي الفلاحين الإنجليز -عملية “التسييج” التي حللها ماركس في “رأس المال” في فصل بعنوان “التراكم البدائي لرأس المال”. في كلتا الحالتين، حُرم المنتجون المباشرون من الأرض وبالتالي أُجبروا على بيع قوة عملهم.

لكن هل كان الاقتصاد الروسي واقعًا تحت ضغط يدفعه لمراكمة رأس المال؟ كتبت من قبل ما يلي للإجابة عن هذا السؤال:
“تحتل الدولة الستالينية الموضع نفسه، فيما يتعلق بوقت العمل الإجمالي للمجتمع الروسي، الذي يحتل مالك المصنع إزاء عمل موظفيه. بعبارة أخرى، فإن تقسيم العمل مخطط. لكن، ما الذي يحدد التقسيم الفعلي لوقت العمل الإجمالي للمجتمع الروسي؟ إذا لم تكن روسيا مضطرة للتنافس مع بلدان أخرى، لكان هذا التقسيم بالقطع جزافيًا. لكن كما هو الحال، قامت قرارات ستالين بناءً على عوامل خارج سيطرته، وهي السوق العالمية والمنافسة العالمية. ومن وجهة النظر هذه، فإن الدولة الروسية تقع في نفس موضع مالكي الاستثمار الرأسمالي المتنافسين مع استثمارات أخرى.

لا يعتمد معدل الاستغلال، أي النسبة بين فائض القيمة والأجور، على الإرادة التعسفية للحكومة الستالينية، بل أن الرأسمالية العالمية هي من تمليه. الآن نفسه ينطبق على التطوير التقني، أو، إذا استخدمنا ما يعد عمليًا تعبيرًا مكافئًا من القاموس الماركسي، العلاقة بين رأس المال الثابت ورأس المال المتغير، أي بين الميكنة والمباني والمواد الخام، إلخ، من ناحية، والأجور من ناحية أخرى. وبالتالي ينطبق الشيء نفسه على تقسيم إجمالي وقت عمل المجتمع الروسي بين إنتاج وسائل الإنتاج وإنتاج وسائل الاستهلاك. ومن هنا، إذا نظرنا إلى روسيا في إطار الاقتصاد الدولي، تتبين لنا بوضوح السمات الرئيسية للرأسمالية: الفوضى في تقسيم العمل الاجتماعي والاستبداد في تقسيم العمل في مواقع العمل؛ كل منهما شرط للآخر” (51).

هذه الخطة الخمسية الأولى هي التي تحول فيها نمط الإنتاج في الاتحاد السوفييتي ليصبح رأسماليًا. كانت تلك هي المرة الأولى التي ساعدت فيها البيروقراطية إلى تشكيل صفوف البروليتاريا ومراكمة رأس المال بوتيرة سريعة. بعبارة أخرى، سعت البيروقراطية إلى إتمام المهمة التاريخية للبرجوازية بأسرع ما يمكن. يفرض التراكم السريع لرأس المال على قاعدة من المستوى المتدني للإنتاج، والدخل القومي الضئيل للفرد، ضغطًا شديدًا على استهلاك الجماهير ومستوى معيشتهم. وفي ظل مثل هذه الظروف، تحولت البيروقراطية إلى تجسيد لرأس المال، الذي تعد المراكمة بالنسبة له هي كل شيء وكل غاية، ودحضت جهودها إلى التخلص من كل أثر للتحكم العمالي في وسائل الإنتاج. كان عليها أن تدير عملية العمل بأساليب القسر، وأن تعمل على تهميش الطبقة العاملة، وأن تقحم كل أوجه الحياة السياسية والاجتماعية في عالم من الاستبداد الشامل.

كان من الواضح أن البيروقراطية، في إطار عملية مراكمة رأس المال واعتصار العمال، لن تتردد في استخدام سيادتها الاجتماعية في علاقات الإنتاج من أجل كسب الامتيازات لنفسها في علاقات التوزيع. وهكذا كان من شأن التصنيع الكثيف والثورة التقنية في الزراعة (التجميع) في بلد متأخر يعاني الحصار أن حوًل البيروقراطية من شريحة واقعة تحت سيطرة البروليتاريا، أو تحت ضغطها المباشر أو غير المباشر، إلى طبقة حاكمة.

لقد أدى التطور التاريخي الجدلي، المليء بالتناقضات والمفاجآت، إلى تحويل أول خطوة تتخذها البيروقراطية لغاية الإسراع في بناء “الاشتراكية في بلد واحد” إلى أساس لبناء رأسمالية الدولة (52).

خلال الخطتين الخمسيتين الأولى والثانية، كان الاستهلاك ثانوي تمامًا بالنسبة للتراكم. وهكذا كان نصيب السلع الاستهلاكية من إجمالي الإنتاج قد انخفض من 67.2% في 1927-1929 إلى 39% في 1940، وعلى مدار الفترة نفسها ارتفع نصيب السلع الإنتاجية من 32.8% إلى 61%. يتناقض ذلك مع الفترة بين 1921 و1928، حين كان الاستهلاك، رغم التشوه البيروقراطي، أساسيًا وليس ثانويًا بالنسبة للتراكم، وحين كان هناك نموًا متوازنًا بهذا القدر أو ذاك بين الإنتاج والاستهلاك والتراكم.
هذا التحليل القائل بأن روسيا رأسمالية دولة بيروقراطية إنما يقتفي أثر نظرية الثورة الدائمة لتروتسكي في التعاطي مع النظام الرأسمالي العالمي باعتباره الإطار المرجعي الأساسي له. وإذا كان هذا التحليل بمثابة خطوة للأمام على تحليل تروتسكي للنظام الستاليني كما هو موضح في كتابه “الثورة المغدورة” وغيره، فهذا لأن هذا التحليل حاول أن يضع في الاعتبار ضغط الرأسمالية العالمية على نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج السائدة في الاتحاد السوفييتي. لم يكشف تحليل تروتسكي ديناميات النظام، بل قيًد نفسه بأشكال الملكية بدلًا من التعامل مع علاقات الإنتاج. لم يقدم أيضًا اقتصادًا سياسيًا للنظام. ولقد حاولت نظرية رأسمالية الدولة البيروقراطية أن تقوم بكلا الأمرين.

لكن دعونا نوضح أنه فقط بالاستناد إلى أفكار هذا المفكر العملاق، ليون تروتسكي، صاحب نظرية الثورة الدائمة، والمناهض لمبدأ “الاشتراكية في بلد واحد”، والمناضل الجسور ضد البيروقراطية الستالينية، يمكن للمرء أن يتحصل على فرصة لفهم النظام الستاليني.

كانت فرصة النظر إلى النظام الستاليني بعد سنوات من مقتل تروتسكي هي التي سمحت بتطوير نظرية رأسمالية الدولة البيروقراطية. كان تحول بلدان أوروبا الشرقية إلى دول تابعة لستالين هو ما دفعني إلى التساؤل عما إذا كان وصف تروتسكي لروسيا كدولة عمالية منحطة ملائمًا حقًا للواقع.

ما الذي منع تروتسكي من التخلي عن نظريته بأن روسيا دولة عمالية؟
يميل المرء إلى رؤية المستقبل في إشكاليات الماضي. لسنواتٍ طوال، اتخذ النضال ضد الاستغلال شكل المعركة ضد أصحاب الملكية الخاصة -البرجوازية. وهكذا عندما قال لينين وتروتسكي وبقية القادة البلاشفة أن الدولة العمالية في روسيا ستهلك إذا ظلت معزولة، فإنهم تصوروا هذا الهلاك في شكل محدد، ألا وهو عودة الملكية الخاصة. كان يُنظر إلى ملكية الدولة باعتبارها ثمرة نضال الطبقة العاملة. كانت تلك هي فقط أول خطوة في استنتاج تروتسكي بأنه إذا كانت ملكية الدولة قائمة في روسيا، فالفضل في ذلك يرجع إلى خوف البيروقراطية من الطبقة العاملة، وكان هذا يعني أن البيروقراطية لم تكن طليقة اليد في تدشين ثورة مضادة تستعيد الرأسمالية والملكية الخاصة وحق التوريث.

كانت خبرات الماضي هي العائق الرئيسي أمام تروتسكي لفهم حقيقة أن الرجعية المنتصرة لا تعني بالضرورة أو حتمًا العودة إلى نقطة البداية. يمكن أن تنتج الرأسمالية عن تراجع وتدهور تندمج فيهما عناصر من ما قبل الثورة مع عناصر ذات ماضي ثوري. وهكذا يمكن أن يظهر المضمون الطبقي الرأسمالي القديم في عبارة “اشتراكية” جديدة، ليضيف المزيد من التأكيد على قانون التطور المركب – الذي بذل تروتسكي نفسه جهدًا كبيرًا لتطويره من قبل.

تلخيصًا لكل ذلك، ربما يمكن القول إن تروتسكي بينما ساهم أكثر بما لا يُقاس من أي ماركسي آخر في فهم النظام الستاليني، فقد عانى تحليله من قيد خطير، وهو التعلق المحافظ بالشكلية. وهذا بطبيعته يناقض الماركسية، التي تخضع الشكل للمضمون.

باتجاه تجديد دقيق للنظام الستاليني
إن الزعم بأن النظام الستاليني كان بطبيعته في مكانةٍ أسمى من الرأسمالية، أي أنه كان تقدميًا عنها، هو ما لخَّصه تروتسكي بتأكيده أن القوة الإنتاجية في روسيا تطورت على نحو أكثر حيوية، في مقابل “الركود والتراجع في كل العالم الرأسمالي تقريبًا” (53). بالطبع، بالنسبة للماركسيين، يجد التقدم النسبي لنظام عن آخر التعبير الأمثل عن نفسه، في المقام الأول، في القدرة على تطوير قوى الإنتاج بشكل أكبر.

وتماشيًا مع تصريح تروتسكي بأن النظام السوفييتي أظهر قدرة على التطوير السريع لقوى الإنتاج أكبر بكثير مما تمكنت الرأسمالية من تحقيقه، كتب إرنست ماندل في 1956:
“يحافظ الاتحاد السوفييتي، خطة بعد أخرى، وعقد بعض آخر، على إيقاع النمو الاقتصادي بهذا القدر أو ذاك، دون أن يثقل تقدم الماضي خطى إمكانيات المستقبل.. لقد تم التخلص من كل قوانين تطور الاقتصاد الرأسمالي التي تبطئ سرعة النمو الاقتصادي” (54).

في العام نفسه، 1956، تنبأ إسحاق دويتشر أن مستوى المعيشة في الاتحاد السوفيتي سوف يتجاوز نظيره في أوروبا الغربية في غضون عشرة أعوام!
في المقابل، أشار تحليل رأسمالية الدولة إلى الاتجاه المعاكس تمامًا؛ أن البيروقراطية كانت تكبح تطور قوى الإنتاج، وسوف تستمر في كبحها أكثر وأكثر.

كانت وثيقة ” الطبيعة الطبقية لروسيا الستالينية”، 1948، قد أشارت من قبل إلى أنه بينما تمثل دور البيروقراطية في تحويل روسيا إلى التصنيع ورفع إنتاجية العمل، دخلت هذه البيروقراطية، خلال هذه العملية في تناقضات حادة:
“المهمة التاريخية للبيروقراطية إنما هي رفع إنتاجية العمل. وفي خضم ذلك، دخلت البيروقراطية في تناقضات حادة. فمن أجل رفع إنتاجية العمل فوق حد معين، لابد أن يرتفع مستوى معيشة الجماهير، إذ لا يقدر العمال سيئوا التغذية وذوو المساكن الرديئة والتعليم المنعدم على الإنتاج الحديث” (55).
تمكنت البيروقراطية حتى حد معين من رفع إنتاجية العمل من خلال أساليب قسرية، لكن هذا لا يمكن أن يستمر هكذا إلى الأبد، ربما كان العزوف عن رفع مستوى المعيشة يؤدي بالفعل إلى تراجع معدل نمو الإنتاجية، وإلى “تخبط في تطوير الإنتاج” (56).

في العام 1964، أشار تحديث من مائة صفحة أضفته إلى كتابي عن رأسمالية الدولة الروسية بعنوان “روسيا: تحليل ماركسي”، إلى أن الاقتصاد السوفييتي الموروث عن ستالين صار أكثر عرضة للشلل بواسطة عناصر الأزمة، وأصبح عبئًا على تطوير الإنتاج أكثر من ذي قبل:
“تجسد أسلوب ستالين في التعامل مع كل فشل جديد أو عقبة جديدة في زيادة الضغط وتصعيد الإرهاب. لكن أسلوبه المتحجر لم يصبح أكثر تجردًا من الإنسانية فحسب، بل أيضًا أكثر انعدامًا للكفاءة. مع كل ضربة سوط تتزايد مقاومة الناس بعناد، وإن كانت بصمت.. لقد صارت الاستبدادية الستالينية الصارمة تكبح كل أشكال التقدم الصناعي الحديث” (57).

قدم هذا الكتاب فحصًا دقيقًا للطريقة التي أضحى بها النظام الستاليني حائط صد في كل فروع الاقتصاد، في أزمة الزراعة، ذكر الكتاب:
“إن التراث الذي خلفه ستالين في الريف هو زراعة غارقة في مستنقع الركود لأكثر من ربع قرن. لقد زاد إنتاج الحبوب في فترة 1949-1953 بنسبة 12.8% فقط مما كان عليه في فترة 1910-1914، بينما زادت الكثافة السكانية في الفترة نفسها بحوالي 30%. ولم تبلغ إنتاجية العمل في الزراعة السوفياتية حتى خُمس نظيرتها في الولايات المتحدة.

صار الركود يشكل تهديد للنظام لعدد من الأسباب. أولاً، بعد التخلص إلى حد كبير من البطالة الخفية في الريف، أصبح من المستحيل تصريف العمالة إلى الصناعة وفق النظام السابق دون رفع إنتاجية العمل في الزراعة.

وثانيًا، أصبح من المستحيل أيضًا تصريف مصادر رأس المال من الزراعة لمساندة نمو الصناعة بما يتجاوز حدًا معينًا. تحول أسلوب ستالين في “التراكم البدائي لرأس المال” من مُسرع للنمو إلى مكابح ضبط الاقتصاد ككل” (58).

ماذا عن الصناعة؟ رغم أنها توسعت بشدة على مدار ثلاثة عقود ونصف أو أكثر، صار معدل النمو يتراجع. أصبحت الإنتاجية، التي كانت تتنامى بسرعة أكبر في الغرب خلال عقد الثلاثينيات، عالقة في مستوى أدنى بكثير في روسيا عن نظيره في الولايات المتحدة، المنافس الأكبر للروس:
“بحلول نهاية العام 1957، كان العمال الصناعيين في الاتحاد السوفييتي أكبر بنسبة 12% من نظرائهم في الولايات المتحدة… غير أن الإنتاج الصناعي، حتى وفقًا للتقديرات السوفييتية، كان في العام 1956 نصف حجمه في الولايات المتحدة” (59).

بسبب الأزمة في الزراعة، لم يعد من الممكن تعويض المستوى المتدني للإنتاجية في الصناعة بإنماء عدد العمال الصناعيين، حتى وإن كان هذا الإنماء هائل النطاق. لذا عمدت البيروقراطية الروسية إلى الالتفات عن كثب لانتشار الإهدار وسوء جودة الإنتاج داخل الاقتصاد الروسي.

ذكر الكتاب الكثير من مصادر الإهدار هذه: الاعتماد على التقسيم الصارم، الذي دفع الكثير من المشروعات لإنتاج سلع في الداخل كان من الممكن إنتاجها بتكاليف أقل في أماكن أخرى (60)، واكتناز المديرين والعمال للإعدادات (61)، ونزوع المديرين إلى مقاومة الابتكارات التقنية (62)، والتشديد على الكمية على حساب الجودة (63)، وإهمال الصيانة (64)، وانتشار “الأعمال الورقية وخلط الإجراءات” (65)، والفشل في إرساء آلية تسعير عقلانية وكفؤة كان المديرون في أمس الحاجة إليها إذا كان لهم أن يقيسوا الكفاءة النسبية للمصانع المختلفة (66). وتلخص الإنتاج في أنه:
“إذا كان مصطلح “الاقتصاد المخطط” يعني اقتصادًا تتحدد فيه العناصر المكونة وتُنظم بإيقاع واحد، وتبلغ فيه الاحتكاكات حدها الأدنى، وتسود فيه، في المقام الأول، الرؤى البعيدة في اتخاذ القرارات الاقتصادية، فالاقتصاد الروسي إذًا غير مخطط على الإطلاق. وبدلًا من وضع خطة حقيقية، تتطور أساليب صارمة بإملاء حكومي لأجل سد الفجوات في الاقتصاد التي نتجت عن قرارات وإجراءات هذه الحكومة نفسها. وبالتالي، بدلًا من التحدث عن اقتصاد سوفييتي مخطط، فإن من الأدق بكثير أن نتحدث عن اقتصاد موجه بيروقراطيًا”(67).

بالطبع قدًم آخرون كُثر توصيفات لأوجه ضعف الكفاءة في الاقتصاد الروسي، لكن ما ميًز السردية أعلاه هو رؤية الإهدار وضعف الكفاءة باعتبارها نتاجًا لطبيعة النظام كرأسمالية دولة. كانت الأسباب الرئيسية للفوضى والإهدار في الصناعة الروسية متعلقة بالتراكم الرأسمالي في اقتصاد معزول – أهداف إنتاجية فائقة مع إعدادات متدنية.

ضغطت هذه الظروف كذراعي كمًاشة على المديرين، مشجعة إياهم على الغش، والتضخيم من الاحتياجات من المعدات والإمدادات، والمكوث في المساحة الآمنة من خلال تخزين واكتناز الموارد، وبشكل عام التعامل بصورة محافظة. أدى هذا إلى الإهدار، وبالتالي الافتقار إلى الموارد وتزايد الضغوط على المديرين، الذين يضطرون مرة أخرى إلى الغش، وهكذا دواليك في دائرة مُفرَغة.

أدَّت الأهداف الفائقة والإمدادات المتدنية أيضًا إلى التركيز المبالغ على القطاعات الاقتصادية كلٍّ على حدة، على حساب الاقتصاد بشكل عام – دائرة مفرغة مرة أخرى. ودفعت المشكلة نفسها المديرين إلى وضع أولويات لكن نظام الأولويات وأسلوب “الحملات” افتقر إلى معيار كمًي واضح وأدى كلاهما إلى الإهدار والتشوهات الاقتصادية. وفي مواجهة هذه السمات الإشكالية، ظهرت أشكال مختلفة من أنظمة التحكم كانت هي نفسها مدعاة للإهدار، وأدى افتقارها إلى المنهجية والتجانس إلى المزيد من الإهدار. وهكذا ظهرت الحاجة إلى المزيد من التحكم؛ المزيد من الأعمال الورقية التي ظلت تتكدس كالأهرامات؛ المزيد من صفوف البيروقراطيين. مرة أخرى حلقة مفرغة. أثرت هذه الحلقة المفرغة، الناتجة عن التضارب بين الأهداف مبالغة الطموح وقاعدة الإمداد المتدنية، على آلية التسعير بصورة سلبية. وحفز ذلك على المزيد من التركيز المبالغ على القطاعات الاقتصادية كل على حدة، ووضع أنظمة للأولويات وأشكال إضافية للتحكم.

وراء كل هذه المشكلات تكمن العمليات الرأسمالية – التنافس العالمي على النفوذ والإنفاق العسكري الهائل من أجل النجاة من هذا التنافس والفوز فيه.
لم تنتج المستويات المتدنية للإنتاجية من سوء الإدارة من أعلى فحسب، بل أيضًا من المقاومة العمالية من أسفل. كان من المستحيل قياس مدى تأثير سوء الإدارة والأخطاء الفادحة من أعلى ومقاومة العمال من أسفل، على وجه الدقة، على الإنتاجية والتسبب في تدنيها، فكلا الجانبين لا يمكن فصلهما عن بعضهما بطبيعة الحال. كانت الرأسمالية، بشكل عام، ورأسمالية الدولة البيروقراطية، بشكل خاص، وما يزالان، يركزان على خفض تكاليف الإنتاج ورفع كفاءته، وليس على إشباع الاحتياجات البشرية. إن منطقه العقلاني بالأساس غير عقلاني، إذ توزع الاغتراب في وعي العمال ونفسهم، وتحولهم إلى “أشياء”، مفعول بهم يمكن التحكم فيهم والتلاعب بحياتهم، بدلًا من كونهم فاعلين يصنعون حياتهم وفقًا لرغباتهم. وهذا هو السبب وراء تخريب العمال الإنتاج (68).

اختتم الفصل الخاص بالعمال الدرس بالفقرة التالية:
“يتمحور قلقٌ مركزي لدى القادة الروس اليوم حول كيفية إنماء إنتاجية العامل. لم يسبق من قبل قط أن كان موقف العمال إزاء عملهم مهمًا هكذا بالنسبة للمجتمع. لقد أدت الجهود الرامية إلى تحويل العامل إلى ترس في الماكينة الإنتاجية للبيروقراطية إلى قتل ما تحتاجه هذه البيروقراطية أمًس الحاجة: الإنتاجية والقدرة الإبداعية. لقد بات الاستغلال الواضح والحاد عائقًا أمام رفع إنتاجية العمل. كلما زادت مهارة واندماج الطبقة العاملة، زادت مقاومتها للاستغلال والاغتراب، بل وأظهرت أيضًا المزيد من السخط إزاء مستغليها وقامعيها. لم يعد لدى العمال أي إحساس باحترام البيروقراطية كإدارة تقنية للإنتاج. وما من طبقة حاكمة يمكنها الاستمرار طويلًا في الحفاظ على نفسها في مواجهة السخط الشعبي” (69).

كانت رأسمالية الدولة البيروقراطية تغرق في الأزمة أعمق وأعمق. وكما أوضح ماركس، حين يتحول النظام الاجتماعي إلى عائق لتطور قوى الإنتاج، يفتح عصر الثورة أبوابه.

النظام الستاليني: تشريح ما بعد الوفاة
يكشف تشريح الجثة العلة العميقة التي أثَّرت على صاحبها في أثناء حياته. لذا فإن لحظة موت نظام اجتماعي ما، يمكن أيضًا أن تكون لحظة الحقيقة بالنسبة له. حيث بدأت أنظمة أوروبا الشرقية، التي نصًبها ستالين، تنهار في خريف وشتاء 1989، متبوعة بانهيار “الشيوعية” في الاتحاد السوفيتي نفسه، صار من الأسهل آنذاك إصدار حكم واضح على طبيعة النظام الستاليني.

افترض التصور الذي يعتبر النظام الستاليني اشتراكيًا، أو حتى “دولة عمالية منحطة” أي مرحلة انتقالية بين الرأسمالية والاشتراكية – أنه كان أكثر تقدمية من الرأسمالية. يشير هذا بالنسبة للماركسيين، في المقام الأول، أن ذلك النظام كان قادرًا على تطوير قوى الإنتاج بصورة أكفأ من الرأسمالية. لابد هنا أن نتذكر كلمات تروتسكي:
“لقد أظهرت الاشتراكية حقها في الانتصار، ليس على صفحات “رأس المال”، بل في الساحة الصناعية التي تؤلِّف سدس سطح الكوكب؛ وليس بلغة الديالكتيك، بل بلغة الصلب والإسمنت والكهرباء” (70).

إنها لغة التنمية الصناعية بالطبع التي فسرت الأحداث في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي. لكن ما حدث لم يكن انتصارًا، بل إنجاز للنمو الاقتصادي في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات؛ مما أدى إلى ركود وفجوة متزايدة الاتساع بين هذه البلدان والغرب المتقدم.

كان معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد السوفييتي كالتالي: الخطة الخمسية الأولى (رغم المبالغة في تقديراتها) 19.2%، وفي الفترة 1950 – 1959 كان 5.8%، وفي 1970 – 1978 بلغ 3.7%، وانخفض في 1980 – 1982 إلى 1.5%، وفي السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة صار معدل النمو سلبيًا (71).
لو كانت إنتاجية العمل في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية أكثر حيوية من نظيرتها في الغرب، فلابد أن يتعسر المرء في فهم لماذا وقع حكام هذه البلدان في نهاية المطاف في غرام الأسواق. ولو كان الأمر كذلك، لكان توحيد ألمانيا قد شهد ازدهار الصناعة في أوروبا الشرقية مقارنة بالغربية.

في الواقع، لقد انهار اقتصاد ألمانيا الشرقية منذ التوحيد. بلغ عدد العمال العاملين بالفعل في ألمانيا الشرقية 10 مليون عامل في العام 1989، ثم تداعى إلى 6 ملايين بعد التوحيد. ولم تكن إنتاجية العمل في ألمانيا الشرقية إلا فقط 29% من نظيرتها في الغربية (72). لذا كان المستوى الإنتاجي في ألمانيا الشرقية، رغم كونه الأعلى في أوروبا الشرقية برمتها، ما يزال متدنيًا قياسًا إلى ألمانيا الغربية وغيرها من الاقتصادات المتقدمة التي تعين التنافس معها.

لو كان الاتحاد السوفييتي دولة عمالية بالفعل، وإن كانت منحطة، فمن البديهي أن يهب العمال دفاعًا عنه في حال عدوان الرأسمالية عليه. لطالما اعتبر تروتسكي أنه لمن المحوري أن ينهض عمال الاتحاد السوفييتي دفاعًا عنه إذا هاجمته الرأسمالية، حتى رغم فساد البيروقراطية التي تهيمن عليه. أحد التشبيهات المفضلة لدى تروتسكي كان بين البيروقراطية السوفييتية والبيروقراطية النقابية. هناك أنواع كثيرة من النقابات (المناضلة والإصلاحية والثورية والرجعية والكاثوليكية، إلخ)، لكنها جميعًا منظمات دفاعية عن نصيب العمال في الكعكة الوطنية. جادل تروتسكي بأنه رغم رجعية البيروقراط المهيمنين على النقابات، يشرع العمال دائمًا في “دعم خطواتهم التقدمية… مدافعين عنهم في مواجهة البرجوازية”.

لكننا إذا جئنا إلى المحك العملي في 1989، لا نجد أن العمال في أوروبا الشرقية قد تحركوا دفاعًا عند “دولهم”. لو كانت الدول الستالينية دولًا عمالية، يعجز المرء عن تفسير لماذا كان المدافعون الوحيدون عنها هم قوات الشرطة السرية “سيكوريتات” في رومانيا، و”ستاتيس” في ألمانيا الشرقية، وهلم جرا، أو لماذا دعمت الطبقة العاملة السوفييتية يلتسن، الممثل الصريح للسوق الرأسمالية.

لو كان النظام في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية ما بعد رأسمالي، وفي العام 1989 كانت هناك استعادة للرأسمالية، فكيف جرت هذه الاستعادة بمثل هذه السهولة المذهلة؟ لا تتوافق الأحداث مع تأكيد تروتسكي أن الانتقال من نظام اجتماعي لآخر لابد أن يكون مصحوبًا بحرب أهلية. كتب تروتسكي:
“تنطبق الأطروحة المركزية المتعلقة بالطابع الكارثي لانتقال السلطة من أيدي طبقة إلى أخرى ليس فقط على الفترات الثورية، حيث يجتاح التاريخ طريقه إلى الأمام بجنون، بل أيضًا على فترة الثورة المضادة، حين يتراجع المجتمع للوراء. إن مَن يؤكد أن الاتحاد السوفيتي يتحول تدريجيًا من كونه بروليتاريًا ليصبح برجوازيًا، إنما يشغل فيلم الإصلاحية إلى الوراء” (73).

كان من الملحوظ في ثورات 1989 في أوروبا الشرقية غياب الصراع الاجتماعي والعنف واسعي النطاق. لم يندلع أي صراع مسلح، باستثناء في رومانيا. وفي الحقيقة، كانت الصدامات العنيفة أقل في ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا والمجر مما جرى بين عمال المناجم المضربين وحكومة تاتشر في بريطانيا.

يكون الانتقال من نظام اجتماعي إلى آخر مصحوبًا بالضرورة بإحلال جهاز دولة مكان ذلك القائم. بالكاد جرى المساس بأجهزة الدولة في 1989. في روسيا، ظل الكي جي بي والجيش السوفييتي وبيروقراطية الدولة في أماكنهم. وفي بولندا، ساعد الجيش على تحفيز التغيير. لقد اضطلع الجنرال جاروزيليسكي، مهندس انقلاب 1981، ووزير الداخلية الجنرال كيزكاك، الرأس المدبر للأحكام العرفية، بدور محوري في مفاوضات الطاولة المستديرة مع نقابات “تضامن” وفي تشكيل حكومة مازوفيكي الائتلافية.

لو كانت ثورة مضادة قد اندلعت، ولو كان ما جرى هو استعادة الرأسمالية، لكان قد حدث استبدال شامل لطبقة حاكمة بأخرى. في المقابل، ما شهدناه هو استمرار الأشخاص أنفسهم على قمة المجتمع. أولئك الذين أداروا الاقتصاد والمجتمع والدولة تحت لواء “الاشتراكية”، صاروا يفعلون الشيء نفسه تحت راية “السوق”. كتب مايك هاينيس، في مقالته الرائعة “الطبقة والأزمة: الانتقال في أوروبا الشرقية”:
“ما نجحت (الدولة) في فعله هو التحويل الجزئي للقاعدة المؤسسية لسلطتها من “جيب الدولة” إلى “جيب خاص”. وقعت في هذه العملية بعد التغيرات بالأعلى، مع انضمام عدد من المنتسبين الجدد في حالات معينة. حدث أيضًا تغير في توازن السلطة بين قطاعات الطبقة الحاكمة. لكن، على العكس مما يدعيه البعض من أن الأمر المهم حقًا هو استبدال نمط الإنتاج الاشتراكي ليحل محل مجتمع رأسمالي… ما من دليل على أن تغييرًا اجتماعيًا جوهريًا قد حدث في طبيعة الطبقة الحاكمة. والمدهش هو مدى ضآلة التغيير الذي جرى فعليًا. إن تسريح جنرال أو ترقية عقيد لا يعني ثورة “اشتراكية بقدر ما يعني بيع استثمارات الدولة إلى مديريها أو إعادة تأميمها بواسطة نفس أولئك الناس الذين يتحكمون في كل شيء. يطرح ذلك أن ما هو على المحك فعليًا هو تحول داخلي داخل نمط الإنتاج، وهو في هذه الحالة تغير في شكل الرأسمالية من هيئة رأسمالية الدولة القوية إلى أشكال مختلطة من ملكية الدولة والسوق” (74).

وصفه كريس هارمان التطور الحاصل بأنه “انتقال من هذا الرصيف إلى ذاك” – تحول من شكل للرأسمالية إلى آخر؛ من رأسمالية الدولة البيروقراطية إلى رأسمالية السوق.

وأخيرًا، لو كان الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية أنظمة اقتصادية واجتماعية ما بعد رأسمالية، كيف كان من الممكن أن ينمو اقتصاد السوق الرأسمالية منها هكذا؟ يمكن للمرء أن يزرع غصن ليمون على جذع شجرة برتقال، أو العكس، لأن كليهما ينتمي إلى العائلة نفسها: الموالح. لكن لا يمكن لأي مَن كان أن يزرع جذر بطاطس على جذع برتقال. يصف مايك هاينيس نجاح زرع رأسمالية السوق في الاقتصاد الستاليني على النحو التالي:
“حدث ذلك على وجه الدقة لأن كلا جانبي الانتقال يظهران السمات الهيكلية نفسها، إلى درجة أن الانتهازية الفردية على النحو الذي حللناه كانت ممكنة. نحن لا ننظر فحسب إلى مجتمعات طبقية، بل مجتمعات طبقية متجذرة في نمط إنتاج مشترك ما تغير فيه هو الشكل وليس المضمون. وإذا لم يُفهم ذلك، يصبح من المستحيل فهم – وراء التحولات في القمة – كيف ما يزال نفس الأشخاص، ونفس العائلات، ونفس الشبكات الاجتماعية، يحتفلون بثرواتهم في التسعينيات كما شربوا نخبها في الثمانينيات. صحيح أنهم، بينما يحتفلون ويثرثرون فيما بينهم، ربما أحيانًا يفكرون بعض الشيء في أصدقائهم الغائبين، لكن المشهد الإجمالي لن يغيب عن ناظريهم أبدًا – إنهم ما يزالون على القمة رغم التغيرات. تقبع تحتهم نفس الطبقة العاملة؛ ما تزال تحمل أعباء ثرواتهم وامتيازاتهم وضعف كفاءتهم، مثلما فعلت في الماضي (75).

“إن الضحايا الحقيقيين للنظام القديم هم أنفسهم الضحايا الحقيقيين للجديد” (76).

إذا كان تمدُّد نظام رأسمالية الدولة إلى أوروبا الشرقية قد وضع نظرية الدولة العمالية المنحطة محل التساؤل فإن انهيار النظام الستاليني قد أجاب عن هذا التساؤل بما لا يدعم مجالًا للشك. وفي كلتا الحالتين، أثبتت نظرية رأسمالية الدولة البيروقراطية أنها بديل يتفق الواقع معه.

كان عمل تروتسكي في تحليل تدهور الثورة الروسية وصعود الستالينية نتيجة ضغوط الرأسمالية العالمية على دولة عمالية في بلد متأخر، جهدًا رائدًا. لقد نهض تروتسكي بدور محوري وحاسم في معارضة مبدأ ستالين “الاشتراكية في بلد واحد”. كان نهجه المادي التاريخي، والماركسي بوضوح، إزاء النظام الستاليني مركزيًا في تطوير نظرية رأسمالية الدولة البيروقراطية. أنه لمن الضروري الدفاع عن روح التروتسكية وفي الوقت نفسه رفض بعض من نصوصه.

كان المقصود بنقدي لنظرية تروتسكي هو العودة إلى الماركسية الكلاسيكية. لقد أوضح التطور التاريخي – بالأخص بعد مقتل تروتسكي – أن موقف “الدولة العمالية المنحطة” لا يتوافق مع التراث الماركسي الكلاسيكي الذي عرًف الاشتراكية بالتحرر الذاتي للطبقة العاملة. ومن أجل الحفاظ على روح كتابات تروتسكي عن النظام الستاليني، لابد من التضحية بحرفية هذه الكتابات. يفتح انقضاء الاشتراكية الزائفة للاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية الباب أمام فرص إعادة اكتشاف الأفكار الثورية الحقيقية للينين وتروتسكي؛ التراث الحقيقي لثورة أكتوبر. رغم ما يسمى بـ “انهيار الشيوعية”‘ فإن كلمتي الختامية في كتاب “رأسمالية الدولة في روسيا” تظل صائبة الآن مثل ما كانت وقت كتابتها:
“يمكن للفصل الأخير أن يُكتب فقط بيد الجماهير، التي تحشد نفسها ذاتيًا، والواعية بالأهداف الاشتراكية وأساليب تحقيقها، بقيادة حزب ماركسي ثوري”.
لقد حذا تعريف النظام الستاليني بأنه رأسمالية دولة حذو نظرية تروتسكي “الثورة الدائمة” في أخذ النظام الرأسمالي العالمي باعتباره الإطار المرجعي الأساسي له:

“حين يُنظر إلى روسيا داخل الاقتصاد العالمي، يمكن تبين السمات الرئيسية للرأسمالية: الفوضى في تقسيم العمل الاجتماعي والاستبداد في التقسيم الاجتماعي في مواقع العمل، هما الظرفان المشتركان لكليهما” (77).

لقد تمكنت النظرية من تفسير إخضاع الطبقة العاملة في روسيا لدينامية التراكم الرأسمالي من خلال وضع النظام الستاليني في سياقه العالمي – النظام الدولي الذي تهيمن عليه المنافسة العسكرية.

المراجع
38. Ibid, p. 51
39. K. Marx and F. Engels: The Communist Manifesto (Peking 1990) p. 59
40. F. Engels, Anti-Düining (Moscow 1975), p. 336
41. R. Luxemburg. Gesammelte Werke, vol. 3 (Berlin n.d.), pp. 63-64
42. For an elaboration of this argument see T. Cliff, Neither Washington nor Moscow, op. cit., pp. 65-66
43. Ibid. pp. 65-67
44. L. Trotsky, Problems of the Development of the USSR: A Draft of the Theses of the International Left Opposition on the Russian Question (New York 1931), p. 36.
45. New International, April 1943
46. Ibid.
47. See, for example, L. Trotsky, The Revolution Betrayed (New York 1974), p. 289
48. Ibid., p. 161
49. K. Marx, The Poverty of Philosophy (London n.d.), pp. 129-130
50. K. Marx, A Contribution to the Critique of Political Economy (Chicago 1918), pp. 285-286
51. T. Cliff, State Capitalism in Russia (London 1988), pp. 221-222
52. Ibid, pp. 165-166
53. L. Trotsky, The Revolution Betrayed, op. cit., p. 6
54. E. Mandel, in Quatrième Internationale, no. 14, 1956
55. T. Cliff, The Class Nature of Stalinist Russia (London 1948)
56. pp. 134-135
57. Ibid
58. T. Cliff, Russia: A Marxist Analysis (London 1964), pp. 197-198
59. Ibid, p. 198
60. Ibid, p. 240
61. Ibid, p. 287
62. Ibid, p. 256
63. Ibid, p. 256
64. Ibid, p. 254
65. Ibid, p. 257
66. Ibid, pp. 248-249
67. Ibid, pp. 250-254
68. Ibid., pp. 273-274.
69. Ibid., p. 283
70. Ibid., pp. 309-310.
71. L. Trotsky, The Revolution Betrayed, op. cit., p. 8.
72. The national income of the Comecon bloc rose annually as follows: 1951-55, 10.8 percent; 1956-60, 8.5 percent; 1961-65, 6.0 percent; 1966-70, 7.4 percent; 1971-75, 6.4 percent; 1976-1980, 4.1 percent; 1981-85, 3 percent; 1986-88, 3 percent. Statisticheskii ezhegodnik stran – Chlenov soveta ekonomicheskol vzaimopomoshchi (Moscow 1989), p. 18.
73. Financial Times, 12 May 1992
74. L. Trotsky, Writings 1933-34, op. cit., pp. 102-103
75. M. Haynes, Class and Crisis: The Transition in Eastern Europe, International Socialism 54, Spring 1992, pp. 46-47
76. Ibid., p.90.
77. Ibid., p.69
78. T. Cliff, State Capitalism in Russia, op. cit., pp. 221-222.

« السابق التالي »