التروتسكية بعد تروتسكي
انتعشت رأسمالية السوق في الغرب في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كان ذلك على العكس من توقع تروتسكي، الذي ظل ماندل وآخرون يؤمنون به. وأسفر الجهد الذي بُذل لحل هذا التناقض عن نظرية اقتصاد التسلُّح الدائم.
لفهم كيف حدث ذلك من المفيد أن أحوِّل الحديث هنا إلى إلمامٍ قصير من سيرتي الذاتية. عملت في فلسطين بشكلٍ مستقل على بناء مجموعة تروتسكية صغيرة -حوالي 30 عضوًا- من الصفر، وكان ذلك إعدادًا قيمًا للغاية من أجل التسارع مع المصاعب الجمَّة التي واجهتها الحركة التروتسكية الأممية مع نهاية الحرب العالمية الثانية. كنت أشبه بالطفل الصغير في حكاية هانز كريستيان أندرسون عن الملابس الجديدة للإمبراطور. لقد عانى التروتسكيون، بعد سنوات من العزلة والعذاب في ظل النازية والستالينية، من الحاجة النفسية للإيمان بالمعجزات. كان الموقف الحقيقي مؤلمًا للغاية. أتصور أنني لو كنت تطورت سياسيًا كعضو في المنظمة التروتسكية البريطانية، التي كانت تتألف من حوالي 400 عضوًا في 1946، لكنت ربما وقعت تحت ضغط أكبر مما يمكنني أن أتعامل معه. لم يكن من الكافي على الإطلاق أنني قرأت مؤلفات ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي حتى أفلت بنفسي من الوقوع في فخ الدوجمائية. لم يكن ماندل أو بابلو أقل معرفة مني بالأدبيات الماركسية. بالنظر إلى الأمور بأثر رجعي، أعتبر إنها ميزة سياسية بالنسبة لي أنني كنت فلسطينيًا معزولًا في بريطانيا في ذلك الوقت.
عندما جئت إلى بريطانيا في 1946، ورأيت الظروف السائدة فيها آنذاك من عين بلد مستعمر، دُهشت من أن:
“مستوى معيشة العمال كان مرتفعًا. حيث زرت عاملًا في منزله – وكان منزلًا عاديًا تمامًا- سألت عن وظيفته، وأجابني أنه كان عاملًا هندسيًا. لم تكن إنجليزيتي جيدة بما فيه الكفاية، فظننت أنه يقصد مهندسًا ذا شهادة جامعية، لكنه كان عاملًا هندسيًا نصف ماهر. كانت تلك صدمة كبرى لي. كان الأطفال أفضل حالًا مما في الثلاثينيات، ولم أرَ أطفالًا حفاة إلا في دبلن. لم يعد الأطفال يصابون بالكساح. ولقد ساعدني ذلك في إدراك أن الأزمة النهائية ليست على الأبواب” (78).
واجه بعض الناس في الحركة التروتسكية بعض الصعوبة في التعامل مع التضارب بين الرخاء الطويل وتوقع تروتسكي. واصل جيري هيلي العيش في خيالات الكارثة الرأسمالية الوشيكة. ولا طالما كان ماندل متأخرًا عن الأحداث، مستخدمًا صيغًا ملتوية عن آليات عمل الرأسمالية، وبدلًا من التوضيح كان يعمق حالة الارتباك (79). كانت أول مقالة سجالية أكتبها عن الموضوع قد تحدت ماندل، وظهرت في العام 1947، كانت نقدًا لمحاولة إنكار التعافي الاقتصادي ما بعد الحرب، لكنها مع ذلك لم تتجاوز رفض المفهوم الميكانيكي للاقتصاد الماركسي (80).
إن فهما فعالًا للأزمة العامة ليس عليه أن يتصارع مع المشكلات الناشئة من خطأ توقع تروتسكي فحسب، بل أيضًا أن تتعامل مع أنبياء الرخاء الرأسمالي الأبدي، الذين جادلوا بأن النظام سيظل منتعشًا طالما حافظ على اتباع السياسات الاقتصادية الكينيزية.
كان التوظيف الكامل حقيقة واقعة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الافتراض بأنها جاءت نتيجة السياسات الكينيزية أشبه بتصديق أن صياح الديك هو الذي يجعل الشمس تشرق. منذ العام 1928 فصاعدًا جادل جون ماينارد كينيز بأن المسئولية الأولى على الحكومة هي أن تستخدم سياساتها المالية والنقدية لضمان ما يكفي من الطلب الفعال في الاقتصاد للحفاظ على التوظيف الكامل. طوًر كينيز أفكاره بشكل أكبر في العام 1936 في كتابه “النظرية العامة للتوظيف والفائدة والأموال”. لكن نصائحه لم تجد آذانًا صاغية على الإطلاق من جانب حكومات تلك الفترة. لم تقبل حكومات المحافظين ولا حزب العمال ولا الحكومات الوطنية آراء أو مجادلات كينيز.
لم تتغير الأمور حين لاحت الحرب في الأفق. صار الرأسماليون، الذين كانوا من قبل متقاعسين في إنفاق الأموال في الأعمال العامة في وقت السِلم، أسخياءً للغاية في ضخ هذه الأموال للجيش. وهكذا، في الولايات المتحدة على سبيل المثال، كان الرأسماليون ساخطين للغاية على ما تسبب فيه روزفلت من زيادة للعجز في الموازنة السنوية من أكثر من 2 مليار دولار إلى أكثر من 4 مليار (3.6 مليار في 1934، و3 مليار في 1935، و3.4 مليار في 1936 و2.7 مليار في 1937)، لكنهم لم يمانعوا على الإطلاق عجزًا قدره 59 مليار دولار في 1941 – 1942، من غير المرجح أن يكون هتلر قد قرأ “النظرية العامة” لكينيز، لكنه حقق بالفعل توظيفًا كاملًا بتعبئة الملايين في الجيش والصناعة العسكرية. كان سباق التسلُّح وليس ذلك الاقتصادي الكامبريدجي هو من صنع الفارق.
غير أنه عندما تم التوصل إلى التوظيف الكامل، لأول مرة منذ عقدين، صارت فكرة أنه يمكن الحفاظ على ذلك من خلال إدارة الدولة للطلب واسعة الانتشار. بالنسبة للقادة السياسيين من كل الأحزاب في جيل ما بعد الحرب، بدا أن المبدأ الذي طرحه كينيز قد أثبت صحته على نحو كامل.
أعلن عدد من الماركسيين السابقين أنهم صاروا أنصارًا لكينيز. كان من بين هؤلاء جون ستراتشي. كتب ستراتشي ثلاثة كتب في الفترة من 1932 إلى 1935، هم “الصراع القادم على السلطة” و”تهديد الفاشية” و”طبيعة الأزمة الرأسمالية”، ادعى فيهم أنه ماركسي أرثوذوكسي (حتى رغم أنه كان في الحقيقة متأثرًا بشدة بالستالينية).
وفي 1940، نشر استراتشي كتابًا جديدًا بعنوان “برنامج للنجاح”، جادل في أنه رغم أن الاشتراكية هي العلاج الوحيد للعلل الرأسمالية، على الأمد البعيد، فإن ما تزداد الحاجة إليه على الأمد القريب هو برنامج وسيط لإصلاح الرأسمالية مثل “الصفقة الجديدة” لروزفلت. تضمن برنامج هو ست نقاط: توسيع الاستثمار العام، وخفض معدلات الفائدة على قروض رأس المال، وتنمية الخدمات الاجتماعية، ومخصصات مالية للأفراد، ونظام ضريبي معاد توزيعه، على أن يجري ذلك في ظل نظام مصرفي تحت تحكم الدولة ورقابة عامة صارمة على ميزان المدفوعات (81). كان هذا البرنامج واقفًا عند حدود شديدة التدني، إلى درجة أن اليميني أنتوني كروسلاند قال بشأنه: “إنه برنامج أكثر اعتدالًا بما لا يقاس ببرنامج حزب العمال في 1973” (82). واصل جون ستراتشي الاحتفاء ببعض تحليلات ماركس، ووصف المجتمع بأنه “رأسمالي”. لكنه استنتج أن البطالة والأزمات صارت ذكريات من الماضي. قال إن الديمقراطية الجماهيرية وتقنيات التدخل الاقتصادي من جانب الحكومة، الذي اكتشفها كينيز، تعني أن الرأسمالية أصبحت الآن مخططة.
أشاد كروسلاند كثيرًا برأس المال الذي أصلحته الأساليب الكينيزية، وجادل كتاب “مستقبل الاشتراكية” 1956، أن فوضى الرأسمالية قد ذهبت الآن إلى غير رجعة، وهكذا أيضًا صراع الطبقات. صار النظام في نظره آنذاك أكثر عقلانية وديمقراطية، بل أن الرأسمالية نفسها سوف تذوب بسلاسة وسلام. كل الحديث عن أن الإنتاج موجه بالأساس لدر الأرباح وليس إشباع الاحتياجات البشرية، كان بالنسبة لكروسلاند مجرد هراء: “الصناعة الخاصة أخيرًا تصبح ذات طابع إنساني” (83). وقد بدأت بالفعل “ثورة سلمية” يصبح فيها من غير المعقول التفكير في الصراع الطبقي: “لا يمكن للمرء اليوم تصور تحالف هجومي عمدي بين الحكومة وأصحاب العمل ضد النقابات” (84). وأضاف أيضًا: “إننا في بريطانيا نقف الآن على أعتاب وفرة هائلة”(85).
وقال إنه بما أن الكينيزية ضمنت الآن نموًا جامحًا، صار بإمكان الدولة التطلع إلى عوائد ضريبية مرتفعة كي تتمكن من تمويل إصلاحات اجتماعية وخطط رفاها اجتماعية عديدة. وبالتالي على الاشتراكيين أن يصرفوا انتباههم على القضايا الاقتصادية. لكن إلى ماذا؟
“سوف نحوِّل اهتمامنا على نحو متزايد، وعلى الأمد الطويل، إلى مجالات أهم، حيث الحرية الشخصية، والسعادة، والمساعي الثقافية، وتنمية وقت الفراغ والجمال والرشاقة والإثارة.. المزيد من المقاهي المفتوحة، والشوارع الأكثر إضاءة وبهجة في الليل، وساعات إغلاق أكثر تأخرًا للأماكن العامة، والمزيد من المسارح المحلية، والمزيد من المطاعم والفنادق الأفضل ضيافة… والمزيد من الجداريات والصور في الأماكن العامة، والتصاميم الأفضل للأثاث والأواني وملابس النساء، ومصابيح أفضل تصميمًا في أعمدة الإنارة، وتماثيل في القلب من عقارات المساكن، وكبائن هاتف أكثر، وهكذا إلى ما لا نهاية” (86).
في حين دحضت التناقضات الفورية لرخاء ما بعد الحرب أطروحات ماندل وهيلي، كان على الكينيزيين والمدافعين عن الرأسمالية أن ينتظروا على مدى أطول الأزمات المتلاحقة ومتزايدة العمق التي اجتاحت الرأسمالية الغربية منذ السبعينيات.
لقد تجنبت نظرية اقتصاد التسلُّح الدائم الوقوع في أفخاخ كلا الموقفين. نشأت النظرية من تطور نظرية رأسمالية الدولة، إذ أن فهم روسيا أصبح المفتاح الذي يفك عقدة رخاء ما بعد الحرب في الرأسمالية الغربية. لماذا كان ذلك؟
حددت نظرية رأسمالية الدولة التنافس العسكري بين روسيا والبلدان الرأسمالية الغربية باعتباره الآلية الرئيسة التي تدفع دينامية التراكم الرأسمالي في روسيا. يوضح إنتاج السلاح في روسيا أيضًا لماذا لم تعانِ هذه الدولة من دورة الرخاء والركود. والعكس أيضًا كان صحيحًا، فقد ظل الإنفاق على السلاح عاليًا على الجانب الأخر من “الستار الحديدي” رغم انقضاء الحرب العالمية الثانية.
يتضمن كتاب “الطبيعة الطبقية لروسيا الستالينية” فصلا بعنوان: “الإنتاج واستهلاك وسائل التدمير”، يتسم إنتاج السلاح بخصائص فريدة، إذ هو لا يقدم وسائل إنتاج جديدة (القسم الأول، إذا استخدمنا مصطلحات ماركس في “رأس المال”)، ولا هو يساهم في استهلاك الطبقة العاملة (القسم الثاني أ). وهكذا فإن ناتج صناعة السلاح لا يغذي المزيد من الإنتاج. إنه شكل من الاستهلاك غير الإنتاجي، الشبيه باستهلاك السلع الترفيهية من قبل الرأسماليين أنفسهم (القسم الثاني ب أو القسم الثالث) (87).
إن إنتاج السلاح هو “الاستهلاك الجماعي للطبقة الرأسمالية” الذي يضمن أن هذه الطبقة، من خلال التوسع العسكري، سوف تحصل على “رأس مال جديد واحتمالات جديدة للتراكم”. والقدرة على اكتساب احتمالات أو إمكانيات جديدة للتراكم تميِّز “إنتاج واستهلاك وسائل التدمير” عن أي استهلاك آخر للطبقة الرأسمالية.
أشار “الطبيعة الطبقية لروسيا الستالينية” إلى أن السمات الداعمة للاستقرار لإنتاج السلاح توضِّح لماذا لم تشهد رأسمالية الدولة في روسيا في الدورة الكلاسيكية للرخاء والركود السائدة في اقتصاد السوق (88). وكان التحليل أعلاه بمثابة جسر يؤدي إلى نظرية اقتصاد التسلُّح الدائم التي شدَّدت على دور الإنفاق العسكري في توسيع اقتصاد بلدان السوق الرأسمالية.
وفي مايو 1957، أصبحت الفكرة أكثر تحديدًا في مقالة بعنوان “أبعاد اقتصاد الحرب الدائم”، انتقلت من تأثير الإنفاق العسكري على ديناميات روسيا الستالينية إلى تأثيره على الرأسمالية في الغرب واليابان (89).
ولم يكن تأثير الإنفاق على السلاح يُرى على أنه أمر “عارض”، فالمستوى الاقتصادي للمجتمع، أي المستوى الذي بلغته قواه الإنتاجية، هو العامل الحاسم في تنظيم جيوشه. وكما قال ماركس، فإن “نظريتنا بأن تنظيم العمل يتشكل بواسطة وسائل الإنتاج، لا تبرز، فيما يبدو، في أي مكان آخر بقدر ما تبرز في صناعة المجزرة البشرية”.
في الحقبة المبكرة للرأسمالية، جعل تأخر الاقتصاد من المستحيل إطعام وتسليح جيوش كبيرة. ومقارنة بالجيوش الجرارة التي احتشدت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، كانت جيوش الرأسمالية الصاعدة المبكرة ضئيلة. وحتى خلال الحروب النابليونية، لم تكن فرنسا، الحاكم الفعلية لكل أوروبا، تحظى بأي حال بأكثر من نصف مليون جندي. وكانت القوات المسلحة البريطانية في ذلك الوقت أصغر من عُشر نظيرتها الفرنسية. أعلن فريدريك العظيم بشأن حروب القرن 18، قائلا: “لا ينبغي أن يشعر المواطن المسالم بأننا في حرب” (90). وحتى خلال حروب القرن التاسع عشر، حيث الحروب النابليونية، وحروب الأفيون، وحرب القرم، إلخ، لم تكد الحياة ككل في الأمم الغازية تتأثر بشيء.
1914: نقطة التحول
كل هذا تغيَّر مع الحرب العالمية الأولى. فرنسا مثلًا في تلك الحرب، وهي التي زادت عددها السكاني بمقدار 10 مليون فقط عما كان خلال الفترة النابليونية (من 30 إلى 40 مليون)، حشدت في تلك الحرب ما يربو إلى خمسة ملايين جندي. شهدت البلدان المتحاربة الأخرى زيادات شبيهة. ومع الزيادة الهائلة في حجم الجيوش، صارت هناك زيادة فائقة أيضًا في الإنفاق على التقنية العسكرية، وأحدث كلا العاملين تغييرًا في دور القطاع العسكري في إجمالي الاقتصاد الوطني.
ومع تكييف نسبة مهمة من السكان، وتخصيص حصة كبيرة من الاقتصاد في خدمة الحرب، لم يكن الجنود وحدهم هم مَن انخرطوا في الحرب، بل إلى جانبهم ملايين من العمال الصناعيين والعمال الزراعيين والفلاحين، وغيرهم. في الحقيقة، شعر كل السكان المدنيين بتأثير الحرب.
قبل الحرب العالمية الأولى، رغم أن القوى الإمبريالية كانت إلى حد ما مستعدة للمعارك، كان الاقتصاد بالكاد معبأ لإنتاج السلاح، إن كان معبأ لهذا الغرض على الإطلاق. لم تبدأ الطبقة الحاكمة في اتخاذ قرارات لمواكبة الموقف الذي واجهته – الاختيار بين الخبز والسلاح – إلا بعد الحروب العديدة التي خاضتها.
وبالتالي، حتى العام 1914، كان من الممكن تحليل تطور الرأسمالية دون إيلاء الكثير من الانتباه للحروب والاستعداد لها، إذ لم يكن لها إلا دور محدود في التطور الاقتصادي. وعلى الفور بعد الحرب العالمية الأولى، تراجع القطاع العسكري عن الاقتصاد مرة أخرى، إذ سرًحت الجيوش الكبرى إلى حد بعيد وانخفض إنتاج السلاح بشدة.
غير أنه، في بداية الكساد الكبير في الثلاثينيات وصعود هتلر إلى السلطة، ظهر لأول مرة في التاريخ قطاع عسكري قوي في وقت السلم. بين عامي 1939 و1944، تضاعفت الذخائر في ألمانيا 5 مرات، وفي اليابان 10 مرات، وفي بريطانيا 25 مرة، وفي الولايات المتحدة 50 مرة (91).
وبينما مرت فترة تناهز عقدًا ونصف بعد الحرب العالمية الأولى خلت فيها البلدان المتقدمة من قطاعات حرب كبيرة نسبيًا، لم يكن هناك مثل ذلك الفاصل الزمني بعد الحرب العالمية الثانية. فبعدما وضعت أوزارها، بدا سباق التسلُّح على الفور مرة أخرى.
الأسلحة والرخاء والركود
سابقًا، ولأكثر من قرن من الزمان، مرت الرأسمالية بحلقة منتظمة من الرخاء والركود. كانت فترات الركود تتكرر بانتظام تقريبًا كل 10 أعوام، لكن منذ تدشين اقتصاد الحرب الدائم، يبدو أن الحلقة انكسرت بطريقة ما. لفهم كيف حدث ذلك؛ كيف تمكن قطاع عسكري يمثل 10% أو أقل من الاقتصاد الوطني من منع الركود العام، لابد أولًا أن نلخص أسباب الركود في ظل الرأسمالية الكلاسيكية.
إن السبب الرئيسي في أزمات فيض الإنتاج في الرأسمالية هي القدرة الشرائية المتدنية نسبيًا للجماهير مقارنة بالقدرة الإنتاجية للصناعة. وكما قال ماركس:
“يبقى السبب النهائي لكل الأزمات الحقيقية دائمًا هو الفقر والاستهلاك المقيد للجماهير في مقابل دافع الإنتاج الرأسمالي لتطوير قوى الإنتاج، رغم أن فقط القوة الاستهلاكية المطلقة للمجتمع هي التي تضع الحدود أمام قوى الإنتاج” (92).
في التحليل الأخير، فإن سبب الأزمة الرأسمالية هو أن حصة أكبر وأكبر من دخل المجتمع تقع في يد الطبقة الرأسمالية، وحصة أكبر وأكبر من هذه توجه ليس إلى شراء وسائل استهلاك، بل وسائل إنتاج – أي أنها توجه إلى مراكمة رأس المال. والزيادة النسبية لتلك الحصة من الدخل القومي الموجه للتراكم مقارنة بذلك الجزء الموجه للاستهلاك، لابد أن تؤدي إلى فيض الإنتاج، وهو وضع لا يمكن للقدر الزائد من السلع المنتجة أن يُباع لأن المستهلكين ليس لديهم وسيلة تمكنهم من شرائه.
هذه عملية تراكمية؛ تكون فيها كل زيادة في التراكم مصحوبة بترشيد وابتكار تقني يسفر عن زيادة في معدل الاستغلال. وكلما زاد معدل الاستغلال، زادت الأموال التي يُستخلص منها التراكم مقارنة بأجور العمال والعائد على الرأسمالي. التراكم يجلب المزيد من التراكم.
تأثير ميزانية التسلُّح
أثرى الإنفاق الضخم على التسلُّح على النزوع إلى الأزمات بعد الحرب. صار آنذاك اقتصاد التسلُّح يتمتع بتأثير هائل على القوى الشرائية الشعبية، وعلى مستوى التراكم الحقيقي لرأس المال، وكمية السلع التي تبحث عن سوق.
دعونا نفترض أن هناك مليون شخص يسعون للحصول على وظائف في بلدٍ معين، وأن 10% منهم وظفتهم الحكومة في إنتاج السلاح – أي 100 ألف شخص. ستؤدي قدرتهم الشرائية إلى توظيف المزيد من الناس في أماكن أخرى. أطلق كينيز على العلاقة العددية بين الفئة الأولى والثانية اسم “المضاعف”.
وبغرض الاختصار، يمكن استعارة هذا المصطلح على نحو مفيد. حين يكون المضاعف اثنين، يؤدي توظيف الدولة لـ 100 ألف عامل إلى زيادة التوظيف العام بقدر 200 ألف. وإذا كان المضاعف ثلاثة، تبلغ الزيادة 300 ألف، وهكذا. وبالتالي ما من شك في أن التأثير التراكمي لميزانية سلاح بنسبة 10% من الدخل القومي يمكن أن تتجاوز نسبة حجمها في قدرتها على زيادة القوة الشرائية للجماهير.
ومرة أخرى، حين تذهب 10% من الدخل القومي إلى السلاح، فإن مصادر رأس المال الساعية إلى الاستثمار في صناعات سلمية تنخفض بشكل كبير؛ من 20 إلى 10% من الدخل القومي في المثال الذي ضربناه. وتؤدي زيادة القدرة الشرائية لدى الجماهير، مع الطلب الجديد من جانب الدولة على السلاح وملابس الجيش وتشييد الثكنات، إلخ، إلى فتح أفاق جديدة للبيع، وتكبح أزمات فائض الإنتاج.
بالإضافة إلى ذلك، يؤثر اقتصاد الحرب بشكل كبير على زيادة معدل ارتفاع الطلب على السلع غير العسكرية التي تبحث عن مشترين مدنيين. لا يسبب التوظيف الكامل زيادة في العدد الإجمالي للناس الذين يتقاضون أجورًا فقط، بل أيضًا يسبب إحكامًا في سوق العمل يمكن العمال من كسب أجور أعلى. وعلى نحو إشكالي، لا ينفي هذا إمكانية زيادة الأرباح، يعمل رأس المال بصورة كاملة أكثر مما في حالات أخرى، بحيث لا تكون هناك قدرات خاملة أو رأس مال يعمل بالخسارة. وهكذا على سبيل المثال، خلال السنوات بين 1937 و1942، زادت الأجور الإجمالية في الصناعة الأمريكية بنسبة 70%، بينما زادت الأرباح بنسبة 400%!
ومع توافر قوى الإنتاج الهائلة أمام المجتمع، لم تؤدِ الزيادة في عبء التسلُّح بالضرورة إلى انخفاض في الاستهلاك المدني، بل على العكس. برز ذلك بأوضح صوره في البلد الرأسمالي الأغنى في العالم، الولايات المتحدة، خلال الحرب العالمية الثانية. رغم أن الولايات المتحدة أنفقت في العام 1943 مبلغًا ضخمًا بلغ 83.7 مليار دولار على الحرب، لم ينخفض الاستهلاك المدني، بل في الحقيقة زاد عما كان قبل الحرب؛ من 61.7 مليار دولار في 1939 إلى 70.8 مليار في 1943 (بأسعار 1939)، وهي زيادة بلغت 14.7%.
أظهرت نظرية اقتصاد التسلُّح الدائم لماذا لم يثبت توقع تروتسكي صحته. لكنها لم تتوقف عند هذا الحد، فقد أوضحت أيضًا أن الرخاء الاقتصادي الصاعد على ظهر القنبلة النووية لا يمكن على المدى الطويل أن يكون مستقرًا أو آمنًا. حتى عندما كانت الرأسمالية العالمية مزدهرة، نتيجة الإنفاق العسكري، لم تستفد كل البلدان من عبء الميزانيات العسكرية المرتفعة. تلك البلدان التي أنفقت أقل، استفادت بنسبة عكسية مع الإنفاق العسكري. جادلت الوثيقة الخاصة بروسيا، والصادرة عام 1948، بأن الرأسمالية بصورة عامة تشهد فقط استقرارٍا مؤقتًا. ذكرت أن:
“القوى الرأسمالية ربما تتنافس بشراسة على السوق العالمية، حتى أن كلًا منها، من أجل تعزيز وضعها، تبدأ في خفض الإنفاق على السلاح. نحن نشهد اليوم في بريطانيا ضغطًا من أجل خفض “ميزانية الدفاع” عبر التنافس مع ألمانيا، علاوة على تدهور في ميزان مدفوعاتها الدولية. ليس هناك من بلد حتى الآن قادر على مقارعة الولايات المتحدة، وإجبارها على التخلي عن سباق التسلُّح والبدء في التنافس على “مَن يخفض ميزانية السلاح أسرع من الآخر”. يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل الميزانية العسكرية الأكبر في العالم، وفي الوقت نفسه الاستثمار الأكبر في الصناعة على الإطلاق” (93).
هذا العيب غير المتكافئ لسباق التسلُّح يقود إلى زعزعة الاستقرار، رغم أن الوثيقة توقعت – بصورة خاطئة كما اتضح لاحقًا – أن روسيا ربما تكون هي الفائز:
“مع القفزات الكبرى للصناعة الروسية، من الممكن في غضون 20 سنة أخرى أن تتمكن روسيا من تحدي الولايات المتحدة في السوق العالمية في فروع معينة – فروع الصناعة الثقيلة. وعندئذ ربما تخفض الولايات المتحدة ميزانية الدفاع الخاصة بها من أجل تعويض الهزيمة في السوق العالمية” (94). غير أن المجادلة الرئيسة كانت صائبة:
“ربما يتراجع نفع اقتصاد الحرب أكثر وأكثر من حيث كونه علاجًا لفيض الإنتاج وعامل استقرار للرأسمالي. وحين يصبح من الممكن الاستغناء عن اقتصاد الحرب، سوف يخسر الرخاء الرأسمالي الكثير بالتأكيد” (95).
في الواقع، لم تكن روسيا هي التي أجبرت الولايات المتحدة على خفض ميزانيتها العسكرية، بل بالأساس ألمانيا الغربية واليابان، اللتان حُرمتا من الاحتفاظ بجيوش كبيرة لأنهما خسرتا الحرب. بيد أن “الطبيعة الطبقية لروسيا الستالينية” كانت صائبة في استبصار أن استقرار السوق الرأسمالية عبر الإنفاق العسكري سيكون فقط مؤقتًا.
وبالفعل، من خلال تصريف فائض القيمة بعيدًا عن الاستثمار الإنتاجي، نزعت السوق الرأسمالية نحو تفادي الركود على حساب ميل طويل الأجل نحوه. وجدت تلك الاقتصادات ذات الإنفاق العسكري المرتفع نسبيًا نفسها في نهاية المطاف في وضعٍ تنافسي غير مواتٍ، وبالتالي اضطرت إلى زيادة نصيب الاستثمار الموجه لصناعات معينة. وسمح هذا بالجنوح إلى الحلقة الاقتصادية الكلاسيكية التي فرضت نفسها من جديد (96).
أدَّت المنافسة المتنامية بين الولايات المتحدة من جهة، واليابان وألمانيا الغربية من الجهة الأخرى، تلك المنافسة التي ازدادت حدة بفعل التوزيع غير المتكافئ لعبء إنتاج السلاح إلى زعزعة استقرار الاقتصاد والعودة إلى الكساد العالمي. لقد أثبت التوقع القائل بأن الاقتصاد العالمي سوف يتباطأ في غضون عدد من السنين صحته، إذ كان الناتج العالمي قد ارتفع سنويًا بنسبة 5.4% في سنوات 1950-1963، ثم 6% في 1963-1973، قد تراجع إلى 2.6% في 1973-1990، ثم 1.4% في 1990-1996 (97).
أنفقت الولايات المتحدة نسبة من دخلها الاقتصادي القومي على السلاح أكبر بكثير من اليابان أو ألمانيا الغربية. لم تنفق اليابان أكثر من 1% من دخلها القومي على الدفاع. ونتيجة لذلك، نجحت اليابان في مراقبة المزيد من رأس المال والاستثمار بشكل أكبر في الصناعة من أجل إعادة بناء مصانعها وتزويدها بالآلات. وأسفر ذلك عن تحفظات كبرى قطعتها صناعة السيارات اليابانية. وحلت صناعة السفن اليابانية محل نظيرتها البريطانية باعتبارها الأولى في العالم، وفي مجال الإلكترونيات تجاوزت اليابان ألمانيا، التي كانت في صدارة هذه الصناعة لوقت طويل، وهلم جرا.
فاقمت حرب فيتنام من تأخر الولايات المتحدة في الصناعة بالنسبة لألمانيا واليابان. والنتيجة هي أن ضعف الدولار كشف عن نفسه في العام 1973 في صورة انفجار في سعر النفط – الذي كان محددًا بالدولار. لقد انتهى الرخاء الطويل.
تعتبر نظرية اقتصاد التسلُّح الدائم من المسلم به أن جنون الرأسمالية لا يقل حدة مع تقدم عمر النظام. لم تصبح الرأسمالية، التي وصفها ماركس بأنها على مدار تاريخها مغطاة بالوحل والدماء، مُحسنة أو خيرًة في عمرها المتقدم.
في حقيقة الأمر، تعد نظرية اقتصاد التسلُّح الدائم هي التعبير الأقصى عن وحشية وبربرية النظام (98).
المراجع
79. T. Cliff, Fifty Five Years a Revolutionary, Socialist Review 100, May 1987, pp. 14–29, reprinted in L. German and R. Hoveman (eds.), A Socialist Review (London, 1998), pp. 15–28.
80. See, for example, E. Mandel, Late Capitalism (London, 1975).
81. T. Cliff, All that Glitters is not Gold, op. cit., pp. 24–37.
82. J. Strachey, A Programme for Progress (London, 1940), pp. 210–211.
A. Crosland, The Future of Socialism (London, 1956).
83. Ibid., p. 37.
84. Ibid., pp. 32–33
85. Ibid., p. 23.
86. Ibid., pp. 520-522.
87. See T. Cliff, The Class Nature of Stalinist Russia, op. cit., pp. 121- 122.
88. Ibid., pp. 121-125
89. T. Cliff, Perspectives for the Permanent War Economy, Socialist Review, March 1957, reprinted in T. Cliff, Neither Washington Nor Moscow, op. cit., pp. 101-107.
90. Quoted Ibid., p. 101.
91. F. Sternberg, Capitalism and Socialism on Trial (London, 1951), p. 438
92. K. Marx, Capital, vol. III, ch. 30 Money Capital and Real Capital (Moscow, 1959), p. 484
93. T. Cliff, The Class Nature of Stalinist Russia, op. cit., pp. 121-125. T. Cliff, Neither Washington Nor Moscow, op. cit., pp. 106-107.
94. Ibid., p. 107.
95. Ibid., p. 107.
96. Ibid., p. 107
97. Financial Times, 4 September 1998
98. Further big steps in the development of the theory of the permanent arms economy were taken by Mike Kidron and Chris Harman. See M. Kidron, Western Capitalism Since the War (London, 1970) and A Permanent Arms Economy, and C. Harman, Explaining the Crisis (London, 1984).






