بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التروتسكية بعد تروتسكي

« السابق التالي »

الفصل الرابع: الثورة الدائمة المنحرفة

موضوعٌ آخر واجه تروتسكيو ما بعد الحرب صعوبة في فهمه هو التطورات في العالم الثالث. توقَّعت نظرية الثورة الدائمة كما وضعها تروتسكي إضعاف الإمبريالية في العالم الثالث والتغيير الاجتماعي فيها. كان ذلك سيأتي بدفع من الطبقة العاملة، التي تناضل من أجل استكمال مهمات الثورة البرجوازية وفي الوقت نفسه تشق طريقها للنضال من أجل الاشتراكية. أما مسألة ما إذا كانت الثورة الدائمة لتروتسكي قد فسَّرت على نحو ملائم التطورات الحاصلة في العالم الثالث فقد فرضتها بأكثر الأشكال حدة الصين في ظل ماو وكوبا في ظل كاسترو. هل انطبقت النظرية حقًا على هاتين الحالتين؟ لن ينجح الرد ببساطة بـ” نعم” أو ” لا” في الإجابة عن السؤال، هناك الكثير من الأمور المشتركة بين ما حدث في هذين البلدين ونظرية تروتسكي، لكن هناك أيضًا تباينًا جذريًا من زوايا عدة. وهكذا نشأت الحاجة إلى صياغة نظرية تشتمل على كلا البُعدين. وكانت هذه هي نظرية الثورة الدائمة المنحرفة.

صعود ماو إلى السلطة
لم تضطلع الطبقة العاملة الصناعية بدورٍ يُذكَر في انتصار الشيوعيين الصينيين الملتفين حول ماو على حزب الكومنتانغ القومي في 1949. وحتى التركيب الاجتماعي للحزب الشيوعي الصيني لم يكن يمت بصلة للطبقة العاملة. تزامن صعود ماو في صفوف الحزب مع وقتٍ كفَّ فيه الحزب عن أن يكون عماليًا. بحلول أواخر العام 1926 كان على الأقل 66% من الأعضاء عمالًا بينما يمثل المثقفون 22% والفلاحون 5% فقط (99). وفي نوفمبر 1928 فقدت نسبة العمال أربعة أخماسها وصولًا إلى 10% فحسب. وأقرَّ تقرير رسمي أن الحزب” لم يكن لديه خلية عمالية حية واحدة في أوساط العمال الصناعيين” (100). وبعد عام من ذلك، ألَّف العمال 3% من عضوية الحزب، وتدهورت النسبة عمليًا إلى لا شيء على الإطلاق بحلول أواخر العام 1930 (101). ومنذ ذلك الحين، وحتى الانتصار النهائي لماو لم يكن لدى الحزب أي عمال في الصناعة.

لعددٍ من السنوات، كان الحزب محصورًا في حركة الفلاحين المتمردة في القلب من مقاطعات وسط الصين، حيث أنشأ جمهورية سوفييتية صينية، وبعد هزيمةٍ عسكرية مُنِيَ بها الحزب في هذه المقاطعات في العام 1934، انتقل إلى شينسى الشمالية في الشمال الغربي من الصين. وفي كلتا المنطقتين، لم تكن هناك أي طبقة عاملة صناعية يمكن التحدث عنها. وليس من المبالغة أن تكتب صحيفةٌ تابعة للكومنترن (الأممية الشيوعية آنذاك) أن”المنطقة الحدودية هي أكثر المناطق تأخرًا من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية في الصين” (102). وكرَّر ” تشوتيه” قائلًا “إن المناطق تحت توجيه الشيوعيين هي الأكثر تأخرًا من الناحية الاقتصادية في البلد برمته” (103). ولم تقع مدينة واحدة حقيقية تحت سيطرة الشيوعيين إلا قبل عامين فقط من تأسيس جمهورية الصين الشعبية.

لم يكن للعمال أهميةٌ كائنةً ما كانت في استراتيجية الحزب الشيوعي خلال فترة صعود ماو إلى السلطة، إلى درجة أن الحزب لم يجد ضرورة في عقد مؤتمر للنقابات على الصعيد الوطني لمدة 19 سنة تلت آخر مؤتمر في عام 1929. لم يزعج الحزب نفسه بالسعي إلى دعم العمال، كما هو مشهود في إعلانه أنه لم ينتوِ الحفاظ على أية منظمة حزبية في المناطق الواقعة تحت سيطرة حزب الكومنتانغ في الفترة الحاسمة بين عامي 1937 و1945 (104). وفي ديسمبر 1937، حين أصدر الكومنتانغ مرسومًا يقضي بإعدام العمال الذين يضربون عن العمل أو يحرضون على الإضراب، بينما كانت حربه ضد اليابانيين تجري على قدم وساق، قال متحدث باسم الحزب الشيوعي في حوار أُجرِيَ معه إن الحزب “راضٍ تمامًا” عن أداء الحكومة في الحرب (105). وحتى بعد اندلاع الحرب الأهلية بين الحزب الشيوعي وحزب الكومنتانغ، لم تكن هناك منظمات تابعة للحزب الشيوعي في مناطق حزب الكومنتانغ، التي تضمنت كل المراكز الصناعية في البلد برمته ولقد كشف ظفر ماو بالمدن والبلدان، أكثر من أي شيء آخر، الانفصال التام للحزب الشيوعي عن الطبقة العاملة الصناعية. بذل القادة الشيوعيون كل ما بوسعهم للحيلولة دون اي انتفاضة عمالية عشية استيلائهم عليها. وقبل سقوط تيانسين وبكين، على سبيل المثال، أصدر الجنرال لين بياو، قائد جيش التحرير الشعبي، نداءً يدعو فيه الشعب إلى: “حفظ النظام ومواصلة أعمالهم القائمة. كل مسؤولي الكومنتانغ، وأفراد الشرطة على مستوى المقاطعة أو المدينة أو البلد بأكمله، أو على أي مستوى آخر من المؤسسات الحكومية، سواء كانت إقليمية أو بلدية أو قروية، أو أفراد الباوتشيا (جهاز أمن الكومنتانغ) … مسموح لهم بالبقاء في مواقعهم (106).

وفي وقت عبور نهر يانجستي، قبل سقوط المدن الكبرى في وسط وجنوب الصين في أيديهم (شانغهاي وهانكاو وكانتون)، أصدر ماو وتشوتيه نداءً يحمل كلماتٍ شبيهة:
“سوف يستمر العاملون والموظفون في كل القطاعات في عملهم… وسوف يبقى مسئولي الكومنتانغ في الحكومات المركزية والمقاطعية والبلدية على كافة المستويات، وكذلك مندوبي “الجمعية العمومية”، وأعضاء الأجهزة التشريعية، وأعضاء المجلس السياسي الشعبي، وأفراد الشرطة، ورؤساء منظمات الباو تشيا … كلٌّ في مكانه” (107).

أذعنت الطبقة العاملة وظلَّت خاملة، ووصف تقرير من نانجينغ في 22 أبريل 1949، قبل يومين من سيطرة جيش التحرير الشعبي عليها، الوضع بهذه الطريقة:
“لا يُظهِر سكان نانجينغ أي علامةٍ على الإثارة، شُوهِدَت حشودٌ فضولية تتجمَّع هذا الصباح عند ضفة النهر لمشاهدة تراشق إطلاق النار على الضفة الأخرى. تسير الأعمال كما المعتاد. بعض المحال التجارية أغلقت أبوابها، لكن ذلك نتيجة غياب أعمالٍ تقوم بها… وبيوت العرض المتنقلة ماتزال تقدم عروضها على البيوت المكتظة”.
وبعد شهر، كتب مراسل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية من شانغهاي: “بدأت القوات الحمراء في وضع ملصقات بالصينية تناشد السكان بالبقاء هادئين وتطمئنهم بألا يخافوا شيئًا” (108). وفي كانتون، “تواصل الشيوعيين بعد دخولهم مع قسم الشرطة ووجهوا الضباط وأفراد الشرطة الآخرين بأن يظلوا في مواقعهم ويحفظوا الأمن” (109).

إن مجادلة تروتسكي بأن مهمات الثورة البرجوازية، مثل التحرر من قبضة الهيمنة الإمبريالية، لا يمكن تحقيقها إلا على يد العمال، غير قادرة على تفسير ما حدث في الصين.

ثورة كاسترو
حدث مثالٌ آخر على التطورات التي لا تلائم السيناريو الذي وضعه تروتسكي، في كوبا. في هذه الحالة، لم تضطلع الطبقة العاملة، ولا حتى الفلاحون، بدورٍ مهم. لقد ملأ مثقفو الطبقة الوسطى المساحة الكاملة للنضال في صعود كاسترو إلى السلطة. يتعامل كتاب رايت ميلز الذي يحمل عنوان “اسمع أيها الأمريكي”، والذي هو بمثابة حديث مُطوَّل على لسان القادة الكوبيين، في المقام الأول مع ما لم تكنه الثورة:
“الثورة نفسها لم تكن قتالًا … أو صراعاً بين العمال والرأسماليين… إن ثورتنا ليست ثورة نقابات عمالية أو عمال بأجر في المدينة أو أحزاب عمالية أو أي من هذا القبيل … لم يكن للعمال في المدن أي وعي ثوري. إن نقاباتهم مثلها مثل نقاباتكم في أمريكا الشمالية؛ لا تكترث الا بالمزيد من الأجر وبتحسين الظروف. هذا هو كل ما يحرِّكها. وبعضها حتى أكثر فساداً مما لديكم” (110).

وبعد مناقشات مع قائدة كوبا الجدد، كتب بول باران، الداعم غير النقدي لكاسترو:
“بدا أن شريحة الطبقة العاملة الصناعية ظلت، بكاملها، سلبيةً على مدار الفترة الثورية. هؤلاء العمال، الذين يشكلون القطاع “الأرستقراطي” من البروليتاريا الكوبية، والذين يعتاشون على أرباح الشركات الاحتكارية سواء كانت محلية أو أجنبية، يتقاضون أجوراً جيدة بالمعايير الأمريكية اللاتينية، ويتمتعون بمستوى معيشي أعلي بكثير من جماهير الشعب الكوبي. كانت الحركة النقابية القوية يومًا ما قابعة تحت هيمنة “نقابية شركاتية” على الطراز الامريكي (111).

تبدَّت لامبالاة البروليتاريا الصناعية في الفشل الذريع لدعوة كاسترو للإضراب العام في9 أبريل 1958 بعد 16 شهراً من بدء الانتفاضة، وقبل 8 أشهر من سقوط الديكتاتور الكوبي باتيستا. لم يكترث العمال بالدعوة، بينما الشيوعيون خرَّبوها. وهؤلاء -الشيوعيون- لم يقفزوا في عربة كاسترو، إلا بعد بعض الوقت (112).

لم تكن الطبقة العمالية وحدها هي البعيدة عن مشهد صعود كاسترو، بل ينطبق الأمر نفسه على الفلاحيين أيضًا. بعد وقتٍ لم يكن قليلًا، كان إجمالي عدد الرجال المسلَّحين لدي كاسترو 180 فقط، وفي وقت سقوط باتيستا لم يكن قد ازداد إلا إلى 803 فحسب (113). كانت كوادر كاسترو من المثقفين بالأساس والفلاحون الذين شاركوه لم يكونوا عمالًا ولا زراعيين. يصف تشي جيفارا الفلاحين الذين التحقوا بكاسترو في سييرا مايسترا على النحو التالي: “إن الجنود الذين شكلوا أول جيش حرب عصابات لنا من سكان القرى جاءوا من ذلك القطاع وتلك الطبقة الاجتماعية التي تعرب عن عشقها لتملُّك الأرض بأشد ما يكون، وهو ما يعبِّر ادق التعبير عن الروح التي تُصنَّف برجوازية صغيرة (114).

كانت حركة كاسترو حركة طبقة وسطى. كان الرجال الـ182 الذين غزوا كوبا من ناحية المكسيك تحت قيادة كاسترو في ديسمبر 1956، والرجال الـ١٢ الذين نجوا من القتل في سييرا مايسترا جميعًا من الطبقة الوسطى. “وقع عبء الخسائر الأثقل على كاهل حركة المقاومة التي كانت في معظمها من الطبقة الوسطى المدنية، والتي شكلت الأحماض السياسية والنفسية التي أخذت تأكل في القوة القتالية لباتيستا” (115).

وبمثل ما جرى في الحركة الكوبية، ألمح تشي جيفارا ضمنًا أن الطبقة العاملة الصناعية لن يكون لها علاقة بأي ثورة اشتراكية في المستقبل:
“إن الفلاحين، بجيشٍ يتألف من أبناء جلدتهم ويناضل من أجل أهدافهم العظمى، وبالأساس من أجل توزيع الأرض، سوف يأتون من الريف للاستيلاء على المدن… سوف يتقدَّم هذا الجيش، الذي يُبنَى في الريف، حيث تنضج الظروف الذاتية للاستيلاء على السلطة، لفتح المدن من خارجها” (116).

في بلدانٍ أخرى من العالم الثالث، لم تنهض الطبقة العاملة مُطلَقًا بأكثر من دورٍ معاون في التحولات الاجتماعية ما بعد الحرب، وحتى حينما كانت موجودة لم تكن تتحرك كقوة مستقلة تناضل من أجل الاشتراكية الثورية كما كان الحال في روسيا 1917. وبالتالي فإن عملية تجاوز العلاقات الاقتصادية – الاجتماعية المتأخرة داخليًا وإنجاز التحرر الوطني من الإمبريالية، أصبح في صدارتها قوى متنوعة قوامها الأغلب من المثقفين أو الدولة، لتقوم بالدور الذي نسبته نظرية الثورة الدائمة لتروتسكي إلى الطبقة العاملة. ورغم تنوع النتائج السياسية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، كانت رأسمالية الدولة بهذه الدرجة أو تلك هي النتيجة السائدة.

ما الخطأ الذي حدث لنظرية الثورة الدائمة لتروتسكي؟
يمكن تلخيص العناصر الرئيسة لنظرية تروتسكي في ست نقاط:
1. إن البرجوازية التي تصل متأخرة إلى المشهد الرأسمالي مختلفة جوهريًا عن سابقاتها قبل قرن أو اثنين. إنها عاجزة عن تقديم حل ديمقراطي وثوري متماسك للمشكلات التي يفرضها الإقطاع والاضطهاد الاستعماري. إنها عاجزة عن الإجهاز صراحةً على الإقطاع، وإنجاز استقلال وطني حقيقي، وإرساء ديمقراطية سياسية حقيقية. لقد كفَّت عن أن تكون ثوريةً سواء في البلدان المتقدمة أو المتأخرة، إنها قوةٌ محافِظة تمامًا.
2. يقع الدور الثوري الحاسم على كاهل البروليتاريا، حتى وإن كانت حديثة العهد وصغيرة العدد.
3. سوف يتبع الفلاحون، العاجزون عن التحرك المستقل، المدن وعلى ضوء النقطتين الأولى والثانية، سوف يتبعون البروليتاريا الصناعية.
4. إن حلًا متماسكًا للمسألة الزراعية، والقضية الوطنية، وتحطيم العوائق الاجتماعية والإمبريالية التي تحول دون التقدم الاقتصادي السريع، سوف يستلزم تجاوز حدود الملكية الخاصة البرجوازية: ” سوف تنضج الثورة الديمقراطية على الفور إلى ثورة اشتراكية، وبالتالي تصبح ثورة دائمة” (117).
5. من غير المعقول مواصلة الثورة الاشتراكية ” ضمن الحدود الوطنية” … وهكذا تصبح الثورة الاشتراكية ثورة دائمة بمعنى جديد واوسع للكلمة، إذ تصل إلى كمالها فقط في الانتصار النهائي للمجتمع الجديد على ظهر كوكبنا بأكمله” (118). ومن الوهم الرجعي ضيِّق الأفق محاولة وإرساء “الاشتراكية في بلد واحد”.
6. نتيجةً لذلك، سوف تؤدي الثورة في البلدان المتأخرة إلى توترات وتشنجات في البلدان المتقدمة. بينما يُعَد الطابع المحافظ والجبان للبرجوازية متأخرة التطور( النقطة الأولى لتروتسكي) قانونًا مطلقًا، فإن الطابع الثوري للطبقة العاملة حديثة العهد (النقطة الثانية) لا هو مُطلَق ولا حتمي. وإن لم تكن الطبقة العاملة، في الحقيقة، ثورية، لن تتحقق النقاط 3 و4 و 5.

وبمجرد أن يوضع الطابع الثوري الحاسم للطبقة العاملة، وهو الركيزة الرئيسية لنظرية تروتسكي، موضع الشك، فإن البناء بأكمله يتهاوى. لم تتحقق نقطته الثالثة، إذ لا يمكن للفلاحين أن يتبعوا طبقة عاملة غير ثورية، وبالتالي لم تتحقق النقاط الأخرى ايضًا. لكن هذا لا يعني أن ما من شيء سيحدث على الإطلاق. فالمزيج من التطورات على المستويين الوطني والدولي تضع قوى الإنتاج في صراعٍ مع قيود الإقطاع والإمبريالية، وتتسع التمردات الفلاحية على نطاق أكبر وتتخذ أبعاد أعمق، وهناك ايضًا التحركات على المستوى الوطني من أجل مستوى معيشة أعلى وضد الدمار الاقتصادي الذي تجلبه الإمبريالية. والنتيجة كانت نوع من التحوُّل يتضمن عناصر في الثورة الدائمة، لكنه أيضًا ينحرف عنها على نحوٍ جذري. كانت هذه تسمى الثورة الدائمة المنحرفة، وهي نظرية قُدِّمَت لأول مرة في إطار أعم في العام 1963 (119).

إذا لم تكن الطبقتان الرئيستان في المجتمع الرأسمالي، الرأسماليون والعمال، تلعبان دورًا محوريًا -الأولى لأنها أصبحت قوةً محافظة والثانية لأنها انحرفت عن هدفها بواسطة الستالينية والاصلاحية- فكيف يمكن ان تحدث هذه العملية الكبرى؟ إن دفع قوى الإنتاج مع تمرد الفلاحين ليسا كافيين وحدهما لكسر نير الملكية الإقطاعية، والإمبريالية أربعة عوامل ساعدت في هذه العملية:
1. ضعف الإمبريالية العالمية نتيجة لتفاقم التناقضات بين القوتين العظميين، إذ شعرت كلٌ منهما بالشلل بسبب وجود القنبلة الهيدروجينية. وهذا بدوره حدَّ جزئيًا من قدرة هذه القوى على التدخل في العالم الثالث خوفًا من إشعال حربٍ في ما بينها.
2. الأهمية المتنامية للدولة في البلدان المتأخرة. إن واحدةً من خدع التاريخ أنه حين يواجه مجتمعٌ مهمةً تاريخية، وتغيب الطبقة التي من المفترض تقليديًا أن تنجزها، فإن مجموعة أخرى من الناس، المنظمين غالبًا كسلطة دولة، تتدخل لإتمامها. وفي مثل هذه الظروف، تضطلع سلطة الدولة بدورٍ مهم للغاية. إنها لا تعكس فقط، ولا حتى بالأساس، القاعدة الاقتصادية الوطنية التي نشأت عليها، بل العمليات الجارية في الاقتصاد العالمي خارج الحدود الوطنية.
3. تأثير الإصلاحية والستالينية في تصريف قوة الحركات العمالية في اتجاه مختلف عن الثورة الاشتراكية. في الكثير جدًا من الحالات تضع الأحزاب الشيوعية، أو حركات مشابهة ذات نفوذ في صفوف الطبقة العاملة، جهودها في التعاون مع -وتعزيز- قوى محلية تمثل مصالح طبقية أخرى.
4. الأهمية المتنامية للإنتلجنسيا كقائدة أو موحِّدة للأمة، وفي المقام الأول كطرفٍ يتلاعب بالجماهير. سوف تحتاج النقطة الأخيرة نظرةً فاحصةً بشكل خاص.
يتناسب الدور القيادي للإنتلجنسيا في حركة ثورية عكسيًا، وبصورة مباشرة مع التأخر العام -الاقتصادي والاجتماعي والثقافي- للجماهير التي نشأت من وسطها. من المثير للانتباه هنا أن الحركة الشعبوية الروسية التي شدَّدت أكثر من أي حركة أخرى على الحاجة إلى تثوير العناصر الأكثر تأخرًا في المجتمع، أي الفلاحين، كانت هي أيضًا الجماعة التي وضعت رهانها الأكبر على المثقفين، أساتذة “التفكير النقدي”.

أثبتت الإنتلجنسيا الثورية في البلدان الناهضة بعد الحرب أنها عنصرًا متماسكًا أكثر بكثير مما كانت في روسيا القيصرية. ومع الضعف الشديد للملكية الخاصة البرجوازية الذي يجعلها عاجزة عن تحويل الموقف، والعبء الذي لا يحتمل للإمبريالية، بدت رأسمالية الدولة هي الإجابة. وعبر إضعاف الإمبريالية، والأهمية المتزايدة لتخطيط الدولة، والعمل المنظم والملتزم للأحزاب الشيوعية، منح كل ذلك الإنتلجنسيا برنامجًا متماسكًا. وباعتبارها الفئة الوحيدة غير المهددة في المجتمع (لأنها ليست محصورة في دور طبقي خاص داخل علاقات الإنتاج)، كانت الإنتلجنسيا مصدر” النخبة الثورية المحترفة”، وعلى الفور ظهرت لتمثيل مصالح “الأمة” في مواجهة المصالح الفئوية والطبقية المتضاربة. وعلاوة على ذلك، كانت هي الفئة المجتمعية الأكثر تشبعًا بالثقافة القومية، بينما يفتقر الفلاحون والعمال إلى وقت الفراغ والتعليم لذلك.
كانت الإنتلجنسيا أيضًا حساسة إزاء التأخر التقني لبلادها. كان هؤلاء، وهم المنخرطون في عالم العلوم والتقنيات الحديثة للقرن العشرين، يخنقهم التأخر الذي عانت منه أوطانهم. وازداد هذا الشعور حدة بوباء” بطالة المثقفين” في هذه البلدان. وبالنظر إلى التأخر الاقتصادي العام، كان الأمل الوحيد لمعظم الطلاب هو الحصول على وظيفة حكومية، في حين لم يكن هناك ما يكفي من الوظائف لهم (120).

كانت الحياة الروحية للمثقفين في أزمة هي الأخرى. وفي ظل نظام متداع تتفكك فيه الأنماط التقليدية للحياة، شعر هؤلاء بانعدام الأمان وتحلُّل الجذور والافتقار إلى قيم راسخة. لقد فتح التحلُّل الثقافي الطريق أمام احتياج شديد الإلحاح لمنظومة جديدة، لابد أن تكون شاملة وحيوية، إذ كان عليها أن تملأ الفراغ الاجتماعي والروحي. هذا ما دفع الإنتلجنسيا لتبني القومية بحماسةٍ أقرب لأن تكون دينية.

قبل أن تحصل بلادهم على الحرية السياسية، وجد المثقفون أنفسهم تحت ضغط مزدوج، فهم أكثر تميزًا عن أغلبية شعوبهم، لكن ما يزالون خاضعين للحكام الأجانب. ويفسر هذا الترددات والتذبذبات التي صبغت دورهم في الحركات الوطنية، لقد ولَّدت مزاياهم شعورًا ” بالذنب” إزاء الجماهير، وفي الوقت نفسه شعورًا بالانفصال عنهم والاستعلاء عليهم. كانت الإنتلجنسيا حريصة على الانتماء إلى الجماهير دون الذوبان فيهم، ودون التخلي عن كونها متمايزة عنهم وفوقهم. كانوا يبحثون عن حركة حيوية من شأنها أن توحِّد الأمة وتفتح أفاقًا جديدة رحبة أمامها لكن في الوقت نفسه تمنح السلطة للإنتلجنسيا نفسها.

كانوا شديدي الإيمان بالكفاءة، بما في ذلك الكفاءة في الهندسة الاجتماعية. كانوا يطمحون إلى إصلاح من أعلى، وآخر ما كانوا يأملونه هو أن يُسلَّم العالم الجديد لأنانيين مثلهم، لا أن يشهدوا النضال الثوري لشعب واعٍ يسفر عن عالمٍ جديدٍ لنفسه، كانوا شديدي الاهتمام بالإجراءات التي يمكن أن تنتشل بلادهم من الركود والموات، لكن لم يكترثوا بالديمقراطية إلا بأقل القليل. لقد جسَّدوا الرغبة المحمومة في التصنيع، ومراكمة رأس المال والنهوض الوطني وكانت قوتهم تزداد مع ضعف الطبقات الأخرى وسلبيتها السياسية.

كل هذا جعل من رأسماليةً الدولة الشمولية هدفًا جذابًا للغاية للمثقفين. وبالفعل كان هؤلاء هم رافعي لواء ” الشيوعية” في البلدان الناشئة. كتب أحد المتخصصين في شؤون أمريكا اللاتينية يقول: “لاقت الشيوعية قبولًا جبارًا بين الطلاب والطبقات الوسطى في أمريكا اللاتينية”(121) وفي الهند، في مؤتمر الحزب الشيوعي المنعقد في أرميتسار، مارس وابريل 1958، كان حوالي 67% من المندوبين من طبقات أخرى غير البروليتاريا والفلاحين (طبقة وسطى، وطبقات مالكة للأرض، وتجار صغار). و72% كانوا حاملين لشهادات تعليمية” (122). وفي 1943 كان 16% من إجمالي أعضاء الحزب من المحترفين بدوامٍ كامل (123).

الثورة الدائمة المنحرفة
في العالم الثالث طرحت نظرية تروتسكي أن القوة الدافعة للتطور الاجتماعي سوف تؤدي إلى الثورة الدائمة ونضال العمال من أجل الاشتراكية. لكن في ظل غياب العامل الذاتي، أي النشاط البروليتاري والقيادة البروليتارية، يمكن أن تتبلور النتيجة في قيادةٍ مختلفة وهدفٍ مختلف -رأسمالية الدولة. وباستخدام ما أثبت صحةً أكيدة في نظرية تروتسكي (الطابع المحافظ للبرجوازية)، مع ما طرأ جديدًا (بشأن النشاط الذاتي للبروليتاريا)، يمكن التوصُّل إلى تنويعٍ نطلق عليه، في ظل غياب أي تسمية أفضل،” الثورة الدائمة المنحرفة نحو رأسمالية الدولة”. بيد أن الموضوع المركزي لنظرية تروتسكي يظل صائبًا أكثر من ذي قبل بما لا يقاس: أن البروليتاريا لابد أن تواصل نضالها الثوري حتى الانتصار على الصعيد العالمي. وبدون تحقيق هذا الهدف، لن تتمكن من انتزاع الحرية.

المراجع
1. RC North Kuomintang and Chinese Communist Elites (Stanford, 1962), p. 32
2. H.R. Isaacs, The Tragedy of the Chinese Revolution (London, 1938), p. 333.
3. Ibid., p. 394.
4. World News and Views, 22 April 1939.
5. S. Gelder, The Chinese Communists (London, 1946), p. 167.
6. See Communist Manifesto published in Chongqing, 23 November 1938, reported in the New York Times, 24 November 1938
7. H.R. Isaacs, op. cit., p. 456.
8. New China News Agency, 11 January 1949
9. Ibid. 3 May 1949.
10. New York Times, 25 May 1949.
11. South China Morning Post, 17 October 1949.
12. C.Wright Mills, Listen Yankee (New York, 1960), p. 47.
13. P.A. Baran, Reflections on the Cuban Revolution (New York, 1961), p. 17.
14. The Communist Party of Cuba, the People’s Socialist Party, had a lot to live down. It supported Batista’s rule between 1939 and 1946. It participated in Batista’s first cabinet with two ministers. In 1944, the Communist paper Hoy addressed Batista as the “Idol of a people, the great man of our national policy, the man who armates bourgeois adventurer. As stated above, the Communists did not hold the sacred ideals of a new Cuba. Castro was declared a petty collaborator in the April 1958 strike. As late as June 28, 1958, they were timidly advocating “clean democratic elections” to get rid of Batista. See P.A. Baran, op. cit.
15. Speech by Castro of December 1, 1961, El Mundo, La Habana, December 22, 1961.
16. Che Guevara, Cuba: Exceptional Case?, Monthly Review (New York), July-August 1961, p. 59.
17. T. Draper, Castro’s Cuba: A Revolution Betrayed?, Encounter (London), March 1961
18. Che Guevara, op. cit., p. 63.
19. L. Trotsky, The Permanent Revolution (New York, 1978), p. 278.
20. Ibid., p. 279.
21. T. Cliff, Deflected Permanent Revolution, first published in International Socialism 12 (first series), Spring 1963
22. Thus, for instance, a survey conducted in India showed that about 25 percent of the students who received their Master’s degrees from Lucknow University in arts, science, commerce, and law between 1949 and 1953 were still unemployed in 1957. The survey also reported that about 47 percent of the liberal arts students, 51.4 percent of the science students, 7 percent of the commerce students, and 85.7 percent of the education students said they went to university to obtain the necessary qualifications for government service. About 51 percent of the degree holders concluded that university education was a “waste of time.” (M. Weiner, Party Politics in India (Princeton, 1957), pp. 8-10.)
23. V. Alba, The Middle Class Revolution, New Politics (New York), Winter 1962, p. 71
24. G.D. Overstreet and M. Windmiller, Communism in India (Berkeley and Los Angeles, 1959), p. 540.
25. Ibid., p. 358

« السابق التالي »