التروتسكية بعد تروتسكي
بدأ هذا الكتيب بوضع توقعات تروتسكي حول المجريات العالمية بعد الحرب العالمية الثانية جنبًا إلى جنب مع الأوضاع القائمة بالفعل. وبعد ذلك، أخذ الكتاب يصف كيف أغمض التروتسكيون أعينهم عن الحقائق بينما ظلوا مخلصين لكلمات تروتسكي، وهذا ما جعلهم ينحرفون تمامًا عن روحه. لعل تروتسكي كان ليشير إلى نفسه قائلًا: “تمخض الجبل فولد فأرًا”. لماذا حدث ذلك؟ لماذا صار ماندل وبابلو وغيرهما من القادة التروتسكيين، الذين كانوا جادين للغاية ولم يكونوا أغبياء على الإطلاق، يتصرفون بهذا الغباء ويعيشون في عالم خيالي بالكامل هكذا؛ كان السبب هو أن التروتسكيين، على مدار سنوات الردة الظلامية – النازية والستالينية – وجدوا أنفسهم معزولين تمامًا دون موطئ قدم في أوساط الطبقة العاملة. وبعد فترة طويلة كهذه في قلب الصحراء، استسلم هؤلاء، وهم العطشى إلى الماء، إلى الضلالات، أمام سرابات من بساتين خضراء وبحيرات عذبة.
ولقد بذل التيار الاشتراكي الأممي جهوده، من خلال الإخلاص لتعاليم ماركس ولينين ولوكسمبورج وتروتسكي مع فهم الأوضاع القائمة بالفعل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لتطوير ثلاث نظريات: تعريف روسيا كنظام رأسمالية دولة ما يفسر استقرارها الطويل وانهيارها النهائي، والرخاء الطويل للرأسمالية الغربية المتجذرة في اقتصاد التسلُّح الدائم لكن الذي يتضمن أيضًا بذور الأزمات المستقبلية، وتفسير انتصارات ماو وكاسترو من عدسة الثورة الدائمة المنحرفة.
هل كانت هناك في العالم الحقيقي روابط عملية تعني أن هناك اتصالًا بين هذه النظريات الثلاث؟ بالطبع كانت هذه الروابط موجودة. كانت قوة وبقاء النظام الستاليني في روسيا هما مفتاح الطريق أمام المسارين الآخرين.
اضطلع التأثير الستاليني في المقام الأول بدور حاسم في صنع التوترات الاجتماعية والسياسية العميقة في أواخر الحرب العالمية الثانية من التحول (في ثورات بروليتارية، كانت التوترات الاجتماعية في القارة الأوروبية أعمق وأكثر حدة بكثير آنذاك مما كانت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تلك الفترة التي شهدت ثورات في روسيا وألمانيا والنمسا والمجر، وحالات شبه ثورية في عدد آخر من البلدان. وإذا لم تجرِ الأمور على هذا النحو في 1945، فذلك كان بسبب الأحزاب الشيوعية، باستخدام الهالة الراديكالية المرسومة حول رؤوسهم، تمكن القادة الستالينيون من الاضطلاع بدور مهم في عرقلة المد الثوري الصاعد والدفاع عن الرأسمالية.
تبرز أمثلة فرنسا وإيطاليا وألمانيا الفرص التي أُهدرت في أغسطس 1949، كانت حركة “المقاومة”، بقيادة الحزب الشيوعي، هي التي حررت باريس من القوات النازية، ووقعت السيطرة الكاملة على المدينة في أيديها. لنقارن الشيوعيين الآن بالجماعات السياسية المنافسة لهم. يوضح جابرييل كولكو في كتابه “سياسات الحرب” أن “جماعات المقاومة التي كانت جولية (نسبة إلى تشارلز دي جول) أيديولوجيًا ظلت دائمًا في أقلية صغيرة، وفي الكثير من المناطق الرئيسة في فرنسا كانوا غائبين تمامًا” (124). الحزب الاشتراكي أيضًا كان يفتقر بالمثل إلى التأييد الشعبي:
“كان الاشتراكيون هم حزب الجمهورية الثالثة بامتياز، وأسفر تفانيهم الشديد من أجل البقاء في السياسة، حتى بعد فيتشي، في نهاية المطاف عن طرد الحزب ثلثي أعضائه في الجمعية الوطنية لتواطؤهم وتعاونهم مع العدو. وبعد العام 1941، اختفى الحزب الاشتراكي حرفيًا، ولم يبدأ تدريجيًا في إعادة بناء صفوفه إلا في العام 1944” (125).
كان من شأن ذلك أن أخلى الساحة أمام الحزب الشيوعي: “هيمن الشيوعيون على المنظمات الأكبر لحركة المقاومة” (126). ويصف إيان بيرتشال الوضع في فرنسا آنذاك على النحو التالي:
“ترك تحرير فرنسا من الاحتلال النازي في النصف الثاني من 1944 البلد في حالة من الاضطراب. في بادئ الأمر، لم تتمتع الحكومة المركزية إلا بقدر ضئيل من السيطرة على الموقف. وفي الكثير من البلدان والمدن نشأت لجان تحرير. وفي مارسيليا دشنت السلطات المحلية برنامجًا للملكية الجماعية المحلية دون حتى استشارة باريس. قامت المحاكم الشعبية وأُعدم نحو 11 ألفًا من المتواطئين مع العدو رميًا بالرصاص”.
كانت لجان التحرير واقعة في معظمها تحت سيطرة الحزب الشيوعي الفرنسي، فيما كانت الحكومة خائرة القوى إلى درجة عجزها عن التدخل، وأخذ وزير الداخلية يناشد اللجان سُدى بأن تكف عن العمل ذاتيًا باستقلالٍ عن الحكومة.
كان تدخل موريس توريز، قائد الحزب الشيوعي، هو الذي كبح جماح اللجان. لقد أصر على أن لجان التحرير المحلية لابد تضع نفسها محل الإدارات المحلية، تمامًا مثلما لا يضع المجلس الوطني للمقاومة نفسه محل الحكومة” (127).
كان توريز هو الذي أصدر نداء “شرطة واحدة، جيش واحد، دولة واحدة” لدى عودته من موسكو إلى فرنسا. وهكذا نُزع سلاح المقاومة. كتب كولكو:
“سيطر توريز على القيادة القديمة والمناضلة الملتفة حول أندريه مارتي وتشارلز تيلون، الذين طردهما في النهاية. لقد حظر الإضرابات، وطالب العمال بالمزيد من العمل، وشرع في حل منظمات المقاومة. أخضع توريز كل هدف اجتماعي لكسب الحرب “ليست مهمة لجان التحرير هي الإدارة”. هذا ما قاله للجنة المركزية للحزب في يناير 1945. وأضاف: “إن مهمتهم هي مساعدة أولئك الذين يديرون أعلى اللجان في المقام الأول أن تعبئ الجماهير وتنظمهم لتحقيق أقصى جهد حربي ولدعم الحكومة الانتقالية في تطبيق البرنامج الذي أرسته المقاومة”.
باختصار، في اللحظة الحرجة في تاريخ الرأسمالية الفرنسية، رفض اليسار أن يتحرك ضدها. لم يكل توريز من تكرار أن “وحدة الأمة هو الأمر الحاسم”… ساعد الحزب في نزع سلاح المقاومة، وأعاد الحياة إلى اقتصاد يحتضر، وأرسى استقرارًا كافيًا ليمنح النظام القديم قبلة الحياة” (128).
أما في إيطاليا، فكانت الموجة الثورية أعلى. يكتب بيير برو: “في إيطاليا، كانت الحركة العمالية – وليس من المفاجئ أن تعرف أنها بدأت في مصنع فيات – هي التي هزت الأرض تحت أقدام النظام الفاشي وحفرت قبر بينيتو موسوليني” (129).
تحول الإضراب في مصنع فيات العملاق إلى إضراب عام أسقط النظام في اليوم التالي. وبعد مرور عام لاحق: “في مارس 1944، انتشر احتجاج جديد، وحتى أكثر وأقوى تأثيرًا، عبر أرجاء إيطاليا المحتلة. وهذه المرة صارت شعارات المضربين سياسية بشكل أكبر، إذ طالبوا بالسلام الفوري وإنهاء إنتاج السلاح من أجل ألمانيا.
تجاوزت الأعداد المشاركة حتى أكثر التوقعات تفاؤلًا، إذ خرج 300 ألف عامل في ميلان وحدها. وفي المدينة نفسها، أضرب عمال الترام في 1 مارس ولم يتراجعوا حتى يومي 4 و5 مارس إثر حملة إرهاب ضدهم.
تفشى الإضراب متجاوزًا المثلث الصناعي حتى وصل إلى مصانع الغزل في فينيتو، وبولونيا وفلورنسا في وسط إيطاليا. كانت النساء والعمال ذوو الأجور المنخفضة في صدارة التحريض. وفي وقت ما من الأسبوع الأول في مارس، كان مئات الآلاف من العمال قد أوقفوا العمال في المصانع” (130).
تصاعد النضال الصناعي والسياسي والمسلح للطبقة العاملة الإيطالية بلا هوادة، إلى أن صارت المناطق العمالية في تورين بحلول العام 1945 مناطق محظورة فعليًا على الفاشيين والألمان (131). وفي النهاية:
“بحلول 1 مايو، أصبح كل شماليً إيطاليا حرًا. لقى الطابع الشعبي والانتفاضي للتحرير، الذي ترك انطباعًا غائرًا في ذكريات المشاركين فيه، ترحيبًا واسعًا في كل أرجاء إيطاليا. في بعض المناطق، كان هناك قلق حاد. جرت حالة مروعة من تصفية الحسابات، إذ أُعدم ما يربو إلى 12 أو حتى 15 ألف شخص في أعقاب التحرير مباشرة. أمَل أرباب العمل والمصانع في الشمال أن تنتقل السلطة بسهولة ودون متاعب من الفاشيين إلى السلطات الأنجلو – أمريكية. في المقابل، وجدوا مصانعهم محتلة، والعمال مسلحين، وانتظروا فترة من 10 أيام بين اندلاع الانتفاضة ووصول الحلفاء. وبعض من أولئك الأكثر تواطؤًا لم يجرؤوا على الانتظار وفروا إلى سويسرا. وعلى مدار الأشهر القليلة التالية، ظل الخوف من ثورة اجتماعية وشيكة قويًا للغاية في الدوائر الرأسمالية” (132).
إذا كانت هذه الثورة لم تندلع فعليًا، لكان ذلك بسبب السيطرة التي مارسها الحزب الشيوعي الإيطالي. يكتب برو:
“أجرى الحزب الشيوعي الإيطالي – ذلك القطاع من الأممية الشيوعية الواقع تحت هيمنة موسكو – اتصالات مع الوجهاء، والفاشيين المرتدين، والمارشالات، وأمراء الكنيسة، ليقترح عليهم مساومة تقضي بحمايتهم جميعًا من ضغط الشارع في مقابل وزارة حكومية، وبالتالي الاعتراف الرسمي بالوكالة الإيطالية في موسكو” (133).
مثل توريز في فرنسا، كان هناك دور مركزي لعبه توجلياتي، القيادي الشيوعي الإيطالي، الذي عاد من فترة طويلة إقامة في موسكو، يكتب جينسبورج:
“بعد عودته إلى ساليرنو، شرح توجلياتي لرفاقه، وسط بعض الذهول وبعض المعارضة، الاستراتيجية التي سعى بأن يتبناها الحزب في المستقبل القريب. قال إن على الشيوعيين أن يتخلوا عن عدائهم الصريح للمَلَكية. في المقابل لابد أن يسعوا إلى إقناع القوى المناهضة للفاشية أن تنضم إلى الحكومة المَلَكية، التي كانت آنذاك تسيطر على كل إيطاليا جنوب ساليرنو. جادل توجلياتي أن الانتقال إلى الحكومة كان هو الخطوة الأولى لتحقيق الهدف الطاغي على تلك الفترة، ألا وهو الوحدة الوطنية في مواجهة النازيين والفاشيين. ولابد أن يكون الهدف الأول للشيوعيين هو إيطاليا وليس الثورة الاشتراكية.
أصَّر توجلياتي على أن الوحدة التي تبدت في سنوات الحرب، لابد قدر الإمكان أن تسيطر خلال فترة إعادة البناء. وهذا التحالف الكبير لم يكن عليه أن يضم الاشتراكيين فحسب، بل أيضًا الديمقراطيين المسيحيين. وفي خطبة ألقاها في روما، يوليو 1944، وصف حزب الديمقراطيين المسيحيين بأنه يتضمن في صفوفه جماهير من العمال والفلاحين والمثقفين والشباب، الذين يشاركونا طموحاتنا بالأساس، لأنهم مثلنا يريدون أن تصبح إيطاليا ديمقراطية ومتقدمة” (134).
وفي أبريل 1944، ألحَّ توجلياتي على أحزاب لجنة التحرير الوطني بأن تقسم الولاء للملك وأن تنضم إلى حكومة المارشال بادوجليو. كان ذلك هو رئيس أركان الجيش في ظل موسوليني وقائد القوات الإيطالية التي غزت أبيسينيا في 1935. حتى أن توجلياتي صار واحدًا من وزراء بادوجليو! (135).
وفي ألمانيا، كان الفضاء الثوري أصعب مما في ألمانيا وإيطاليا، لكن حتى هنا كانت هناك فرصة غير مدرَكة للثورة. صحيح أن القمع النازي جعل المقاومة في وجه الرايخ الثالث شديدة الصعوبة، لكن ذلك لم يكن إلا طرفًا واحدًا من المعادلة. كانت فرصة النضال والمقاومة تخضع لتقويض منهجي من داخل معسكر مناهضة النازية. كانت القيادة السياسية الكارثية للحزب الاشتراكي الديمقراطي الإصلاحي، وللحزب الشيوعي في المقام الأول تحت الهيمنة الستالينية، قد تركت العمال الألمان في حالة ارتباك في الوقت الذي سُمح فيه لهتلر بالمجيء إلى السلطة دون أن يُرفع إصبع ضده.
لقد حطم اتفاق ستالين – هتلر في 1939 عزيمة الشيوعيين الألمان وأرواحهم، في حين أن هؤلاء هم الذين شكلوا المقاومة الجماهيرية الوحيدة ضد النازية. إحدى الإشارات إلى ذلك كانت انخفاض أعداد المنشورات السرية التي صادرها الجستابو من 15,922 في 1939 إلى 1,277 فقط في 1940.
حتى حين كانت الحرب في أوجهها، بدت تكتيكات الحلفاء مصممة من أجل تثبيط الثورة ضد الرايخ الثالث، بل أيضًا لتحفيز الولاء له. وفي الشرق، زعم ستالين أنه يخوض “الحرب الوطنية العظمى”، وتحول العدو من النظام النازي إلى كل الألمان. وقوضت الدعاية الروسية المعادلة للألمان، أي عمليًا، تطور حركة مقاومة في وجه النازيين. وفي كتاباته في الصحف الروسية، كرر إيليا إيرنبورج مرارًا وتكرارًا عبارة “الألماني الجيد هو الألماني الميت”. أتذكر مقالًا قصيرًا كتبه، واصفًا فيه كيف جندي ألماني يديه لأعلى مستسلمًا أمام جندي روسي، وقال: “أنا ابن حداد”، فماذا كان رد فعل الجندي الروسي؟ كتب إيرنبورج:
“قال الجندي الروسي: أنت ألماني ومسئول عن جرائم الألمان. ثم أغمد حربة بندقيته في صدر الجندي الألماني”.
لقد أنهى الجنود الألمان الحرب العالمية الأولى بالثورة على القيصر، لكن في ظل ظروف الحرب العالمية الثانية، لم تفلح مثل هذه الثورة، إذ كما طرح أحد الجنود الألمان: “حاشا لله أن نخسر الحرب. إذا نزل علينا الانتقام، ستصير حياتنا بالغة السوء”.
لكن بذور الثورة كانت ما تزال موجودة. مع نهاية الحرب، رُفِعَ العبء الثقيل للقمع من على كاهل العمال الألمان، ومُنِحوا بذلك فرصة حقيقية للتعبير عن أنفسهم. ما حدث تاليًا كان مذهلًا. اجتاحت حركة عملاقة من اللجان المناهضة للفاشية أرجاء المدن الألمانية كلما تحررت منطقة جديدة من النازية. كانت هناك أكثر من 500 لجنة من هذه اللجان، التي كان التركيب العمالي طاغيًا عليها تمامًا. ولوقت قصير، بين إطاحة النظام النازي وإعادة فرض “النظام” على يد قوات التحالف الغازية (روسيا في الشرق وبريطانيا والولايات المتحدة في الغرب)، صار العمال الألمان أحرارًا بمعنيين مختلفين، أو بالأحرى بمعنى مزدوج. فلم يتلاش الاستبداد النازي فحسب، بل كان حكم الجيستابو من جانب آخر قد بدد مؤقتًا التأثير الجاثم للقادة الاشتراكيين الدميقراطيين الإصلاحيين والحزب الشيوعي الستاليني على السواء.
تنامت لجان مناهضة الفاشية على نحوٍ متفجِّر. في لايبزج (في شرق ألمانيا)، كانت هناك 38 لجنة محلية تضم 4500 ناشط و150 ألف من المناصرين. ورغم التشرذم الذي تسبب فيه دمار الحرب (على سبيل المثال، انخفض السكان من 700 ألف إلى 500 ألف)، خرج إلى الشارع 100 ألف شخص في مظاهرات الأول من مايو 1945. وفي بريمن (في غرب ألمانيا)، التي كانت 55% من منازلها غير مأهولة وقد فرَّ منها ثلث كثافتها السكانية، كانت هناك 14 لجنة محلية تضم 4265 ناشطًا، وبعد أسبوعين صار العدد 6495. نشأت الكثير من هذه اللجان في مواقع العمل. وفي منطقة الدور، بعد فترة وجيزة من التحرير، نشأت رابطة من ممثلي مواقع العمل تضمنت 360 مندوبًا من 56 مصنفًا ومشروعات أخرى كثيرة.
كانت تلك اللجان عازمةً على اجتثاث النازية. اندلعت الإضرابات للمطالبة بالتطهير من النشطاء النازيين. وفي بيرمن وغيرها من المدن، استولى العمال على مباني ومنشأت الاتحاد النازي، جبهة العمل الألمانية. عملت اللجان على إيواء السجناء العائدين من معسكرات الاعتقال في المنازل المهجورة للنشطاء النازيين، والأسوأ صيتًا من هؤلاء النازيين سلمتهم اللجان إلى السلطات. تمادت شتوتجارت إلى أبعد من ذلك وأنشأت “محاكم ثورية” خاصة بها.
كان هناك وعي وإدراك حقيقي بأن الطريقة الوحيدة التي ستمحي النازية حقًا وإلى الأبد هي أن يقوم العمال بذلك بأنفسهم. دعا عمال المناجم في بوخوم إلى إضراب سياسي عام ورفعوا شعار “يحيا الجيش الأحمر”، في إشارة ليس إلى القوات السوفييتية، بل إلى القوات المتمردة في الثورة الألمانية 1918 – 1923. وقُدِّمَت رؤيةٌ مفادها أنه “في الدولة المستقبلية لن يكون هناك أرباب عمل كما في السابق. لابد أن ندبر هذا الأمر ونعمل في الشركات كما لو أنها شركاتنا”. في بعض المناطق، استولى العمال على المصانع وفرَّت مجالس الإدارة هاربةً. أنشأت لجان مناهضة الفاشية ميليشياتها المصنعية ووضعت مرشحيها مكان قادة الشرطة والعُمَد. ووُصِفَت الأوضاع في شتوتجارت وهانوفر بأنها “سلطة مزدوجة”، إذ كانت اللجان تنشئ قواتها الشرطية الخاصة، وانتزعت الكثير من المناصب المحلية النافذة، وبدأت في إدارة خدمات حيوية مثل توفير الإمدادات الغذائية.
يستحق تقريرٌ من مسئول أمريكي، كان شاهد عيان على الأحداث، الاقتباس منه هنا اقتباسًا مُطوَّلًا:
“في مناطق بعيدة كل البعد عن بعضها، وتحمل أسماء مختلفة، ويبدو واضحًا أن ما من اتصال في ما بينها، نهضت حركات الجبهة المناهضة للنازية مباشرة في أعقاب سقوط الحكومة النازية. ورغم غياب أي اتصال بين هذه المجموعات وبعضها، فقد أظهرت تشابهًا ملحوظًا في طريقة تأسيسها وفي برنامجها. ويبدو أن مبادرة إنشاء هذه المجموعات جاءت في كل حالة من جانب أولئك الذيك كانوا نشطين خلال الفترة النازية وبشكل أو بآخر كانوا من قبل على صلة ببعضهم… إدانة النازيين، والجهود لمنع أي حركة نازية سرية وغير شرعية، ونزع النازية من السلطات المحلية والصناعات الخاصة، وتحسين الإسكان ومراقبة الإمدادات الغذائية، هذه هي القضايا المركزية التي تشغل المنظمات المنشأة حديثًا… لعل الاستنتاج بالتالي مُبرر بأن هذه المجموعات تمثل الاتحاد العضوي لقوى المقاومة ضد النازية، التي كانت ضعيفة طيلة الفترة التي ظل فيها نظام الإرهاب قائمًا”.
استطرد التقرير بعد ذلك لتبيان أنشطة اليسار، الذي شدد على استئصال كل بقايا النازية كشرط ضروري من أجل تدشين بداية جديدة، وأيضًا اليمين، الذي “ركَّز على محاولة الحفاظ على أي شيئ قد ما يزال مفيدًا من بين أنقاض نظام هتلر.
للأسف لم تستمر لجان مناهضة النازية في أي منطقة لأكثر من أسابيع قليلة، لأنها لم تلق معارضة باطشة من قوات الاحتلال فحسب (بما في ذلك الجيش الروسي)؛ بل أيضًا من الستالينيين في أوساط الحركة العمالية. وبمجرد أن كسبت القوات المحتلة اليد العليا في كل منطقة محلية، كانت تحظر هذه اللجان. وينطبق هذا على القسم الشرقي الواقع تحت السيطرة الروسية مثلما ينطبق على نظيره الغربي. حُظرت اللجان وانحلت بتواطؤ من كلا الحزبين العماليين. بعد الاتفاقية المنعقدة في يالطا، وافق الحزب الشيوعي الستاليني على منح الحلفاء الغربيين كامل الحق في السيطرة على مجال نفوذهم وأنهم لن يتسامحوا مع أي تحرك مستقل في الجانب الشرقي أيضًا. وفي الغرب، لم يكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الإصلاحي مهتمًا على الإطلاق بتحفيز ثورة، لذا فإن الفترة التي تناولناها هنا كانت وجيزة – فقط أسابيع قليلة في كل منطقة في ربيع 1945 – غير أن هذا الأسابيع أظهرت أن الطريق إلى سلطة الطبقة العاملة كان مسدودًا بفعل الستالينية بشكل كبير، سواء من أعلى أو من أسفل (136).
المراجع
124. G. Kolko, The Politics of War (New York, 1968), p. 77
125. Ibid., p.77.
126. Ibid., p.78.
127. I. Birchall, Bailing out the System (London, 1986), pp.39-40.
128. G. Kolko, op. cit., p.95.
129. P. Broué, The Italian Communist Party, the War and the Revolution, Revolutionary History, Spring 1995, p.111.
130. P. Ginsburg, A History of Contemporary Italy (London, 1990) p.22.
131. Ibid., p.64.
132. Ibid., p.68
133. P. Broué, op. cit., p. 112.
134. Ibid., p. 52.
135. P. Ginsburg, op. cit., pp. 42-43.
136. This section on Germany is based upon part of the forthcoming book by Donny Gluckstein, Barbarism: Nazi Counter-Revolution, Capitalism and the Working Class (London, 1999). [Actually published with the title The Nazis, Capitalism and the Working Class – D.S.]






