التروتسكية بعد تروتسكي
الفصل السادس: استنتاج
لو لم يكن النظام الستاليني قد نجا من الحرب، مثلما تنبأ تروتسكي خطأً، بالطبع لما كانت الأحزاب الستالينية في فرنسا وإيطاليا لتحظى بكل تلك القوة لحفظ النظام الرأسمالي في هذين البلدين. وبالمثل لما كانت الطبقة العاملة الألمانية قد صارت مشلولة هكذا في أعقاب سقوط هتلر.
إن نجاة رأسمالية الدولة بدورها إلى نجاة الرأسمالية الغربية، إذ كان من مصلحة كليهما تجنب الثورة. لكن هذا النظام هو نظام الأخوة الأعداء، وحلف الحرب بالأمس القريب سرعان منخرط في سباق تسلُّح باهظ الكلفة -الحرب الباردة. كانت تلك هي القاعدة التي قام عليها اقتصاد التسلُّح الدائم في الغرب.
أما الارتباط بين وجود النظام الستاليني في روسيا والثورة الدائمة المنحرفة في الصين وكوبا، فهو ارتباطٌ أكثر وضوحًا. كانت قوة روسيا هي التي ألهمت جيوش ماو لمقاتلة الإمبريالية اليابانية لسنواتٍ طوال، وأيضًا ضد حزب الكومنتانغ بقيادة تشانغ كاي تشيك. وكان نموذج التصنيع القوي والسريع لروسيا المتأخرة في ظل ستالين هو الذي ألهم الأحزاب الستالينية والحكومات الناشئة على امتداد العالم الثالث، وصار بالنسبة لهم جديرًا بأن يحتذى به. وكانت السياسة الستالينية التي تقضي بالتحالف مع القوى المحلية الداعمة للرأسمالية تعني أن الإمبريالية لم تسقط على يد ثورات عمالية. كانت الإمبريالية قادرة مرارًا على سحب نفسها سياسيًا من المستعمرات دون أن تضطر للتخلي عن معاقلها الاقتصادية. وأينما اُتُبِعت سياسات رأسمالية الدولة، عُقدَت التحالفات مع الكتلة الروسية، لكن أحوال العمال ظل فيها الاستغلال والخضوع للحكم الرأسمالي قائمًا.
وهكذا فإنه بمجرد أن توقُع تروتسكي بشأن مصير النظام الستاليني في روسيا لم يتحقق، فشلت بقية توقعاته -عن التطورات في البلدان الرأسمالية المتقدمة وكذلك في البلدان المتأخرة- في تحقق هي الأخرى على أرض الواقع.
يشكل هذا الثلاثي -رأسمالية الدولة، واقتصاد التسلُّح الدائم، والثورة الدائمة المنحرفة- وحدةً واحدة، كليةً واحدة، لفهم التغيرات التي طرأت على أوضاع وحياة البشر بعد الحرب العالمية الثانية. إن هذا الثلاثي يُعد توكيدًا للتروتسكية بشكلٍ عام، ونفيًا لها بشكلٍ جزئي. لابد للماركسية، كنظرية حية، أن تستمر كما هي، وأن تتغير في نفس الآن. غرة أن هذا الثلاثي النظري لم يُنشَأ كوحدة واحدة، ولم يطرأ على الوجود في غمضة عين. لقد كان نتيجة تفحُّص طويل الأمد للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في أقسام العالم الثلاثة -روسيا وأوروبا الشرقية، والبلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة، والعالم الثالث. تقاطعات المسارات البحثية مع بعضها مرارًا وتكرارًا. لكن فقط في نهاية هذه العملية تبدَّت العلاقات المتبادلة بين مجالات البحث المختلفة. فقط من فوق قمة الجبل يمكن للمرء أن يرى العلاقة بين المسارات المختلفة المُصممَة للوصول إلى هذه القمة، ومن هذه النقطة، ومن هذا الموضع تحول التحليل إلى تركيب، وتجلَّى الديالكتيك الماركسي منتصرًا.
إن فهم التغيرات الحقيقية في الهيكل الاقتصادي والاجتماعي السياسي في العالم، بكل التفاوت التي تمزقه، يجعل من الممكن استيعاب الاحتمالات الحقيقية والواقعية والملموسة أمام الثوريين لأن يضعوا أنفسهم في عملية التغيير.
لم يعد النظام الستاليني قائمًا اليوم في روسيا وأوروبا الشرقية. ولم تعد الرأسمالية العالمية مدفوعة إلى الأمام باقتصاد التسلُّح الدائم. تم التخلي عن طريق رأسمالية الدولة نحو النمو الاقتصادي في العالم الثالث، إذا أدى الاندماج الاقتصادي العالمي الأوثق إلى تضيق مساحة المناورة المتاحة أمام الطبقات الحاكمة المحلية أو الجماعات التي تطمح للاضطلاع بهذا الدور. وعبر العالم أجمع -الغرب والشرق وفي البلدان النامية- سارة ملايين من العاطلين الفقراء يعيشون جنبًا إلى جنب مع عددٍ متزايد من أصحاب المليارات.
قد يبدو أن الثلاثي النظري -تعريف روسيا بأنها رأسمالية دولة، واقتصاد التسلُّح الدائم كتفسيرٍ للرخاء الاقتصادي ما بعد الحرب في البلدان الرأسمالية المتقدمة، الثورة الدائمة المنحرفة كتفسير لنجاح المادية في العالم الثالث- قد عفا عليه الزمن بالنسبة لماركسيي اليوم. لكن الأمر ليس كذلك.
غالبًا ما تبقى الأفكار لفترةٍ طويلة من الوقت بعد اختفاء الظروف المادية التي ولَّدتها، مثلما يستمر اهتزاز المياه بسبب إلقاء حجر فيه حتى بعد التوقف الحجر عن الحركة. وهكذا أيضًا تظل الأوهام حول النظام الستاليني باقية بين المناصرين والخصوم البرجوازيين على السواء. مازال فكرة أن ملكية الدولة للصناعة والتخطيط الاقتصادي المركزي، حتى بدون ديمقراطية عمالية، تساوي الاشتراكية، حيةً تُرزَق.
كان التشغيل الكامل أو شبه الكامل الذي أعقب اندلاع الحرب العالمية الثانية هو الذي عزَّز جاذبية الكينيزية. ونظرية اقتصاد التسلُّح الدائم هي البديل الماركسي الجاد والوحيد عن الكينيزية الذي يفسر الوضع في ذلك الوقت. ومازال الكينيزية حية هي الأخرى، وتُقدَّم اليوم باعتبارها البديل الاقتصادي عن السوق الحرة. وما تزال الأفكار المادية تتمتع الجاذبية إلى حد ما لبعض الناس، بالأخص في العالم الثالث. وما تزال صورة تشي جيفارا لها صدى عظيم في أمريكا اللاتينية. وفكرة أن الطبقة العاملة المنظمة ذاتيًا في نضال من أجل الاشتراكية بقيادة ماركسيين ثوريين هي وحدها القادرة على تحقيق الثورة ليست حاضرةً على نطاقٍ واسع في حركات التحرر الوطني.
هناك سبب آخر وراء ضرورة دراسة النظريات الثلاث التي نعرضها هنا. يتعلق هذا السبب بطبيعة واستمرارية التراث الماركسي. وكما طرح تروتسكي، فإن الحزب الثوري هو ذاكرة الطبقة العاملة. قبل مقتل تروتسكي، كانت هذه الذاكرة، أي الاستمرارية الفعلية للحركة، تمثلها جمهرةٌ كبيرة من الأفراد. ويمكن استيضاح ذلك بشكلٍ ملموس.
تألفت الأممية الأولى من منظماتٍ كبيرة نسبيًا، ورغم انقطاع استمر عقدين من الزمن بين نهاية الأممية الأولى وتأسيس الأممية الثانية، انضم آلاف المناضلين الذين كانوا في السابق أعضاء في الأممية الأولى إلى الثانية. ونشأت الأممية الثالثة (الأممية الشيوعية أو الكومنترن) نتيجة انشقاقات كبرى في الأممية الثانية. صوَّت الحزب الاشتراكي الإيطالي، في مؤتمر في بولونيا 1919، لصالح الانضمام للأممية الشيوعية، مضيفا إليها نحو 300 ألف عضو. وفي ألمانيا، قرَّر الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل، الذي نشق في العام 1917 من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الانضمام أيضًا للأممية الشيوعية، مضيفًا إليها 300 ألف آخرين. وفي 1920، نظمت الحزب الاشتراكي الفرنسي، ذو الـ 140 ألف عضو. وفي يونيو 1919، صوَّت الاشتراك البلغاريون للانضمام، واضافوا الأممية بذلك أكثر من 35 ألف عضو. انضم أيضًا الحزب الاشتراكي الديمقراطي اليوغوسلافي، فقد كان حزبًا جماهيريًا. وفي ديسمبر 1920، اليسار الشيوعي عن الحزب الاشتراك الديمقراطي التشيكوسلوفاكي، وأسس حزبًا شيوعيًا من 350 ألف عضو. وفي انقسامٍ آخر منفصل في الحزب الاشتراكي الديمقراطي للأقلية المتحدثة بالألمانية في تشيكوسلوفاكيا، انشق الشيوعيون أيضًا وبعد اندماجهم في الحزب الشيوعي صار إجماله 400 ألف عضو. وفي ربيع 1919، انضم حزب العمال النرويجي إلى الكومنترن أيضًا. وفي السويد، انضمت أغلبية الحزب الاشتراكي، بعد انقسامه، إلى الكومنترن، مضيفةً إليه 17 ألف آخرين (137).
للأسف، ليس هناك تقريبًا أي استمرارية حقيقية، على مستوى الأفراد الثوريين، بين الأممية الشيوعية للينين وتروتسكي في مطلع العشرينيات، والحركة التروتسكية في الثلاثينيات وبعد الحرب العالمية الثانية. ولا طالما تشكلت المنظمات التروتسكية، المسحوقة بين التأثير الكاسح للستالينية والخوف من هتلر، من مجموعاتٍ ضئيلة على هامش الحركات الجماهيرية. وهكذا كان عدد التروتسكيين في برلين عشية انتصار هتلر 50 فقط! (138).
ورغم اندلاع الثورة الإسبانية في 1936، يقول تقريرٌ مقدَّم إلى المؤتمر التأسيسي للأممية الرابعة، إن عضوية الفرع الإسباني للأممية في سبتمبر 1938 تتراوح من 10 إلى 30! (139).
وُلِدَت الأمميات الأولى والثانية والثالثة في فتراتٍ من تقدم حركة الطبقة العاملة، أما التنظيمات التروتسكية فقد وُلِدَت في فترةٍ عسيرة من تاريخ الطبقة العاملة -انتصار النازية والستالينية. بدون فهم السبب وراء ضعف التروتسكية وعزلتها على مدار جيلين، وما أسفر عنه ذلك من تخبُّط التروتسكيين، من المحتم أن يتوصل المرء إلى استنتاجات شديدة التشاؤم بشأن المستقبل. يوضح فهم الماضي أن التروتسكية، كحلقةٍ في استمرارية الماركسية، قد جاءت وحيدة.
والآن، مع ذهاب الستالينية، تلك العقبة الكبرى التي تمنع تقدم الماركسية الثورية، أدراج الرياح، ومع توقف الرأسمالية في البلدين المتقدمة عن التوسع، فإن كلمات تروتسكي في “البرنامج الانتقالي” (1938) عن أنه “لا مجال لمناقشة إصلاحات اجتماعية منهجية ورفع مستوى معيشة الجماهير” تتوافق مع الواقع مجددًا (140)، وتعود كذلك نظرية الثورة الدائمة، كما وضعها تروتسكي، على جدول الأعمال، مثلما يتضح في الثورة الإندونيسية في 1998.
يوضح الثلاثي النظري لماذا وكيف حافظ النظام القائم -الرأسمالية- على نفسه، لفترةٍ من الوقت، فترةٍ طويلةٍ جدًا، حتى إذا ارتدت أقنعة تنكرية مختلفة. في الوقت نفسه، تشير هذه النظريات الثلاث إلى العمليات التي تقوِّض هيدا الاستقرار، إذ كانت هذه العمليات لبعض الوقت تحدث على مستوى مجهري بالكاد يمكن رؤيته على السطح. لكن في نهاية المطاف، يتحوَّل الكم إلى كيف، والنظام الآن مشحون بالأزمات والاضطرابات. إن البشرية، كما كتب ماركس، “سوف تقفز من على مقعدها وتصيح بحماسة: احسنت صنعا أيها الخلد الهَرِم”. (141)
المراجع
137. T. Cliff, Lenin: Revolution Besieged (London, 1987), pp. 216-218.
138. T. Cliff, Trotsky: The Darker the Night, the Brighter the Star, op. cit., p. 155.
139. Ibid., p. 286.
140. L. Trotsky, The Death Agony of Capitalism and the Tasks of the Fourth International (London, 1980(
141. K. Marx and F. Engels, Collected Works, vol. 11 (Moscow, 1979), p. The reference is to Shake






