بروفات ثورية (3) | إيران 1979: هل انتصرت الثورة أم الإسلام السياسي؟
مقدمة
انتصار الثورة في إيران في فبراير 1979 كان نتاج سنين من كفاح العمال والفلاحين والنساء والأقليات القومية ضد نظام الشاه القمعي. وهذه النضالات تنوعت بين تظاهرات سلمية ومواجهات مسلحة، ما بين اعتصامات وأعمال تخريب، وما بين تجمعات صغيرة إلى تظاهرات جماهيرية بالملايين. في النهاية لعب إضراب عمال النفط عام 1978، والإضراب العام الذي تبعه، الدور المحوري في وضع نهاية لنظام الشاه.
إن نجاح ثورة شعبية في تحطيم نظام مكروها وقمعيا يعد شيء مختلف تماما عن نجاح الحركة الشعبية في إنشاء نظام اجتماعي وسياسي جديد يتوافق مع احتياجاتها. وعلى نحو مأساوي، كانت النتيجة النهائية للثورة الإيرانية فرض شكل جديد من القمع على الشعب، هذه المرة تحت راية “الجمهورية الإسلامية”. في الوقت ذاته، كشفت الأحداث في إيران عن القوة الكامنة المهولة للطبقة العاملة، وعن العواقب الوخيمة لحراك عمالي ثوري يفتقد للتنظيم الاشتراكي الكافي.
إن القوى التي أطاحت بالشاه كانت نتاج للتطور غير المتكافئ للرأسمالية في إيران خلال القرن العشرين. فإذا كانت الإمبريالية هي التعبير العالمي عن مهمة رأس المال التاريخية لتطوير القوى المنتجة، فإن هذه العملية، بحكم طبيعتها، غير متكافئة ومتناقضة. كان شكل التطوير هذا في إيران هو الذي عزز من دور الدولة. حيث كانت الدولة الإيرانية العامل الأساسي في تراكم رأس المال.[1]
منذ منتصف القرن التاسع عشر بدأ اقتصاد إيران الفلاحي بشكل منهجي ولكن غير متكافئ يدمج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي. خلال هذه الفترة كان الشاه، وأفراد من العائلة الملكية، وكبار موظفي الحكومة، وزعماء القبائل، وأبرز رجال الدين الإسلامي، يسيطرون على 55% من كل أراضي إيران الزراعية، على الرغم من كونهم يشكلون فقط 25% من ملاك الأراضي. كانت الحكومة المركزية ضعيفة فمارس كبار ملاك الأراضي الزراعية سلطة سياسية هائلة وقاموا بمعظم المهام الحكومية. تطلبت الزيادة في التطويرات الرأسمالية تغيير في هيئة الدولة، وكان هناك حاجة لحكومة أكثر مركزية قادرة على توفير الظروف لتراكم رأس المال لطبقات إيران الحاكمة بالتحالف مع رأس المال العالمي.
اندلعت ثورة 1906-1905 الدستورية احتجاجا علي ضعف الشاه وسيطرة بريطانيا وروسيا على مصادر إيران الاقتصادية. اجتمع “المجلس”، أول جمعية وطنية في إيران، في 1906، وألغى المجلس النظام التقليدي لتخصيص الأراضي وأقام نظام ضرائب حديث، منتزعا بذلك الوظائف الحكومية من أصحاب الأراضي ورجال الدين. لكن نواة السلطة المركزية الجديدة انتقلت إلى النظام الملكي، إلى الشاه[2].
خلال القرن العشرين، ارتبط التطور في إيران بالنفط. في البداية، انتقلت معظم أرباح النفط المتراكمة إلي الشركات الرأسمالية الغربية، وبالأخص شركة النفط الإنجليزية – الفارسية، والتي أسسها المهندس البريطاني ويليام د أري في 1909. وحتى عام 1951، حينما تم تأميم النفط الإيراني، حققت شركة النفط الإنجليزية الفارسية ما بين 700 و800 مليون جنيه استرليني لبريطانيا، بينما لم تتلق إيران سوى 105 مليون[3]، والقليل من ثروة الشركة تدفق إلي عمالها، الذين ظلت أجورهم كافية فقط لتأمين أبسط احتياجات العيش. تعاملت الشركة بشراسة مع الإضرابات والمعارضات الأخرى، مستعينة بقوات الشرطة الخاصة بها.
كانت إيران دولة تابعة للإمبريالية البريطانية. حيث أنها منذ 1921 وحتى الحرب العالمية الثانية، قمعت حكومة الشاه رضا بوحشية كل حركات النقابيين، والأقليات الوطنية، وكل المجموعات المعارضة، سواءً كانت شيوعية، أو قومية ليبرالية، أو من رجال الدين المسلمين. وفي نفس الوقت، دفع النظام نحو تطوير واسع للبنية التحتية من الطرق، والموانئ والسكك الحديدية، دعما لصناعة النفط. في تلك الفترة نمت عدد من المنشآت الصناعية الحديثة، وبالتوازي نمت طبقة عاملة. صادر الشاه أراضي من ملاك الأراضي الكبيرة وأصبح هو أكبر مالك قومي لها [4].
خلال الحرب العالمية الثانية، في مواجهة سياسة الشاه رضا الداعمة لألمانيا، غزت بريطانيا وروسيا إيران لإبقائها “آمنة”. وأجبروا الشاه رضا أن يتخلى عن العرش لصالح ابنه المراهق الأكثر ثقة بالنسبة لهم، محمد رضا. استمر الشاه الجديد في السعي لتنمية اقتصادية. لكن بعد الحرب توسع الشعور القومي في مواجهة السيطرة الأجنبية على صناعة النفط. في 1947 شكل القائد القومي، الدكتور محمد مصدق، وأتباعه جبهة قومية، والتي فازت بالسلطة في 1951 وأممت صناعة النفط الإيرانية. ردت شركات النفط العالمية بتنظيم مقاطعة للنفط الإيراني.
وعلى مدار السنتين التاليتين، ضغطت إضرابات العمال والمظاهرات من أجل مزيد من التغييرات الاقتصادية والسياسية. عمل حزب توده الموالي لروسيا[5]، بالتحالف مع الجبهة القومية، على تهدئة المزاج الثوري بين العمال. في أغسطس 1953، قام الحرس الامبراطوري للشاه بمحاولة للانقلاب على مصدق، ولكنهم هزموا من ضباط وجنود الجيش. في مواجهة المظاهرات الشعبية المطالبة بتنظيف كامل للسياسة الإيرانية، طالب مصدق الجيش بإخلاء الشوارع وإعادة فرض القانون والنظام.
نفس القوات التي كان بإمكانها إنقاذ حكومة مصدق تم تسريحها. خلال أيام أسقطها انقلاب ثاني صممته وكالة الاستخبارات الأمريكية بمساعدة الاستخبارات البريطانية[6]. مرة أخرى تمكنت شركات النفط من الوصول إلى الإمدادات الإيرانية، لكن انتهى الآن الاحتكار البريطاني. عقد ائتلاف من شركات عالمية اتفاق جديد مع الشاه الذي أعيد للسلطة: ارتفعت حصة الدولة الإيرانية من عائدات النفط من 16% إلى 50%، أما ال 50% أخرى كانت من حصة ائتلاف شكلت خمس شركات أمريكية بنسبة 20%، و20% كانت حصة البريطانية للبترول BP، والباقي لشركات صغري عديدة.
أُنشئت دكتاتورية عسكرية جديدة تحت حكم الشاه، بتوجيه ومساعدة أمريكية هائلة بين 1953 و1973. وكان أساسي لتلك العملية في 1957 تأسيس السافاك، شرطة إيران السرية سيئة السمعة.
ارتفعت عائدات النفط للشاه أكثر من اثنتي عشر مرة على مدار عقد منذ بداية الخمسينيات. بجانب عائدات النفط تلك تم إضافة 500 مليون دولار كمساعدة عسكرية من الولايات المتحدة بين 1953 و1963. وقد مكن ذلك الشاه من زيادة قواته المسلحة من 120,000 إلى أكثر من 200,000 رجل وزيادة ميزانية الجيش من 80 مليون دولار في 1953 إلي ما يقارب 183 مليون بعد عشر سنوات لاحقة.
لم يصل إلا القليل من الثروة الهائلة التي راكمها النظام ليصب في مصالح عامة الناس. ففي عام 1960، كانت 87% من قرى إيران بلا مدارس، و1% فقط كان لديها أي نوع من المنشآت الطبية، 80% من السكان كانوا أميين. ارتفعت الأسعار بحدة، بينما كان الشاه ينفق بين 40% و50% من ميزانيته علي الجيش.
غير أن أوائل الستينيات شهدت أزمة اقتصادية حادة. الاقتراض الخارجي الكثيف استنزاف الاحتياطات الأجنبية، مما أجبر الحكومة الإيرانية على طلب معونة عاجلة من كلاً من صندوق النقد الدولي والحكومة الأمريكية. وتضخمت الأزمة الاقتصادية بتصاعد المعارضة الشعبية. ارتفع معدل الإضراب في الصناعة بحدة: إذ لم يكن هناك أكثر من ثلاثة إضرابات كبرى في السنين 1955-1957، لكن على مدار الأربع سنوات التالية قفز العدد إلى أكثر من عشرين إضراب. بعض الإضرابات انتهت بمواجهات دموية بين العمال والجيش. وكانت المقاومة تنتشر إلى قطاعات أخرى. في 1962 كانت هناك مظاهرات طلابية حاشدة واعتصامات في الجامعة. جُرح المئات، وقتل عدد، حينما اقتحمت قوات الشاه جامعة طهران. في يونيو 1963، بعد أيام عديدة من معارك الشوارع في العاصمة، أمر الشاه قواته أن “تصوب لتقتل”. ذُبح آلاف من الناس.
في مواجهة هذه الأزمة، أطلقت حكومة الشاه برنامجا كبيرا للإصلاح من الأعلى، “الثورة البيضاء للشاه والشعب”. وقد غيرت “الثورة البيضاء” إيران. هدفها الأساسي كان توفير قاعدة اجتماعية، واقتصادية، وسياسية مستقرة للنظام. كانت الوسائل المختارة لتحقيق ذلك هي تعزيز مجموعتين اجتماعيتين مهمتين لهما مصلحة باستقرار الشاه: المزارعين الرأسماليين متوسطي الحجم في المناطق الريفية، وبرجوازية صغيرة متوسعة موظفة من الدولة في المدن. رافق هذا الجهد إعادة تشكيل لأجهزة الدولة لتطوير البنية التحتية لخدمات الصحة والتعليم. قُدمت مبادرات في اتجاه “التحديث” السياسي والثقافي: أعطيت النساء الحق في التصويت في البرلمان الإيراني، أُدخل نظام تقاسم الأرباح للعمال الصناعيين، وأُصلحت المحاكم الريفية[7].
كانت الطبقات الوسطى التقليدية في السوق هي التي خسرت. حيث كان وضعهم مهدد باستمرار بنمط التطوير الرأسمالي في إيران، سواءً من الدولة أو رأس المال العالمي، أرادوا عودة السلطة الدينية والتقاليد، وظلوا معارضين للدولة حتى وصل ممثلوهم، رجال الدين الإسلامي، إلى السلطة في 1979. تحت شعار “الثورة البيضاء” بذل النظام جهدًا أقل لاستمالة رجالة الدين التقليديين، الذين أخذت معارضتهم له تزداد.
في الريف، فُككت حيازة الأراضي الكبيرة ذات الطابع “ما قبل الرأسمالي“، مُنحت علاقات الإنتاج الرأسمالية دفعة كبيرة من خلال إدخال الإيجار النقدي، القروض، والديون. زُود الفلاحين الأثرياء برأس المال لعلهم يصبحوا مزارعين رأسماليين، ويقوموا باستخدام عمالة مأجورة، و ينتجون من أجل السوق على نطاق وطني[8]. بهذه الطريقة قضي الإصلاح الزراعي على سلطة ملاك الأراضي الكبيرة وخلقت شريحة جديدة من المزارعين مالكي الأراضي.
تمايز الريف الإيراني على أسس طبقية جديدة. علي القمة، كان ما تبقى من ملاك الأرض القدامى، الذين تم إثرائهم بتعويضات الإصلاح الزراعي، ونجحوا في تطوير أملاكهم الأصغر حجما نسبيا[9] ولكنها ما زالت ذات قيمة، إلى جانبهم كان مشغلون رأسماليون يديرون “مزارع صناعية”[10]، وكذلك عدد من الفلاحين الأغنى أصبحوا مزارعين رأسماليين متوسطي الحجم. تحت تلك الشرائح كانت أعداد هائلة من الفلاحين أصحاب الحيازات الصغيرة، متمسكين بأراضيهم والذين لا ينتجون إلا ما يزيد قليلا على ما يحتجونه لإعالة أسرهم. كانت هذه المجموعة تتطلع بأن يصبحوا مزارعين ناجحين، ولكن في نفس الوقت كانت تخشى من كابوس الانحدار إلى مرتبة أدنى. فأسفلهم مجددا كانت هناك طبقة متضخمة من “الفلاحين الفقراء”، في الحقيقة من عمال مأجورين بلا أراضي. فشل الإصلاح الزراعي في تحسين إنتاج الغذاء أو في القضاء على الفقر الريفي. حيث لم يرتفع الإنتاج الزراعي من بدايات الستينيات فصاعدا بأكثر من 2.5 أو 3% سنويا في أقصى تقدير، أقل بكثير من معدل ارتفاع السكان. نتيجة لذلك، ارتفعت واردات الغذاء بشكل كبير، بحلول 1977 كانت تقدر بـ 2.6 مليار دولار، دفعوا من عائدات النفط[11].
في السبعينيات، هاجر نحو مليون من هؤلاء العمال المأجورين ممن لا يملكون أرض إلى المدن، بحثا عن “الحضارة الكبرى” التي كانت أجهزة الراديو تخبرهم بأنها تبني هناك. لكن بمجرد وصولهم إلى المدينة، لم يستطع معظمهم العثور على عمل منتظم. كانوا بروليتاريون محتملون؛ يتأرجحون ما بين العمل المؤقت والبطالة. كانوا يعيشون في الأحياء الفقيرة ومدن الصفيح، عانى غالبيتهم من إحساس عميق بعدم الانتماء والغربة. افتقدوا لقاعدة مادية قد تمكنهم من الارتباط إيجابيا بالعالم الحضري، وبذلك لم يقدروا على التخلي عن ماضيهم ذي الجذور الممتدة في “عزلة الحياة الريفية وضيق أفقها[12].”
بداية “الثورة البيضاء” كانت مصحوبة بتوسع اقتصادي سريع، من منتصف الستينيات وصاعدًا. أصبح دور الدولة في تكوين رأس المال هاما جدا، في نفس الوقت التي صرفت فيه أموال طائلة على الجيش وبيروقراطية الدولة كوسيلة لإبقاء المجتمع متماسكا.
في بداية السبعينيات، انضمت إيران لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك OPEC)، والتي أعطتها بجانب منتجي النفط الآخرين، درجة من السلطة على صناعة النفط. وحينما رفعت أوبك من عام 1973، سعر النفط خمسة أضعاف، تضاعفت بالتالي عائدات النفط الإيراني. ففي 1963-1964 كانت العائدات 555 مليون دولار؛ في 1975-1976 صعدوا لما يقارب 20 مليار دولار.
هذا الارتفاع الهائل في عائدات النفط غذى توسعا إضافيا في الصناعة الإيرانية، وعزز موقع دولة الشاه. في قمة الطفرة النفطية، كان الإنتاج الصناعي يمثّل 15% من إجمالي الناتج المحلي الإيراني، و20% من مجمل العمالة. القطاعات الأساسية للتطوير كانت الأنسجة، البناء، الصلب، البتروكيماويات، البلاستيك، المركبات، التنقيب (النحاس والألومنيوم)، الصناعات الغذائية وتجميع بضائع المستهلكين الحديثة.
ثلاث قوى رئيسية لعبت كوسيط لتراكم رأس المال في داخل إيران: الدولة، رأس المال الإيراني الخاص، و رأس المال الأجنبي. كتوضيح للقيمة النسبية لهذه القوى الثلاث، خطة 1973-78 قدرت استثمار الدولة بقيمة 46.6 مليار دولار، ورأس المال الخاص المحلي 23.4 مليار، ورأس المال الأجنبي 2.8 مليار[13].
كانت الدولة الإيرانية، كمتلقية لعائدات النفط، دائما المحرك الأساسي للنمو الصناعي. أولا: كانت نفسها مستثمرا رئيسيا في الصناعة. ففي عام 1975، جاء 60% من مجموع الاستثمار الصناعي من موارد الحكومة. ثانيا، وفرت الدولة أيضا تمويل للقطاع الخاص من خلال المؤسسات المالية. بهذه الوسائل، عززت الحكومة تطور هام لبرجوازية إيرانية محلية. تلك البرجوازية التي شاركت في الاستفادة من ثمار التصنيع، لكنها ظلت معتمدة على تمويلات الدولة، وبالتالي تابعة لسياستها. ثالثا، جذبت إيران استثمار خارجي. بحلول منتصف السبعينيات كانت أكثر من 200 شركة أجنبية تستثمر في إيران. مبدئيا الأمريكيين، بـ 43 شركة مستثمرة في عام 1974، كانوا المجموعة الأكبر، ولكن بحلول طفرة النفط تفوق رأس المال الياباني على الولايات المتحدة الأمريكية. ففي عامي 76- 1975 مثلت اليابان 43% من كل الاستثمارات الأجنبية، وكان معظمها موجه إلى مشاريع البتروكيماويات كثيفة رأس المال[14].
استفاد المستثمرون الإيرانيون والأجانب على السواء بدرجة كبيرة من النمو الصناعي الكبير. حيث ازدادت كلا من صادرات إيران للسلع المصنعة ووارداتها من المعدات الصناعية. كما تزايد استهلاك الطبقات الوسطى المهنية، وبدرجة ما الطبقة العاملة، مما وسع من السوق المحلي، موفرا قاعدة لنمو البرجوازية الإيرانية المحلية.
لقد عزز كل من نمو الصناعة وتوسع جهاز المدني الدولة نمو طبقة وسطى مهنية حديثة. نمت بيروقراطية الدولة إلى 304,000 موظف مدني[15]. والأكثر أهمية كان النمو الكبير في أعداد العاملين في الصناعات التحويلية والبناء.
بحلول وقت الثورة في 1979، قُدر وجود 2.5 مليون عامل في الصناعة التحويلية (بالرغم أن 30% فقط عملوا في وحدات صناعية حديثة بحجم يعتد به) ، بينما قطاعات الخدمات (الخدمة المدنية، التعليم والصحة، الاتصالات، الكهرباء وإمدادات الغاز) عينوا ثلاثة مليون آخرين[16]. كانت معظم المشاريع الكبيرة في القطاع العام. وقد أدى نمو الصناعة إلى زيادة القوة التفاوضية للعمال المهرة على وجهة الخصوص؛ كانوا قادرين على الاستفادة من النقص في سوق العمل ليرفعوا أجورهم بنسبة 30 إلى 50 % في السنة[17]. وهكذا أصبحت الطبقة العاملة الحديثة قوة حاسمة في المجتمع الإيراني.
غير أن تحديث الاقتصاد كان مصحوبا بتقوية جهاز الدولة القمعي. استخدمت عائدات النفط لتمويل ليس فقط التطوير الصناعي لكن أيضا دكتاتورية الشاه المتوسعة. قمعت المعارضة السياسية بوحشية، وخضع الاستهلاك المحلي لأرباح كثيرة ودرجة كبيرة من الاستغلال.
استخدم الشاه عائداته الضخمة من النفط لأكثر من مجرد التصنيع. فقد عززت أيضا قبضته الحديدية على المجتمع الإيراني. وأصبحت إيران في السبعينيات أكبر مستورد للأسلحة في العالم، وفي الوقت نفسه تطورت علاقة التبعية من إيران إلى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أكبر. وفي عام 1973 أصبحت طهران المقر الإقليمي لوكالة الاستخبارات الأمريكية في الشرق الأوسط. عدد “المستشارين العسكريين” الأمريكيين بلغ 24,000، وكان متوقع أن يرتفع تقريبا إلى 60,000 بحلول 1980.
توسع جهاز الشاه القمعي المتمدد بالفعل بصورة أكبر. فقد نما السافاك، جهاز الشرطة السري الإيراني سيء الصيت، ليصل إلى 5300 عميل بدوام كامل مع عدد أكبر غير معروف من مخبرين مأجورين بدوام جزئي. وفي 1975، تم حل الأحزاب السياسية الموجودة حيث أعلن الشاه النظام السياسي للحزب الواحد، متمركزة حول حزبه حديث التأسيس “حزب رستاخيز”[18]. وفي أماكن العمل، لم يكن يسمح إلا “بالنقابات الحكومية” التي يشرف عليها السافاك؛ وفي معظم المصانع الكبيرة كان يوجد مكاتب الخاص لموظفي السافاك.
كانت الدولة قامعة بشراسة. كل التحديات السياسية لدكتاتورية الشاه تم التعامل معها بأكثر الطرق وحشية: القتل والتعذيب كانوا أسلحة الدولة اليومية. نظام الشاه شديد السلطوية لم يترك أي مساحة لنمو الديمقراطية السياسية أو لأي درجة من حرية النقابات العمالية.
عكس هذا النظام السياسي الطابع غير متكافئ إلى حد بعيد للتطور الإيراني. فمن ناحية كانت الدولة تدفع قدما تجاه التحديث التكنولوجي للحياة الاقتصادية، وهي عملية تنطوي علي رفع المستوي الثقافي والإنتاجية الكلية للقوى العاملة. وناحية أخري، تعايش هذا البرنامج التحديثي مع أشكال أقدم من استغلال العمال، معتمد على ساعات طويلة وخفض مستويات معيشة الجماهير.
أنتج النمو الاقتصادي السريع توترات اقتصادية وسياسية حادة. حيث رفعت الزيادة المفاجئة في عائدات النفط من توقعات الناس. واتسعت الفجوة بين ما وعد به النظام، وما يدعيه وما حققه وبين ما توقعه الجماهير وما حصلت عليه وما اعتبرته قابل للتنفيذ. علي الرغم من أن التطورات الاقتصادية سمحت بوقوع خطوات كبيرة إلى الأمام في مجال الرفاه العام، إلا أن إيران ظل لديها واحدة من أسوأ خدمات الصحة والتعليم في كل الشرق الأوسط. لم تستفيد كل الطبقات بشكل متساو من برنامج النظام الاقتصادي والاجتماعي. لم تتسع فقط الفوارق الطبقية بل اتسعت أيضا التفاوتات الإقليمية، مؤججة بذلك مطالب أقليات إيران القومية.
بدأ نشاط الطبقة العاملة ينتعش. ارتفع عدد الإضرابات من مجرد حفنة خلال السنوات 1971-1973 إلى ما يقرب إلي 20 أو 30 في السنة بحلول 1975. لم يسمح لأي من الإضرابات أن تستمر مدة طويلة: فإما أن نظام كان يستجيب فورا لمطالب العمال، أو كان يقمع سريعا الإضرابات بالقوة. حيث كانت الإضرابات في قطاع النفط الحيوي قصيرة وناجحة، وهنا على الأقل، بالرغم من القمع، أمكن لثقة العمال في تنظيم الإضراب أن تنمو قليلا.
بالرغم من التصنيع، كان دور النفط في الاقتصاد أكبر من أي وقت في الماضي. لذلك انعكس تراجع الطلب العالمي على النفط بحلول نهاية 1975 سريعا داخل إيران. حيث انخفضت عائدات النفط وصاحب هذا معدل عالي من التضخم العالمي والمحلي، مما أدي إلي مشكلات في التدفق النقدي. من أجل الاستمرار في خططها للتصنيع اضطرت إيران أن تقترض بشكل كبير من البنوك العالمية. بسرعة تغيرت صورة إيران. التي بدت كأنها دولة تتمتع بتحديث ناجح مبهر ظهرت الآن بشكل متزايد كدولة غير قادرة على إطعام قطاعات كبيرة من سكانها، مثقلة في دين ضخم للبنوك العالمية، مع عائدات نفط هابطة وحتى احتياطات نفطية أكثر هبوطا.
في مواجهة الأزمة المتصاعدة، انخرطت الطبقة الحاكمة في إيران في عربدة من الفساد والمضاربة، جانيين ومنفقين أرباح سريعة ومدخرين المال في بنوك أجنبية استعدادا للانهيار الذي توقعوا قدومه. أسهمت المضاربة العقارية والاكتناز المعمم للسلع في معدل تضخم بنسبة 40% في السنة. في 1975، فرضت الحكومة ضوابط صارمة على الأسعار. ونظم السافاك وحزب رستاخيز الخاص بالشاه 10,000 مفتش، وإرسالهم لمضايقة صغار التجار وأصحاب المحلات؛ وقبض على 8000 من رجال الأعمال الصغار وتم تغريمهم ومنعوا من مزاولة أعمالهم، باعتبارهم “مستغلين وغشاشين ومحتكرين” باسم “حرب ضد التضخم”.
وجد العمال أن الإيجارات تلتهم ربع ما جنوا من مال. اختفي الغذاء الرخيص من السوق. بدأ الإنتاج الصناعي في التراجع، وصلت البطالة الحضرية إلي 15% – بلا إعانة بطالة متاحة لتخفيف المحنة. رد النظام بتكثيف طاعة الشاه وتمجيد “ثورته البيضاء”. وكانت وسائل الإعلام الرسمية تصور إيران “كحضارة عظيمة” و”سابع القوى العظمى في العالم”[19].
[1] لمزيد من التفصيل حول تلك الفترة أنظر:
Shaul Bakhash, Iran: Monarchy, Bureaucracy and Reform under the Qajars, 1858–1896 (Ithaca Press, 1978); Nikki R. Keddie, Religion and Rebellion in Iran: The Iranian Tobacco Protest of 1891–1892 (London, 1966); Kasravi, Tarikhe Mashroteh Iran [The History of the Constitution of Iran].
[2] E. G. Browne, The Persian Revolution of 1905–1909 (Cambridge University Press, 1910);
Kasravi, Tarikhe Mashroteh Iran [The History of the Constitution of Iran].
[3] Ramy Nima, The Wrath of Allah (Pluto Press, 1983).
[4] لمزيد من التفصيل حول الإصلاح الزراعي أنظر
- K. S. Lambton, The Persian Land Reform, 1922–1966 (Clarendon Press, 1969);
- J. Hoogland, Land and Revolution in Iran, 1960–1980 (University of Texas Press, 1982).
[5] تودة حزب ماركسي ستاليني موالي للاتحاد السوفيتي، نشئ عام 1941 بعد خلع الشاه رضا الأب. „تودة” في الفارسية تعني الجماهير. [المترجمين]
[6] الانقلاب الأول حدث في 15 أغسطس 1953 بينما الانقلاب الثاني بعد أربعة أيام في 19 أغسطس، خلال فترة فشل الانقلاب الأول ونجاح الثاني كان محمد رضا هارب خارج البلاد. [المترجمين]
[7] لمزيد من التفصيل حول التصنيع في تلك الفترة أنظر
Julian Bharier, Economic Development in Iran, 1900–1970 (Oxford University Press, 1971); Fred Halliday, Iran: Dictatorship and Development (Penguin, 1979).
[8] على النقيض في نمط الزراعة فيما قبل الرأسمالي، تكون المنتجات الزراعية في الأساس لتلبية الاحتياجات المباشرة للفلاحين، ويكون التبادل في السوق على نطاق ضيق للغاية. أما في الزراعة الرأسمالية، تزرع المحاصيل بهدف أساسي البيع في الأسواق سواء على النطاق القومي أو السوق العالمي. [المترجمين]
[9] طبقة ملاك الأراضي التقليديين تعرضوا لموجتين من مصادرة الأراضي الأولى في عهد رضا شاه الأب، في العشرينات والثلاثينات، وكانت مصادر قسرية بدون تعويضات، بغرض إضعاف سلطة ملاك الأراضي، حيث كانوا الحكام الفعليين في الريف، بينما الإصلاح الزراعي ومصادرة الأراضي في الستينات في عهد محمد رضا شاه الابن كان في إطار إصلاح من أعلى بهدف إدماج الريف الإيراني في السوق الرأسمالي، حيث تم تفتيت الملكيات الكبرى ليكون الحد الأقصى للملكية للمالك هو قرية واحدة، ومصادرة ما يزيد عن قرية. [المترجمين]
[10] المزارع الصناعية: المقصود منها هو زراعة الأراضي باستخدام نمط شبيه بنمط المستخدم في الصناعات الكبرى، بمعنى استثمارات رأسمالية كثيفة، استخدام الميكنة والري الحديث، والعمل المأجور على نطاق واسع. بخلاف الزراعة التقليدية التي تعتمد على زراعة الأسر الفلاحية لأراضيهم، واستخدم طرق وأدوات بدائية للزراعة. [المترجمين]
[11]Halliday, Iran: Dictatorship and Development. Pages 127-28
[12] ‘idiocy of rural life” التعبير في النص الأصلي مقتبس من البيان الشيوعي لماركس وأنجلز، الصادر في 1848، والترجمة الأدق للتعبير هو الانعزال وضيق الأفق المرتبط بالحياة الريفية. [المترجمين]
[13] Ramy Nima, The Wrath of Allah (Pluto Press, 1983), page 15.
[14]Halliday, Iran: Dictatorship and Development, pages 147-58.
[15]Ervand Abrahamian, Iran Between Two Revolutions (Princeton University Press, 1982) pages 435-40.
[16]Halliday, Iran: Dictatorship and Development, pages 173-83.
[17]Nima, The Wrath of Allah, page 51.
[18] رستاخیز تعني بالفارسية “البعث”.
[19] لـمزيد من التفصيل حول التصنيع في هذه الفترة أنظر
Fred Halliday, Iran: Dictatorship and Development (Penguin, 1979) chapters 5-7;
Julian Bharier, Economic Development in Iran, 1900–1970 (Oxford University Press, 1971) chapter 13.






