بروفات ثورية (3) | إيران 1979: هل انتصرت الثورة أم الإسلام السياسي؟
الاستنتاجات
الطبقة العاملة الإيرانية شكلّت القوة الرئيسية في النضال الذي أسقط نظام الشاه المروع. لكن السلطة لم تنتقل إلى أيدي العمّال. بدلًا من ذلك كانت الحكومة المؤقتة بقيادة الخميني هي من حَدَّد مضمون سياسة وشكل الدولة الجديدة التي نشأت على انقاض النظام القديم. بينما عملت حكومة الخميني على تطوير نظام حكم برجوازي جديد، أصبحت الطبقة العاملة سجينتها. في نهاية المطاف وجد العمال أنفسهم تحت وطأة نظام إسلامي جديد، كانت سُلطتهم وحقوقهم في ظله لم تكن أكثر – وفي بعض التقديرات كانت أقل – مما كانت عليه تحت حكم الشاه.
دُفعت الثورة المضادة إلى الأمام تحت خطاب الخميني الزائف عن “معاداة الإمبريالية” وأصبحت أكثر تماسكًا مع تطورات حرب الخليج. بعض الحماس والقبول الشعبي للحرب، وتحديدًا في المناطق المتأخرة من الريف يمكن فهمه بسبب تقديم الحرب على أنها “امتداد للثورة”. أما عدد القتلى المروع فتم الدفاع عنه بالادعاء المشوه بأن الموت من اجل الإسلام يعني “التحرر إلى الجنّة”.
منحت الحرب أيضًا النظام الغطاء المثالي للتخلص من أي معارضة يسارية باقية. تم منع النقابات العمالية المستقلة والحق في الإضراب بحجة انهم “غير إسلاميين”، فعاد العمال إلى الوضع تحت حكم الشاه؛ هنا وجد هذا الإسلام وحدة مثالية مع احتياجات الرأسمالية. تم إخضاع النساء، باسم الله، لإذلال أبوي دمّر كل حقوقهن الأساسية في اختيار مصيرهن فيما يتعلق بأمور مثل الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والحق في العمل وما شابه. الأقليات القومية والدينية تم قمعها بعنف.
فضيحة “إيران جيت- Irangate” عام 1986 كشفت عن طبيعة النظام الإسلامي الحقيقية. رفسنجاني، ثاني أعلى رتبة بعد الخميني، اقترح خلال صفقات السلاح التي عقدها مع حكومة ريجان أن تستعيد إيران دورها كشرطي منطقة الخليج. أصبح الإسلام الأصولي، بطريقة شريرة، مهيأ الآن لخنق تطورات تقدمية أخرى عبر الشرق الأوسط والشرق الأدنى وشمال أفريقيا، بينما أصبحت الطبقات الحاكمة في الغرب تعيد حساباتها وتتقارب مع هذا الحليف الجديد الغريب.
هذا الناتج المؤسف ما كان عليه أن يحدث. تاريخ نضال العمال الإيرانيين خلال الشهور بعد فبراير 1979 يشير إلى احتمالية نتيجة مختلفة تماما. عمال إيران أرادوا مجتمعًا مختلفًا عن ما فرض عليهم باسم الجمهورية الإسلامية. لقد أرادوا مجتمعا تحت سيطرتهم المباشرة. المطالب التي قدموها خلال مجالس شورى العمال تشير إلى ذلك بوضوح.
نضال العمال من أجل السلطة خلال مجالس شورى العمال ربطت مطالب “أقتصادية” الطابع مع مطالب “سياسية” الطابع، وكانت مجالس شورى العمال أداة ثورية تم تأسيسها خلال معركة التخلص من الشاه ومن خلالها عبر العمال عن مساعيهم الخاصة بهم إلى السلطة. مطالبهم لم تقتصر فقط على ما يخص الراتب وساعات العمل وشروط التوظيف، بل ضمّت بشكل مركزي أمورًا تخص التحكم في الإنتاج وفي كل نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية.
لعدة أشهر بعد الإطاحة بالشاه، كان هناك عمليًا سيطرة عمالية على الصناعة. ولكن لكي يتم ترسيخ هذا كأساس لنظام اجتماعي جديد، كان لا بد من مواجهة مسألة سلطة الدولة. منذ البداية سعت الجمهورية الإسلامية إلى إضعاف مجالس شورى العمال بصفتها الأدوات التي كان غرضها تمكين العمال من التحكم في وسائل الإنتاج والتوزيع وما شابه. فقد كان نظام الخميني هو من دعم المديرين “الإسلاميين” والخبراء التقنيين من الطبقة الوسطى ضد لجان العمال وقد كانت قوانينها هي ما منعت الطبقة العاملة من توسيع سلطتها بشكل كامل.
كان النصر في أماكن العمل مشروط مسبقا وبشكل حيوي بالنضال السياسي نحو شكل الدولة الإيرانية الجديدة. ولا يمكن ضمان علاقات إنتاج اشتراكية قي العمل إلا إذا امتد الطبقة العاملة سلطتها الجماعية إلى ما وراء المصنع وإلى الدولة نفسها. إن مطالب مجالس شورى العمال وبالأخص مجلسها القومي التأسيسي كشفت عن وعي قوي بهذا الأمر وسط قيادات العمال المناضلين.
لكي ينجح العمال في تطوير سلطتهم بهذه الطريقة، لقاموا بتوسيع أساس مطالبهم وبالتالي أساس الثورة الإيرانية ككل. فما وجب عليهم أن يدفعوا بمطالبهم الخاصة إلى الأمام فحسب، وإنما توجب عليهم أيضا توحيد مطالب كل فئات الشعب الإيراني المظلومة. العاطلون والنساء والفلاحون الفقراء ومختلف الأقليات القومية والدينية. لأن مصالح تلك المجموعات المتعددة والمتشابكة ببعضها، مثل مصالح هؤلاء العمال، مرتبطة بمواصلة تطوير الثورة. كل هذه المجموعات كانوا حلفاء محتملين للعمال ضد حكومة الخميني المؤقتة.
ولكن، ومنذ البداية، نجح الخميني وحلفاؤه في تفكيك القوى المعارضة لمشروعه الرامي إلى إقامة جمهورية إسلامية. لماذا كان هجوم الخميني على الإمكانات الديموقراطية والعمالية للثورة الإيرانية ناجحًا لهذه الدرجة؟ إن تفسيرين، على الأقل، من التفسيرات التي تم طرحها، يبدوان غير كافيين إلى حد بعيد.
بعض المعلقين رجحوا بأن الثورة الإيرانية كانت حالة خاصة. بسبب سيطرة الإسلام الشيعي على عقول الجماهير الإيرانية. أولاً هذا التفسير يبالغ في درجة تدين العمال الإيرانيين والفلاحين. ثانيا فإن مجرد وجود الدين لا يفسّر سبب وصول جزء من الدعاة الإسلاميين إلى السلطة بالطريقة التي وصلوا بها. الحقيقة هي إن الجمهورية الإسلامية كانت الهيئة التي اتخذتها الثورة البرجوازية المضادة في إيران. نفس النتيجة الجوهرية – أي هزيمة القوى الثورية للطبقة العاملة – قد تم إنتاجها في أشكال متنوعة جدا في بلدان متعددة على مدار القرن العشرين.
ولا يمكن تفسير هزيمة الحركة العمالية على أسس تأخر إيران الاقتصادي. فعلى كل حال وبمقياس نسبي، الطبقة العاملة الإيرانية كانت اكبر من الطبقة العاملة في روسيا وقت ثورة 1917. في كلتا الحالتين وبالتأكيد، دفعت التناقضات الناتجة عن التطور الرأسمالي غير المتكافئ في إطار اقتصاد عالمي استعماري بالطبقة العاملة إلى مقدمة النضال السياسي ضد النظام القديم. وفي إيران كما في روسيا، أثبتت أطروحة “الثورة الدائمة ” الماركسية صحتها بشكل حاسم: الطبقة العاملة احتلت مركز الساحة الثورية، وسعت إلى دفع الثورة إلى الأمام من مرحلة “ديمقراطية برجوازية” غير مستقرة نحو ديمقراطية عمالية اشتراكية.
ولكن للأسف، اليسار في إيران أساء قراءة الوضع بشكل سيء جدًا. الأحزاب اليسارية رأت وبشكل مستمر أن مهمتها التاريخية ليس أكثر من إسقاط الشاه، وإقامة بنية ديموقراطية. بالنسبة لهم كان المضمون الأساسي للثورة هو أن تكون “ثورة ديمقراطية” فحسب، مع تأجيل الثورة الاشتراكية إلى مستقبل غير محدد. لدرجة أنهم نظروا إلى نضال البروليتاريا من اجل السلطة فقط من خلال عدسة الثورة “الديمقراطية البرجوازية“.
بعد أن تذوقت شعوب إيران المستغلة والمضطهدة قوتها الكامنة أثناء نضالها ضد الشاه، شعروا بإمكانية استمرار الثورة إلى الأمام نحو مجتمع اشتراكي يخضع لسيطرتهم المباشرة. أما الطبقة البرجوازية فليست كذلك: لم تكن لديها دافع لاستكمال الثورة، بل أرادت أن تتوقف وأن يخمد الحراك الشعبي. ولذلك تحولت الثورة ضد الشاه إلى صراع طبقي مرير على الشكل المستقبلي للمجتمع الإيراني. العمال وباقي الفئات المضطهدة لم يريدوا للثورة أن تتوقف: أرادوها أن تستمر حتى تُلبى كل احتياجاتهم وطموحاتهم.
كانت هذه أهمية مجالس شورى العمال والمجموعات النسائية والهيئات الفلاحية التي سيطرت على الأراضي، وكذلك تنظيمات الأقليات القومية المتعددة. كل هذه الحركات المتنوعة مجتمعة معا تمتلك قوة كامنة هائلة. لكن في الممارسة العملية كانوا مفصولين عن بعضهم البعض: نضال العمال من أجل مجالس شورى العمال تم في انعزال عن معركة النساء من اجل التحرر وعن حركات حق تقرير المصير القومي وعن نضال الفلاحين من أجل الأرض؛ وبالمقابل هذه الحركات كانت معزولة بالقدر نفسه عن النضال العمالي. اليسار الإيراني أثبت عدم قدرته على توحيد هذه الحركات المختلفة لأنه كان يفتقر إلى المنظور العام الذي كان سيجعل هذا التوحيد يُرى كأمرا ضروريا. بينما ناقشوا قضايا حقوق النساء والأقليات القومية في صحفهم واجتماعاتهم، لكنهم لم يشنوا حملات نشطة حول تلك القضايا في مجالس شورى العمال أو لجان العاطلين.
تطرح الثورة في بلد متخلف، وبشكل خاص، بعض القضايا الأساسية في السياسة الاشتراكية. فالطبقة العاملة لا يمكنها أن تستولي على السلطة بمفردها، بمعزل عن أو بمعارضة النضال من أجل تحرير المجتمع من جميع أشكال القمع، سواء كان قومياً أو جنسياً أو ثقافياً أو دينياً. إن التوسع الأقصى للحقوق الديمقراطية هو شرطا مسبقا أساسيا لسلطة العمال. إن المجاهدين وحزب توده قد حكموا على النساء والأقليات الدينية في إيران بالعيش في قمع مستمر عندما وافقوا على عرض الخميني بإقامة جمهورية إسلامية. عندما فشل اليسار بأجمعه في الكفاح من أجل حقوق المرأة والأقليات القومية والدينية جنبًا إلى حقوق العمال، زاد من قوة خصمه. وعندما خُدِعَ اليساريين بدعوة الخميني الرجعية “للوحدة الوطنية” ضمن خطابه الذي تضمن “معارضة إمبريالية” زائفة ، فقد قطعوا رقابهم بأيدهم.
إن نصرًا شامًلا للثورة كان ممكن فقط بشرط الانفصال التام عن الحكومة الانتقالية البرجوازية وبدء نضالًا قاطعًا من اجل شكل جديد للمجتمع، يتمحور حول سلطة العمال مع تحقق مطالب كل القوى الثورية المختلفة والتحطيم الكامل للدولة الإسلامية. وكان هذا يعني النضال من أجل توسيع سلطة كل أنواع مجالس شورى العمال العلمانية لتنسيق نشاطاتها وجعلها الأساس لنوع جديد من المجتمع.
وفي الواقع، شكّل إقامة الجمهورية الإسلامية نهاية تامة لأي حماس ثوري لدى قطاع من البرجوازية والبرجوازية الصغيرة الإيرانية. في الواقع، حتى المشروع الأصلي الخاص باليسار بتشكيل مؤسسات نظام “ديمقراطية برجوازية” عادي لم يتم تحقيقه. وبخصوص ظروف إيران تحديدًا، لطالما كان هذا المشروع طوباويا: الاختيار الحقيقي كان بين جمهورية عمال وفلاحين ديموقراطية من جانب، أو إعادة تأسيس نظام رأسمالي شديد السلطوية من جانب آخر.
لبعض الشهور بعد سقوط الشاه، تواجد في إيران وضع ذو أمكانيات ثورية. ولكن لكي يكون الناتج مختلف، كان من الواجب وجود حزب اشتراكي ثوري سياسي قادر على القطيعة عن سياسات اليسار الإيراني الفاشلة بشكل حاسم (أمثال سياسات حزب توده ومجاهدي خلق وفدائي خلق)، وتعد هذه القطيعة شرطا مسبقا مطلقا.
كانت الترسانة النظرية لليسار الإيراني تفتقر تماما إلى مفهوم ماركسي مركزي للثورة الاشتراكية. مهما كانت الاختلافات بين الأحزاب المتعددة، فقد اشتركت جميعها في فكرتين متصلتين، كلاهما متجذرتين على صعيدي الفكر والممارسة في الستالينية والاشتراكية الديموقراطية. الفكرة الأولى كانت أن التحول الاجتماعي يجب أن يقتصر على التحول الديموقراطي، لا الإطاحة بالعلاقات الاجتماعية البرجوازية. والفكرة الثانية هو أن دور الحزب الثوري هو العمل نيابة عن المستغلين والمضطهدين، بدلاً من تشجيعهم وقيادتهم في نشاطهم الثوري الذاتي. في تاريخ إيران، كما في العديد من البلدان الأخرى، أدى تطبيق اليسار لهذه المنظور الخاطئ بشكل منتظم إلى هزيمة الحركات الثورية، على الرغم من خلق النضال العمالي وضعاً ثورياً ينطوي على إمكانية التطور الاشتراكي.
إن حزب توده والمجاهدين دعموا مقترحات الخميني “للأسلمة”؛ بالرغم من أن ذلك كان معناه إضعاف وتدمير تنظيمات الطبقة العاملة المستقلة في هيئة مجالس شورى العمال. أما المجاهدين والفدائيين، على السواء، لم يكفوا أبدا عن سياسات الكفاح المسلح النخبوية، الأمر الذي يتضمن استبدال نشاطهم وشجاعتهم بالتطور الذاتي لنضال عمال وفلاحي إيران[1]. لم يضع أي منهم مركز سياساته على تطوير النضال الشعبي وخاصة الحركة العمالية نحو إنشاء دولة عمال وفلاحين ديموقراطية. المنظمات الأخرى التي ربما كانت تبدو بديلا ثوريا اشتراكيا كانت صغيرة جدا وضعيفة الجذور في تحركات الطبقة العاملة، لدرجة أن تصنع أي فرق ملحوظ بغض النظر عن صحة سياساتها من الناحية الشكلية.[2] تتمحور الثورة الاشتراكية حول التحرر الذاتي للطبقة العاملة. وفي مثل هذه العملية، يقع على عاتق الحزب الاشتراكي الثوري مهمة القيادة إلى الأمام، لا أن يتصرف نيابة عن الأطراف الفاعلة الحقيقية في التاريخ، وهم المستغَلون أنفسهم. ولا يمكن لمثل هذا الحزب أن يحل محل تنظيم وعمل ووعي العمال أنفسهم. كما أنه لا يمكنه أن يصنع الثورة نيابة عن العمال، أو عن بقية الفئات المضطهدة والمستغَلة من المجتمع. عليه أن يناقش معهم، بثبات وصبر، ضرورة توليهم زمام السلطة بأيديهم. ما لا يجب القيام به هو الامتناع، كما فعل اليسار الإيراني، عن الجدال السياسي داخل الحركة العمالية.
إن غياب حزب اشتراكي ثوري في إيران خلال الأشهر الثمانية الأولى التي أعقبت سقوط الشاه أدى إلى عدم تمكن أي جهة من اقتراح وسيلة لملء الفراغ في السلطة، أو منع المنظمات اليسارية المختلفة من التردد بطريقة ساعدت النظام الإسلامي على ترسيخ موقعه. وكنتيجة لذلك ضاعت إمكانات هائلة. إن مجالس شورى العمال أظهرت قدرة على الصمود هائلة في مجهوداتها الشجاعة لبناء تنظيم قومي مستقل. جزء كبير من الشعب كان مسلحا نتيجة معركة التخلص من الشاه. ومع ذلك لم يقترح أي حزب بأن مجالس شورى العمال لا تكتف بأن تكون مجرد مجموعة ضغط مناضلة تمارس الضغط على الدولة الإسلامية الناشئة، بل لا بد من تسليح نفسها وتطوير سلطتها بوصفها جنين لدولة جديدة.
بالطبع، لم يرقى التنظيم الوطني لمجالس شورى العمال إلى مستوى شبكة كاملة من المجالس العمالية (السوفيتات) من النوع الذي ميز روسيا عام 1917. لكن لم يكن من المستحيل أن تتطور بهذه الطريقة. لكي تفعل ذلك كان ينبغي عليها تحمل مسؤولية إدارة المدن والبلدان وبذلك التنافس مع اللجان الإسلامية (كميته ها) الجديدة وامتصاص أفضل عناصرها. هذا لم يكن بأي شكل مستحيل. حيث أن اللجان الإسلامية كانت في البداية تشكيلات غير مستقرة جدا. وكانت قاعدة أعضائها في الغالب تتكون من أفضل المقاتلين الفدائيين من فترة النضال ضد الشاه. كان من الممكن جذب العديد منهم إلى منظور اشتراكي ثوري إذا كانت هناك قيادة يسارية واضحة كهذه ضمن مجالس شورى العمال. بدلا عن ذلك، وفي ظل غياب مثل هذا القطب الحيوي للجذب، أنجذب هؤلاء المناضلون نحو الجمهورية الإسلامية مع بدء نظام الخميني بترسيخ نفسه.
كان يتعين على الحزب الاشتراكي الثوري أن يكون لادينيا بلا مساومة، معارضًا لنفوذ رجال الدين على الحياة السياسية والدستور، ومؤيدًا بلا هوادة للنضالات من أجل تحرر المرأة، واستيلاء الفلاحين على الأراضي، وحقوق الأقليات القومية والدينية. لم يكن بالإمكان أن يأمل الحزب، على الفور، في التغلب على ذلك المزيج المتناقض بشدة من الأفكار الإسلامية التي كانت تتعايش مع الأفكار الاشتراكية المتقدمة في أذهان العديد من العمال الأكثر نضالاً. لكن كان بالإمكان تنظيم تيار أقلية واضح داخل المصانع يكون مستعداً للانفصال تماماً عن فكرة الثورة الإسلامية.
كان الشرط لكل هذا، بالطبع، هو ضرورة وجود تنظيم ثوري يقدم باستمرار حجة واضحة لمواصلة الثورة حتى الوصول إلى خاتمة اشتراكية. كان على مثل هذا التنظيم أن يفهم، ويشرح بصبر، الطبيعة المعادية للطبقة العاملة لنظام الخميني. على هذا الأساس، كان من الممكن أن يحظى مشروع النضال من أجل الاشتراكية بتأييد الأغلبية داخل مجالس شورى العمال، حتى بين العمال الذين احتفظوا بأوهام إسلامية.
السؤال المطروح بشأن مستقبل إيران، وبالتالي مستقبل الشرق الأوسط بأسره، هو ما إذا كان تنظيم اشتراكي كهذا ستنشأ ضمن وعبر النضالات التي تخاض الآن حتماً بين حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجماهير الشعب التي يقمعها ذلك النظام الآن بشدة. ما لم يتم تطوير مثل هذا التنظيم، وحتى يتم ذلك، فإن مأساة الثورة الإيرانية عام 1979 معرضة للتكرار إلى ما لا نهاية.
[1] أن سياسات حرب العصابات، أو الأنشطة الفدائية، التي يقوم بها نخبة مسلحة، هي بالضرورة تعزل نفسها عن أنشطة ونضال جماهير العمال والفلاحين. وهي في الأساس سياسة استبدالية تستبدل العمليات المسلحة بدلا من الارتكاز على نضال جماهير العمال والفلاحين وبقية المضطهدين. [المترجمين]
[2] خلال الثورة، كانت هناك أربعة تيارات سياسية بارزة داخل اليسار الإيراني:
التيار الأول: أغلبية الفدائيين، التي نتجت عن انشقاق عام 1979، خضعت لقيادة حزب توده. كانوا ينظرون إلى روسيا والكتلة الشرقية على أنها اشتراكية؛ وكانوا يبحثون عن طريق غير رأسمالي للتنمية في إيران؛ وقد دعموا الجمهورية الإسلامية ونظام الخميني حتى عام 1984 باعتبارهم قوة مناهضة للإمبريالية.
التيار الثاني: أقلية الفدائيين، إلى جانب ثلاث منظمات أصغر (منظمة فدائي خلق الشعبيين- أشرف دهقاني [چریکهای فدایی خلق]، ومنظمة فدائي الطريق المخلص [وراه فدایی]، ومنظمة طريق العمال [وراه کارگار])، وكانت تنظر أيضاً إلى روسيا والكتلة الشرقية على أنهما اشتراكيتان، لكنها لم تدعم الجمهورية الإسلامية والخميني. بعد عام 1980، تقلص نشاط المجموعة الأولى من المجموعات الثلاث ليقتصر على كردستان، بينما اندمجت المجموعتان الأخريان لتشكلا سازمان کارگران انقلابی؛ أي «منظمة العمال الثوريين».
التيار الثالث: اتخذت المنظمات الماوية المختلفة الموقف الثالث. وقد استندت هذه المنظمات إلى تعاليم ماو السياسية من أجل إحداث ثورة ديمقراطية جديدة في العالم الثالث، الذي اعتبرته خاضعًا للرأسمالية من خلال الإمبريالية الاجتماعية والتبعية الاقتصادية. وكانت أهمها منظمة «بايكار»، التي انشقت عن «المجاهدين» في عام 1975، ورفضت في الوقت نفسه الأيديولوجية الإسلامية. ومن بين المنظمات الأخرى «رازمانديكان»، و«الاتحاد الشيوعي»، و«أرمان باراي أزاديه تاباغه كاركار»، و«رانجباران»، و«طوفان»، و«سايهاند». معظمها، بما في ذلك «بايكار»، تكبدت خسائر فادحة في عهد الخميني وتم حلها. في عام 1982، اندمجت «سايهاند» مع «كوموليه» في كردستان لتشكيل الحزب الشيوعي الإيراني. ولا يزال هذا الحزب يسعى إلى «مرحلة» ديمقراطية برجوازية للثورة كشرط مسبق للثورة الاشتراكية.
التيار الرابع : المجموعة الأخيرة كانت تتألف من منظمات رفضت اعتبار روسيا دولة اشتراكية، مع اختلافها في تحليل وضعها الفعلي. ومن بين هذه المجموعات، أيدت مجموعتان تروتسكييتان نظام الخميني: HVK وHKE، وكلاهما منتسبتان إلى الأممية الرابعة. أما البقية فقد عارضت الخميني، بما في ذلك «الوحدة الشيوعية» (Vahdate Komonisty)، و«غيام»، و«زامان نو»، و«أنديشه وإنغلاب»، وفرع ثالث تابع الأممية الرابعة، وهو HKS.
ومن بين المعارضة أيضاً «الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني» (حركة التحرير الوطني المؤيدة لروسيا في كردستان) وتنظيم «المجاهدين» الفدائي الإسلامي.)






