بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

1905: مولد سلطة جديدة

في التاسع من يناير 1905 تعرض المتظاهرون سلمياً لمذبحة على يد القوات في سان بطرسبرج، عاصمة روسيا الإمبريالية. هذا الحدث، الذي يُعرف بيوم الأحد الدامي، أشعل حركة ثورية شلت الدولة الروسية لمدة عام، وكان الشرارة للاحتجاجات في المدن والريف، وفي أثناء هذه العملية ولدت الديموقراطية العمالية الحقيقية.

كانت روسيا في 1905 إمبراطورية شاسعة يحكمها ديكتاتور هو القيصر، وتسكنها أعداد ضخمة من الفلاحين شديدي الفقر. كان التوتر يتصاعد في روسيا والإضرابات تندلع، ولكن شرارة الثورة كانت الحرب.

فقد تحولت حرب 1904 مع اليابان إلى هزيمة مهينة للقيصر نيكولاس الثاني. وارتبطت المشاعر المعادية للحرب بغضب العمال من الأجور المنخفضة والظروف المروعة.

وفي سان بطرسبرج دعت منظمة يرأسها قس، هو الأب جابون، وتدعمها الشرطة، لإضراب في الثالث من يناير 1905. فتوجهت مسيرة من العمال والفلاحين إلى القيصر ليلتمسوا منه المساعدة لتحسين حياتهم. ولكن القيصر أمر قواته بإطلاق النار على المتظاهرين مما أدى لمقتل المئات.

وتحركت البلد كلها في غضب شديد. فهزت موجة إضرابات ضخمة المدن، شارك فيها مليون رجل وامرأة لمدة شهرين تقريباً. وانتهت الإضرابات عندما وعد القيصر بعقد جمعية تشريعية استشارية. إلا أن القليل جداً تغير، واندلعت الحركة مرة أخرى في سبتمبر 1905. في البداية قام عمال الصف في مطابع موسكو بالإضراب. وتوسع الإضراب ليصل إلى سان بطرسبرج، ثم إلى عمال السكك الحديدية في جميع أنحاء البلاد.

وبحلول منتصف أكتوبر تم إعلان الإضرابات العامة في معظم المدن. وفي غضون شهور، بدأ العمال، الذين اعتادوا الخضوع للسلطة، في تحدي الأفكار التي اعتنقوها لمدد طويلة وفي المطالبة بالمساواة. وقد جلب الإضراب العام معه نضال من أجل الحقوق الاقتصادية مترافقاً مع نضال من أجل التمثيل السياسي. وقد وضح الإضراب بشكل درامي قوة العمال في الصراع، ولكنه أدى لشئ آخر شديد الأهمية. ففي زخمه الثوري، الذي يزيح جانباً الحواجز بين العمال في الوظائف والمدن المختلفة، خلق الإضراب العام أول التنظيمات الديموقراطية للطبقة العاملة كلها وهي المجالس العمالية المعروفة بالسوفيتات.

ففي 13 أكتوبر اجتمع سوفيت سان بطرسبرج للمرة الأولى بحضور 43 مندوباً. وشكلت السوفيتات في العديد من المدن. وكان المندوبون ينتخبون من أماكن العمل ويصبحون عرضة للاستدعاء الفوري. وكان لقائهم في السوفيتات ليتبادلوا الخبرات ويتعلموا من بعضهم البعض. كان السوفيت يمثل تعميماً لنضالات أقسام من المجموعات الأكثر تقدماً من العمال لكل الآخرين. وكانت مرتكزة على الطاقة الثورية الهائلة وعلى نشاطات معظم العمال المناضلين. وكانت تستخدم هذه الطاقة لتشجيع العمال الأقل ثقة.

وفي سان بطرسبرج أرسل السوفيت المضربين لحماية ومراقبة الإضرابات في المصانع. وكان لدى السوفيت جريدته الخاصة، وكان ينظم الاستيلاء على المطابع لطباعتها. وكانت الجريدة تنشر توجيهات للإضرابات. وكانت القطارات تعمل فقط لنقل مندوبي السوفيت لاجتماعاته!

لقد كان السوفيت أكثر بكثير من مجرد لجنة إضراب. فقد تطور ليصبح ما أسماه الاشتراكي الثوري الروسي ليون تروتسكي جنين سلطة العمال وأساس لبديل ديموقراطي للقيصرية.

في السادس عشر من أكتوبر تعهد القيصر بوضع دستور وتشكيل جمعية تشريعية، ولكن وعود الديموقراطية هذه كانت تخفي الاستعدادات لقمع الثورة بالقوة.

أدرك مندوبي السوفيت الخطر وقرروا مواجهته. ولكن الإضراب لم يكن موحداً عبر البلاد، وبدأ العمال المبتهجين بوعود الإصلاح في العودة للعمل. ودعا السوفيت لإنهاء الإضراب.

لكن، وبعد عشرة أيام فقط، اندلع صراع جديد. فبشكل عفوي بدأ العمال في عدد من مصانع الصلب في حملة من أجل يوم عمل من 8 ساعات وذلك عن طريق وقف العمل بعد ثماني ساعات. ونشر السوفيت هذا النضال في صناعات الحديد والنسيج.

كانت حركة العمال ملهمة للآخرين الذين تقمعهم القيصرية. فبدأ الفلاحين في الريف في تنظيم الاستيلاء على الأرض والامتناع عن دفع الإيجار. أما في بولندا فقد بدأت حركة تحرر وطني في المطالبة بالاستقلال. وفي نوفمبر تمرد الجنود في قلعة كرونستادت.

وكانت الإضرابات، والثورات الوطنية، والانتفاضات الفلاحية، والتمردات، تمثل مجتمعة تهديداً خطيراً للحكومة. وتم إعلان الأحكام العرفية في المقاطعات، وفي بولندا، وفي كرونستادت، حيث تم تهديد المتمردون بالموت.

ودعا سوفيت سان بطرسبرج للإضراب ضد القمع. وكانت الاستجابة ضخمة. فخرج العمال في أعداد تفوق أكتوبر، وبعد خمسة أيام حصلوا على عفو عام للمتمردين.

وتم استئناف حملة يوم العمل من ثماني ساعات، ولكن هذه المرة انتقم أصحاب المصانع ومنعوا العمال من الدخول. وهكذا بعد النضال طوال العام وجد العمال وعائلاتهم أنفسهم مواجهين بصعوبات شديدة. بعد جدال طويل، صوت السوفيت على إنهاء الإضراب. ولم يتم كسب يوم العمل من ثماني ساعات.

شجعت الهزيمة الحكومة على الانتقام. فبدأت عصابات معادية للسامية، تدعمها الحكومة تسمى “المئات السوداء”، في إرهاب وقتل اليهود، والاشتراكيين والمضربين. وفي سان بطرسبرج صنع عمال الصلب الأسلحة، ونظم السوفيت مجموعات مسلحة من العمال للدفاع عن المضربين واليهود من الاعتداءات.

كانت الثورة تمضي في اتجاه الصراع مع الحكومة. وبنهاية نوفمبر كانت بشائر التمرد في الهواء، والتمردات الفلاحية والإضرابات لا تزال تشتعل.

في سيباستوبول على البحر الأسود قبض الجنود على جنرالاتهم وخرجوا من ثكناتهم للانضمام للحشود المبتهجة. استطاع العمال مع الجنود المسلحين السيطرة على المدينة لمدة خمسة أيام حتى تم قمع انتفاضتهم بوحشية.

في بداية ديسمبر تم إلقاء القبض على اللجنة التنفيذية لسوفيت سان بطرسبرج، وانتقل مركز الصراع إلى موسكو.

دعا السوفيت لإضراب عام بهدف تحويله لانتفاضة مسلحة، وانضمت 33 مدينة للإضراب. كانت المخاطر شديدة. وكان يمكن أن تتلقى القيصرية ضربة الموت لو كانت القوات الثورية متحدة ومصممة بما يكفي.

لقد تم خطو خطوات ضخمة خلال الثورة، تغيرت أفكار، وأدرك العمال قدرتهم الذاتية على إدارة المجتمع. إلا أن الإضراب وحده لا يمكنه هزيمة الدولة. كان هناك احتياج للنضال المسلح من أجل تحقيق هذا الهدف. إضطرب العمال، وتقوض الإضراب في سان بطرسبرج والمقاطعات.

استمرت ثورة عمال موسكو 9 أيام، لكن تم عزلها والقضاء عليها عندما حاصرت القوات المدينة، وقامت بقصف المناطق العمالية. لقد تم كسر ظهر الحركة، على الرغم من أن القضاء على الثورة نهائياً استغرق 18 شهر.

لقد كانت الحاجة لمعركة مسلحة حاسمة ضد الدولة للاستيلاء على السلطة هي الدرس القاسي لعمال روسيا.

بعد فترة تذوق الحرية القصيرة في 1905 ساد القمع، ولكن المذاق لم ينسى. وبعد 12 عام في 1917 اجتمعت نفس العناصر (الحرب، الإضراب الجماهيري، التمرد، الثورات الفلاحية والقومية) معاً مرة أخرى بقوة أكثر لتطيح بالقيصرية.

لقد تعلم الثوريون كذلك من أحداث 1905. فدعا لينين، قائد الحزب البلشفي الاشتراكي، مع أعضاء الحزب ألا يقفوا بعيداً عن السوفيتات، وأن يلقوا بأنفسهم في المعركة.

في الأيام التي تلت 1905، انضم الآلاف من العمال إلى البلاشفة. ومنذ ذلك الحين غمس الحزب نفسه في النضالات اليومية للعمال. وكان أعضائه هم القادة الذين لا يمكن الاستغناء عنهم لثورة 1917.

بالنسبة للينين كانت 1905 البروفة الكبرى. أظهرت الثورة قوة وإبداع التحركات العفوية للعمال، والسرعة التي يمكن أن تتغير بها الأفكار، والإلهام والقيادة اللذان تقدمهما الثورة العمالية للفلاحين ولحركات التحرر الوطني.

ولكنها أثبتت أيضاً الحاجة للاستعداد لمواجهة الدولة في الوضع الثوري، وضرورة التنظيم حتى يمكن تحقيق النصر.

ـــــــــــــــــــــ
*بتصرف عن مقال لميجان ترودال ـ جريدة العامل الاشتراكي البريطانية ـ 8/1/2005