بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورة 1919: هل كانت مجرد ثورة وطنية؟

أصبح من المتفق عليه لدى الكثيرين أن اللحظة الراهنة تموج بإمكانيات كبيرة للتغيير. فمنذ عقود كثيرة، قد ترجع إلى نصف قرن من الزمان، لم تكن النخبة الحاكمة على هذه الدرجة من الإفلاس والعجز عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات الجماهير، كما أنها لم تكن على مثل هذه الحالة من الخنوع والهزيمة في مواجهة الإمبريالية. تتشابه هذه اللحظة مع تلك السابقة على 1952، ولكن إمكانيات التغيير بيد الشعب تم إجهاضها آنذاك بحركة الضباط التي ساعدتها ظروف محلية ودولية على تقديم بديل استطاع أن يصمد لفترة غير قصيرة من الزمن. لذلك تبقى ثورة 1919 أهم تحرك شعبي في تاريخ مصر الحديث. وتتمثل أهمية دراسة هذه الثورة في أنها تعد مثلا حيا على التناقضات التي تحدث في داخل ثورات حقبة الرأسمالية، وهي التناقضات بين أهداف الطبقة البرجوازية -أو الشرائح التي تشارك منها في الثورة- وبين تطلعات الجماهير. وتتحكم الطريقة التي يتم بها حسم هذا الصراع في مستقبل الشعوب لعقود طويلة.

خلال نحو قرنين من الزمان، كانت ثورة 1919 هي المرة الوحيدة التي قامت فيها حركة شعبية على نطاق شمل البلد بأكمله وشاركت فيها جميع الطبقات التي أجمعت على مطلب واحد هو الاستقلال. في هذا السياق، أصبح من الشائع بين القلائل الذين اهتموا بثورة 1919 أن يتخذوا من الإجماع الشعبي على القضية الوطنية آنذاك مبررا لخلق تصور لا يرى في الثورة سوى انتفاضة شعبية لتحقيق المطالب الوطنية، ومن ثم لتجاهل أي بعد طبقي للثورة يربط بينها وبين حالة الفقر والحرمان التي خلقتها أربعة سنوات من الحرب، ولتجاهل أهمية حركة الجماهير من أسفل وما كشفت عنه من انقسامات داخل القوى المشاركة في الثورة.

نشأة الوفد
عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، تم وضع مصر تحت الحماية البريطانية، وظلت كذلك طوال سنوات الحرب التي انتهت في نوفمبر عام 1918، أُرغم فقراء مصر خلالها على تقديم العديد من التضحيات المادية والبشرية. وقد مثّل اضطراب وتفكك النظام الأوروبي نتيجة الحرب، إضافة إلى ما ارتبط بهذا من تفاقم القهر والاستغلال لشعوب المستعمرات، وقيام الثورة الروسية وما طرحته من إمكانية قلب الأنظمة السائدة، دوافعاً لتطور الحركات الوطنية في كثير من المستعمرات. ومن ثم فقد اندلعت ثورة 1919 في ظل موجة من الحركات الوطنية شملت الهند والصين وأيرلندا وبعض مناطق أمريكا اللاتينية.

في هذا السياق قام ثلاثة من أعضاء الجمعية التشريعية، هم سعد زغلول وعلي شعراوي وعبد العزيز فهمي، بمقابلة المندوب السامي البريطاني مطالبين بالاستقلال. وأعقب هذه المقابلة تأليف الوفد المصري، وقامت حركة جمع التوكيلات الشهيرة بهدف التأكيد على أن هذا الوفد يمثل الشعب المصري في السعي إلى الحرية. وطالب الوفد بالسفر للمشاركة في مؤتمر الصلح لرفع المطالب المصرية بالاستقلال. وإزاء تمسك الوفد بهذا المطلب، وإزاء تعاطف قطاعات شعبية واسعة مع هذا التحرك، قامت السلطات البريطانية بالقبض على سعد زغلول وثلاثة من أعضاء الوفد هم محمد محمود وحمد الباسل وإسماعيل صدقي، ورحّلتهم إلى مالطة في الثامن من مارس عام 1919. وكان ذلك إيذانا بقيام الثورة التي اجتاحت جميع أنحاء البلاد، وتصدت لها القوات البريطانية وقوات الأمن المصرية بأقصى درجات العنف.

الثورة ومعاناة الحرب
إذا كانت قضية الاستقلال هي القضية التي فجرت الثورة، إلا انه يصعب فهم عنف واتساع الحركة المطالبة بالاستقلال بمعزل عما لاقته الجماهير الفقيرة من الفلاحين والعمال وسكان المدن من ظلم واستغلال خلال أربع سنوات هي عمر الحرب. ففي الريف، كان مألوفا أن تصادَر ممتلكات الفلاحين من ماشية ومحصول لأجل المساهمة في تكاليف الحرب، كما حرصت السلطات العسكرية على إجبار الفلاحين على زراعة المحاصيل التي تتناسب مع متطلبات الحرب، وعلى القيام ببيع المحاصيل بأسعار تقل كثيرا عن الأسعار السائدة. وتم تجنيد مئات الآلاف من الفلاحين بشكل قسري للمشاركة في الحرب فيما سمي بـ “فرقة العمل المصرية” التي استخدمت في الأعمال المعاونة وراء خطوط القتال في سيناء وفلسطين والعراق وفرنسا وبلجيكا وغيرها.

في الوقت نفسه شهدت هذه الفترة ارتفاعا للأسعار بشكل ملحوظ، بما فيها أسعار السلع الأساسية. حيث سجلت الأرقام القياسية للأسعار ارتفاعا بلغ 216 عام 1918 مقارنة بسنة 1914. وارتفع سعر القمح بمعدل 131% والسكر 149% والفول 114% والبترول 103% كما بلغ سعر الفحم في نهاية الحرب تسعة أمثال ما كان عليه قبل اندلاعها. وارتبط ذلك أيضا بنقص حاد في السلع الأساسية. وكان لهذه الأوضاع أن أدت إلى تدهور الأوضاع المعيشية لكل من سكان الريف والمدن. حيث شهدت مدينتي القاهرة والإسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين تطورت أحيانا إلى ممارسات عنيفة تمثلت في النهب والتخريب. ولم تفلح إجراءات الحكومة لمواجهة الغلاء، مثل توزيع كميات من الخبز على سكان المدن أو محاولة ترحيل العمال العاطلين إلى قراهم، في التخفيف من حدة الأزمة. على الجانب الآخر كان هناك استياء من قبل كبار الملاك بسبب تدخل السلطات في نوع المحصول على حساب زراعة القطن ولصالح السلع الغذائية وأهمها القمح، رغم أن هذه الطبقة قد استفادت من ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية بما فيها القطن والسلع الغذائية.

من ناحية أخرى، أدت سنوات الحرب إلى ازدهار بعض أقسام الرأسمالية المصرية بسبب إغلاق الطرق البحرية، ومن ثم صعوبة وردود المنتجات الأجنبية، وهو ما أتاح فرصة للتوسع الصناعي والتجاري. وبشكل عام ارتفعت معدلات العمالة خلال سنوات الحرب. غير إن هذا التوسع تزامن مع زيادة الأسعار ونقص الغذاء، كما سبق القول، إضافة إلى تعرض العمال ونقاباتهم لهجوم بسبب إعلان الأحكام العرفية وإصدار القوانين التي تحرم التجمهر والإضراب. وفي حقيقة الأمر فقد شهدت الفترة منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر وحتى اندلاع الحرب، قدرا من النمو في حجم الطبقة العاملة بسبب تدفق الاستثمارات الأجنبية والتوسع في شبكات النقل. ومنذ بداية القرن العشرين وحتى نشوب الحرب، خاض عمال الصناعة والنقل عددا من الإضرابات للمطالبة برفع الأجور وتقليل ساعات العمل، كما تشّكل عدد من النقابات للدفاع عن حقوق العمال مثل الرابطة الدولية لعمال السجائر والورق في القاهرة، ونقابة عمال الصناعة اليدوية. ولكن مع نشوب الحرب تم إجهاض النشاط النقابي وأصبح العمال عاجزين عن الدفاع عن حقوقهم.

انفجار الغضب الشعبي
في اليوم التالي لاعتقال سعد زغلول وأعضاء الوفد، أشعل طلبة الجامعة في القاهرة شرارة التظاهرات. وفي غضون يومين، امتد نطاق الاحتجاجات ليشمل جميع الطلبة بما فيهم طلبة الأزهر. وبعد أيام قليلة كانت الثورة قد اندلعت في جميع الأنحاء من قرى ومدن. ففي القاهرة قام عمال الترام بإضراب مطالبين بزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل وتخفيف لائحة الجزاءات والحصول على مكافأة لنهاية الخدمة وغيرها من المطالب. وفشلت محاولات السلطات الاستعانة بعمال سابقين لتشغيل الخدمة، وتم شل حركة الترام شللا كاملا. تلا ذلك إضراب عمال السكك الحديدية، والذي جاء عقب قيام السلطات البريطانية بإلحاق بعض الجنود للتدريب بورش العنابر في بولاق للحلول محل العمال المصريين في حالة إضرابهم، مما عجّل بقرار العمال بالمشاركة في الأحداث. ولم يكتف هؤلاء بإعلان الإضراب، بل قاموا بإتلاف محولات حركة القطارات وابتكروا عملية قطع خطوط السكك الحديدية – التي أخذها عنهم الفلاحون وأصبحت أهم أسلحة الثورة. وأضرب سائقو التاكسي وعمال البريد والكهرباء والجمارك. تلا ذلك إضراب عمال المطابع وعمال الفنارات والورش الحكومية ومصلحة الجمارك بالإسكندرية. وكان ملحوظا الارتباط الوثيق بين مشاركة العمال في الحركة وبين المطالب النقابية في العديد من حالات الإضراب، وهو ما حدث على سبيل المثال في حالة إضراب عمال ترام الإسكندرية ومصلحة الجمارك والبريد، حيث سبق الإضراب رفع هؤلاء العمال مطالب بزيادة الأجور وتحسين شروط العمل. ولم تتوقف احتجاجات المدن على التظاهرات وإضرابات العمال، بل قام السكان في الأحياء الفقيرة بحفر الخنادق لمواجهة القوات البريطانية وقوات الشرطة، وقامت الجماهير بالاعتداء على بعض المحلات التجارية وممتلكات الأجانب وتدمير مركبات الترام.

ولم تكن الحركة في الأقاليم بأقل منها في القاهرة والإسكندرية، بل أنها كانت أكثر حدة وعنفا. فقامت جماعات الفلاحين بقطع خطوط السكك الحديدية في قرى ومدن الوجهين القبلي والبحري، ومهاجمة أقسام البوليس في المدن والتصدي بلا تردد لكل من يحاول الوقوف في وجههم. ففي الحوامدية قامت مجموعة من الفلاحين بمهاجمة خط السكك الحديدية المؤدي إلى معمل تكرير السكر مما أدى إلى توقفه عن العمل وإلى وإضراب عماله. وفي قليوب قام آلاف الفلاحين بتدمير خط السكة الحديد. وفي الرقة والواسطى في الوجه القبلي، قامت جماعات الفلاحين بمهاجمة خطوط السكك الحديدية ونهب القطارات وإحراق محطة السكة الحديد وهاجموا الجنود البريطانيين. وفي منيا القمح أغار الفلاحون من القرى المجاورة على مركز الشرطة وأطلقوا سراح المعتقلين. وفي دمنهور قام الأهالي بالتظاهر وضرب رئيس المدينة بالأحذية وكادوا يقتلونه عندما وجه لهم الإهانات. وفي الفيوم هاجم البدو القوات البريطانية وقوات الشرطة عندما اعتدت هذه القوات على المتظاهرين. وفي أسيوط قام الأهالي بالهجوم على قسم البوليس والاستيلاء على السلاح، ولم يفلح قصف المدينة بطائرتين في إجبارهم على التراجع. وفي قرية دير مواس بالقرب من أسيوط، هاجم الفلاحون قطارا للجنود الإنجليز ودارت معارك طاحنة بين الجانبين. وعندما أرسل الإنجليز سفينة مسلحة إلى أسيوط، هبط مئات الفلاحين إلى النيل مسلحين بالبنادق القديمة للاستيلاء على السفينة. وفي بعض القرى قام الفلاحون الفقراء بمهاجمة ونهب ممتلكات كبار الملاك مما أدخل الرعب في نفوس هؤلاء الأخيرين. ولا يتسع المجال هنا لسرد المزيد من التفاصيل، لكن يمكن القول أن ما سبق ليس سوى أمثلة قليلة لما قامت به الجماهير خلال الثورة. لكن أهمية هذه الأمثلة هي أنها تفند المزاعم السائدة حول أن المصريين هم شعب سمته الخنوع والاستسلام وتسهل قيادته في كل العصور.

وكان رد فعل القوات البريطانية عنيفا إلى الحد الذي يمكن فيه القول أن ما قامت به هذه القوات وأعوانها من الشرطة ضد المصريين خلال الثورة كان من أفظع أعمال العنف الذي لاقاه المصريون في التاريخ الحديث. منذ الأيام الأولى، كانت القوات البريطانية هي أول من أوقع الشهداء بين صفوف الطلبة أثناء المظاهرات السلمية في بداية الثورة. وعقب انتشار قطع خطوط السكك الحديد، أصدرت السلطات بيانات تهدد بإعدام كل من يساهم في ذلك، وبحرق القرى المجاورة للخطوط التي يتم قطعها. وتم تشكيل العديد من المحاكم العسكرية لمحاكمة المشاركين في الثورة. ولم تتردد قوات الأمن في حصد الأرواح بشكل لم يختلف أحيانا عن المذابح، كما حدث في الفيوم عندما تم قتل أربعمائة من البدو في يوم واحد على أيدي القوات البريطانية وقوات الشرطة المصرية. ولم تتردد القوات البريطانية في تنفيذ تهديداتها ضد القرى، كما حدث في قرى العزيزية والبدرشين والشباك وغيرها، حيث أُحرقت هذه القرى ونُهبت ممتلكات الفلاحين، وتم قتل وجلد الفلاحين واغتصاب عدد من النساء.

انقسام قوى الثورة
كان طبيعيا أن يعكس اختلاف الانتماءات الطبقية نفسه على سلوك ومواقف القوى المشاركة في ثورة 1919. وفي حقيقة الأمر، لم يكن يخطر ببال أعضاء الوفد المصري أن حركتهم ستؤدي إلى ثورة شعبية. فقد كان أقصى ما يبتغيه الوفد هو تعبئة الطبقات العليا وقطاعات من الطبقة المتوسطة للحصول على الاستقلال عن طريق التفاوض. وقد ظهر ذلك جليا من خلال النهج الذي اتبعه قادة الوفد خلال نحو أربعة اشهر منذ أن قابلوا المندوب السامي في نوفمبر 1918 وحتى اندلاع الثورة في مارس من العام التالي. فخلال تلك الفترة، تركز نشاط الوفد في إرسال البرقيات إلي الأطراف التي كان يعتقد أنها ستساند المطلب المصري بالاستقلال، مثل قناصل الدول ورؤساء وزراء الدول الأوروبية والرئيس الأمريكي ولسون وغيرهم. وكان هدف حركة التوكيلات التي قام الوفد بجمعها الحصول على تفويض من أعضاء البرلمان والأعيان والمتعلمين، ولم يكن مخططا أن تتخذ الحركة طابعا شعبيا يشمل مختلف الطبقات – وهو ما حدث بعد ذلك. وفي اليوم التالي لترحيل سعد زغلول ورفاقه، توجه وفد من الطلبة إلى عبد العزيز فهمي يسألونه عن رد الفعل الذي يجب أن يقوموا به، فطلب منهم العودة إلى جامعتهم وعدم “اللعب بالنار” وألا يزيدوا غضب الإنجليز، لكنهم لم يمتثلوا لذلك وبدأوا في التظاهر كما سبقت الإشارة.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أن أعضاء الوفد الذين ظلوا في مصر أرسلوا برقيات إلى السلطان فؤاد الأول يؤكدون أن لا صلة لهم بأعمال الجماهير. وفي الرابع والعشرين من مارس وجه الوزراء والأعيان وأعضاء الوفد – وأغلبهم من الأعيان – نداء إلى المصريين يحذرونهم من الآثار المترتبة على قطع خطوط السكك الحديدية ومهاجمة الممتلكات، ويستحلفونهم باسم مصلحة الوطن تجنب كل الاعتداءات حتى يستطيع الذين يخدمون الوطن بالطرق المشروعة المضي قدما في مساعيهم. ومن الغريب أن العنف الذي مارسته القوات البريطانية ضد الجماهير لم يكن محل اهتمام مماثل من “زعماء الأمة”. ولعله كان من البديهي أن تتبنى النخبة والزعامات الوطنية – سواء من أعضاء الوفد أو من خارجه – هذا النهج. فمن جهة كان تعطل خطوط السكك الحديدية والاعتداء على الممتلكات يضر بالمصالح المباشرة لهؤلاء. ومن جهة أخرى، فإنه لم يكن مطروحا بالنسبة لهذه الزعامات أي برنامج للإصلاح الاجتماعي. فهدف الاستقلال، وما يرتبط به من انتهاء الهيمنة الاقتصادية للاحتلال، كان سيترتب عليه إتاحة مزيد من الفرص للطبقات العليا من كبار الملاك والأقسام المختلفة والمتداخلة من الرأسمالية. لذلك فلم يكن متصورا ولا مقبولا أن تكون الدعوة للاستقلال مرتبطة بحركة شعبية يكون من آثارها إيقاع أي أضرار بنمط الملكية السائد.

نهاية الثورة
انخفضت حدة ثورة 1919 في أبريل عقب قرار السلطات البريطانية بإطلاق سراح أعضاء الوفد والسماح لهم بالسفر لعرض مطالب مصر في مؤتمر الصلح. فعقب إصدار هذا القرار، والذي جاء تاليا لأسابيع من العنف الهائل من جانب السلطات في مواجهة الشعب، بدأت تهدأ الاحتجاجات شيئا فشيئا، وذهب الوفد إلى فرنسا لحضور المؤتمر الذي اعترفت الأطراف المسيطرة فيه، وأهمها الولايات المتحدة ممثلة في الرئيس ولسون، بالحماية البريطانية على مصر، مما كان بمثابة ضربة كبرى لنهج التفاوض. إلا أن ذلك لم يثن الوفد عن الاستمرار في المفاوضات العقيمة لسنوات طويلة.

وإذا تطرقنا إلى نتائج الثورة، والتي لا يتسع المجال هنا للحديث عنها بالتفصيل، فيمكن القول أنها وإن لم تؤد إلى تحقيق الاستقلال – إذا ما تغاضينا على الاستقلال الشكلي الذي منحته بريطانيا لمصر في فبراير عام 1922 – فأنه قد كانت لها آثارا مهمة على تطور الحركة الديمقراطية والنقابية. فقد أسفرت عن نشأة حزب الوفد وأحزاب الأقليات ووضع أول دستور لمصر في عام 1923 وقيام أول حكومة منتخبة هي حكومة الوفد. من ناحية أخرى أدت ثورة 1919 إلى بعث الحركة النقابية التي كانت قد أصيبت بموات خلال فترة الحرب، فتشكلت العديد من النقابات، وانبثقت حركة إضرابات قوية في الأعوام التالية. في الوقت نفسه، فقد نبهت الثورة الطبقات العليا من البرجوازية وكبار الملاك إلى خطورة التحرك الجماهيري، ومن هنا كان حظر الوفد للحزب الشيوعي وسعيه للسيطرة على الحركة النقابية.

لو تساءلنا لماذا لم تمض ثورة 1919 إلى أبعد من ذلك لتمثل تهديدا حقيقيا للنظام الاجتماعي والسياسي السائد، فإن الإجابة ترتبط بأن كل ثورة تقودها أو تشارك في قيادتها البرجوازية تكون محملة بهذا التناقض بين ميل البرجوازية لاستغلال حركة الجماهير لتحقيق أهدافها، وبين خوفها من هذه الحركة ومن ميل الجماهير إلى المضي للأمام في اتجاه تحطيم النظام السائد. وفي مثل هذا الظرف يكون للعوامل الخاصة بحجم وتنظيم وتراث الطبقة العاملة وبوجود القوى الراديكالية المعبرة عن مصالح الجماهير والقادرة على قيادة حركتها دورا حاسما. وفي حالة ثورة 1919 أدى ضعف وصغر حجم الطبقة العاملة وعدم وجود القوى المعبرة عن الجماهير إلى عفوية الحركة وتشتتها ومحاصرتها.

وأخيرا، إذا عدنا إلى اللحظة التي نعيشها الآن, فمن الطبيعي أن نجد أن تغيرات هائلة قد حدثت خلال ما يزيد على ثمانية عقود من الزمن. فإذا كانت طبقة عاملة صغيرة جدا استطاعت أن تصيب البلاد بما يشبه الشلل في عام 1919، فإن الآفاق المتاحة اليوم لهذه الطبقة أكبر بما لا يقارن. وعلى النقيض من ذلك، أصبح من الأصعب كثيرا على الطبقة الرأسمالية أن تطرح مطالب يمكن أن تؤدي إلى التفاف الجماهير حولها، سواء على الصعيد الاجتماعي أو فيما يتعلق بالقضية الوطنية. لكن ذلك لا يضمن بأي حال أن تمضي أي ثورة إلى نهاية ما تطمح إليه الجماهير، لأن البرجوازية آنذاك تقاتل من أجل عرقلة الثورة ومنعها من التقدم إلى الإمام سواء بالعمل على الوقوف عند المطالب الديمقراطية أو حتى التحالف مع النخبة القديمة إذا وجدت أن حدود التغيير يمكن أن تمثل تهديدا حقيقيا.