بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مكانة روزا لكسمبورج في التاريخ

روزا لكسمبورج

* هذا المقال هو في الأصل الفصل الأخير من كتاب الاشتراكي الثوري البريطاني الراحل توني كليف (1917 – 2000) عن الاشتراكية الثورية الألمانية البولندية روزا لكسمبورج (1871 – 1919). الكتاب نُشِرَ لأولِ مرة عام 1959.

لم يكن الاشتراكي الثوري الألماني فرانز ميهرنج، كاتب سيرة كارل ماركس، يبالغ حين وصف روزا لكسمبورج بأنها أفضل عقل بعد ماركس. لم تَهِب لكسمبورج عقلها فقط لحركة الطبقة العاملة، بل كل ما لديها – قلبها وشغفها وإرادتها القوية، بل وحياتها نفسها. وقبل كل شيء، كانت لكسمبورج اشتراكية ثورية، ومن بين القادة والروَّاد الاشتراكيين الثوريين، احتلت مكانة مميزة في التاريخ.

حينما تحللت الحركات الاشتراكية بالترويج لـ”دولة الرفاه”، بإصلاح الرأسمالية والتكيُّف معها، صار النقد الثوري لهذا الدور الذي يخدم الرأسمالية ذا أهمية قصوى. صحيح أن الكثير من الروَّاد الماركسيين الآخرين، إلى جانب روزا لكسمبورج، مثل تروتسكي ولينين وبوخارين وغيرهم، قد شنوا نضالًا ثوريًا ضد الإصلاحية، لكن لم تتوفر لديهم في الكفاح ضدها إلا جبهة محدودة. ففي بلدهم، روسيا، كانت جذور الإصلاحية رقيقة وضعيفة للغاية بحيث تكفي مجرد شدَّة بسيطة لاجتثاثها، فحينما كان مصير أي اشتراكي أو ديمقراطي إما التدلي على المشانق أو النفي إلى سيبيريا، مَن كان يمكنه بالأساس معارضة استخدام الحركة العمالية العنف؟ مَن في روسيا القيصرية كان ليحلم بطريق برلماني إلى الاشتراكية؟ مَن كان ليجرؤ عى الدفاع عن طرح حكومة ائتلافية يمكن بناء التحالفات معها؟ وحينما كانت النقابات بالكاد باقية على قيد الحياة، مَن كان ليعتبرهم ترياق الحركة العمالية؟ في الحقيقة، لم يكن لينين وتروتسكي والقادة البلاشفة الآخرون يحتاجون لمواجهة جدالات الإصلاحية بجدالات مثابرة ودؤوبة لدحضها. كا ما احتاجوه كان مقشة لكنس روث التاريخ.

لكن في أوروبا الغربية والوسطى، كانت للإصلاحية المحافظة جذورٌ أكثر عمقًا، وتأثيرٌ أوسع وأكثر نفاذًا على أفكار وميول العمال. كان لابد من الرد على جدالات الإصلاحية بأطروحات عميقة تتفوَّق عليها وتقطع عليها الطريق، وهذا ما تميَّزت به روزا لكسمبورج. في هذه البلدان، كان مشرطها الدقيق سلاحًا أكثر نفعًا من مطرقة لينين الثقيلة.

لم تكن جماهير العمال في روسيا القيصرية مُنظَّمة في أحزاب أو نقابات، فلم يكن هناك تهديدٌ كبير أو خطرٌ من بناء إمبراطوريات عتيدة للبيروقراطية تصعد من قلب الطبقة العاملة كما جرة في حركة العمال المُنظَّمة جيدًا في ألمانيا، وكان من الطبيعي أن تبلوِّر روزا لكسمبورج رؤية ثاقبة لدور البيروقراطية العمالية، بل وأكثر قوة من لينين وتروتسكي، ومبكرًا عنهما. لقد أدركت، قبلهما بوقتٍ طويل، أن القوة الوحيدة القادرة على كسر القيود البيروقراطية هي مبادرات العمال أنفسهم. وأعمالهم في هذا المجال تقدم إلهامًا كبيرًا للعمال في البلدان الصناعية المتقدمة، وتعد أيضًا في مجملها إسهامًا أكبر قيمةً في النضال من أجل تحرير العمال من الأيديولوجيا الخبيثة للإصلاحية البرجوازية من إسهامات أي ماركسي آخر.

في روسيا، حيث كان البلاشفة يمثلون دائمًا جزءًا كبيرًا ومهمًا من القوى الاشتراكية المُنظَّمة، حتى إذا لم يشكلوا الأغلبية ضمنها كما يشير اسمهم (الأغلبية)، لم تكن قضية موقف الأقلية الماركسية الصغيرة تجاه تنظيم جماهيري بقيادة محافظة تمثل مشكلة أبدًا. لكن، على العكس، كان على روزا لكسمبورج أن تطوِّر بشكل كبير الطرح الصحيح في هذه القضية الهامة. كان المبدأ الذي أرشدها في ذلك هو البقاء مع الجماهير في كدحهم ومحاولة مساعدتهم، وهكذا عارضت التغيُّب عن التيار السائد والامتناع عن الانغماس فيه، أيًا كان مستوى تطوره. ويُعد نضالها ضد العصبوية مهمًا للغاية للحركة العمالية في الغرب، خاصةً في الوقت الراهن.. لقد علَّمتنا أن على الثوري ألا يسبح مع تيار الإصلاحية، ولا أن يبقى خارجه ناظرًا للجهة المقابلة، بل أن يسبح عكس اتجاهه.

لقد كان تصوُّر روزا لكسمبورج لهياكل التنظيمات الثورية – التي لابد من بنائها من أسفل على قاعدة ديمقراطية متينة – ملائمًا لاحتياجات الحركة العمالية في البلدان المتقدمة أكثر بكثير من تصورات لينين في الفترة بين 1902 و1904، تلك التصورات التي نسخها الستالينيون عبر العالم وأضافوا عليها من تحريفات بيروقراطية ما أضافوا.

أدركت لكسمبورج بشكل أوضح من أي شخص آخر أن لهيكل التنظيم الثوري، وللعلاقة بين الطبقة والحزب، تأثيرًا كبيرًا ليس فقط على النضال ضد الرأسمالية، ومن أجل السلطة العمالية، لكن أيضًا على مصير هذه السلطة نفسها. كما تنبأت بأن من دون أوسع قدر من الديمقراطية العمالية سيقبض الموظفون “القابعون خلف مكاتبهم” على السلطة السياسية بدلًا من العمال. والاشتراكية، كما أشارت، لا يمكن “إقرارها بمرسوم”.

إن المزج بين الروح الثورية لروزا لكسمبروج وفهمها الواضح لطبيعة الحركة العمالية في أوروبا الغربية والوسطى متصلٌ بشكل كبير بخلفيات حياتها هي نفسها؛ حيث مولدها في الإمبراطورية القيصرية، وإقامتها الطويلة في ألمانيا، ونشاطها المشتعل في الحركة العمالية في كلٍ من بولندا وألمانيا. أي شخص آخر ذو مكانة، ربما، أقل منها، كان ليذوب في أيٍ من هاتين الحركتين العماليتين، لكن ليس روزا لكسمبورج. لقد قدَّمت الروح “الروسية”، روح النضال الثوري، إلى ألمانيا، أما بولندا وروسيا فقد قدَّمت لهما الروح “الغربية” لثقة العمال في أنفسهم وديمقراطيتهم وتوقهم لتحرير أنفسهم ذاتيًا.

ويُعد عملها “تراكم رأس المال” إسهامًا بالغ الأهمية في الماركسية. وفي تناولها للعلاقة المتبادلة بين البلدان الصناعية المتقدمة والبلدان الزراعية المتأخرة، توصلت إلى الفكرة الأكثر أهمية بأن الإمبريالية، بينما تؤدي إلى استقرار لفترة طويلة، تهدد في الوقت نفسه بسحق البشرية وتدميرها.

كان تصوُّر روزا لكسمبورج للتاريخ وحركته حيًا، وقاطعًا بشكل كامل مع القدرية، حيث كانت على قناعة تامة بأنه نتاجٌ للنشاط البشري، غير متجاهلةً التناقضات العميقة للرأسمالية، لم تعتبر روزا أن انتصار الاشتراكية أمرًا حتميًا. لقد أدركت أن الرأسمالية إما أن تكون محطة تاريخية إلى الاشتراكية أو حافة الانزلاق إلى البربرية. أما نحن، الذين نعيش تحت تهديد القنبلة الهيدروجينية، فلابد أن نضع هذا التحذير في الاعتبار، بل وأن نستخدمه كدافع للحركة.

في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، توهمت الحركة العمالية الألمانية أن عقود السلام التي عاشتها من قبل ستستمر إلى الأبد. أما ونحن نعيش في عصر التسليح، فلن نجد أفضل من روزا لكسمبورج لنتعلم من تحليلها العميق الواضح للروابط الوطيدة بين الحرب والرأسمالية، ومن إصرارها على أن النضال من أجل السلام لا ينفصم عن النضال من أجل الاشتراكية.

كان شغف روزا لكسمبورج الشديد بالحقيقة هو ما جعلها تنأى بنفسها تمامًا عن أي تفكير دوجمائي. وفي الوقت الذي حوَّلت فيه الستالينية الماركسية إلى دوجما، مع الدمار الواسع الذي ألحقته بها على صعيد الأفكار، تعيد كتابات لكسمبورج للماركسية حياتها. لم يكن هناك ثمة أمر لم تطقه لكسمبورج أكثر من “التسليم لسلطات معصومة”، وكلتميذة لماركس كانت قادرة على التفكير باستقلاليها عن أستاذها. وبرغم إدراكها بتعاليمه، لم تتخلَ عن تفكيرها النقدي وتتجه مثلًا إلى تكرار كلماته كما هي سواء توافقت مع الأوضاع المتغيرة أو لا، سواء كانت صحيحة أو خاطئة. ولطالما كان لاستقلالية فكر لكسمبورج إلهامٌ للاشتراكيين في كل مكان، وبالتالي ليس بوسع أي شخص استنكار قولبة أفكارها أكثر منها، أن توصف على اعتبارها “سلطة معصومة”. لقد أحبت صراعات الأفكار كوسيلة للاقتراب من الحقيقة.

وفي فترة كان الكثير ممن يطلقون على أنفسهم “ماركسيين” قد فرَّغوا الماركسية من مضمونها البشري العميق، فما من أحد أمكنه التحرر من قيود المادية الميكانيكية منزوعة الحياة بقدر ما فعلت روزا لكسمبورج. بالنسبة لماركس، كانت الاشتراكية علم “إنساني” حقيقي، لبناء مجتمع “يكون فيه التطور الحر لكل فرد هو المبدأ الحاكم”، ولقد كانت روزا لكسمبورج تجسيدًا لهذا الشغف الإنساني. كان تعاطفها مع المُضطهَدين هو المحرِّك الأساسي لحياتها في حياتها، ويمكننا ملاحظة إحساسها العميق بمعاناتهم حقًا في كل أفعالها وكتاباتها، سواء رسائلها من داخل السجن أو حتى كتاباتها العميقة في البحث النظري.

لكنها أيضًا أدركت جيدًا أن الدموع لن تغير من المآسي التي يعيشها البشر شيئًا. ومثل سبينوزا، كان شعارها الأساسي في الحياة: “لا تبكي، ولا تضحك، لكن افهم”، برغم أنها استهلكت في حياتها نصيبها وزيادة من الدموع والضحكات. يتلخص أسلوبها المميز في استيضاح تيارات ومسارات التطور في الحياة الاجتماعية من أجل المساهمة في دفع الطبقة العاملة كي تستخدم ما في جعبتها من إمكانيات بأفضل طريقة في إطارٍ من التطورات الموضوعية. كانت دائمًا ما توجه نداءاتها إلى عقل الإنسان لا إلى عاطفته.

لقد توحَّدَت العاطفة الإنسانية، مع الرغبة التوَّاقة للحقيقة، مع الشجاعة التي لا حدود لها، مع العقل الجبار، ليجعلوا منها اشتراكية ثورية مهيبة وفريدة. وكما كتبت صديقتها المقرَّبة كلارا زيتكين في تأبينها:

“كانت الفكرة الاشتراكية بالنسبة لروزا لكسمبورج شغفًا قويًا ومهيمنًا على قلبها وعقلها، شغفًا خلَّاقًا لا يكف عن التوهُّج. كانت المهمة الأعظم بالنسبة لهذه المرأة المذهلة هي تعبيد الطريق أمام الثورة الاجتماعية، استشفاف مسار التاريخ نحو الاشتراكية. لقد كمنت سعادتها الأكبر في الانخراط في الثورة وخوض معاركها. بإرادة وتصميم وعزم وإخلاص لا يمكن لكلماتٍ أن توفي وصفهم، كرَّست حياتها بأكملها ووجودها كله من أجل الاشتراكية. لقد وهبت نفسها بالكامل لقضية الاشتراكية، ليس فقط في مقتلها المأساوي، لكن طيلة حياتها، على مدار اليوم وعلى مدار الساعة، وعلى مدار نضالات السنين.. كانت للثورة سيفًا قاطعًا، وشعلة حيَّة مُتَّقِدة”.