بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ألمانيا 1918: ذكرى ثورة هزَّت عروش أوروبا

رغم أهميتها البالغة، ربما لم تحظ الثورة الألمانية بنفس ذلك الاهتمام بالدراسة والبحث الذي تركَّز على الثورة الروسية. انتصرت الثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر 1917 باستيلاء المجالس العمالية الديمقراطية على السلطة السياسية، ومهَّدَت الطريق لثورة ألمانيا في نوفمبر 1918. نأمل أن تكون هذه المقالة مدخلًا للتعرُّف على مجريات هذه الثورة في ذكراها المائة.

أكَّدَت الثورة الألمانية الكثير من نفس الخبرات المُستخلَصة من الثورة الروسية؛ بصورةٍ إيجابية في مراحل انطلاقها وانتصاراتها الأولى، ثم بصورةٍ سلبية في مرحلة هزيمتها اللاحقة.

أولًا، أثبتت هذه الثورة، مرةً أخرى كما في الكثير من غيرها، أن قدرة الجماهير على التدخُّل في المشهد وتغيير الواقع لا تموت حتى وإن طالت فترات التراجع والركود. شهدت هذه الثورة نقلةً هائلةً في وعي قطاعاتٍ واسعة من الجماهير التي انتقلت، على مدار أربعة أعوام من الحرب العالمية الأولى، من التأييد أو الصمت إزاء فظائع الحرب إلى رفضها والانتفاض للإطاحة بالطبقات الحاكمة التي سفكت دماء الشعوب من أجل مصالح اقتصادية وتوسُّعات استعمارية. أثبتت الثورة أيضًا قدرات الجماهير التي فاجأت العالم حين نظَّمَ العمال والجنود والبحَّارة أنفسهم في مجالس ثورية مُنتَخَبة تناقش وتُقرِّر وتُنفِّذ خطوات تدفع الثورة للأمام.

ثانيًا، كانت هذه الثورة بمثابة بوابة أوروبية فُتِحَت على مصراعيها أمام موجةٍ من الثورات اجتاحت بقاع القارة، لتثبت أن الثورات لا تندلع فرادى في سياقاتٍ منفصلة عن بعضها، إنما في إطار أزماتٍ تتجاوز حدود الدول القومية، تخلقها الرأسمالية وتُحمِّل كُلفتها على ملايين الفقراء والعاملين، وبالتالي في ظلِّ صراع طبقي يتمدَّد عبر الحدود هو الآخر. أكَّدَت مرحلة انتصار الثورة، بإطاحتها عائلة هوهنزلرن الإمبراطورية التي حكمت ألمانيا على مدار قرون من الزمن، أن مصير الثورات مرتبطٌ بالدفع والإلهام والمصلحة المشتركة بين الثورات. على الجهة المقابلة، أكَّدَت هزيمتها اللاحقة الأمر نفسه -بصورةٍ سلبية هذه المرة- حين فتحت الباب في الاتجاه المعاكس نحو انعزال الثورة الروسية في مواجهة الطبقات الحاكمة في أوروبا، ونحو تدشين موجة من الردة الرجعية هُزِمَت على إثرها موجة ثورات أوروبا واحدةً تلو الأخرى.

أحد أهم دروس هذه الثورة، في الهزيمة التي مُنِيَت بها على يد الحزب الاشتراكي الديمقراطي الإصلاحي، هو ضرورة بناء حزب ثوري مُتجذِّر في أوساط الجماهير من أجل توحيد حركتها وقيادتها إلى النصر. على خلاف الثورة الروسية، التي تصدرَّ قيادتها الحزب البلشفي بسبب انغماسه في كافة المعارك الجماهيرية منذ أمدٍ طويل قبل الثورة، غاب هذا النموذج عن الثورة الألمانية، أو بالأحرى كان أضعف وأصغر من أن يُوحِّدها ويقودها، ما أتاح الفرصة للإصلاحيين وأعداء الثورة لتدميرها.

إن أهم ما تخبرنا به هذه الثورة هو أن بناء حزب ثوري عريض في أوساط الجماهير شرطٌ أساسي لانتصار الثورة. مثل هذا الحزب لا يكفي أن يبدأ بناؤه خلال المناورات السريعة للثورة حين تنهض الجماهير بها، بل لابد أن يجري هذا البناء بدأبٍ في كافة المعارك مهما بدت صغيرة في أوقات التراجع، وحتى في أوقات الهزيمة -وهي المهمة الأصعب لكن الأكثر ضرورية- للتجهيز من أجل موجاتٍ جماهيرية جديدة أثبت التاريخ أن احتماليتها لا تنتفي وإن طال الزمن.

(المُحرِّر)
————-

في مثل هذا الشهر منذ مائة عام، اندلعت الثورة في ألمانيا لتهز عروش حُكَّام أوروبا ولتضع العالم الاشتراكي على الأجندة السياسية العالمية. يُسلِّط هذا المقال الضوء على الثورة التي أظهرت قدرة العمال على تحرير أنفسهم، وعلى إنهاء الحرب العالمية الأولى التي أغرقت البشرية في الدماء.

في 9 نوفمبر 1918، اعتلى الاشتراكي الثوري الألماني كارل ليبكنخت شرفة القصر الإمبراطوري في برلين، وأعلنها “جمهوريةً اشتراكيةً حرة”. آلاف العمال والجنود المسلحين رفعوا أذرعهم ولوَّحوا بها عاليًا في صياحٍ مهيب حين سألهم: “من يريد الثورة العالمية؟”.

قبل ذلك بأربعة أعوام فقط، ومن الشرفة نفسها، كان القيصر الألماني فيلهلم الثاني يخطب في حشدٍ هائل، بينما كانت أقدام أوروبا تنزلق في مستنقع الحرب العالمية الأولى. لكن الثورة أطاحت القيصر وأنهت مذابح تلك الحرب.

تمرَّدَت قوات الجيش، بينما نَظَّمَ العمال إضرابات ومظاهرات جماهيرية. أسَّسوا مجالس عمالية في الكثير من بقاع ألمانيا وتحدوا بها السلطة السياسية للحكومة المركزية. وَصَفَ تقريرٌ منشورٌ من ولاية بافاريا كيف أن “ما مِن رجلٍ ثري أو سيدةٍ موسرة يجرؤون على إظهار أنفسهم في الشوارع”، و”بدا الأمر كما لو أن البرجوازية قد تبدَّدَت في الهواء”. وتابَعَ التقرير: “فقط العمال -أولئك المُستعبَدون بالأجر- هم من كانوا في الشوارع. لكنهم كانوا يُشاهَدون والسلاح في أيديهم”.

الثورة تضرب نظام القيصر
أظهرت الثورة الألمانية قدرة الطبقة العاملة على تحدي أولئك القابعين على قمة المجتمع. أبرزت كيف يتخلَّص الناس العاديون سريعًا من الأفكار الرجعية، كالوطنية الشوفينية، خلال النضال.

جاءت هذه الثورة في سياق موجةٍ من الانتفاضات التي اكتسحت أوروبا في أعقاب الثورة الروسية. في أكتوبر 1917، استولى العمال الروس على السلطة السياسية وبدأوا تنظيم المجتمع عبر مجالس عمالية، أُطلِقَ عليها سوفييتات. لكن روسيا، المتأخرة اقتصاديًا، وجدت نفسها معزولةً تحت وطأة حصارٍ فَرَضَه فلول النظام القديم وحُكَّام أوروبا. أما ألمانيا، فكانت واحدةً من أكثر دول أوروبا الرأسمالية تقدُّمًا، وانضوت فيها حركةٌ عماليةٌ واشتراكية جرَّارة. لذا أخذ فلاديمير لينين، زعيم الحزب البلشفي الثوري في روسيا، يُحذِّر قائلًا: “من دون ثورة في ألمانيا، نحن لا محال هالكون”. وقد منحت الثورة الألمانية فرصةً لنجاح ثورة روسيا.

راقب رئيس الوزراء البريطاني الليبرالي لويد جورج انتفاضات أوروبا بتوتُّرٍ، إذ كتب: “النظام القائم بأكمله، بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية، صار محلَّ شكٍّ وسط جماهير أوروبا من أدناها إلى أقصاها”.

اندلعت ثورة ألمانيا حين تمرَّدَ البحَّارة في قاعدة كييل البحرية، وفي مواجهة الموجات المتتالية من فرار الجنود من الخنادق، إضافةً إلى الاضطرابات المتصاعدة من العمال، أدركت القيادة العليا الألمانية أنها على وشك خسارة الحرب.

وهنا، أُجبِرَ القيصر في أكتوبر 1918 على قبول حكومةٍ جديدة تضمَّنَت وزراءً من الحزب الاشتراكي الديمقراطي. صحيحٌ أن الحزب كان داعمًا لجهود الحرب، لكنه كان لا يزال الحزب الأكبر والأوسع نفوذًا في أوساط الطبقة العاملة. كان حُكَّام ألمانيا يهدفون إلى تهدئة المقاومة العمالية من خلال إشراك الحزب في الحكومة، وبالتعاون معه أن يعقدوا تسويةً سلميةً مع العمال تضمن أن يظل النظام القديم دون مساس. لكن من الواضح أنهم أخطأوا في تقدير حدة الموقف.

رأت فرنسا وبريطانيا -المتنافستان الإمبرياليتان ضد ألمانيا- فرصةً في هذا الوضع لإعادة رسم خريطة أوروبا لصالحهما، إذ أرادتا استسلامًا كاملًا للقيصر لا سلامًا تفاوضيًا. لذا أمرت القيادة العليا الألمانية أسطول كييل بالهجوم على البريطانيين في محاولةٍ لتجنُّب شروط استسلامٍ مُذِلَّة.

البحَّارة يُدشِّنون الثورة
في مدينة فيلهلمسهافن، المطلة على بحر الشمال، أخمد البحَّارة مراجل السفن لمنع الأسطول من مغادرة الميناء. وبعد أقل من أسبوع، في 23 أكتوبر، انفجرت كييل في التمرُّد. وفي غضون أسبوعٍ من العصيان والمظاهرات، احتشد 20 ألف بحَّار وانتخبوا مجلسًا يمثِّلهم. في صباح اليوم التالي، صار المجلس يسيطر على المدينة المينائية شماليّ ألمانيا سيطرةً سياسيةً كاملة. وخلال يومين فقط، عاد التمرُّد إلى مدينتيّ كوكسهافن وفيلهلمسهافن. عمَّت المظاهرات والإضرابات العامة المدينتين، في خضم ذلك انتُخِبَت مجالس للعمال والبحَّارة انتزعت السيطرة السياسية بالكامل.

وبينما كانت الثورة تنتشر عبر شماليّ البلاد، بدأ العمال في تحدي بعضٍ من القيادات الوسطية المعتدلة للحركة العمالية. في هامبورج، عُقِدَ اجتماعٌ كبير للحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل، وهو انشقاقٌ من الحزب الاشتراكي الديمقراطي. كان بعضٌ من أعضائه ثوريين اتحدوا سويًا في عصبة سبارتاكوس، مثل كارل ليبكنخت وروزا لكسمبورج، فيما كان آخرون إصلاحيين، لكن معارضين في الوقت نفسه لتأييد الحزب الاشتراكي الديمقراطي خوض الحرب.

دعا اجتماع الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل لإطلاق سراح كافة البحَّارة المُعتَقَلين، لكنه رَفَضَ الدعوة لإنشاء مجلس عمالي. ولم يكن ذلك كافيًا لعددٍ كبير من العمال الثوريين. استولت مجموعةٌ من مائة بحَّار على مقر اتحاد البحَّارة، ودعوا إلى مظاهرةٍ في اليوم التالي شارَكَ فيها 40 ألف شخص؛ جابوا الشوارع وصوَّتوا جميعًا لصالح “جمهورية مجالس عمالية”، وشكَّلوا بدورهم مجلسًا عماليًا.

أعلنت صحيفةٌ ثوريةٌ جديدة في المدينة، أخذت اسم “الراية الحمراء”، أن هذه هي “بداية الثورة الألمانية.. بداية الثورة العالمية”. تمدَّدَت الثورة إلى الكثير من المدن الصناعية الأخرى، ولم تصمد الطبقة الحاكمة في السلطة إلا في العاصمة برلين. اعتقد الوزراء الاشتراكيون الديمقراطيون في الحكومة أن جذورهم في أوساط الطبقة العاملة سوف تسمح لهم بإيقاف زحف الثورة، وظنَّت القيادة العليا الألمانية أن الشرطة والقوات الموالية لها باستطاعتهم استعادة النظام، لكن ما حدث كان صادمًا لهم.

أصدر ليبكنخت منشورًا يدعو إلى الثورة، وقد تماشى ذلك مع المزاج الثوري لدى الكثير من العمال والجنود في برلين. أحد تقارير الصحف على سبيل المثال ذَكَرَ ملاحظةً تحذيرية بأن كتيبة القيصر أليكساندر، المُفتَرَض ولاؤها للنظام، “قد انضمَّت بالفعل للثورة”.

العمال والجنود والثورة المضادة
خاض عشرات الآلاف من العمال في كل مصانع برلين إضرابًا عامًا عن العمل تزعَّمه ليبكنخت، وعصبة سبارتاكوس، وقيادات نقابة عمال المعادن في برلين. استولت حشودٌ من العمال والجنود على القصر الإمبراطوري ومقر الشرطة، بينما سَلَّمَ الأمير ماكس، مستشار ألمانيا آنذاك، منصبه لزعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، فريدريك إيبرت، في محاولةٍ لكبح جماح الحركة العمالية.

كانت قيادة الجناح اليميني من الحزب الاشتراكي الديمقراطي مُعارِضةً للثورة بشدة، حتى أنها تخلَّت عن معارضتها للنظام القيصري. لكنها لم تكن قادرةً على معارضة العمال الثائرين علانيةً. وحين توجَّه آلاف العمال في مسيرةٍ ضخمة إلى مبنى الرايخستاج (البرلمان الألماني)، أُجبِرَ فيليب شيدمان، الذراع اليمنى لإيبرت، على الخروج ومخاطبة الحشد، لكنه وقف يائسًا أمام المطالب الثورية للعمال، واضطر لأن يعلن قائلًا: “عاشت الجمهورية الألمانية”.

ذهبت القيصرية إلى غير رجعة، لكن الطبقة الحاكمة القديمة والجنرالات وأرباب العمل كانوا مُصمِّمين على استعادة سيطرتهم على مقاليد الأمور. ومع تصاعد الثورة، صار مستقبل الرأسمالية الألمانية على المحك. جاء إعلان شيدمان قبل ساعتين فقط من صيحة الجمهورية الاشتراكية التي أطلقها ليبكنخت. أيٌّ منهما سيُكتَب له النصر إذن؟

لم تحاول المجالس العمالية الاستيلاء على سلطة الدولة، بل أنها في المقابل أخذت تُسلِّمها تدريجيًا للحكومة، فيما افتقر الاشتركيون الثوريون إلى التنظيم الذي يُمكِّنهم من إحراز النصر في الجدال ضد هذه التراجعات. استخدمت الطبقة الحاكمة هذا المُتنفَّس لإطلاق هجومٍ وحشي مضاد.

أنشأت حكومة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بالتعاون مع القيادة العليا، قوةً شبه عسكرية جديدة لفرض النظام. تشكَّلَت القوة الجديدة، التي حملت اسم “فريكوربس” من ضباطٍ من الطبقة الوسطى وقوات صدامية موالية للنظام القيصري القديم. شنَّت هذه القوة حملةً من الإرهاب الرجعي ضد اليسار والحركة العمالية، تصاعدت وصولًا إلى سحق انتفاضةٍ نظَّمَتها عصبة سبارتاكوس في برلين، يناير 1919، وقتل ليبكنخت ولكسمبورج.

أخذت فرص النضال الثوري تتوالى حتى العام 1923. لكن، رغم الهزيمة التي مُنِيَت بها، أظهرت ثورة نوفمبر إمكانيات الطبقة العاملة في النضال من أجل تحرُّرها، وقدرتها على إيقاف الحرب.

في كلماتها الأخيرة، كتبت لكسمبورج: “لقد فشلت القيادة. وحتى مع ذلك، لابد من إعادة تأسيسها من الجماهير وبها. الجماهير هي العنصر الحاسم، والصخرة التي يُبنى عليها الانتصار النهائي … غدًا، ستنهض الثورة بشجاعةٍ وتعلنها مدويةً وأنتم ترتعدون: كنت، وها أنا، وسأكون”.

– هذا المقال مترجم عن صحيفة العامل الاشتراكي البريطانية