بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في ذكراها الأربعين: إيران 1979.. فرصة ثورية مُهدَرة

مسيرة يوم النساء العالمي، 8 مارس 1979، في طهران

منذ أربعين عامًا، تطوَّرَت الاحتجاجات في إيران لتشعل ثورةً ضد نظام الشاه. في هذا المقال يسرد المناضل الاشتراكي الثوري البريطاني جون روز قصة الفرصة الثورية الهائلة والقمع الوحشي الذي تعرَّضَت له.

كانت الثورة الإيرانية في فبراير 1979 واحدةً من أكثر الأحداث المُذهِلة خلال القرن العشرين. هذا صحيحٌ ليس فقط نتيجةً للمشاركة الكبيرة لما يقرب من إجمالي سكان البلاد آنذاك في الإطاحة الفعلية بالشاه، ذلك الملك الذي نصَّب نفسه ديكتاتورًا على الشعب، بل أيضًا بسبب إصرار النظام الجديد على تأسيس ما وَصَفَه بأنه “جمهوريةٌ إسلامية”.

كانت إيران، ولا تزال، واحدةً من أكبر مُنتجي النفط في العالم. انتُخِبَ الزعيم القومي الشعبي، محمد مصدَّق، رئيسًا للوزراء في العام 1951، وسرعان ما أمَّمَ صناعة النفط الإيرانية التي كان يمتلك البريطانيون 51% منها. وفي العام 1953، أطاح انقلابٌ نظَّمه البريطانيون والأمريكيون مصدَّق، ووضع الشاه بدلًا منه في السلطة لحماية المصالح الغربية في النفط.

رسَّخَ الشاه حكمه بالتعذيب والإعدامات التي نفَّذتها منظمة المخابرات والأمن القومي (السافاك). سُحِقَ القوميون في حزب الجبهة الوطنية الذي تزعَّمه مصدَّق، وكان ذلك أيضًا مصير اليسار، بالأخص حزب “تودة” الشيوعي. في تلك الأثناء، صدَّر الشاه نفسه باعتباره “مُحدِّثًا” للبلاد، وفي الستينيات أطلق ما سُمِّيَ بـ”الثورة البيضاء”، وهو برنامجٌ طموحٌ للتصنيع، اعتمادًا على عائدات النفط الإيراني الهائلة. وكما أقرَّ الشاه نفسه، فقد صُمِّمَت “الثورة البيضاء” من أجل “استباق ثورة حمراء من أسفل”.

لكن المُخطَّط جاء بنتائج عكسية، إذ كان من شأنه أن وسَّعَ وعزَّزَ طبقةً عاملة حديثة ومناضلة. أثارت الثورة البيضاء أيضًا المعسكرين التقليديَّين المُحافِظين في المجتمع الإيراني: رجال الدين، وكبار التجار (البازار). في العام 1963، خَلَقَ الزعيم الديني آية الله الخميني سمعةً لنفسه من خلال معارضته الثورة البيضاء، إذ استنكر علنًا اعتماد الشاه على الولايات المتحدة وإسرائيل وإهدار موارد إيران. وجَّه الشاه اتهامًا للخميني بتحويل موكب ديني إلى احتجاجٍ عنيفٍ في الشارع، وأجبره على الخروج إلى المنفى.

الخميني وشريعتي.. والعمال
رغم أن الخميني لم يعترف بذلك قط، لكنه يدين بدينٍ هائل للباحث الإسلامي اليساري علي شريعتي.

مات شريعتي فجأةً في العام 1977، عن عمرٍ يناهز الـ44 عامًا، وأغلب الظن أنه قُتِلَ على يد السافاك. في ذلك الوقت، كان اسم شريعتي شائعًا للغاية في إيران. وكما يجادل إرفاند أبراهاميان، أحد أشهر مؤرِّخي الثورة الإيرانية، فإن الإسلام الشيعي بالنسبة لشريعتي كان عقيدةً ثورية تقاوم كافة أشكال الاضطهاد والإقطاع والرأسمالية والإمبريالية: “بُعِثَ الرسول محمد ليس فقط لإرساء دينٍ جديد، لكن أيضًا لتأسيس … يوتوبيا بلا طبقات”.

حين اندلعت مظاهرات الشوارع ضد الشاه في 1977، كان تأثير شريعتي على شعارات الخميني ومناصريه لا تخطِئه عين: “الإسلام للمُضطَهَدين، ليس للمُضطهِدين”، و”الإسلام يُمثِّل سُكَّان الأحياء الفقيرة لا القصور”، و”الإسلام ليس أفيون الجماهير”، و”الفقراء يموتون لأجل الثورة، والأغنياء يتآمرون ضدها”، و”يا مُضطَهَدي العالم اتحدوا”، و”لا شرقية ولا غربية، الجمهورية الإسلامية”، و”نحن لأجل الإسلام، لا الرأسمالية ولا الإقطاع”، و”الإسلام سيمحي الفوارق الطبقية”.

في أكتوبر 1978، تحوَّلَت مظاهرات الشوارع إلى حركةِ إضراباتٍ هائلة لعمال القطاعين العام والخاص، بقيادة عمال النفط. أوقف العمال الإنتاج في حقول ومصافي النفط، ورفعوا مطالب سياسية مباشرة، حيث إنهاء الأحكام العرفية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتأميم صناعة النفط، وحل منظمة السافاك، ومطلب أخير كانت له تبعاتٌ غير مُتوقَّعة طويلة الأمد: إنهاء التمييز ضد النساء العاملات. أشارت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في ذلك الوقت إلى أن هذه الإضرابات هي التهديد الأكبر على بقاء الشاه في السلطة، إذ كتبت: “صار النفط ناقلًا أساسيًا للوعي الثوري”.

تدخَّل الخميني، من منفاه في باريس، لمحاولة التحكُّم في إضرابات النفط، إذ تحالَفَ مع بعضٍ من الكوادر الرئيسية من حقبة مصدَّق القومية الذين تمتَّعوا بجذورٍ في صناعة النفط. أُجبِرَ الشاه على التفاوض، وقدَّم تنازلاتٍ للعمال. وفي غضون أشهرٍ معدودة، أُجبِرَ على الفرار من البلاد.

اجتاح ملايين الناس الشوارع لاستقبال الخميني لدى عودته للبلاد. لكنه على الفور قوبِلَ بتطوُّرٍ كان من المُرجَّح أن ينفجر في وجهه: مجالس “شورى” العمالية.

ماذا كانت مجالس شورى إذن؟ يوضِّح الباحث الإيراني الأمريكي آصف بيات ماهيتها كالتالي:

“كانت المجالس، بلجانها التنفيذية، مُنتَخَبة مباشرةً، وكان للأعضاء الحق في استدعائها في أي وقت. كانت اللجان مسئولةً أمام الجمعيات العمومية للمجالس، وأعضاؤها لم يتلقوا أيَّ أجرٍ إضافي نظير وظائفهم فيها. كان جميع العمال تقريبًا في كلِّ مواقع العمل يحضرون اجتماعاتٍ تُجرى فيها نقاشاتٌ ساخنة حول قضايا تتعلَّق بإدارة العمل. كان لمجالس شورى تأثيرٌ كبير على الكيفية التي تصوَّر بها العمال المجتمع والسلطة، وكذلك وضعهم الاجتماعي في المجتمع بصورةٍ عامة … أسَّسَت المجالس تراثًا وثقافةً ديمقراطيةً وليدة”.

بدأت العديد من التنظيمات اليسارية في تجذير نفسها في مجالس شورى. ولعل أبرز تلك التنظيمات كان حزب تودة الشيوعي، وتنظيمات حرب العصابات السابقة: حركة فدائيي خلق العلمانية، وحركة المجاهدين الإسلامية اليسارية (تحوَّلَت اليوم إلى تأييد الولايات المتحدة)، وحركة بيكار الماوية. كانت وكالة أسوشيتد برِس قد كتبت تقريرًا في ذلك الوقت عن مجلس شورى في مصفاة النفط الأكبر في العالم “عبادان”، بمحافظة خوزستان الإيرانية الغنية بالنفط، لُخِّصَت فيه مطالب العمال كالتالي:

“توزيع الدخل، وإنهاء السيطرة الأجنبية على صناعة النفط، وإقرار الحق في طرد الإدارات التي عيَّنوها … رغم أن أغلب العمال يزعمون أنهم أتباعٌ مخلِصون للخميني، ويتنصَّلون من الشيوعية الإلحادية، فإنهم يتبنون رؤى سياسية شديدة القرب من الماركسية. يتجنَّب المدراء من حقبة النظام السابق اتخاذ أية قرارات قد تفتح الصراع مع لجنة العمال، التي أيضًا لها سلطة الاعتقال”.

وأضاف التقرير:

“من غير الواضح كم من العمال ينضمون سرًا لحزب تودة الشيوعي الموالي لموسكو أو لحركة فدائيي خلق. قال أحد العمال إنه ربما يكون هناك اثنان أو ثلاثة شيوعيين من كلِّ ثمانية عمال … ويُقدِّر آخر أن ثمة 25% من العمال في بعض الإدارات ماركسيون أو متعاطفون مع الماركسية، وأضاف أن المنشورات الماركسية تظهر على الدوام على اللوحات الإعلانية في الشركة أو على الجدران في أحياء الطبقة العاملة”.

سيطرة كاملة
في مصافي النفط بمحافظتي تبريز وفارس، سيطرت مجالس شورى بصورةٍ كاملة على الإدارة والإنتاج. وفي محافظة فارس على وجه التحديد، كانت المصفاة، القريبة من مدينة كرج، هي الوحيدة في إيران المملوكة لشركة أجنبية (25% منها لشركة شيل). استولَى مجلس شورى على المصفاة نفسها، وباع إنتاجها من النفط لأجل دفع الأجور والمرتبات. نسَّقَ المجلس هذا الاستيلاء مع مدراء الإنتاج، ليؤسِّس “لجنة الإدارة الانتقالية للمصفاة”، التي تألَّفَت من أعضاء من المجلس بالإضافة إلى اثنين من الموظفين التقنيين. أخرجت اللجنة “شركة النفط الوطنية الإيرانية: مصفاة كرج” إلى النور. وسرعان ما رضخت الحكومة، غير الراضية عن هذه التطوُّرات، لمطلب التأميم. اندلعت نضالاتٌ مشابهة أيضًا عبر الصناعات الحديثة في أرجاء البلاد.

فَرَضَت مجالس شورى تحديًا مُحتَمَلًا على الخميني. لكن، كما أوضح المناضل الاشتراكي الثوري البريطاني كريس هارمان في مقالته الطويلة “النبي والبروليتاريا”، عام 1994، كانت العقبات هائلة. لكن مجالس شورى لم تكن تُمثِّل إلا فقط أقليةً من العمال، لأن الصناعات الحديثة كانت جديدة للغاية في المجتمع، وصناعة النفط كانت كثيفة نسبيًا من حيث عدد العمال. على سبيل المثال، كان هناك في العاصمة طهران، في العام 1980، حوالي 400 ألف عامل مُتركِّزين في مشاريع صناعية كبرى.

لكن ما يقرب من ضعف هذا العدد كان يعمل في القطاع التقليدي، حيث الورش الصغيرة التي غالبًا ما كان يُشغِّلها أفراد العائلة الواحدة ويُوظِّفون فيها أقاربهم وأصدقاءهم، وهؤلاء كانوا مرتبطين بالبازار ورجال الدين على السواء.

علاوة على ذلك، كانت أعدادٌ كبيرة من الفلاحين قد تدفَّقَت إلى المدن، بحثًا عن العمل، وأسَّسوا مدنًا عشوائيًا سكنوا فيها. وعلى خلفية حرمانهم من دعم حكومة الشاه، كانت المساجد تتقرَّب إليهم بالأعمال الخيرية، التي كانوا في أمسِّ الحاجة إليها، في أغلب الأحيان بتبرُّعاتٍ وفيرة من البازار. ضَمَن الخميني قاعدةً له في هذه المناطق. وكما أشار هارمان، جَعَل ذلك من الصعب بمكان على مجالس شورى أن تُوسَّع نفوذها إلى أحياءٍ مثل تلك، على غرار ما فعلته السوفييتات في الثورة البلشفية في روسيا 1917.

تطويق اليسار
كان اليسار ليتمكَّن من أن يُشكِّل فارقًا حقيقيًا إن كان نفوذه قد توسَّع وصار قادرًا على صياغة مطالب تصل إلى الفقراء والعاطلين. لكن اليسار نفسه لم يكن مؤهَّلًا لذلك بما فيه الكفاية. تأثَّر حزب تودة بعلاقة التبعية التي ربطته بالاتحاد السوفييتي السابق، الذي كان مرتبطًا بدوره باتفاقٍ مع الشاه. حقَّق شعار الخميني واسع الصدى، “لا شرقية، ولا غربية، الجمهورية الإسلامية”، شعبيةً كبيرة، وكان من شأن ذلك أن يُطوِّق اليسار.

استمدَّت تنظيمات اليسار السياسية الجديدة، بالأخص حركة فدائيي خلق، وحركة المجاهدين ذات التوجه الديني، إلهامها من حرب العصابات التي شنَّها تشي جيفارا. جنَّدَت هذه التنظيمات أعضاءها من الأوساط الطلابية للعمل المُسلَّح من أجل إطاحة الشاه. تمخَّض ذلك عن عملياتٍ تميَّزَت بلا شك بشجاعةٍ كبيرة وأحرزت نجاحاتٍ غير مُتوقَّعة في كثيرٍ من الأحيان (استهدفت قياداتٍ عسكرية، وضباطًا في السافاك مسئولين عن التعذيب، وبعض أرباب العمل القمعيين). لكن نتائج هذه العمليات كانت أشدَّ وطأةٍ بكثير على اليسار مما كان على دولة الشاه -من حيث موجات الاعتقالات والخسائر في الأرواح.

حين تصاعدت الحركة الجماهيرية في أواخر السبعينيات، كانت الكوادر المُلتفَّة حول الخميني أفضل تمركزًا من تنظيمات حرب العصابات. لم تكن المساجد تُنظم المظاهرات فقط، بل الإضرابات العمالية في كثيرٍ من الأحيان أيضًا.

كانت جماعات حرب العصابات واقعةً أيضًا من الناحية الأيديولوجية في شرك النسخة الستالينية من الشيوعية السوفييتية. أدَّى بها ذلك إلى عصبويةٍ وجمودٍ دوجمائي، في الفِكر السياسي وفي التنظيم على السواء، وكان ذلك قاتلًا لها في الأحداث سريعة التغيُّر في فترات النهوض الثوري الذي يتطلَّب مرونةً سياسية: كيف يمكن العمل مع الإسلاميين في حالات الاتفاق، وكيف يمكن معارضتهم في حالات الخلاف؟

إلا أن تنظيمات حرب العصابات قرَّرَت توجيه دفَّتها نحو الجماهير. دشَّنَت حركة فدائيي خلق صحيفة “كار” (العمل) في مارس 1979. دعت الحركة الطبقة العاملة للاستيلاء على السلطة السياسية وتحطيم الرأسمالية، إذ كتبت على سبيل المثال: “إذا تحرَّكَت مجالس شورى بشكلٍ صحيح ونظَّمَت المنخرطين في الشأن السياسي، سيغدو بإمكانها تطوير تنظيمات الشعب لإدارة سياسات البلاد”.

ردَّ الخميني على هذا التوجُّه بإطلاق حزب الجمهورية الإسلامية والجمعيات الإسلامية، لإلحاق الهزيمة باليسار في مجالس شورى. لكن الأحداث التي رجَّحَت كفة الخميني في نهاية المطاف، وقعت في الحقيقة خارج إطار مجالس العمال.

كانت قضايا حقوق المرأة في القلب من كلِّ ذلك. أراد النظام الجديد فرض نسخته الخاصة من الإسلام على العلاقات بين الجنسين. جُمِّدَ العمل بقانون حماية الأسرة، وهو أقصى إصلاح كان قد انتُزِع بالفعل من نظام الشاه في مجال حقوق المرأة. في ظلِّ النظام الجديد، مُنِحَ الرجال حقًا حصريًا في تطليق زوجاتهم، وسُمِحَ لهم بأربع زيجاتٍ دائمة وعددًا مفتوحًا من الزيجات المؤقتة. حُظِرَ عمل النساء قاضياتٍ في المحاكم، وكذلك تجنيدهم بالجيش، وصار الحجاب زيًّا إلزاميًا لهن.

في 8 مارس 1979، نُظِّمَت مسيراتٌ جماهيرية لإحياء اليوم العالمي للنساء، فيما لم تدعمها حركة فدائيي خلق. حقَّقَ اليوم نجاحًا مُدوِّيًا، حيث شارَكَت مئات الآلاف من النساء عبر أرجاء البلاد. هوجِمَت المسيرات في طهران من قِبَلِ حشودٍ غوغائية ترفع شعار “إما الحجاب وإما الضرب على الرأس”. تضمَّنَت الاشتباكات إلقاء الحجارة وإطلاق بعض الأعيرة النارية، لكن ذلك لم يكسر إرادة المتظاهرين.

أعلن النظام الجديد أن الأمر لم يكن إلا “سوء تفاهم”، مُبرِّرًا ذلك بأن النساء يجب أن “يُرشَدن” إلى الحجاب، لا أن يُجبَرن عليه. كانت الحركة النسائية عثرةً كبرى أمام مُخطَّطات الخميني.

صار اليسار في ذلك الوقت بحاجةٍ لشنِّ هجومٍ شامل من أجل حقوق المرأة، بمن في ذلك بالطبع نساء الطبقة العاملة المُتديِّنات، اللاتي يعتبرن ارتداء الحجاب أمرًا مُسلَّمًا به. على سبيل المثال، كان على اليسار أن يطالب بإنشاء دور حضانة للأطفال في مواقع العمل، وأن يدشِّن الحملات من أجل مشاركة النساء في انتخابات مجلس شورى العمالية، وغير ذلك. تشكَّل “مجلس تضامن النساء” من أجل توحيد العاملات على مثل هذه المطالب. لكن، للأسف، تردَّدَت قوى اليسار -لاسيما فدائيو خلق- وتخلُّوا في النهاية عن دعمهم لهذه الحركة.

جاء عيد العمال للعام 1979 ليكون بمثابة اختبارٍ للقوة بين الخميني واليسار. كردِ فعلٍ مظاهرات العمال المُخطَّط لها في ذلك اليوم، رفعت حكومة الخميني الحد الأدنى للأجور وأعلنت الأول من مايو إجازةً عامة. وفي خطابه لذلك اليوم، حذَّرَ الخميني العمال من “غير المؤمنين”، وقال: “كل يومٍ ينبغي اعتباره عيدًا للعمال، إذ أن العمل هو مصدر كلِّ شيء؛ حتى الجنة والنار، وحتى جسيمات الذرات”.

في ذلك اليوم، نُظِّمَت أربع مسيرات على الأقل في طهران، مما قوَّضَ وحدة العمال أنفسهم. قاد فدائيو خلق وجماعة بيكار الماوية مسيرةً هائلة، وتصدَّر شيوعيو تودة مظاهرةً ضخمةً كذلك، وصفها أحد المتعاطفين الأجانب بأنها حظت بالدعم الأكبر من النقابات بين المظاهرات الأربع. وأخيرًا، نظَّمت حركة المجاهدين الإسلامية اليسارية هي أيضًا مظاهرةً أخرى.

في تلك الأثناء، دفع الخميني بقوةٍ باتجاه إقرار دستور للجمهورية الإسلامية الجديدة في الأشهر القليلة الأولى لها. هل سيكون إذن دستورًا ديمقراطيًا كما يُفضِّل القوميون، أم ثيوقراطيًا بسلطاتٍ مُطلَقة “للمرشد الأعلى”؟

دعا الخميني إلى استفتاءٍ على مبدأ الجمهورية الإسلامية، وفي أبريل فاز بأغلبيةٍ ساحقة. لكن معظم الناس ظنوا أنهم كانوا يصوِّتون بالأساس على الإسلام والديمقراطية معًا. ولاحقًا، استغرق الدستور النهائي شهورًا من المساومات وراء الستار، والناتج النهائي كان سلطاتٍ ديكتاتورية للمرشد الأعلى ومجلس الخبراء التابع له، مع القليل من الانفتاح على الإصلاحات.

كانت هناك وعودٌ لتخفيف حدة الفقر، وتقليص اللامساواة، وتوسيع الملكية العامة للصناعة. لكن بالطبع كان للمرشد الأعلى الكلمة الأخيرة في كلِّ ذلك.

لم يكن الأمر محتومًا أن يفوز الخميني في الاستفتاء العام الجديد على مسودة الدستور -خاصةً في حالة مشاركة اليسار الإسلاميين المعتدلين في معارضته. لكن تلك الفترة، التي بدأت بالتحديد في نوفمبر، تزامَنَت مع احتلال السفارة الأمريكية وما تبع ذلك من أزمة الرهائن الأمريكيين التي استمرت 444 يومًا. كلُّ ذلك حوَّلَ اتجاه غضب الجماهير وقسَّمَ اليسار.

تصف الكاتبة الاشتراكية الثورية مريم بويا الموقف آنذاك كالتالي:

“كان الخميني قادرًا على تقسيم اليسار بالكامل. كل المشكلات التي تصاعدت في المصانع، وبين النساء، وبين الأقليات القومية مثل الأكراد، وفي أوساط كلِّ من أخذ يخوض النضال بالفعل ضد النظام الجديد، كانت تُعزَى إلى الإمبريالية الأمريكية”.

وَقَعَ حزب تودة في شرك هذه الحجة الخمينية، وانقسمت حركة فدائيي خلق بعد أن أيَّدَت أغلبيتها الخط السياسي لتودة، فيما شهدت حركاتٌ يسارية أخرى، مثل حركتيّ مجاهدي خلق وبيكار، حالةً مشابهةً من التخبُّط.

تفيد مريم بويا، من حيث كانت في مدينة تبريز شماليّ إيران، بأن “اليسار لم يتحرَّك ضد دستور الخميني الجديد، لكن حالة الشلل لم تكن شاملةً تمامًا. إذ نظَّم مؤيدو الزعيم الديني الليبرالي، محمد كاظم شريعتمداري، مع شبكات مجالس شورى واسعة النطاق التي يتزعَّمها اليسار، إضرابًا عامًا ومظاهرةً جماهيريةً ضد دستور الخميني الإسلامي”.

كانت تلك ومضةً لبديلٍ ممكن -اليسار في مجالس الشورى مع الإسلاميين التقدُّميين في حركةٍ جماهيرية مُفعَمة بالطاقة الثورية ضد الخميني. للأسف لم يمتد التمرُّد طويلًا، بعد أن قمعته سلطة الخميني بوحشية، ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية بعد ذلك في سبتمبر 1980 فقط لتوطِّد من سلطة المرشد الأعلى.

– هذا الموضوع مترجم عن مجلة “سوشياليست ريفيو” البريطانية