بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مأساة الحزب الشيوعي العراقي

فوجئ الكثيرون عندما انضم الحزب الشيوعي العراقي لمجلس الحكم الانتقالي التابع لسلطات الاحتلال الأمريكي. فكيف يمكن لحزب خاض نضالات ضخمة ضد الاستعمار والاستبداد والرأسمالية عبر تاريخه الطويل وأصبح يعرف بحزب الشهداء، كيف يمكن لحزب مثل هذا أن يخون ذلك التاريخ النضالي ويتحول إلى أحد عملاء الاحتلال؟

لن نتمكن من فهم هذا الموقف دون فهم التاريخ المأساوي للحزب. وقد تطرقت لهذا التاريخ الكثير من الدراسات الهامة، لعل أهمها دراسة حنا بطاطو “الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق”، التي تتناول التطور السياسي والاجتماعي للعراق منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى ستينات القرن العشرين وكتاب “العراق منذ 1958 – من الثورة إلى الديكتاتورية” للكاتبين ماريون فاروق وبيتر سلاجلت، ودراسة للكاتب الإيطالي إلاريو سالوتشي “الوثبة – الحركة الشيوعية والصراع الطبقي في العراق”. وقد اعتمد هذا المقال في المعلومات التاريخية على هذه المصادر الثلاث القيمة.

ولا بد من الإشارة إلى أن المساحة المتاحة لن تسمح بتناول جميع جوانب المسألة وهناك عدد من القضايا تم تجاهلها في هذا المقال وسيتم تناولها في مقالات قادمة، منها الحركة الشيوعية والقضية الكردية، الفصائل الشيوعية خارج الحزب والانشقاقات (القيادة العامة، الكادر، حزب العمال الشيوعي)، والتحليل التفصيلي لمواقف الحركة في العراق اليوم.

النشأة
ظهرت الماركسية في العراق في منتصف العشرينات وكان لها صبغة دعاوية حيث أسس حسين الرحال عدد من الحلقات الشيوعية الدعاوية ونشر مجلة باسم “الصحيفة” كانت تضم مقالات مترجمة من مجلات شيوعية فرنسية وبريطانية وتركز أساسًا على قضايا تحرر المرأة والدفاع عن العلمانية. وفي 1928 تكونت حلقة ماركسية في البصرة انضم إليها يوسف سلمان (الرفيق فهد) والذي أصبح فيما بعد أهم قيادي في الحركة الشيوعية العراقية. تحولت هذه الحلقة عام 1929 إلى “جمعية الأحرار” ونشرت برنامج للتغيير الديمقراطي تضمن مطالب حرية التعبير والدولة العلمانية وتحرر المرأة والوحدة العربية ولكنها ظلت محصورة على عدد محدود من المثقفين ولم تنجح في خلق جذور تذكر داخل القطاعات العمالية والفلاحية.

في الفترة بين 1929 و1934 تكونت ثلاث حلقات شيوعية في بغداد وقد ضمت هذه الحلقات تنويعة من النشطين. كان بعضهم أعضاء سابقين من حلقة الصحيفة وآخرون جاءوا من اللجنة الشيوعية في بيروت وآخرون تدربوا في جامعة العمال الشرقيون بموسكو. وفي 8 مارس 1935 توحدت كافة الحلقات في البصرة وبغداد والناصرية لتكوين الحزب الشيوعي العراقي.

بعد الاجتياح النازي للاتحاد السوفيتي في يونيو 1941، ودخول الاتحاد السوفيتي في تحالف مع بريطانيا، أصبحت التعليمات القادمة من موسكو لمختلف الأحزاب الشيوعية هي عدم معارضة الجيش البريطاني، حتى في البلدان الواقعة تحت الاحتلال البريطاني. وقد استطاع الحزب الشيوعي الصمود ضد التعليمات الجديدة لعدة أشهر ولكنه، كغيره من الأحزاب الشيوعية انصاع في نهاية المطاف، وأعلنت جريدة الحزب في مايو 1942 تأييدها الكامل لموقف موسكو: “إن حزبنا يعتبر الجيش البريطاني الذي يحارب النازية اليوم، جيش تحرير.. لذلك علينا مساعدته في العراق بكل السبل الممكنة”!!

في مطلع 1944 بدأ فهد في حملة تجنيد وبناء وتمكن من خلق جذور عميقة في الأحياء العمالية في بغداد والبصرة وكركوك، وانتشرت خلايا التنظيم في صفوف الحركة العمالية بحيث أصبح غالبية العمال النقابيين والواعين سياسيًا أعضاء في الحزب. وفي مارس 1945 عقد الحزب مؤتمره الأول وقد خرج المؤتمر بميثاق وطني، أكد على “أن المرحلة الحالية من الصراع هي مرحلة التحرر الوطني والنضال من أجل الحقوق الديمقراطية.. وبالتالي فإن الأهداف المطروحة يجب أن تتماشى مع مرحلة الثورة البرجوازية الوطنية”.

لكن أطروحات البرنامج تخلت أيضًا عن المطالب الوطنية التقليدية مثل إلغاء المعاهدة البريطانية/ العراقية وتأميم رأس المال الأجنبي وذلك تماشيًا مع تعليمات موسكو التي لم تكن بعد قد أنهت تحالفها مع بريطانيا. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية تغيرت الأوضاع، فمن جانب انتهى التحالف الإستراتيجي بين الاتحاد السوفيتي وبريطانيا، ومن جانب آخر اندلعت سلسلة من الإضرابات العمالية الكبرى في قطاعات ميناء البصرة والسكك الحديدية والبترول وتركزت المطالب على زيادة الأجور والاعتراف بالنقابات وجلاء القوات البريطانية، وقد واجهت الحكومة هذه الموجة بمزيج من التنازلات الاقتصادية (زيادات محدودة للأجور) وقمع وحشي للنقابات واعتقال لقياداتها. كانت هذه الموجة من الإضرابات بمثابة مقدمة لانفجار جماهيري ضد النظام الملكي في بغداد عام 1948 والذي عرف باسم الوثبة.

الاختبار الأول: وثبة 1948
بدأت الأحداث يوم 4 يناير بمظاهرات طلابية مناهضة لمشروع المعاهدة البريطانية العراقية الجديدة والتي كانت تهدف لإبقاء العراق محمية بريطانية، واتسعت المظاهرات بعد إبرام المعاهدة في 15 يناير. وفي يومي 20 و21 يناير أضرب عمال السكك الحديدية والمصانع الكبرى في بغداد وانضموا إلى المظاهرات وشاركهم العاطلين وفقراء المدينة وعلى الرغم من القمع الوحشي للمظاهرات وقتل العشرات من المتظاهرين برصاص الشرطة العراقية استمرت الحركة. وفي 21 يناير أعلنت الحكومة عن إلغاء المعاهدة ونظم الحزب الشيوعي مظاهرتين حاشدتين للمطالبة بإسقاط الحكومة يومي 23 و27 يناير.

واجهت الشرطة تلك المظاهرات بقمع غير مسبوق حيث قتل يوم 27 يناير أكثر من 300 متظاهر، لكنها لم تتمكن من إخماد الحركة وهرب رئيس الوزراء العراقي إلى بريطانيا وتم تشكيل حكومة جديدة. واستمرت الإضرابات العمالية خلال الشهور الثلاثة التالية، كلها بقيادة الحزب الشيوعي خاصة في السكك الحديدية وصناعة البترول وميناء البصرة. لعل أهم تلك الإضرابات كان إضراب عمال شركة البترول العراقية في إبريل 1948 حيث أوقف العمال الإنتاج وحاصرت قوات الأمن إحدى المحطات ومنعوا وصول الماء والغذاء لها، وكان رد العمال تنظيم مسيرة ضمت أكثر من 3000 عامل في اتجاه بغداد التي تبعد 250 كيلو متر عن المحطة. وعلى الرغم من إيقاف الشرطة للمسيرة قبل إتمامها واعتقال العمال فقد أثبتت مدى قوة ووعي الحركة العمالية العراقية وقدرتها النضالية.

استطاع النظام في نهاية المطاف إخماد الوثبة بمزيج من القمع وبعض التنازلات في مجال الأجور، وكانت النتيجة بالنسبة للحزب الشيوعي هي زيادة كبيرة في العضوية وترسيخ لجذوره في الطبقة العاملة العراقية. لكن ذلك المزيج الكارثي في إستراتيجية الحزب بين إبقاء الحركة في حدود الثورة الوطنية الديمقراطية والولاء الأعمى لتعليمات موسكو لعب الدور الأكبر في تمكين النظام من فرض سيطرته من جديد. فرغم بروز الحركة العمالية كأكثر القوى تأثيرًا وفاعلية في الحركة الوطنية والديمقراطية، ورغم القيادة غير المتنازع عليها للحزب في الحركة، لم تطرح مسألة السلطة ولم تخرج مطالب الحركة عن الإطار الوطني البرجوازي من مطلب الاستقلال ومطلب الديمقراطية البرلمانية، والمطالب العمالية المباشرة حول الأجور والأسعار وظروف العمل.

من جانب آخر ارتكب الحزب جريمة سياسية أفقدته المئات من أفضل كوادره وخلقت حالة من الإرباك والإحباط في صفوفه، ففي السادس من يونيو 1948 وتحت ضغط شديد من موسكو وافق الحزب على قرار تقسيم فلسطين والاعتراف بإسرائيل، التي كان الاتحاد السوفيتي أول المعترفين بها! واستخدم النظام الملكي العراقي هذه الفرصة الذهبية واعتقل المئات من كوادر الحزب وتمكن من كشف دور الرفيق فهد كسكرتير عام الحزب واعتقاله، وفي فبراير 1949 أعدم شنقًا. وكانت النتيجة النهائية هي انهيار عضوية وتفكك إلى خمس فصائل متناحرة.

إعادة البناء
في نوفمبر 1952 اندلعت المظاهرات والإضرابات مجددًا مطالبة بالحقوق الديمقراطية والانتخابات الحرة فيما عرف بانتفاضة 1952. وكان الحزب الشيوعي قد بدأ في تجاوز أزمته وإعادة نشاطه وقد لعب دورًا هامًا في قيادة الحركة. وفي مارس 1953 تبنى الحزب ميثاقًا وطنيًا جديدًا يستهدف تكوين “جمهورية ديمقراطية شعبية تمثل إرادة العمال والفلاحين والشعب”. وهو شعار مطاط يبدو أكثر راديكالية، لكنه ليس كذلك، فالشعب يتضمن كافة الطبقات الأخرى بما في ذلك البرجوازية العراقية. أي أن الميثاق الجديد جاء تأكيدًا على ضرورة تحالف العمال والفلاحين مع البرجوازية فتمام الثورة الوطنية الديمقراطية.

وفي الفترة بين انتفاضة 1952 واستيلاء الضباط الأحرار العراقيون على السلطة في 1958 جاء التأثير الرئيسي على الساحة السياسية العراقية من مصر فتأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس والعدوان الثلاثي الذي تلاه والتقارب المتسارع بين مصر والاتحاد السوفيتي قد جعل للقومية العربية والشعارات الناصرية شعبية واسعة في العراق، ولم يكن الحزب الشيوعي العراقي بعيدًا عن ذلك التأثير ففي عام 1957 أعلن الحزب أن “المهمة المباشرة في العراق هي تكوين حكومة قومية لإنهاء عزلة العراق عن حركة التحرر العربية ولتبني سياسة قومية عربية”، وأصبح أحد أهم أهدافه السياسية خروج العراق من حلف بغداد التي كانت واشنطن قد شكلته لمواجهة النفوذ السوفيتي المتزايد في المنطقة وكان يضم إلى جانب العراق كل من تركيا وإيران وباكستان.

في 14 يوليو 1958 تمكنت مجموعة من ضباط الجيش “الضباط الأحرار” من الإطاحة بالملكية العراقية في انقلاب عسكري. وتم تشكيل حكومة برئاسة عبد الكريم قاسم كرئيس للوزراء وعبد السلام عارف كنائب له. لم يكن هذا الحدث في حد ذاته إلا مقدمة لانفجار الصراع الطبقي في العراق وبداية تطورات ثورية، فعلى الفور خرج أكثر من مائة ألف متظاهر في بغداد وامتدت المظاهرات إلى جميع المدن العراقية. وتحت ضغط هذه الحركة الجماهيرية قامت حكومة الضباط الأحرار بالإفراج عن المعتقلين السياسيين والانسحاب من حلف بغداد وإعادة الشرعية للنقابات العمالية والفلاحية وإخلاء القواعد العسكرية البريطانية والبدء في برنامج محدود للإصلاح الزراعي.

لكن النظام الجديد كان شديد الضعف فلم يكن له أي قاعدة جماهيرية ولم يضم في صفوفه أي تمثيل للأحزاب السياسية الأكثر نفوذًا مثل الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردي. وكانت الأهداف السياسية للنظام “الثوري” إلى جانب تحرير العراق من الملكية والاستعمار هي إعادة بناء العراق من خلال إصلاحات اجتماعية واقتصادية لصالح الشعب. لكن هذه الأهداف المبهمة وغير المحدودة كانت تخفي ورائها انقسامات حادة تعكس التناقضات الطبقية والسياسية في العراق ولا تلبي مطالب جماهير العمال والفلاحين والتصاعد السريع للصراع الطبقي الذي فجره سقوط الملكية.

ظهر الخلاف الأول حول قضية القومية العربية، فمن جانب كان هناك البعثيون والناصريون والقوميون ومجموعة من الضباط الأحرار بقيادة عبد السلام عارف، المطالبين بالوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة والتي ضمت مصر وسوريا. وعلى الجانب الآخر كان الشيوعيون وعبد الكريم قاسم الذين كانوا يعارضون الوحدة الفورية. كانت مخاوف عبد الكريم قاسم تتعلق بهيمنة جمال عبد الناصر والنظام المصري على الجمهورية المتحدة وأن دخول العراق في الوحدة كان سيعني إضعاف زعامة قاسم في العراق. أما الحزب الشيوعي فكانت مخاوفه من الوحدة تتعلق بقمع ومنع الأحزاب الشيوعية وتأميم الحياة السياسية والنقابية في الجمهورية المتحدة.

لكن هذا الخلاف كان يخفي ورائه تناقض أعمق بين البرجوازية العراقية وملاك الأرض الذين كانوا يخافون من الحركة العمالية وازدياد نفوذ الشيوعيين والمطالب المتزايدة لتعميق الإصلاحات وتأميم الصناعات وعلى رأسها صناعة البترول وتنفيذ إصلاح زراعي جذري، وبين الطبقة العاملة العراقية وفقراء الفلاحين الذين كانوا يهبون في مختلف أنحاء العراق من أجل تحولات اجتماعية ثورية وديمقراطية جذرية ووضعوا آمالهم في الحزب الشيوعي لقيادة هذه التحولات. هذه هي الخلفية الطبقية للصراع بين عبد الكريم قاسم والشيوعيون من جانب وبين عبد السلام عارف والبعثيين والناصريين من الجانب الآخر. وقد تحول الصراع إلى صراع عسكري دموي في مارس 1959 في مدينة الموصل حيث قام ضباط قوميين عرب بتمرد عسكري وقد دعم هذا التمرد ملاك الأرض والزعمات القبلية المناهضين للإصلاح الزراعي وللشيوعيين. ولكن التمرد تم سحقه من قبل قوات الجيش الموالية لعبد الكريم قاسم.

في إبريل من نفس العام قاد الحزب الشيوعي سلسلة من المظاهرات الجماهيرية الضخمة توجت في الأول من مايو بمظاهرة شارك فيها نصف مليون متظاهر في بغداد. وفي الريف لم تكن الأوضاع هادئة فقد بادر الحزب بتشكيل جمعيات من الفلاحين الفقراء والمعدمين وقد انتشرت هذه الجمعيات بسرعة بحيث وصل عددها 3500 جمعية يقود الشيوعيون 60% منها. وقد وصف مدير وكالة المخابرات الأمريكية آلان دلاس الوضع في بغداد بأنه “هو الأخطر في العالم” في تلك اللحظة.

كانت كل المظاهرات تعلن عن تأييدها لعبد الكريم قاسم ومطالبته بالمزيد من الإصلاحات الجذرية وضرورة إدخال الشيوعيين إلى الحكومة. لكن عبد الكريم قاسم لم يعد يحتاج لدعم الشيوعيين بعد تخلصه من تهديد البعثيين والقوميين على زعامته، وفي ذات الوقت بدأت الحركة الجماهيرية المتصاعدة تخيفه وتخيف ضباط الجيش بشكل عام. وفي نفس الشهر، مايو 1959 أعيد العمل ببنود من القانون الجنائي القديم تعاقب من يتبنى الأفكار الشيوعية بالسجن ما بين 7 سنوات ومدى الحياة.

ماذا فعل الحزب الشيوعي لمواجهة هذا الانقلاب من قبل قاسم؟ ماذا فعل الحزب وهو يقود بلا منازع الطبقة العاملة المنتفضة والفلاحين الفقراء؟ ماذا فعل الحزب الذي وضعت الجماهير العراقية ثقتها التامة فيه وفي قيادته لحركتهم وثورتهم؟ قرر الحزب: عدم مواجهة عبد الكريم قاسم والتراجع عن كافة المطالب الراديكالية بل والعمل على كبح جماح الحركة الجماهيرية!

الحقيقة أن هذه السياسة الانتحارية ترجع جذورها إلى موسكو العشرينات، مركز الحركة الشيوعية العالمية. كان من بديهيات الحركة الشيوعية العامية بعد الثورة الروسية أن ما يسمى بالمهام الوطنية الديمقراطية في البلدان المتخلفة لا يمكن إتمامها إلا بقيادة الطبقة العاملة، فالرجوازيات في تلك البلدان لا يمكن أن تلعب دورًا ثوريًا بسبب ارتباطاتها العضوية بالاستعمار والقوى الرأسمالية الكبرى وبسبب مخاوفها من تهديد الطبقة العاملة لمصالحها. وأن قيادة الطبقة العاملة لتلك المهام يعني أنه لا يمكن إتمامها إلا في سياق استيلاء الطبقة العاملة على السلطة في تلك البلدان. ولم يكن يعني ذلك الاستنتاج أن بناء الاشتراكية هو إمكانية موضوعية مباشرة في تلك البلدان، بل أن استيلاء الطبقات العاملة على السلطة يجب أن يكون جزء لا يتجزأ من الثورة العالمية ومن امتداد الثورة للمراكز الرأسمالية المتقدمة، وهو الشرط الأساسي لنجاح عملية التحول إلى الاشتراكية.

لكن فشل الموجة الثورية في البلدان الرأسمالية الأوروبية 1918/ 1923، وانحصار الثورة الروسية واستيلاء البيروقراطية الستالينية على السلطة أحدث تحولاً جوهريًا في الإستراتيجية الثورية للحركة الشيوعية العالمية. فبدلاً من الثورة العالمية طرح مشروع الاشتراكية في بلد واحد وبدلاً من الربط العضوي بين تحقيق المهام الوطنية والديمقراطية، والثورة الاشتراكية طرح مشروع الفصل بين مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، التي يجب إتمامها قبل البدء في مرحلة الثورة الاشتراكية، وبدلاً من الدور القيادي والمستقل للطبقة العاملة طرح ستالين ضرورة انصهار الحركات العمالية والأحزاب الشيوعية في جبهات وطنية وشعبية تضم البرجوازية “الوطنية” إلى جانب البرجوازية الصغيرة والفلاحين.

تسببت هذه الإستراتيجية الستالينية في سلسلة من الكوارث لعل أهمها كان في الصين 1925/ 1927 حيث أجبر ستالين الحزب الشيوعي الصيني على الاندماج في حزب الكومينتانج البرجوازي الوطني وعلى إخضاع المطالب الطبقية للعمال والفلاحين الفقراء لمتطلبات الجبهة الوطنية. وكانت النتيجة هي تمكين القيادة البرجوازية للكومنتانج (تشيانج كاي تشيك) من القضاء على الحركة العمالية والفلاحية وذبح قياداتها وكوادر الحزب الشيوعي وإجهاض الثورة الصينية. إلى جانب هذه الإستراتيجية الانتحارية التي فرضها ستالين على الأحزاب الشيوعية كان يفرض أيضًا أن يكون ولاء هذه الأحزاب أولاً لمصالح موسكو الخارجية حتى لو تناقض ذلك مع مصلحة الطبقات العاملة في تلك البلدان. هاتين اللعنتين: لعنة إستراتيجية فصل المراحل الثورية، ولعنة الولاء لمصالح موسكو، هما ما يفسر لنا مأساة الحزب الشيوعي العراقي وقت الصدام مع عبد الكريم قاسم.

تراجع الحزب لم يوقف قاسم عن تصعيد القمع فتم اعتقال الآلاف من الشيوعيين ومؤيديهم وحل المنظمات الجماهيرية التي يقودها بما في ذلك المنظمات الشبابية ومنظمات المرأة وحظرت كافة جرائد ومجلات الحزب. رغم ذلك استمر الحزب في تراجعاته وبدأ في تبرير تلك التراجعات نظريًا فقد أعلن أحد قادة الحزب عامر عبد الله: “هناك ضرورة لتقوية الوحدة الوطنية وتأييد القادة في الحكم في محاولتهم حماية هذه الجمهورية”. وفي تصريح لتبرير تراجع الحزب عن المطالبة بالإصلاح الزراعي طرح “أننا أخذنا في الاعتبار الطبيعة الطبقية للثورة الوطنية والروابط القوية بين البرجوازية الوطنية والملكيات الزراعية الكبرى”. وعندما حاول البعثيون اغتيال عبد الكريم قاسم في ديسمبر 1959 نظم الحزب مظاهرات تأييد حاشدة وأعلن في بيان له: “يد بيد مع الحكومة الوطنية للحفاظ على الأمن، المزيد من الإنتاج أيها الفلاحون وأيها العمال الشجعان، عاش تضامن الشعب والجيش والحكومة تحت قيادة عبد الكريم قاسم”.

كان تأثير تلك الخيانة على الحركة الجماهيرية وعلى قواعد الحزب المناضلة تأثيرًا مدمرًا فقد أصبحت الحركة بلا قيادة وتراجعت الإضرابات والمظاهرات وتفككت حركة الفلاحين الفقراء وانخفضت عضوية الحزب من 25 ألف كادر منظم في 1959 إلى حوالي 5000 في العامين التاليين.

الهزيمة
أصبح الطريق ممهدًا أمام قوى الثورة المضادة وعلى رأسها حزب البعث، ففي 8 فبراير 1963 أطاح انقلاب عسكري بنظام عبد الكريم قاسم، الذي تم إعدامه على الفور وأمسك البعث بزمام الأمور وعين أحمد حسن البكر رئيسًا للوزراء، وقام النظام الجديد بتشكيل قوة عسكرية أمنية تابعة لحزب البعث لفرض النظام، حاول الحزب الشيوعي تنظيم مظاهرات مسلحة لمقاومة الانقلاب ولمنعه في ساعاته الأولى ولكن حتى في تلك اللحظة وقبل اعتقاله بساعات، رفض عبد الكريم قاسم توزيع السلاح على الجماهير. ولم تتمكن جيوب المقاومة الشعبية من وقف الهجوم الوحشي للبعث، وقد أعلن حزب البعث في بيان له: “يصرح لقادة الوحدات العسكرية والشرطة والحرس الوطني تصفية أي شخص يهدد الأمن. ونحن نناشد أبناء الشعب المخلصين التعاون مع المسئولين بالإرشاد عن هؤلاء المجرمين وتدميرهم”.

في الأسبوع الأول من الانقلاب تم قتل ما يقارب 5000 شخص، المئات منهم من كوادر الحزب الشيوعي، وقام البعث بحملات وحشية شملت المذابح والاغتصاب وتم اعتقال عشرات الآلاف. وفي 20 فبراير تم القبض على الراضي سكرتير عام الحزب وقتله بعد أربعة أيام من التعذيب الوحشي، وتم نفس الشيء مع 7 أعضاء آخرون من اللجنة المركزية. لكن الوحشية وحدها لم تكن كافية كبرنامج سياسي لاستقرار النظام، وحدث كثير من الانقسامات داخل قيادات البعث وبينهم وبين الضباط الناصريين والقوميين. انتهت هذه بقيام عبد السلام عارف بانقلاب جديد في نوفمبر 1963، وقام عارف بعزل الضباط البعثيين واستبدالهم بالناصريين. وبدأ نظام عارف في التقارب من النظام المصري وتبني النموذج الناصري من الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي العربي) مع تأميم البنوك وشركات التأمين ومعظم الشركات الصناعية الكبرى والتقارب من الاتحاد السوفيتي مع تخفيف القمع ضد الشيوعيين والسماح لهم بدرجة محدودة من الحركة.

من المأساة إلى المهزلة
وأدت هذه الإجراءات إلى تبني الحزب الشيوعي لخط سياسي جديد. وكانت للأحداث المصرية وموقف الاتحاد السوفيتي منها تأثيرًا كبيرًا على الخط الجديد: “مصر في طريقها نحو التنمية اللارأسمالية والاشتراكية.. ومن الخطأ أن يستمر الشيوعيون في التمسك بالديمقراطية السياسية كشرط لتأييد الوحدة العربية”. وكان هذا هو نفس الخط السياسي الذي تبنته الحركة الشيوعية المصرية والذي أدى إلى حل الحزب الشيوعي المصري واندماج الشيوعيون في الاتحاد الاشتراكي، وهذه بالطبع ليست صدفة فهذا ما كانت تطرحه موسكو في ذلك الحين.

في عام 1966 توفي عبد السلام عارف في حادث وأخذ أخيه اللواء عبد الرحمن عارف محله في السلطة، وبالطبع كان الضباط البعثيون يستعدون طوال هذه الفترة لانقلاب يعيدهم إلى السلطة، وبالفعل تمكنوا من تحقيق ذلك في يوليو 1968 وبدءوا على الفور في تركيز كافة السلطات السياسية في “مجلس ثوري” بقيادة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين. لكن هذه المرة تغيرت سياسة البعث تجاه الحزب الشيوعي، فلم يعد الحزب يشكل تهديدًا للنظام خاصة في ظل خطه السياسي الجديد. بل أن البعثيين قرروا اللجوء إلى الحزب الشيوعي ليساعدهم في كسب قاعدة اجتماعية لنظامهم المعزول والمكروه جماهيريًا.

وبدأ النظام بالإفراج عن عدد من الكوادر الشيوعية وعرض على الشيوعيين مناصب وزارية. وقد كان رد الفعل الأول للحزب هو رفض العرض والإصرار على مطالب مثل عودة الحريات المدنية وانتخاب جمعية تأسيسية والسلام في كردستان، لكن هذا الموقف قد تبدل في 1969 دون أي تنازلات من قبل البعث! وكان السبب المباشر لدخول الحزب في مفاوضات مع النظام البعثي هو توقيع اتفاقيات نفطية هامة بين الاتحاد السوفيتي والعراق! وبدأت المفاوضات على أساس عرض قدمه البعث يصبح الشيوعيون بموجبه جزء من جبهة وطنية تقدمية بلا أي سلطات سياسية ومع اعتراف كامل بزعامة البعث.

مع تأميم النظام البعثي لشركة البترول العراقية عام 1971 والإعلان عن تحالف إستراتيجي بين موسكو وبغداد وتبني النظام لشعارات معادية للإمبريالية والصهيونية، أعلن الحزب الشيوعي في إبريل 1972 دخوله الجبهة الوطنية التقدمية وفي الشهر التالي عين وزيرين شيوعيين في الحكومة. ما فعله الحزب الشيوعي العراقي في الفترة ما بين 1972 إلى 1974 يفوق كل خيال فقد أعلن في جريدته أن صدام حسين هو فيدل كاسترو العراق وأن “الثورة الوطنية الديمقراطية قد دخلت مرحلة راديكالية مرحلة التنمية اللارأسمالية”!! ولم تقتصر الخدمات على مجال الدعاية بل قام الحزب بتفكيك كافة منظماته ومجموعاته العمالية والنقابية ودمجها في حزب البعث، وأيد كافة إجراءات النظام بما في ذلك حرب البعث الدموية على الأكراد. وقد استطاع البعث من خلال خدمات الشيوعيين من السيطرة الكاملة على النقابات العمالية وتفريغها النهائي من أي درجة من الاستقلال.

هكذا مهد الحزب الشيوعي الطريق أمام بعث صدام حسين للقضاء على ما تبقى من الحركة الجماهيرية. وماذا جني الحزب الشيوعي من هذه التنازلات؟ مرة أخرى وكما هو متوقع لم يجني سوى المذابح والمعتقلات، ففي الفترة ما بين 1978 و1983 قتل المئات من الشيوعيين واعتقل الآلاف وحظرت كافة أنشطتهم وأصبح مجرد قراءة أدبيات شيوعية جريمة عقوبتها الإعدام. ولم ينجو إلا من استطاعوا الهرب من البلاد أو الاختباء في الجبال الكردية. ولم يعد الحزب للنشاط داخل العراق مجددًا إلا بعد حرب الخليج الأولى وذلك في منطقة الحظر الجوي في المدن الكردية، وظل طوال التسعينات يتأرجح بين مواقف تناهض النظام العراقي ومواقف تناهض الحظر المفروض على العراق، ومع الاحتلال الأمريكي للعراق وتشكيل مجلس الحكم الانتقالي قرر الحزب المشاركة في المجلس بحجة أن ذلك يشكل مرحلة ضرورية للضغط من أجل إنهاء الاحتلال وأن عدم المشاركة سيعزل الحزب عن القوى السياسية الأخرى المؤثرة في الساحة تذيل البرجوازية والمراحل قد ظلت لتحكم في رؤيته رغم اختفاء المركز الموسكوفي.

خاتمة
من السهل بعد هذا السرد التاريخي الموجز لتاريخ الحزب الشيوعي العراقي أن يصل القارئ إلى استنتاج أن الحزب الشيوعي العراقي كان مجرد حزب انتهازي خان الطبقة العاملة وظل يتذيل البرجوازية وضباطها وينفذ أوامر موسكو مهما كان الثمن. لكن مثل هذا الاستنتاج سيكون بمثابة خطئًا فادحًا فالحزب استطاع بالفعل وعبر نضالاً مضنيًا أن يصبح القيادية الطبيعية للعمال والفلاحين الفقراء، وأن يقود تحركاتهم ويعبر عن آمالهم وطموحاتهم، وهناك دروسًا هامة يمكن تعلمها من أساليب البناء والتجنيد والانتشار وخلق الجذور العمالية التي ابتدعها ذلك الحزب، خاصة في فترة الرفيق فهد، علينا أن نتذكر أنه لم يكن فقط أكبر الأحزاب الشيوعية في العالم العربي وأكثرها تأثيرًا في الساحة السياسية، لكنه كان أيضًا حزب الشهداء الذي تعرض لمذابح متتالية وقدم مناضليه تضحيات تكاد أن تكون أسطورية.

هذا هو جوهر المأساة ذلك التناقض الصارخ بين الإمكانية التاريخية التي استطاع الحزب أن يخلقها بنضاله الجماهيري، الذي جعل الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء يضعون ثقتهم في قيادته، وبين إستراتيجيات الحزب الانتحارية والتي أدت به مرارًا وتكرارًا إلى المشانق وغرف التعذيب وأهدرت فرصًا تاريخية. خاصة في 1959، كان بإمكانها تغيير تاريخ المنطقة بأكملها.