بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خبرات ثورية

يوسف درويش.. محامي الفقراء:

الطريق إلى الاشتراكية

* كيف بدأت تهتم بالماركسية؟
** لما تركت مصر سنة 1930 ما كنتش أعرف حاجة عن الشيوعية أو الماركسية، لكن كانت لي قراءات عديدة في الكلاسيكيات الفرنسية والثورة الفرنسية. لما سافرت لفرنسا أسست في تولوز جنوب فرنسا مع طلاب عرب “جمعية الطلبة العرب من أجل الاستقلال”. وفي أيكس آن بروفانس أسست جمعية للطلبة ضد الفاشية والحرب. ولما بأفكر شوية في حياتي بأشوف إن طول عمري كنت مؤمن بتنظيم الشعب. يعني مثلاً قبل سفري لفرنسا عملت جمعية للطلبة في مدرسة الفرير. ولما رجعت مصر أسست جمعية الشبان القرائين (أنا من أصل قرائي).

* هل واجهت مشاكل في الاعتراف بجنسيتك المصرية؟

** لا.. في سنة 1947 لقيت في أوراق عمي عند وفاته عقد بيع شرعي بتاريخ عام 1827، ده معناه إن أسرتي كانت عايشة في مصر على الأقل من 50 سنة قبل التاريخ ده. فأخذت الورقة واعترفوا بجنسيتي المصرية من غير أي مشكلة حتى ولا بسبب السياسة. كان لي قريب مشهور ه داوود حسني الملحن، وابنه كان بيشتغل في وزارة الداخلية. وأذكر إني سألته مرة قبل ما يوافقوا عن أخبار موضوع الجنسية، فقال لي إن ما فيش أي ملف في القلم المخصوص (البوليس السياسي) باسمي، يعني أنا اشتغلت في الحركة الشيوعية لغاية سنة 1947 ومافيش على أي حاجة.. وده لأني اشتغلت بعقل.

* ما هي الأنشطة الجماعية الأخرى التي شاركت فيها بعد عودتك لمصر؟

** أسست مع آخرين جمعية “نشر الثقافة الحديثة”، و”نشر الثقافة الشعبية”، و”لجنة العمال للتحرير القومي”. وأنا مؤمن أن الحل الوحيد هو تنظيم الجماهير في أحزاب أو في غير أحزاب. وفي رأيي لا يكفي تنظيمها فقط في حزب. المهم أن تكون جماهير الشعب منظمة في تنظيمات مرتبطة بالحزب أو يؤثر عليها الحزب، أو حتى لا يؤثر. في فرنسا كان الوضع منفتح جدًا. أنا اشتركت في مظاهرات كثيرة في تولوز وفي أيكس آن بروفانس، وطبعًا كان سهل أن الواحد يقرا كتير، وأذكر أن أول قراءاتي كانت تروتسكية. قرأت كتابين لتروتسكي “حياتي” وكتاب آخر اسمه “الأممية الثالثة” أو التنظيم وعدم التنظيم”. ما كنتش أعرف يعني إيه تروتسكيين ومش تروتسكيين، ما كانش لي علاقة بالشيوعيين في تولوز. لكن لما رحت أيكس آن بروفانس تعرفت على واحد ألماني اسمه بورثر، كان في الحزب الاشتراكي في ألمانيا، وهجره إلى الحزب الشيوعي الألماني وجاء إلى فرنسا هربًا من الهتلرية. كان ساكن جنبًا فكون مدرسة كادر، هنا بدأت أتعلم الماركسية بطريقة علمية. مدرسة كادر اشتغلت ليل ونهار وكنا بنسمع محاضرات ونناقش.

* هل تعرفت على تروتسكيين في فرنسا؟

** كان لي صديقة حميمة، أندريه فرناند، من الشمال وكان لها اتجاهات تروتسكية حسب ما أذكر، لكن التروتسكية ما كانتش موجودة في فرنسا، ما أظنش كان لها صوت خالص. وأندريه هي اللي وصلتني لخلية الحزب الشيوعي في أيكس آن بروفانس. وأذكر أن تروتسكي مر على أيكس آن بروفانس سنة 1933 على ما أعتقد وقعد في قهوة وأنا شفته في القهوة، وما كلمتوش طبعًا. عرفت بعد كده إن خلية أيكس آن بروفانس وجهت له إنذارًا بترك المدينة خلال 24 ساعة وإلا مش حتكون مسئولة عن حياته.

* كيف بدأت تنشط عندما عدت إلى مصر؟

** لما تركت فرنسا سنة 1934 كنت شيوعي، ماركسي، وطبعًا مش منظم. وقبل ما أرجع مصر اتصلت بصديقتي التي كان لها اتصال بالحزب الشيوعي لتسألهم عما يجب عمله في مصر، فقالت لي بيدولك نصائح ثلاثة: (1) الاتصال بعصبة أنصار السلام إذا كانت موجودة. (2) الاهتمام بالوفد، باعتباره حزب شيوعي. (3) الاتصال بالحركة العمالية. وده اللي عملته لما رجعت. أولاً رحت اتحاد العمال في عمارة متاتيا المشهورة في ميدان العتبنة. لقيت ناس كتير، يمكن 500 عامل في الشقة، وهناك اتعرفت على محمد يوسف المدرك. والخطوة الثانية إني وأنا ماشي في شارع المغربي لقيت يافطة (في عمارة كان يطلق عليها عمارة أنتونياديس) مكتوب عليها عصبة أنصار السلام فطلعت وعملت في العصبة دي كتير جدًا. طبعًأ مع دخول عصبة أنصار السلام – التي كانت موجودة أيام الملك، قبل الحرب العالمية الثانية – قابلت ناس كثير منهم بول جاكو ومحامي صديقي يوناني اسمه فرجوبولو وريموند ديوك وآخرين واهتموا بي بشكل خاص لأني ما كنتش بأرفض أي عمل صغير زي كتابة العناوين وما شابه. ولازم الناس تعرف إن كان فيه وقتها ديمقراطية في مصر، غير دلوقتي وغير أيام عبد الناصر. بالتأكيد عبد الناصر عمل حاجات إيجابية: الشعب المصري كان نصه ماشي حافي، وهو قضي على ده. والعمال ما كانوش يعرفوا حاجة اسمها السينما أو البحر الأحمر أو الأبيض، وعمل تأمينات وإصلاح زراعي، والسد العالي، والمصانع، إلخ. لكن ما كانش فيه الديمقراطية اللي كانت موجودة أيام الملك.
كان أي واحد عايز يعمل جمعية يعملها، ما باخدش إذن ولا حاجة، وأنا شخصيًا دخلت وشاركت في تأسيس جمعيات كثير جدًا جمعية أنصار السلام ولجنة العمال للتحرير القومي ونقابات عمال مصر، إلخ.

* أنت تحكي في سيرتك الذاتية أن أيام جمعية أنصار السلام كان للتروتسكيين مقر في نفس العمارة، وفي عام 1944 اشتركت معهم في إصدار مجلة “العهد الجديد”. فكيف تصف علاقتك بهم؟

** التروتسكيين ما كانش لهم دور خالص في مصر، كانوا مجرد مثقفين ومالهمش أي دور جماهيري. كانوا مجموعة كويسة لكن مقفولة على نفسها وقناعاتها التروتسكية. أنا علاقتي بهم كانت كويسة، عادية، مع اختلاف مواقفنا، فموقفنا كان عدائي بالنسبة للتروتسكيين. لكن كأشخاص كانوا أصحابي، جورج حنين ولطف الله سليمان ورمسيس يونان. وفي سنة 1959 لما اتقبض علينا كنا في القلعة وقبضوا على لطف الله سليمان، أنا كنت مسئول الحياة العامة هناك، فقابلته مقابلة كويسة عادي زي بقية الناس. فقال لي “أنا مستغرب قوي، أنا كنت خايف أجي هنا لتموتوني”. لما حصرت الحرب العالمية التانية، التروتسكيين في مصر انقسموا. قسم ضد الاتحاد السوفيتي وقسم تاني يدافع عنه. القسم التاني اتصل بنا عن طريق سلامة موسى وعرضوا علينا نكتب مجلة مع بعض. سلامة موسى جالي المكتب في شارع ذكي في التوفيقية وعملت العقد علشان نأجر المجلة منه وصدر عن المجلة دي 7 أو 8 أعداد. كنا بنجتمع باستمرار في شارع علوي أمام البنك المركزي.

* أنت شريك في أكثر من موضع في سيرتك الذاتية إلى قوة الحركة العمالية تلك الأيام، وتقول أن في سنة 1945 كان هناك ثمانون ألف عامل وقعوا على تفويض ليوسف المدرك لتمثيلهم في المؤتمر العالمي للنقابات في باريس.

** كان فيه حركة نقابية قوية بغض النظر عن وجود الشيوعيين، وطبعًا الشيوعيين كان لهم دور كبير جدًا. سنة 1942 كانت الحركة العمالية موجودة من غير شيوعيين، والدليل على ده إنها كانت في إيد البرنس عباس حليم في فترة معينة. الوفد حاول يسيطر عليها، لكن العمال طالبوا بحركة نقابية مستقلة عن الأحزاب وخاصة عن المثقفين. كانوا بيخافوا من المحامين ومن الدكاترة.

* ما الذي قامت به تلك النقابات؟

** كانت بتدافع عن العمال، وبتنظيم الإضرابات. ما كانوش بيعتمدوا على القانون، وكان فيه اشتراكات.

* هل كان يوجد اتحاد؟

** لا.. أيامي أنا في الأربعينات، كانوا حوالي 167 نقابة. من قراءاتي في الأهرام وجرائد تانية طلعت أسماء كثيرة جدًا، عرفت إيه وضع الحركة العمالية لما جاء الظرف المناسب كنت مستعد. وليه أنا اشتغلت في الحركة العمالية؟ لأننا في بداية العمل التنظيمي كنا ثلاثة، صادق سعد وريمون دويك وأنا، ووزعنا المسئوليات على بعض، واتفقنا إني أكون مسئول عن الحركة العمالية، وريمون مسئول عن الوفد، وصادق مسئول عن الحركة الثقافية. قرأت ساعتها كل ما كتب عن الحركة العمالية. يعني لغاية سنة 1942 ما كانش لي أي علاقة بالعمال. كنت ساكن في بولاق، وكان فيه واحدة بتشتغل عندنا عرفت إني محامي، فقالت لي إن جوزها عنده قضية رد اعتبار وطلبت مني أحضر معاه. سألتها هو بيشتغل فين، فقالت لي إنه في نقابة محمود أفندي، يعني محمود أفندي العسكري، والاسم ده كان في ذهني تمامًا. فقلتلها روحي للمحامي بتاعكم وإن ما كانش ينفع حاقابل محمود أفندي، وقابلته فعلاً ومن يومها بدأت أشتغل مع العمال، وهم كان عندهم عدم ثقة في المحامين. قابلت وقتها محمود العسكري وطه سعد عثمان وواحد اسمه محمود قطب. وكنت أعرف يوسف المدرك من قبل كده. بدأت معاهم مش كمحامي، لأن كان فيه محامي موجود، عملتلهم فصل دراسة فرنسي وحسابات، وبعدين هم وثقوا في فقالوا لي اشتغل محامي معانا فاشتغلت. طه سعد قال للمدرك: أنا مش عارف الراجل ده وأنا خايف من الجماعة المثقفين دول. فرد عليه: لأ ما تخافش، على مسئوليتي. لأن المدرك كان عارف إني شيوعي، شوفي قد إيه التوجس، مش سهل أبدًا العمل مع الناس، لازم يكون فيه ثقة. بعدين بقيت محامي حوالي 60 نقابة، منهم نقابة النسيج اليدوي، والنسيج الميكانيكي، ونسيج القاهرة، والبواخر البحرية، والدلتا، والنيل، والمحلات العمومية، وأسمنت طرة، إلخ… الحركة العمالية في الأربعينات كانت قوية، كان فيه تضامن حقيقي: سنة 1947 ضباط البوليس عملوا إضراب واحتلوا حديقة الأزبكية، فراح عمال شبرا الخيمة بعتوا لهم وفد تأييد. ولما المدرك سافر العمال دفعوا من جيوبهم مصاريف الانتقال والإقامة في باريس. وفي سنة 1957 لما اتهمت بمحاولة اغتيال عبد الناصر، اللي خرجني العمال، لأن عشرة آلاف عامل بعتوا برقيات احتجاج لعبد الناصر. إزاي ده؟ أولاً فيه حركة عمالية، ده صحيح، لكن فيه أيضًا شخص عرف يكسب الثقة، لأني اشتغلت مع الناس أدافع عن أبسط احتياجاتهم. وقصدي هنا إن العمال عندهم أجور وإجازات بيدافعوا عنها، والبعض بيقول: لأ نتكلم معاهم في الاشتراكية!! الاشتراكية حاجة ملموسة، وهو مش حيسمع منك كلمة اشتراكية أو شيوعية أو كده إلا إذا وثق فيك، وثق في الإنسان اللي بيخدمه وبيضحي علشانه، وبيهتم بأبسط الأمور مش بأعقدها. الحركة العمالية في الفترة دي ما كانتش بس حركة مصرية كانت حركة مرتبطة بالحركة العالمية. والدليل سفر المدرك لباريس سنة 1945. الدليل التاني إنه في سنة 1947 كان فيه حرب استقلال في إندونيسيا ضد هولندا، وكانت البواخر الهولندية بتمر في قناة السويس، المدرك راح بورسعيد وخلا عمال النقل يضربوا فالبواخر الهولندية ما عرفتش تمر، وده موقف أممي. وخدي بالك دي إندونيسيا مش فلسطين.

* بمناسبة فلسطين، أنت كتبت في سيرتك الذاتية إنه في سنة 1948 اضطرت المنظمة (الطليعة الشعبية للتحرر) أن تأخذ موقفًا داعمًا لتقسيم فلسطين؟

** لأ اللي كتبته ده كان غلط، اتأكدت بعدها إنه ما حصلش، وأنا ناوي أصلح المعلومة دي. إحنا اتربينا كلنا على أساس إن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية. وده كان له مصدرين، الأول إن عصبة أنصار السلام اللي كان وكيلها نهرو هي أول هيئة عالمية قالت إن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، وده كان موقفنا هنا في عصبة أنصار السلام في مصر، ضد الصهيونية وضد إقامة إسرائيل. المصدر التاني كان كتاب الماركسي الألماني أتو هلور “نهاية اليهودية”، وكان يقصد بنهاية اليهودية، إن اليهود في العصور الإقطاعية كانوا معزولين ومختصين بالعمل في التجارة والصرافة، على عكس باقي الشعوب الأوروبية اللي كانت فلاحين بالأساس. ولما قامت الرأسمالية اتكسر التقسيم ده، وبقي فيه رأسماليين من كل الشعوب، يعني كل الناس بقوا يهود، وكمان بقي أغلب اليهود في أوروبا عمال. موقف منظمتنا كان واضح جدًا ضد الصهيونية وإسرائيل، وأنا لما كتبت ده غلطت لأني كنت فاكر إن موقفنا اتغير، بس بعد ما اتنشر، عدد كبير من الرفاق صححوا لي. وسبب غلطتي إني كنت بأفكر وأنا بأكتب في ذيليتنا ساعتها للاتحاد السوفييتي وتبعيتنا لمواقفه، لكن في الحتة دي ما كناش ذيليين. وأنا بأنتهز الفرصة دي علشان أصحح الغلطة. اللي حصل سنة 1948 بعد اعتراف الاتحاد السوفييتي بإسرائيل، صادق سعد قال لي: دلوقتي إحنا مضطرين نعترف بالواقع، وبعدين اتقبض عليه هو وعدد من الرفاق قبل ما ناخد أي موقف، واضطريت أكون لجنة مركزية جديدة كنت فيها أنا ورشدي صالح وأبو سيف يوسف وحلمي ياسين ومحمد مدبولي، واللجنة دي قررت الحفاظ على موقفنا، وما طلعش منها أي ورقة تعترف بإسرائيل.

* المنظمات الشيوعية الأخرى أيدت قرار التقسيم؟

** كلها.

* هل أثر موقفها هذا على ارتباط العمال بها؟ وما هو الرد الفعل الجماهيري لهذا الموقف؟

** القضية الفلسطينية سنة 1948 ما كانتش شائكة زي دلوقتي. النهارده فيه خلط كبير بين الصهيونية والسامية، وكمان المجازر اللي حاصلة بتستفز الناس بشكل كبير جدًا. قضية فلسطين ما كانتش معروفة في مصر قبل سنة 1945 لما قام إضراب خاص بفلسطين، في ورشة حكومية في ترسانة بولاق، والعمال أضربوا علشان خاطر فلسطين.

* هل حدثت أي مظاهرات كبيرة أو إضرابات عام 1948، بعد 14 مايو وقيام دولة إسرائيل؟

** مش فاكر.. بس الحكومة قبضت على الإخوان المسلمين وعلى الشيوعيين ومنهم عمال كتير، أنا اتقبض علي في نوفمبر مش في مايو بس كلهم اتقبض عليهم في مايو: محمود العسكري وطه سعد عثمان وصادق سعد. الصهيونية ما كانتش محل نقاش في الأربعينيات، كان فيه ناس كتير ما تعرفش حاجة عن الصهيونية، لدرجة إن كان فيه أندية صهيونية في مصر، واحد فيهم كان في مصر الجديدة في شارع مراد. طبعًا ده في مصر الجديدة في شارع مراد. طبعًا ده ما كانش ظاهرة، يعني أغلبية اليهود في مصر ما كانوش صهاينة، الصهاينة كانوا محدودين. ولما قبضوا على الناس في معتقل الهايكستب كان فيه عنبر مخصص للصهاينة، وكانوا بيعاملوهم بشكل جيد جدًا، فكان عندهم بوتاجاز وتلاجات وتكييف، وكانوا بيسمحوا لهم يروحوا يزوروا زوجاتهم يوم الجمعة، أما إحنا فكنا بنتضرب بالجزم، وده كان موقف الحكومة وقتها. وأكتر من كده، في سنة 1947 بعض اليهود المصريين المعادين للصهيونية كونوا جمعية “اليهود المصريين ضد الصهيونية”.