بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خبرات ثورية

الثورة الصينية في ذكراها الـ71:

الحقيقة تتفوَّق على الأساطير

الثورة الصينية - 1949

بينما تطلق الصين احتفالاتها الرسمية بمناسبة مرور 71 عامًا على ثورة 1949، يحلِّل أدريان بود السياق الأطول لما كانت ثورة وطنية، بعيدة عن أيِّ رؤية للشيوعية.

في 1 أكتوبر، كانت الصين مستعدةً للاحتفال بالذكرى الحادية والسبعين لتأسيس الجمهورية الشعبية. تُنظَّم المسيرات الحاشدة ويغني الأطفال الأغاني الوطنية التي حفظوا كلماتها عن ظهر قلب ولكنهم لا يفهمونها، وتُلمَّع المعدات العسكرية لتبدو برَّاقة. يُثار إعجاب المليونيرات الذين يديرون الصين بأنفسهم بينما يرتدون البذلات والفساتين الجديدة يدوية الصنع.

في هذا “اليوم الوطني”، وعلى مدار الأيام القليلة التالية، يتغنَّى قادة الصين بالتحوُّل الاقتصادي الهائل للصين. لكنهم أيضًا سيذكِّرون العمال الصينيين بأنه ما زال أمامهم الكثير ليقوموا به. قليلون فقط من يحتاجون مثل هذا التذكير، فملايين من الصينيين يعلمون أنهم مُطالَبون بالتعويض عن الإنتاج المفقود عن طريق العمل في عطلات نهاية الأسبوع قبل وبعد الاحتفال في كلِّ عام.

يشاهد العمال الاحتفالات ويستمعون إلى الأغاني والخطب، ينبهرون بالألعاب النارية وينسون جزئياً مشاغلهم الخاصة خلال استعراض الوحدة الوطنية. يتمنون مستقبلًا أكثر إشراقًا وأن يتمكَّنوا يومًا ما من شراء بعض السلع الاستهلاكية التي ينتجونها. لكن الشكوك حول فرق الثروات الشاسع والفقر والتدهور البيئي والفساد لا يمكن أن تكون بعيدةً عن أفكارهم بينما يتجهون نحو بيوتهم ويستعدون للعودة إلى العمل. ملايين النساء يسألن أنفسهن عن سبب استمرار كونهن مواطناتٍ من الدرجة الثانية.

الجمهورية الشعبية
كان إعلان ماو تسي تونج الجمهورية الشعبية في 1 أكتوبر 1949 بمثابة تحوُّلٍ ثوري للمجتمع الصيني. كان كبار ملاك الأراضي في الريف وأمراء الحرب وحكومة الكومينتانج الفاسدة والشرسة التي فرَّت إلى تايوان هم أكبر المتأثرين بهذا التحوُّل. ومثلما اندثر النظام الصيني القديم، فقد رحل معه أيضًا الخضوع أمام الإمبريالية. لم تكن الثورة اشتراكية، لكنها وعدت بتمهيد الطريق للتحرُّر الوطني والتنمية.

بقدومها في أعقاب توسُّع الاتحاد السوفييتي في أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية، صعقت الثورة الصينية الغرب. في الولايات المتحدة، تكالَبَ الجمهوريون على إدارة الرئيس هاري ترومان الديمقراطية بسبب “خسارة الصين”، وشجَّعوا ملاحقات السيناتور جوزيف مكارثي الهستيرية للشيوعيين في السنوات التالية. هكذا كان تفكير الولايات المتحدة بكلِّ خيالات العظمة الإمبريالية، فلم يدركوا أن جذور الثورة لا تكمن داخل وزارة الخارجية الأمريكية، بل في المجتمع الصيني وعلاقاته مع القوى الخارجية.

جذور الثورة
تنطوي الثورات على قراراتٍ إستراتيجية وتنظيم وتخطيط يقوم بها فاعلون اجتماعيون واعون، ولكنها تظلُّ متجذرةً في بنى اجتماعية عميقة، ويتعيَّن فهمها في سياق ما وصفه المؤرِّخ الفرنسي الكبير فرناند براودل بـ”المدى الطويل – longue durée”.

على مدار أكثر من قرن، عانت الصين (أكبر اقتصاد في العالم في عام 1820) من الإذلال على يد الإمبريالية الغربية. قُدِّمَت “التنازلات” للدول الغربية، التي استخدمت قوتها العسكرية لتأمين اختراقها للاقتصاد الصيني من خلال السيطرة على المدن والمناطق الساحلية، بما في ذلك شانجهاي وهونج كونج. كان الإذلال مُضاعَفًا بسبب العنصرية الغربية: في شانجهاي، كانت الحديقة المائية الشعبية مُخصَّصة للغربيين وتظهر فيها لافتات تقول “ممنوع الكلاب والصينيين”.

رغم تغلغل القبول بالتبعية بشكلٍ واسع، تخلَّلَت التمرُّدات ضد كلٍّ من الإمبراطور والإمبريالية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت الوعود بالخلاص كثيرة التكرار. هُزِمَت انتفاضة الملاكمين عام 1900 على يد ثمانية جيوش أجنبية، ولكن بحلول عام 1911، أنهت انتفاضة ووتشانج حكم سلالة تشينج وقادت البلاد إلى العهد الجمهوري. أخطأ الحكام الجدد للصين في تصوُّرهم أن فوز الديمقراطيات البرجوازية في الحرب العالمية الأولى سيسمح للصين بأن تسلك طريق التنمية المستقلة، فقد استمر الإذلال في عشرينيات القرن العشرين.

ولكن بحلول ذلك الوقت، كانت الثورة البلشفية في عام 1917 بمثابة منارة الأمل ونموذج الثورة بالنسبة للبلدان المُستعمَرة والأقل نمواً في العالم. تأسَّسَ الحزب الشيوعي الصيني في عام 1921 في ظلِّ هذه الخلفية. وسرعان ما واجه اختبارًا كبيرًا فشل فيه.

قوة العمال
بين عاميّ 1925 و1927 تطوَّرَت حركةٌ ثورية قوية -والطبقة العاملة في قلبها- وخاصةً في جنوب شرق الصين. شارك في هذه الحركة عشرات الملايين من العمال والفلاحين، إذ احتشدوا في البداية حول الهدف القومي المتمثِّل في تخليص الصين من الإمبريالية الغربية واليابانية، وذلك بعد مذبحة بريطانية للمتظاهرين في شانجهاي في شهر مايو. انطلقت الإضرابات ضد الشركات الأجنبية، ودخلت هونج كونج الخاضعة لسيطرة بريطانيا في إضرابٍ عام استمر لمدة سنة.

مكَّنَ التركيز القومي لهذه النضالات حزب الكومينتانج القومي من النمو وتحدي النظام الجمهوري، لكن مطالباته بالوحدة الوطنية سرعان ما وقعت ضحيةً للخصومات الطبقية. ركَّزَ الفلاحون في الريف غضبهم على مضطهديهم المباشرين، وهم مُلَّاك الأرض ومُقرِضي الأموال، بينما انتشرت عضوية النقابات في المدن وأصبح العمال يدركون بشكل متزايد مصالحهم المستقلة. أصبحت الإضرابات تنظَّم ضد الرأسماليين الصينيين، كاشفةً عن التناقضات في قلب القومية.

بحلول عام 1926، عندما سيطرت الميليشيات العمالية الجديدة على الشوارع في بعض المدن، تبخَّرت الوحدة الوطنية وسرعان ما تطوَّرت ثورة العمال. انقلب اعتماد الكومينتانج على تعبئة الطبقات المقهورة لتحقيق أهدافها ضد الحزب نفسه. وكشف رد الحزب الوحشي على الموقف الذي خرج عن نطاق سيطرته عن المدى الذي يمكن الوصول إليه للحفاظ على سلطة الرأسماليين ومُلَّاك الأرض في الصين.

دعم الكومينتانج الحملة الشرسة لمُلَّاك الأرض لقمع الفلاحين في المقاطعات، وفي أبريل 1927، التفت الحزب لعمال شانجهاي، فذبح 50 ألف عامل ودمَّرَ منظماتهم، بينما قتل عشرات الآلاف في أماكن أخرى. كان حزب الكومينتانج مسؤولاً عن المذابح، ولكن عجز الطبقة العاملة ضد العدوان جاء استنادًا إلى الإستراتيجية التي اتبعتها قيادة الحزب الشيوعي الصيني.

الحزب الشيوعي
زادت الثورة من عضوية الحزب الشيوعي الصيني من ألف عضو في عام 1925 إلى 30 ألفًا بحلول أوائل عام 1927. وأصبح الحزب قوةً رئيسية في السياسة الصينية، بخاصةٍ في المدن، وكان له تأثيرٌ متزايد في الحركة العمالية. لكن هذا التأثير حمل بصمات التطوُّرات في موسكو والأممية الشيوعية (الكومنترن) التي أطلقها البلاشفة في عام 1919 بهدف تعزيز الثورة الاشتراكية العالمية.

بحلول عام 1924، عندما بدأ المستشارون السوفييت بالمساعدة في بناء تنظيم حزب الكومينتانج وتدريب قواته المسلحة على تحدي الإمبريالية، كان تحوُّل الكومنترن إلى الستالينية قد بدأ بالفعل. وكان الفشل في منع صعود الفاشية الألمانية، ولاحقًا الإسبانية، هو أفدح آثار الستالينية على الحركة العمالية، لكن الأساس الذي مهَّدَ لهذا الفشل كان قد أُرسِيَ في الصين.

عَكَسَت الستالينية مصالح الطبقة الحاكمة الجديدة التي برزت إثر هلاك الطبقة العاملة خلال الحرب الأهلية في حروب التدخل الأجنبي في روسيا السوفييتية عقب ثورة 1917. عزَّزَت هذه الطبقة سلطتها، القائمة على السيطرة على الدولة وممتلكات الدولة، بهزيمة المعارضة البلشفية اليسارية وتأسيس التخطيط المركزي في عام 1928. لم تكن الطبقة الحاكمة البيروقراطية الرأسمالية الدولتية الجديدة مهتمة بدعم الثورات الاشتراكية، بل بحماية ما رأت أنه مصالح وطنية للاتحاد السوفييتي، وبالتالي مصلحة سلطته. تحوَّلَ الكومنترن إلى الستالينية بشكلٍ مماثل، وأصبحت الأحزاب الشيوعية في العالم أدواتٍ للطبقة السوفييتية الحاكمة.

جاء التهديد الرئيسي للاتحاد السوفييتي من الإمبريالية الغربية. وحتى يتمكَّن ستالين من إضعاف الإمبريالية بينما يحاول منع دولة ثورية جديدة خارج السيطرة السوفييتية من الظهور، فقد أيَّدَ حزب الكومينتانج القومي وشهد له بالراديكالية. في مارس 1926، عرَّف المسؤول التنفيذي في الكومنترن حزب الكومينتانج بأنه “كتلةٌ ثورية من العمال والفلاحين والمثقفين والديمقراطية الحضرية”، وضمَّه إلى الكومنترن كـ”حزبٍ متعاطف”.

كانت العواقب كارثية. أصرَّ الكومنترن على أن يشكِّل الحزب الشيوعي الصيني تحالفًا مع الكومينتانج، وهذا بدوره حدَّ من استقلال الحزب الشيوعي الصيني وشجَّعه على أن يعظ الحركة العمالية بضبط النفس. وعندما هاجمهم “حليفهم” في أبريل 1927، كانت الحركة العمالية غير مهيأة للدفاع عن نفسها. في الواقع، تصرَّفَ الحزب الشيوعي الصيني بين عاميّ 1925 و1927 باعتباره يسار الكومينتانج، وكان واحدٌ أو اثنين فقط من الشخصيات القيادية يطالبون بإنهاء التحالف. لم يكن ماو تسي تونج من هؤلاء القادة، بل لقد دَعَمَ التحالف مع الكومينتانج حتى النهاية المريرة. ولكن كان هناك بديلٌ لكلِّ ذلك.

الثورة الدائمة
تطرح نظرية الثورة الدائمة التي وضعها الثوري الروسي ليون تروتسكي، والتي طوَّرَها بعد ثورة 1905 في روسيا، أن ضعف الطبقات الرأسمالية في البلدان الأقل نمواً وشبه التابعة، مثل روسيا، جعلها غير قادرة على هزيمة الثورة المضادة واستكمال الثورة البرجوازية، وأن هزيمة القيصرية الروسية ستتطلَّب دعم الجماهير.

في مجتمع ريفي في أغلبه، وإن كان يحتوي جيوبًا صناعيةً متقدِّمة تتركَّز بها الحركات العمالية، فإن نصيبًا كبيرًا من الغضب الذي سيدفع نحو التغيير سيأتي من الفلاحين، لكن تبعثرهم الجغرافي والانقسامات بين أغنيائهم وفقرائهم جعلتهم غير قادرين على الاتحاد ودفع الثورة إلى الأمام. ستتطلَّب هذه المهمة القوة والتنظيم المركزيَّين للطبقة العاملة.

شكّل هذا مشكلةً للرأسمالية، فبمجرد تعبئة الطبقة العاملة، ستبدأ مصالحها الخاصة باتخاذ الصدارة. وإذا كان لا يمكن لأحد استكمال الثورة البرجوازية إلا الطبقة العاملة، كما قال تروتسكي، فإن الثورة سرعان ما سوف تتحوَّل إلى ثورة اشتراكية. بعبارةٍ أخرى، ستصبح الثورة “دائمة”.

أظهرت الثورة الروسية في أكتوبر 1917 دقة تحليل تروتسكي. وللأسف، قدَّمَت الأحداث التي وقعت في الصين بين 1925 و1927 تأكيدًا سلبيًا على تحليل تروتسكي. كان تحليل الكومنترن والحزب الشيوعي الصيني على العكس تمامًا من تروتسكي. لقد فشلا في دعم المصالح المستقلة للطبقة العاملة وفرضا قيودًا صارمة على تحرُّكات العمال، وعزَّزا فكرة أن الكومينتانج يمكنه أن يقود كفاحًا ناجحًا ضد الإمبريالية. وبينما رأى تروتسكي أنه يمكن فقط لبرنامج للتغيير الاجتماعي الراديكالي أن ينجح في تعبئة الجماهير و”الحفاظ على الثورة من الهزائم العسكرية الخارجية”، فقد أحبط الحزب الشيوعي الصيني الحركة وعرَّضها لمجازر الكومينتانج. في عام 1931، لم يواجه الغزو الياباني لشمال شرق الصين أيَّ مقاومةٍ تُذكَر.

الطريق الطويل إلى 1949
تركت هزيمة 1927 أثرًا لا يُمحى على ثورة 1949. في عام 1926، صوَّتَ تروتسكي وحده داخل المكتب السياسي الروسي ضد انتخاب زعيم الكومينتانج جيانج جيشي، جزار شنغهاي المستقبلي، عضوًا شرفيًا في الكومنترن. لاحقًا، انشقَّ الحزب الشيوعي الصيني عن الكومينتانج، فقط لينقل ولاءه لحكومة “يسار الكومينتانج” في ووهان، التي، كما توقَّع تروتسكي قبلها بضعة أيام، هاجمت عمال ووهان بدورها في نهاية مايو.

كانت الماوية نتاج الهزيمة. لقد دمَّرَت المجزرة في شانجهاي وغيرها القاعدة العمالية للحزب الشيوعي الصيني. تمكَّن ماو والقادة الآخرون من توحيد بقايا الحزب المتناثرة، ولكن منذ هذه اللحظة، أضحى الحزب يتحلَّى بقاعدةٍ فلاحية وقيادةٍ من المثقفين المدينيين.

حقَّقَت تلك البقايا بعض النجاحات الأولية في إنشاء قواعد حمراء في أجزاءٍ من الريف، حيث كانت قوات الكومينتانج ضعيفةً نسبياً. ولكن في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، بدأ رد فعل الكومينتانج. بحلول نهاية عام 1934، توصَّلَت قيادة الحزب الشيوعي الصيني إلى أن نجاة الحزب ستعتمد على تراجعٍ إستراتيجي وجغرافي.

عُرِفَ ذلك باسم “المسيرة الطويلة” وكانت حقًا بطولية. انطلق حوالي 100 ألف عضو في أكتوبر 1934 ولكن لم يصل منهم بعد عام إلى مقاطعة شانشي الشمالية، البعيدة عن قوة الكومينتانج في الجنوب، سوى 8 آلاف فقط. خلال المسيرة، أظهر ماو مهارةً تكتيكيةً كبيرة في التعامل مع ملاك الأراضي وأمراء الحرب، وقدرةً على كسب دعم الفلاحين. تحت قيادة ماو الحازمة، استخدم الحزب الشيوعي الصيني إقليم شانشي، شماليّ الصين، كقاعدةٍ لاستعادة قوته العسكرية وتعميق جذوره بين الفلاحين.

كان إقليم شانشي أيضًا قاعدةً لمقاومة الحزب الشيوعي الصيني ضد الإمبريالية اليابانية، مما زاد من احترام الشعب للحزب، لكن منظوره ظلَّ ستالينيًا تمامًا. فيما بين 1935 و1936، اقترح ماو أن يشكِّل الحزب الشيوعي الصيني والكومينتانج “جبهةً مُوحَّدة ضد اليابان”، والتي تخلَّى الحزب في سبيلها عن التزامه بـ “الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين” وعن نزع ملكية مُلَّاك الأراضي. كان التحالف المقترح مع عدوهم الطبقي يعكس نفس منهجية الجبهات الشعبية للشيوعيين الأوروبيين.

وبينما استلزمت الجهود المبذولة لتأسيس الجبهة الشعبية تقويض العمال مرة أخرى، فإن مقاومة الحزب الشيوعي الصيني لليابان ساعدته على التحوُّل إلى قوةٍ جماهيرية، حيث نما إلى ما يقرب من مليون عضو بحلول عام 1940. وفي الوقت نفسه، استشرت التكتلات داخل حزب الكومينتانج وأصبح، كما توقعت وجهة نظر تروتسكي، غير قادر على هزيمة الإمبريالية بأيِّ شكل. وبسبب عجز الكومينتانج عن حماية وحدة الأراضي الصينية، تراجعت هيمنته على تمثيل المصلحة الوطنية.

بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الجيش الأحمر يسيطر على أكثر من 10% من الصين وكان له نفوذٌ في معظم أنحاء البلاد. وبمجرد انتهاء الحرب، اندلعت الحرب الأهلية مرة أخرى، ولكن بالمقارنة مع عام 1927، فقد انقلب الحال تمامًا. كان الحزب الشيوعي الصيني مُسلَّحًا، وفي حين احتل حزب الكومينتانج 90% من الأراضي، لم تشعر الجماهير الجماهير بالكثير من الانتماء له، حتى جيوشه لم تكن مواليةً له تمامًا. وبحلول أكتوبر 1949، كان ماو في السلطة وهرب حزب الكومينتانج إلى تايوان.

الثورة الوطنية
بالنسبة للماركسيين، لم يقد ماو ثورةً اشتراكية. وعلى حد تعبيره قبل أكتوبر 1949، كان هدف الحزب الشيوعي الصيني هو إصلاح الرأسمالية وليس إطاحتها. وبالفعل، عندما حرَّر الجيش الأحمر المدن، أرسل كبار ضباطه الأوامر بأن على العمال أن يستمروا في العمل. ولكن إن لم يشهد أكتوبر 1949 تحرُّرًا ذاتيًا للطبقة العاملة الصينية، فمن المؤكد أنه قد شهد ثورة.

أنهت إطاحة نظام الكومينتانج القديم أيضًا إذلال الصين على يد الإمبريالية. وقد خَلَقَ ذلك فرصةً لتحقيق حلم التنمية الوطنية، لكن رأس المال الصيني الخاص كان أضعف من أن يُولِّد تراكم رأس المال والاستثمار اللازمين. وكما في الاتحاد السوفييتي، تحرَّكَت الدولة كقوةٍ اقتصادية، وظهرت طبقةٌ حاكمة جديدة من كبار قادة الحزب والمديرين الصناعيين والقادة العسكريين.

لا يمكن فهم التطوُّرات الرئيسية، والتغيُّرات والتحوُّلات في سياسة الدولة الصينية منذ عام 1949 إلا إذا أدركنا أن قادة الصين أعضاءٌ في طبقة حاكمة رأسمالية دولتية بيروقراطية. والنتيجة الطبيعية لذلك أن الطبقة العاملة أصبحت موضوعًا لسياسة الدولة، ومصدرًا للناتج الاقتصادي والدعم السياسي ولكن ليست مصدرًا للمبادرة المستقلة والسلطة السياسية. في بعض الأحيان، تُعبِّئ الفصائل المتنافسة من الطبقة الحاكمة العمال والفلاحين، فقط ليقوضوهم بمجرد الانتهاء من تصفية الحسابات أو بمجرد أن يهدِّد الحراك الجماعي بخرق الحدود الصارمة التي فُرِضَت من أعلى. مثال “الثورة الثقافية البروليتارية العظيمة” في منتصف الستينيات هو المثال الأنسب لتلك المواقف.

وأولئك الذين لا يستطيعون رؤية ما وراء الألقاب -كـ”الشيوعي” على سبيل المثال- أو فهم الواقع الاجتماعي الاستغلالي وراء نموذج ملكية الدولة يمكنهم أن يصدقوا أن الجمهورية الشعبية هي أي شيء إلا كونها شكل من أشكال الرأسمالية. صُنِعَت الصين في 1949 على شاكلة الاتحاد السوفييتي في ظلِّ ستالين ولا تزال نموذجًا لرأسمالية الدولة حتى اليوم.

وهنا يكمن الأمل في المستقبل. جميع أشكال الرأسمالية، سواء في هونج كونج أو هونان أو هاليفاكس، تعتمد على فائض القيمة التي ينتجها العمال. وكما تشهد الجمهورية الشعبية التي دامت 70 عامًا، فإن العمال ليسوا مراقبين سلبيين لعملية استغلالهم أو صامتين عن الاضطهاد. من ميدان السلام السماوي في عامي 1976 و1989، وعبر “جدران الديمقراطية” في جميع أنحاء الصين في أواخر السبعينيات، وحتى موجات الإضرابات بين عاميّ 2007 و2015 ونضال هونج كونج اليوم، أظهر العمال الصينيون أنهم فقط مَن لديهم القدرة على استكمال الثورة الصينية.

* المقال بقلم أدريان بود – مجلة سوشياليست ريفيو البريطانية.