بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة والثورة المضادة في ألمانيا وصعود النازية

تعتبر ثورة نوفمبر وانتفاضة سبارتكوس في ألمانيا وما تبعها من أحداث وتأسيس جمهورية فايمار في ظل الظروف الاقتصادية شديدة الصعوبة كأثر مباشر لهزيمة ألمانيا القيصرية الاستعمارية في الحرب العالمية الأولى من أهم الأحداث المفصلية في تاريخ ألمانيا الحديث. بعد نجاح الثورة البلشفية في روسيا كانت الأنظار تتجه إلى ألمانيا بترقب بينما يشي كل شيء بثورية اللحظة وإمكانية انضمام ألمانيا إلى كتيبة الثورة الشيوعية.

قامت جمهورية فايمار في الفترة من 1919 إلى 1933 في ألمانيا نتيجةً لانهزام ألمانيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى، وما فرضته الحرب على الشعب الألماني من ظروف اقتصادية شديدة الصعوبة سيمتد تأثيرها ليكون التحدي الأكبر للجمهورية الوليدة على أنقاض الحرب والشعلة التي ستؤجِّج الثورة وبالتالي الثورة المضادة.

يتمرَّد البحارة الألمان على قادتهم، ويعلنون الإضراب العام، وينضم إليهم العمال، ويستولون على مدينة كيل لتنتشر شرارة الثورة في كل ألمانيا ويهرب القيصر إلى هولندا.

تُعلَن جمهورية فايمار وتُشكَّل حكومةٌ ائتلافية بين فريقين؛ الاشتراكيين الديمقراطيين الإصلاحيين، والاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين، الذين انفصلوا عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي أثناء الحرب بسبب معارضتهم للحرب التي أيَّدها الفريق الأول.

فريق ثوري يؤمن بالثورة ولا يثق في قيادات الجيش الألماني ويراهم جزءًا من النظام القديم، بينما الفريق الآخر بقيادة فريدريش إيبرت يرى أن السبيل الوحيد هو الوصول إلى السلطة عن طريق الاقتراع، وفي سعيه وراء ذلك وجد أن السبيل الأمثل هو الاتفاق مع الجيش وقيادته -والاستعانة بهم- لحماية الجمهورية الجديدة، مع احتفاظهم بكل امتيازاتهم وبقائهم على قمة الجيش.

لكن لا شيء تغيَّر بالنسبة لأغلبية الألمان، فيما أثبتت الأيام والشهور اللاحقة أن طريقة الحكم كذلك لم تتغيَّر. كلُّ ما تغيَّر أن القيصر قد سقط وحلَّت محلَّه حكومةٌ أخرى لم تتوان عن استخدام آلة الدولة القديمة ذاتها لقمع الثورة بل والاستعانة بكل القوى الرجعية الأخرى من اليمينين والمحافظين في سبيل ذلك.

في الجهة المقابلة، كان الفريق الآخر من الاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين ينادي بإقامة جمهورية اشتراكية تتخلَّص من علاقات الإنتاج الظالمة وشكل الدولة وطريقة الحكم القديمة. ومعهم في ذلك عصبة سبارتكوس التي تشكَّلَت أثناء الحرب على يسار الحزب الاشتراكي الديمقراطي عام 1916 لمناهضة الحرب، وعلى رأسهم روزا لوكسمبرج وكارل ليبكنخت، اللذان اعتُقِلا أثناء الحرب لنشاطهما السياسي المناهض للحرب وأُفرِجَ عنهما قبيل انتهاء الحرب.

ثورة نوفمبر
قبل هروب القيصر، وقبل ثورة نوفمبر، كان القيصر قد مَنَحَ الأغلبية البرلمانية حق تكوين الحكومة في محاولة للتغلُّب على حالة السخط العام.

وبالفعل تكوَّنَت أول حكومة برلمانية بائتلاف بين حزب الاشتراكيين الديمقراطيين وحزب الشعب وحزب الوسط، وكان منصب المستشار من نصيب الأمير ماكس غون بايدن الذي تولى مسئولية التفاوض من أجل وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تشترط من جانبها عزل القيصر لوقف إطلاق النار.

وهنا تأتي شرارة الثورة من البحارة المتمردين، ويستجيب المستشار بعزل القيصر دون مراجعته أو إخباره، فيهرب القيصر تاركًا ألمانيا.

يرى الاشتراكيون الديمقراطيون أن الثورة انتهت بإعلانهم الجمهورية الألمانية، ويتوصَّل إيبرت لاتفاقٍ مع قائد الجيش الألماني بحمايته للجمهورية والبقاء في منصبه. ويتوصَّل كذلك لاتفاقٍ مع الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين لتكوين الحكومة الجديدة؛ الحكومة الأولى في جمهورية فايمار والتي لن تستمر كثيرًا.

كانت ألمانيا في ذلك الحين منقسمةً إداريًا بين الهيكل النظامي للدولة والهيكل البديل الذي خلقه الثوار والمتمثل في جمعيات ومجالس تكوَّنَت من العمال والجنود الثوار. وإلى جانب الجيش النظامي والشرطة، كانت هناك الكثير من المجموعات المسلحة غير النظامية سواء من جانب الثوار أو من جانب الجماعات اليمينية والقومية.

يحدث التصادم سريعًا في نفس الشهر الذي عُقِدَت فيه انتخابات الجمعية العمومية التي كانت مسئولةً عن صياغة الدستور البرلماني الجديد. وفي الخامس والعشرين من ديسمبر تشتعل معركة الكريسماس في برلين، بين قوات الجيش النظامية وقوات البحرية الشعبية التي تكوَّنَت من الجنود والعمال الثوار للدفاع عن الثورة. ويساند أيشهورن -قائد قوات الشرطة في برلين والمحسوب على الاشتراكيين الديمقراطيين المشاركين في ائتلاف الحكومة- قوات البحرية الشعبية في مواجهة قوات الجيش النظامي.

يصدر قرارٌ بعزل قائد الشرطة في الخامس من يناير 1919، واتهامه بالعمالة للسوفييت والتورُّط في الجريمة المنظمة، فيندفع الآلاف إلى الشوارع ضد قرار العزل، بدعوة من المعارضة وبالأخص المجموعة الثورية Revolutionäre Obleute.

ينسحب الاشتراكيون الديمقراطيون المستقلون من الحكومة ويكوِّنون مع آخرين الحزب الشيوعي الألماني، ويحتل المتظاهرون مباني الجرائد وبينها مقر جريدة “Vorwärts – إلى الأمام”، الجريدة المركزية للحزب الاشتراكي الديمقراطي الإصلاحي، ومبنى التليجراف. ويتكوَّن مجلس قيادة للثورة في برلين وعلى رأسه ليبكنخت.

لم تكن الأمور شديدة الوضوح بالنسبة لمجلس قيادة الثورة والثوار. أعلن الحزب الشيوعي أن تلك اللحظة ليست لحظة ثورية، وأنه لا يساند فكرة ثورة جديدة الآن بعد شهور من ثورة نوفمبر. لم يكن موقف قوات البحرية الثورية واضحًا لديهم كذلك؛ هل سيقومون بحماية الثورة أم لا. وتنتشر إشاعات حول انشقاق وحدات من الجيش النظامي ويدعو ليبكنخت الجنود للانضمام إلى الثورة.

الثورة المضادة تطل برأسها
تنشط المجموعات اليمينية والقومية المعادية للثورة بشدة وتُوجِّه سلاحها وخطابها التحريضي نحو الثوار، وتحتضنهم الحكومة. وتشتعل مانشيتات الصحف بدعوات القضاء على المتمردين وتحمِّلهم نتائج الوضع المتأزم. تمتلأ الشوارع بمنشورات تدعو لقتل الشيوعيين واليهود مستخدمةً الخطاب اليميني القومي الذي يتَّهم اليهود والشيوعين بخيانة ألمانيا والتسبُّب في هزيمتها في الحرب. يتحدَّث الجميع عن ضرورة توجيه سلاح الدولة الألماني إلى صدور الثوار وضرورة إراقة بعض الدماء حتى تنعم ألمانيا بالسلام أخيرًا.

يتظاهر المؤيدون للحكومة يوم السادس من يناير؛ حيث الاشتراكيون الديمقراطيون الإصلاحيون مع كل من يعادي الثورة من يمينين ومحافظين وقوميين. كان ذلك هو اليوم الذي أُطلِقَت فيه الرصاصة الأولى. وفي المساء، كانت قوات الجيش الألماني قد سيطرت على شوارع المدينة التي أصبحت خالية إلا منهم.

يظهر للجميع أن تلك المحاولة الثورية قد باءت بالفشل بالفعل، ويسعى مجلس قيادة الثورة للتفاوض وترفض الحكومة، وتقرِّر في بيان لها أن “العنف لا يُواجَه إلا بالعنف”. ورغم الانتصار الواضح للحكومة تحت قيادة فريدريش إيبرت وزملائه، تقرر الدولة استخدام أكبر قدر ممكن من العنف حتى وإن لم تكن تحتاجه، وتقرر القضاء التام على المتمردين.

وهو ما يمكن فهمه على أنه رسالة عملية للجميع في الجمهورية الجديدة، خصوصًا في سياق العداء الشديد للثورة البلشفية، التي كانت قد انتصرت بالفعل قبل عامين باعتلاء السوفييتات السلطة السياسية بقيادة البلاشفة.

تستعين الحكومة في هذا بمجموعةٍ يمينية مسلحة، وهي ما أُطلِقَ عليها الـ”فريكوربس”. تكوَّنَت هذه الجماعة تحت قيادة جنرال ألماني استعماري سابق، وهو فرانز فون شتيفاني، من جنود وضباط وبعض الطلبة المعادين للثورة والذين يؤمنون بأن ألمانيا لم تنهزم في ساحة المعركة بل بالخيانة من الداخل. وتهاجم هذه الجماعة المسلحة غير النظامية برلين في يوم الحادي عشر من يناير بمساعدة الجيش الألماني.

كانت تلك معركةً شديدة الدموية راح ضحيتها ألف شخص على الأقل. قُتِلَ من استسلم دون محاكمة، وسُحِقَت الحركة تمامًا. هربت روزا وليبكنخت، ولكن عُثِرَ عليهما وقُتِلا دون محاكمة، ولم يُحاكَم أحدٌ مِمَّن تورَّط في هذه المذبحة، سواء من القوات النظامية أو غير النظامية.

تصفية الثورة
تحتفل الجمهورية الألمانية الوليدة بمذبحتها الأولى كإعلان مباركة للتزاوج بين الجمهورية الجديدة وقادة الجيش الألماني المهزوم في الحرب ومعسكر الثورة المضادة حتى حين.

يحتفل الجيش الألماني بإطلاق مسيرات للجنود في الشوارع وتؤكِّد رسالة الاشتراكيين الديمقراطيين الإصلاحيين بأن ألمانيا ليست روسيا وأن السيناريو الروسي لن يتكرَّر في ألمانيا، ومعهم في ذلك فلول النظام القديم وآلة الدولة القديمة، ليكون ذلك بمثابة إعلان وتهيئة لميلاد ألمانيا الفاشية وصعود النازية.

تتولَّى المجموعات اليمينية المسلحة مهاجمة الانتفاضات العمالية الثورية والقضاء عليها في ألمانيا، بما فيها الجمهورية الشيوعية السوفيتية في بافاريا التي أُعلِنَت في أريل 1919 من قِبَلِ الشيوعيون والأناركيين والاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين في بافاريا، حتى تقوم المجموعات اليمينية نفسها بمحاولة الانقلاب على الحكومة في 1920، خصوصًا بعد معاهدة فرساي التي سميت بجريمة نوفمبر، وتتمكَّن من الاستيلاء بالفعل على برلين، لتهرب الحكومة إلى شتوتجارت حيث رفضت قوات الجيش النظامية في ذلك الوقت مهاجمة الفريكوربس بقيادة د فولفجانج كاب اليميني القومي. لكنه ينهزم وتفشل محاولته بعد أن قام العمال في برلين بالإضراب العام ورفضوا التعاون معه مما شلَّ المدينة تمامًا وسقط الانقلاب في يومين وهرب كاب إلى السويد.

أُنشِئ الحزب النازي في 1920، وقام هتلر بمحاولة الانقلاب الأولى في ميونخ عام 1923، حيث أُلقِيَ القبض عليه ليقضي شهورًا في السجن، وليحوِّل بعد ذلك إيمانه ناحية الاستيلاء على السلطة عن طريق الانتخابات.