بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكومنترن: ذكرى تأسيس التنظيم الأممي لقيادة الثورة العالمية

لينين في الكومنترن
لينين في مؤتمرٍ للكومنترن

قبل 102 عام، أسَّسَ الثوريون عبر العالم الأممية الشيوعية الثالثة (الكومنترن). في هذا المقال يرى الكاتب الاشتراكي البريطاني سيمون باسكتر أن هذا حدثٌ أعاد تشكيل العالم وأن أنشطة الكومنترن لا تزال تتضمَّن دروسًا للمناضلين اليوم.

كيف ننظم صفوفنا من أجل تغيير النظام؟ كان هذا السؤال في القلب من مؤتمرٍ عُقِدَ قبل مائة عام تقريبًا في هذا الوقت من السنة. في مارس 1919، تجمَّع 51 شخصًا في محكمة العدل القديمة في الكرملين في موسكو لتأسيس الأممية الشيوعية الثالثة، أو “الكومنترن”.

مثَّلَ هؤلاء أحزابًا يسارية وجمعياتٍ عمالية ومجموعاتٍ للمُهجَّرين. من بين المندوبين الـ43 الذين عُرِفَت أعمارهم، كان خمسة منهم في العشرينات و24 في الثلاثينيات من العمر، مع وجود واحد فقط فوق الـ50.

جاء المندوبون من 35 مجموعة في 22 دولة. كان مجرد انتقالهم هناك إنجازًا بحدِّ ذاته، إذ كانت الدولة السوفييتية تعيش تحت نيران الغزو والحصار. أُلقِيَ القبض على مندوبٍ من ألمانيا، يوجين ليفين، وهو في طريقه، من قِبَلِ الشرطة الألمانية. وسُجِنَ شخصان آخران، هما فريتز بلاتن من سويسرا وكارل شتاينهارت من النمسا، أثناء رحلة عودتهما. واعتُرِضَ طريق الوفد المجري بسبب القتال في أوكرانيا.

كان المندوبون الروس الخمسة هم فقط من كانوا يُمثِّلون حزبًا جماهيريًا ثوريًا حقيقيًا، بينما مثَّلَ المندوب النرويجي حزبًا جماهيريًا لكنه لم يكن ثوريًا، ولم يمثِّل عددٌ من الثوار أي أحزابٍ على الإطلاق. لكنه كان لا يزال حدثًا أعاد تشكيل العالم.

شهدت الثورة الروسية استيلاء العمال على السلطة في عام 1917. جادل الحزب البلشفي، بقيادة لينين وتروتسكي، بأن الاشتراكية هي التحرُّر الذاتي للطبقة العاملة، وليس شيئًا يُمنح من أعلى. شدَّدَ الحزب على أنه يجب تحطيم الدولة الرأسمالية، وجادل بأن الرأسمالية، كنظامٍ عالمي، يجب محاربتها على أساسٍ عالمي أيضًا. كان الكومنترن يهدف إلى جمع أفضل المناضلين في جميع أنحاء العالم لتشكيل أحزاب يمكنها تكرار النصر الذي حقَّقَته الثورة الروسية.

بدأ لينين المؤتمر بالقول: “ليس فقط في روسيا ولكن في الدول الرأسمالية الأكثر تقدُّمًا في أوروبا، وألمانيا على سبيل المثال، الحرب الأهلية هي حقيقة واقعة”، وأضاف: “لقد بدأت الثورة العالمية وتزداد حدة في كل مكان”.

وصل تروتسكي بالزي العسكري. كانت السوفييتات (المجالس العمالية) تخوض حربًا وحشية وتقاتل الجيوش الإمبريالية التي كانت تحاول سحق الثورة.

كان من أوائل أعمال الكومنترن إنتاج كتيب باللغة الإنجليزية لتوزيعه وسط صفوف الجيوش الغازية التي تحاول كسر الثورة. حينها، قال تروتسكي في خطابه إن “أوروبا مُغطاة بالحُطام والأنقاض”، بينما ينهمك “مُشعِلو الحرائق الأكثر إثمًا” في البحث عن الثوريين.

الوحدة في النضال
لقد كان الوقت قد حان لتوحيد جهود جميع الأحزاب الثورية الحقيقية. في الجلسة الختامية للمؤتمر في 6 مارس، قال لينين إن “تشكيل الجمهورية السوفييتية العالمية يسير قُدُمًا”. لم يكن هذا شيء سخيف لقوله. وكما كتب المناضل الاشتراكي الثوري البريطاني دنكان هالاس (1925-2002) في كتابه عن تاريخ الكومنترن، فإن “الثورة الاشتراكية كانت إمكانيةً فورية في قلب أوروبا، وفي المقام الأول في ألمانيا، لم يشك أيٌّ من المندوبين في هذا”.

من ألمانيا إلى فرنسا وبريطانيا وبقايا الإمبراطورية النمساوية المجرية، توفَّرت الظروف نفسها التي دفعت العمال الروس إلى السلطة. التهم رعب الحرب أحشاء المؤسسات الإمبريالية وطرق التفكير التقليدية. كان هناك عددٌ لا يُحصَى من الإضرابات والانتفاضات والاحتجاجات الجماهيرية.

في غضون عام من أول اجتماع للكومنترن، اعتلت السوفييتات قصيرة العمر السلطة في المجر وبافاريا، وانتشر الاستيلاء على المصانع في جميع أنحاء إيطاليا، وكان هناك إضراب عام في جلاسكو وبلفاست، وتمردت الجيوش البريطانية والفرنسية. اندلعت الثورات المناهضة للاستعمار في جميع أنحاء العالم؛ بما في ذلك العراق وأيرلندا والهند ومصر وسوريا والمغرب وعبر الإمبراطورية الروسية.

في الأشهر الثلاثة التالية للمؤتمر التأسيسي، انضمَّت أحزابٌ عمالية جماهيرية في إيطاليا والنرويج والسويد وبلغاريا إلى الأممية، وفتحت أحزابٌ أخرى في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مفاوضات من أجل الانضمام. وفي مارس 1920، سحق إضرابٌ عام انقلابًا يمينيًا في ألمانيا. عُقِدَ المؤتمر العالمي الثاني للكومنترن في تلك السنة، وحضره 217 مندوب من 67 منظمة في 40 دولة مختلفة.

سيطر نمو المنظمات الإصلاحية الجماهيرية على خبرة الكومنترن. جادل الإصلاحيون بأنه من أجل إنهاء الرأسمالية، عليك إعادة بناء مؤسساتها -مثل الدولة والبرلمان- وإحداث التغيير من الأعلى. على حد تعبير هالاس، فقد “جمعت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية بين العداء الشفهي للرأسمالية مع النشاط العملي المقتصر بشكل أساسي على جمع الأعضاء والأصوات. لقد تجنبوا المواجهة مع قوى الدولة أو حتى أصحاب العمل كلما أمكن ذلك”.

أرسلت جميع أنواع الأحزاب مندوبين إلى المؤتمر الثاني للكومنترن. وكما كتب لينين في عام 1920، فقد “أصبحت الأممية الشيوعية إلى حدٍّ ما صيحةً عصرية”.

تذبذب
حاول الشيوعيون مواجهة الإصلاحيين وكسب أولئك المتأرجحين فعليًا بين الإصلاح والثورة، فيما حاول بعض الإصلاحيين استخدام الخطاب الراديكالي لتغطية محاولاتهم للتصالح مع النظام. وهذا ما جَعَلَ الكومنترن يضع شروطًا صارمة للعضوية للتشديد على الاختلافات.

كانت هذه طريقة للانفصال عن القيادات الإصلاحية، وهدفت أيضًا إلى التواصل مع النقابيين الثوريين الذين لا يثقون في الأحزاب السياسية. لقد تعلَّم الروس من تجارب الآخرين. ناقش الكومنترن بالتفصيل كيف ينبغي على الثوريين أن يجابهوا الاضطهاد، ويبنوا جسورًا تصلهم بالنقابات ونضالات التحرر الوطني. كتب المندوب الهندي في المؤتمر الثالث، مانابندرا ناث روي: “لأول مرة يلتقى الرجل البني والأصفر مع رجلٍ أبيض ولا يكون إمبرياليًا متعجرفًا بل صديقًا ورفيقًا”.

بحلول عام 1921، كان النظام قد تعافى قليلًا من صدمات فترة ما بعد الحرب. وفي عام 1922، دعت اللجنة التنفيذية للكومنترن إلى “إنشاء جبهة متحدة لجميع الأحزاب التي تدعمها البروليتاريا، بغض النظر عن الاختلافات التي تفصلها، طالما أنها حريصة على شن معركة مشتركة من أجل الاحتياجات العاجلة والفورية للبروليتاريا”. كان التركيز على النضال، وليس فقط الوحدة.

لقد فصل الثوريون أنفسهم عن الإصلاحية، لكن لم يكن تعلُّم العمل مع العمال والمنظمات الإصلاحية أمرًا سهلًا أو مرحبًا به دائمًا. كان الثوريون يمثلون أقليةً من العمال، في حين أنه لن تتمكَّن الطبقة من الاستيلاء على السلطة ما لم تشارك الأغلبية بفاعلية. فتحت الجبهات المتحدة الأحزاب الثورية مساحاتٍ محددة يمكن للثوريين أن يناضلوا فيها جانبًا إلى جنب مع الإصلاحيين. لكن كان على الأحزاب الثورية الحفاظ على استقلاليتها السياسية لكسب العمال على الأفكار الثورية.

جاءت نقطة التحول للثورة الألمانية، والكومنترن، في عام 1923. حينما احتلت القوات الفرنسية منطقة الرور، وارتفع معدل التضخم، وشهدت ألمانيا بأسرها استقطابًا بين اليسار واليمين. تطوَّرت إمكانية تحدي سلطة الدولة، وشكَّل الشيوعيون “حكوماتٍ عمالية” مع الاشتراكيين الديمقراطيين في ولايتين، كان من المفترض أن ينهضا بانتفاضةٍ ثورية.

ولكن عندما فقد الإصلاحيون زمام الأمور، فقده الشيوعيون كذلك، على الرغم من الدعم الذي لاقوه وسط غالبية العمال. بحلول عام 1925 كان لينين قد مات، وتحرَّك ستالين، الذي لم يُبدِ إلا اهتمامًا محدودًا للغاية بالكومنترن، لزيادة نفوذه مع تدهور ثورة روسيا.

دموية
وصف الثوري الأمريكي جيمس باتريك كانون نتائج ثورة ستالين الدموية المضادة، قائلًا إن الشيوعيين انتقلوا من “قوى للثورة إلى حرس حدود للاتحاد السوفييتي وجماعات ضغط في خدمة سياستها الخارجية”.

في منتصف العشرينيات، دَفَعَ القادة الروس الأحزاب الشيوعية إلى تحالفات مع اليمين. في الصين، أصرَّ الكومنترن على التحالف مع حزب “الكومينتانج” القومي، وأدى ذلك إلى ذبح الآلاف من الشيوعيين.

ثم بعد ذلك بسنوات، ندَّد ستالين بالأحزاب الإصلاحية واصفهم بالفاشيين الاجتماعيين، وأمر الشيوعيين بقطع العمل معهم. في ألمانيا، مكَّن هذا القرار الانتصار الذي لم يكن حتميًا على الإطلاق للنازي أدولف هتلر في عام 1933. وهذا بدوره أدى إلى تدهورٍ آخر كبير. وأمر ستالين الأحزاب الشيوعية بالتحوُّل إلى اليمين، إذ كان يحاول إقامة تحالفات مع الطبقة الحاكمة في بريطانيا وفرنسا، وأدَّى هذا إلى كبح وهزيمة الحركات الثورية في فرنسا وإسبانيا.

انبثقت الأخطاء التي وقعت في السنوات الأولى للكومنترن من قلة خبرة الأحزاب الثورية. أما كوارث السنوات اللاحقة، فكانت نتيجة للثورة المضادة ورفض المبادئ التي بُني عليها الكومنترن. لكن عند تأسيسه، فَتَحَ الكومنترن آفاق التنظيم من أجل ثورةٍ عالمية. وقد كانت مؤتمراته الأربعة الأولى بمثابة مدارس للإستراتيجية والتكتيكات الثورية التي لا تزال تقدم دروسًا لنا اليوم.

* المقال بقلم سيمون باسكتر – جريدة “العامل الاشتراكي” البريطانية.