بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عرض كتاب «ثورة 1919 في الأدب والسينما»

ثورة 1919 في الأدب والسينما

يتناول هذا الكتاب، من تأليف دينا حشمت، الكاتبة والأكاديمية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة – قسم الحضارات العربية والإسلامية، تحليلًا لأعمالٍ فنية وأدبية عبَّرت عن ثورة 1919 كُتِبَت في مراحل تاريخية مختلفة.

تقدِّم حشمت نقدًا للرواية المهيمنة على التاريخ، وتحاول الدفع بتأريخٍ مضادٍ للسردية السائدة.

مثَّلَت انتفاضة 1919 الشعبية حدثًا بارزًا في التاريخ الحديث، وانتقل تأثيرها على المخيلة الوطنية من جيلٍ إلى جيل وجرى إحياؤها بعد يناير 2011.

تأثرت دينا حشمت ذاتها في كتابها بثورة يناير 2011، كما تروي، حيث مشهد مسح الشعارات من الجدران والأسوار ليُعاد كتابة ثورة 25 يناير، ولكن بطريقة نخبوية. وتلاحظ حشمت، على سبيل المثال، أن ميدان التحرير أصبح مكانًا للزيارة والتصوير بدلًا من أن يكون ساحةً للنضال.

تستند فصول الكتاب إلى قراءةٍ لما يقرب من خمسة عشر رواية وقصة قصيرة ومذكرات ومسرحيات وأفلام ومسلسلات.

يتناول الفصل الأول فترة ما بعد ثورة 1919 من خلال تحليل مسرحيتين لأمين صدقي، وهما “الانتخابات” (1924)، و”إمبراطورية زفتى” (1924)، اللتين تحافظان على الروح اللاذعة لأغاني الثورة وشعاراتها. تقدم المسرحية الأولى نقدًا ساخرًا لحدود النظام البرلماني الليبرالي الذي يُقدَّم كأحد مكاسب ثورة 1919 وتضع طموحات الأفندية الانتخابية داخل إطار مصالحهم الطبقية. وتؤكد المسرحية الثانية الطموح إلى تغييرٍ اجتماعي عن طريق تصوير إعلان استقلال إحدى مدن الدلتا.

أما الفصل الثاني، فيتناول رواية “الضاحك الباكي” (1944)، المثقف الليبرالي فكري أباظة. تقدم الرواية سردية منحازة طبقيًا عن الثورة، وتخاطب القراء الأفندية لتعزيز الانتماء الاجتماعي للطبقة الوسطى والتمايز عما يسمى “الغوغاء”. وتساعد الرواية في فهم الخطاب القومي الذي صاغه الأفندية.

ويضم الفصل الثالث تحليلًا لتمثيلين أدبيين مشهورين لثورة 1919، وهما “عودة الروح” (1944) لتوفيق الحكيم، و”بين القصرين” (1965) لنجيب محفوظ، اللتين كانتا محوريتين في سرديةٍ متحيزة طبقيًا تسمو بدور الطبقة الوسطى وتفرض ثورةً شبه أسطورية لسعد زغلول كتعبير عن الأمة المصرية، وأن ثورة 1919 لحظة رئيسية في ولادة تلك الأمة. تقدِّم الروايتان الأفندية بوصفهم الفاعلين الرئيسيين في الثورة من خلال “اختزال زمني” لتشكيل سردية مهيمنة تضع أحداث الثورة داخل حدود مارس وأبريل 1919، في تجاهلٍ للأحداث المهمة منذ 1918 من تحرُّكاتٍ أطلقها العمال والفلاحون، فضلًا عن الاختزال الجغرافي وقصره على القاهرة.

تصوِّر الروايتان أحداث الثورة كرد فعلٍ فقط على نفي “سعد زغلول”، الذي يُصوَّر بدوره في صورة القلب النابض للأمة المصرية.

تتعزَّز هذه الفرضية من خلال التركيز على الطبقة الوسطى بما يجعل الأفندي الراوي الشرعي الوحيد للثورة حيث تفرض الروايتان الوطني على الاجتماعي، والذكر على الأنثى، والطبقات العليا والمتوسطة على المحرومين.

وعلى عكس السرديات التي صدرت في فترة سابقة، والمُشار إليها في الفصل الأول، لا تترك الروايتان مساحةً للنساء في هذا التمثيل بالشخصيات النسائية، ليظهرن في شخصيات الزوجات الخاضعات المعزولات في عالم المنزل، أو الغواني الموصومات في المجتمع بحيادهن عن أخلاقياته.

يتضح مجاز الوحدة الوطنية عن طريق استخدام استعارة “الشعب”، ذلك المصطلح الذي استخدمه توفيق الحكيم لوصف الرجال الخمسة في الأسرة في روايته. كان المصطلح في حدِّ ذاته استعارةً اختزالية من حيث الطبقة والجندر، حيث أن جميع أفراد هذا “الشعب” رجال؛ وأربعة منهم ينتمون إلى الطبقة المتوسطة والعليا: عبده المهندس، وسليم ضابط الشرطة، وحنفي معلم المدرسة، ومحسن. هذه هي الفئة الاجتماعية المخولة، من وجهة نظر توفيق الحكيم، ببناء الأمة المصرية الحديثة.

يحلِّل الفصل الرابع الفيلم الشهير للمخرج حسن الإمام، المقتبس من رواية “بين القصرين”. أضافت السينما هنا المزيد من “تشويه” أحداث عام 1919، بإدخالها في إعادة تأطير أيديولوجية الضباط الأحرار للحركة القومية. تنقل الرواية التعبير المجازي الأساسي، وهو الوحدة الوطنية، إلى مستوى آخر، من خلال عدد من الإضافات المفروضة على الحبكة الأصلية لتحويل تمثيليات نجيب محفوظ الليبرالية للثورة إلى خطاب ناصري، حيث يتحول فهمي من طالب قومي إلى مقاتل في المقاومة المسلحة، ويتسم خطاب الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط بالراديكالية، وتُمنَح المرأة دورًا أكثر نشاطًا بكثير من دورها في الرواية، حيث توضع النساء في قلب خطاب الفيلم حول التقدم. غير أن الإشارات إلى الصراع الطبقي ظلت غائبةً عن السرد السينمائي كما في الرواية.

تضم مشاهد الفيلم رجالًا يرتدون جلابيب يشاركون بنشاط جنبًا إلى جنب مع الأفندية. يمثل المشهد أهميةً لمادة الفيلم الأيديولوجية. فهذا البعد “العابر للطبقات” يعد صدى مباشرًا لأيديولوجية نظام عبد الناصر الشعبوية، التي طرحت الوحدة بين الطبقات باعتبارها شرطًا لنجاح أي نضال ضد الاستعمار. فقد ساهم الفيلم في فرض “العقيدة الرسمية” للدولة حول ثورة 1919.

أما الفصل الخامس فيركِّز على مذكرات 1919. وفي حين أن معظم سرديات السيرة الذاتية عن الثورة كتبها فاعلون مشهورون في الأحداث، فإن هذا الفصل ينظر إلى نوعٍ مختلف من المذكرات، نشرها في السبعينيات شاهدٌ متميز.

يتذكر الصحفي المعروف مصطفى أمين في كتابه “من واحد لعشرة” طفولته من منزل جده سعد زغلول. ويشكِّك أمين في التمثيليات المهيمنة حول ثورة 1919، فبدلًا من المظاهرات التي تمجد الوحدة الوطنية، تسود الفوضى والصراع. يعيد الكتاب النظر إلى العنف الثوري ويتيح مساحة لإطلاق أصوات الفاعلين المهمشين في الثورة.

يحلِّل الفصل السادس السرديات بين عاميّ 1968 و1999، تلك التي حاولت إعادة كتابة التاريخ في أعقاب نكسة 1967 وتقدم جميعها الفلاحين بوصفهم ممثلين رئيسيين في ثورة 1919 وتروي مقاومتهم. يتناول الفصل مسرحية “المسامير” (1968) لسعد الدين وهبة، وروايتيّ “قنطرة الذي كفر” (1966) لمصطفى مشرفة، و”الفيلق” (1999) لأمين عز الدين.

تنتهي الروايتان بمشاهد العنف الثوري الذي تقوده شخصياتٌ من الطبقة العاملة والفلاحين، وتضعه في إطار كونه رد فعل ضروري على القمع. ويتناول الفصل كذلك مسلسل “جمهورية زفتى” (1999)، إذ يمنح المسلسل مجتمع الفلاحين دورًا أهم مما هو مُسلَّم به عمومًا في تاريخ إعلان استقلال القرية خلال ثورة 1919.

ويحلِّل الفصل الأخير إعادة كتابة التاريخ في أعقاب ثورة 2011. يركز الفصل على رواية أحمد مراد “1919” ومسرحية ليلى سليمان “هوى الحرية”.

يعيد نص مراد تذكر نشطاء الطبقة الوسطى من منظمة “اليد السوداء” السرية. ويسلِّط سرد سليمان الضوء على أوجه التشابه بين 1919 و2011، من خلال التنقيب عن الماضي لفهم الحاضر بناءً على علاقة دينامية بين الماضي والحاضر في أعوام 1917، 1919، 2011، 2014.

يبرز العرض أصوات المجموعات التي عادةً ما تصرف السردية المهيمنة النظر عنها: الفلاحون؛ الرجال والنساء على حد سواء، والفقراء في المناطق الحضرية.

بشكلٍ عام، يقدم دينا حشمت نقدًا مهمًا للروايات المهيمنة حول ثورة 1919 وتأثير الطبقات المهيمنة اجتماعيًا على تلك الروايات. فكل حقبة تاريخية تفرض الطبقة الحاكمة فيها سرديتها حول الأحداث التاريخية.

* صدر الكتاب عن دار الشروق، تأليف دينا حشمت، يناير 2021