بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مئوية تأسيس أول حزب اشتراكي في مصر.. تجربة واعدة لا تزال دروسها قائمة

مظاهرات ثورة 1919
مظاهرات ثورة 1919

كان أغسطس من عام 1921 بدايةً لأول تجربة حزبية اشتراكية في مصر. بعد مرور مائة عام على تأسيس أول حزب اشتراكي في مصر، لا نزال بحاجةٍ إلى دراسة هذه التجربة لاستخلاص الدروس منها، وخصوصًا لثرائها بالخبرات النضالية التي تحتاج الكثير من التحليل -والنقد أحيانًا- رغم قِصَر مدة استمرارها (1921 -1924).

في هذا المقال، نقدِّم لمحةً بسيطة من نضال الحزب والدروس التي منحنا إياها ولا تزال قائمةً منذ قرنٍ مضى.

الطبقة العاملة ونشوء الحزب
قد يكون من المفيد أن نبدأ من التحول الرأسمالي في مصر على يد محمد علي، في بداية القرن التاسع عشر وما يتبعه من النشوء المتواضع في البداية للطبقة العاملة، لكن نبدأ بأول إضراب عمالي، حيث الإعلان الحقيقي عن الطبقة العاملة وقوتها في العام 1882، مع إضراب عمال الفحم. كان ذلك الإضراب هو الممارسة الأولى من قطاعٍ من الطبقة العاملة لجزءٍ من قوته في المجتمع الرأسمالي، تلاه إضراب عمال السجائر عام 1899، والذي استمرَّ ثلاثة أشهر، وكان بمثابة إعلان ليس فقط عن قوة العمال بما يملكون من سلاح الإضراب، بل أيضًا لقدرتهم على تنظيم أنفسهم في مواقع العمل. أسفر ذلك الإضراب عن تشكيل أول نقابة عمالية في مصر، وتوالت بعده الاحتجاجات، فأضرب عمال السكك الحديدية والغزل الأهلية بالإسكندرية، حتى جاء إضراب عمال الترام عام 1911 ليمثِّل نقطة ذروة محورية، فلأول مرة تقع مصادماتٌ بين العمال وقوات الحكومة (أسفرت عن 11 مصاب من العمال و17 من القوات).

وفور انتهاء الحرب العالمية الأولى، ومع الظروف الاقتصادية المريرة المصاحبة لها، اشتعلت مصر رفضًا لاستمرار الاحتلال وتحمُّل ثمن الأزمة التي خلَّفتها الحرب، وكان للعمال دورٌ أساسي في إشعال ثورة 1919، حيث أضرب العمال تقريبًا في كل فروع الإنتاج ووسائل النقل. وحتى مع انحسار موجة الثورة، واصلت قطاعاتٌ عمالية مهمة إضراباتها، وانعكست تلك التحركات في زيادة عدد النقابات حتى وصلت إلى 21 نقابة. وتؤكد الوقائع التاريخية أنه ما بين شهريّ أغسطس ونوفمبر 1919، كان هناك 24 إضرابًا كبيرًا، وبعضها استمرَّ لفتراتٍ طويلة، على سبيل المثال واصل عمال السكة الحديد إضرابهم لمدة 65 يومًا. وما بين شهر ديسمبر 1919 وبداية عام 1921، نظَّم العمال 81 إضرابًا؛ منهم 67 إضرابًا على مستوى صناعاتٍ بأكملها، مِمَّا عَكَسَ درجةً مرتفعةً من التنسيق والتضامن.

أما الفترة ما بين عاميّ 1921 و1924، فكانت فترة تصاعد كبير للنضالات العمالية أفصحت عن سماتٍ جديدة في القدرة على التنظيم وخلق أدوات النضال وطول النَفَس. نظَّمَ العمال في الفترة ما بين شهر يوليو 1921 ومارس 1922 ما يصل إلى 81 إضرابًا؛ كان أطولهم إضراب عمال تكرير البترول بالسويس، والذي استمر 113 يومًا. والأمر الذي كان فارقًا في تلك الأشهر هو أن توصَّل العمال لتكتيك احتلال المصانع، كما حدث في إضراب عمال شركة “أبو شنب” للزيوت والصابون عام 1924. وبشكلٍ إجمالي، أسفرت النضالات العمالية خلال تلك الفترة عن تزايد أعداد النقابات حتى وصلت عام 1922 إلى 90 نقابة.

كانت تلك هي الفترة التي نشأ فيها الحزب الاشتراكي المصري الأول، فترة من حركة ونشاط الطبقة العاملة التي أخذت تسطر تاريخها النضالي. والحقيقة أن الطبقة العاملة كانت بحاجةٍ إلى قاطرة الحزب لتجمع وتنظم النضالات في اتجاه عدوها الطبقي، سواء من رأس المال المصري أو الأجنبي في ظل الاحتلال.

نظرة على تكوين الحزب وممارساته
يرجع تكوين خلايا اشتراكية في مصر للعام 1918، ولكن تم تأسيس الحزب بشكل رسمي في أغسطس 1921 وقد لعب الدور الأساسي في عملية التكوين عددٌ من الأناركيين مثل جوزيف روزنتال، والإصلاحيين مثل سلامة موسى، والماركسيين مثل أنطون مارون. وقد لعبت هذه التوليفة دورًا في عدم تماسك الحزب لفترةٍ من الوقت، ولم يمض سوى 11 شهرًا حتى قامت شعبة الحزب بالإسكندرية في 30 يوليو 1922 في تنظيم مؤتمر للقضاء على النزعة التوفيقية للحزب كجزء من محاولة الانتماء للسياسة الثورية السائدة في الأممية الشيوعية التي أسسها زعيم الثورة الروسية فلاديمير لينين وآخرون (تنظيم أممي كان يضم بالأساس مندوبين من الأحزاب الشيوعية حول العالم). وفي ديسمبر 1922، تغيَّر اسم الحزب من الاشتراكي إلى الشيوعي.

ومنذ الوهلة الأولى لتأسيس الحزب ومحاولات الالتقاء بحركة العمال تسير على قدم وساق. ففي نفس العام الذي تأسَّس فيه الحزب، تأسَّس أيضًا الاتحاد العام للعمل بعضوية تتألف من 3 آلاف عامل موزَّعين على 20 نقابة، وسرعان ما لعب الحزب بعضويته، التى لم تكن تتخطى مئاتٍ قليلة، دورًا قياديًا داخل الاتحاد إلى درجة كان يصعب فيها التمييز بين قيادة ونشاط الاثنين. وفي عام 1924 وصلت عضوية الحزب إلى 20 ألفًا.

لم يقتصر دور الحزب على قيادة الاتحاد بوصفه منظمة نقابية، بل امتد إلى قيادة الإضرابات والتحريض عليها وتوزيع المنشورات بالمصانع والتدخل في أدق التفاصيل التى تخص العمال داخل مواقع عملهم. وقد لعب الحزب دورًا مهمًا في سلسلة الإضرابات التي تلت عام 1922 وحتى عام 1924، رافعًا أحد شعاراته الرئيسية وهى: “ضعوا أيديكم على المحراث”، أي عدم ترك المصنع أثناء الإضراب.

وبالرغم من الممارسة النضالية الدؤوبة للحزب في الواقع العمالي والمحاولات التي بُذِلَت لتسييد توجهات ثورية، وقع الحزب في فخ سياسة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية. لم يخرج البرنامج الذي طرحه عن كونه وطنيًا ديمقراطيًا عامًا، وبالرغم من وجود بنود تتحدَّث عن الطبقة العاملة، لكن البعد الطبقي اختفى من العديد من القضايا الرئيسية. لم تكن قضايا الثورة الاشتراكية مطروحةً بأي شكل من الأشكال. لقد وقع الحزب في تناقضٍ بين برنامجه هذا وبين شروط الأممية الـ21 التي لا تكتفي فقط بتنقية الأحزاب الثورية من الميول الوسيطة، بل بجعل قضية الثورة الاشتراكية أولوية. انتهى الأمر بالحزب باعتبار شروط الأممية هي برنامج الحد الأقصى طويل الأمد، بحيث يجعل برنامجه برنامجًا للحد الأدنى المرتبط بإنجاز الاستقلال وبعض الإصلاحات دون تجاوز المجتمع الرأسمالي المهيمن. لقد فضَّل الحزب تأجيل الثورة الاشتراكية لحين إنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية (التي لم تتحقق قط)، بدلًا من إنجاز هذه المهمات في إطار النضال من أجل الثورة الاشتراكية.

إحدى المشكلات السياسية التي وقع فيها الحزب أيضًا هي ثقته المفرطة في ديمقراطية حزب الوفد وسياسته التي لا تعدو أكثر من حفاظٍ على بنية المجتمع الطبقي بجلاء الاحتلال وإحلال البرجوازية المحلية بدلًا منه، مما أوقعه بسهولة في مواجهةٍ شرسة معه حين وصل الأمر للتحريض على احتلال المصانع. مشكلةٌ أخرى، تنظيمية، تسردها بعض الروايات هي إهمال الحزب للجانب السري من نشاطه، الأمر الذي عرَّضَ وجوده للخطر بالضربات الأمنية المتلاحقة، دون أن يتمكَّن من مواصلة عمله ووجوده في أعقاب هذه الضربات.

نهاية الحزب.. ودروس التجربة
لم يمهل النظام للحزب والواقع الفرصة لإثبات خطأ العديد من التصورات السياسية، فقد اعتُقِلَت قيادة الحزب في مارس 1924، وصدر الحكم بسجنهم. وبالرغم من المحاولات العديدة -منذ يوم المحاكمة- لاستعادة النشاط وجعل جزء منه سريًا، لم تهدأ الملاحقات الأمنية، إذ اعتُقِلَ 13 عضوًا عام 1925، و22 عام 1934. وأغلب الظن أن الضربة الأولى قد أثَّرَت بشدة على قوة الحزب ودرجة فاعليته. قليل فقط من العضوية هي التي استمرت حتى التحقت بتنظيمات الحركة الشيوعية الثانية في الأربعينيات.

لكن هذه التجربة قصيرة الأمد، التي قضى عليها حزب الوفد الذي لطالما تغنَّى بالديمقراطية، تذخر بالكثير من الدروس التي لا يزال الواقع اليوم يطرح ضرورة الاستفادة منها.

أحد أهم هذه الدروس التي أظهرتها لنا تجربة الحزب الاشتراكي الأول هي أن الحزب يجب أن يقوم على رؤيةٍ واضحة لا يشوبها أيُّ قدرٍ من الضبابية؛ رؤية تستند إلى إستراتيجية واضحة لا تدفع الحزب إلى خلافاتٍ حادة كتلك التي وقع فيها الحزب في عدم ووضوح موقفه من الدعوة المباشرة للاشتراكية؛ ما بين كونها أولوية، فيكون التحرر الوطني جزءًا من التحرر الطبقي، أو أن تكون الأولوية للتحرر الوطني مع تنحية الدعوة للاشتراكية كهدفٍ بعيد المدى لم يحن دوره بعد.

إن إحدى العقبات الجوهرية في طريق التحرر الوطني من الاستعمار كانت البرجوازية المصرية نفسها، التي كانت مرتبطةً بالملكية والإقطاع ورأس المال الأجنبي أكثر بكثير من رغبتها في إنجاز أي تحرر، وخوفها من حركة الجماهير أكبر بكثير من توقها إلى التخلص من المستعمر. وهكذا كانت هذه البرجوازية، وعلى رأسها حزب الوفد الليبرالي، لا تدخَّر جهدًا في ضرب تحركات العمال، الذين هم أنفسهم كانوا يناضلون ضد الاحتلال ومن أجل العدالة الاجتماعية. وهذا أول ما يستدعي عدم الوثوق في البرجوازية، بل ووضع التحرر الطبقي كأولوية، والتحرر الوطني جزءًا منه، كإستراتيجية مُلِحَّة وفورية.

لم يكن لدى الحزب الاشتراكي الأول، الذي داهمته يد القمع والاعتقال، الوقت لحسم مثل هذه الأمور في إستراتيجيته. لكن تضحياته الجليلة ونضالاته المتفانية مهَّدَت الطريق لأجيالٍ من بعده.

ونحن نتحدث عن أول حزب اشتراكي مصري، يجب أن نتحدث عن تجربة الثورة المصرية في 2011 التي شهدنا فيها أيضًا نضالاتٍ واسعة من الطبقة العاملة، التي كانت في أوقاتٍ كثيرة مؤثرًا قويًا على الوضع السياسي، وكانت بحاجةٍ، كما كانت منذ قرنٍ مضى، إلى حزبٍ ينظم وينسِّق ويطوِّر حركتها، لتسييسها وتوجيه حركتها إلى أعدائها الطبقيين. الأهم أن يبقى هذا الدرس، الذي قدَّمه الحزب الاشتراكي الأول، والذي كرَّرَته الطبقة العاملة في ثورة 2011-2013، في أذهان المناضلين والثوريين والاشتراكيين من أجل نضالاتٍ ستنهض في المستقبل وإن طال الزمن.