بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خبرات ثورية

في الذكرى المائة لتأسيسه..

الاستقلال السياسي للطبقة العاملة: دروس من السنوات الأولى للحزب الشيوعي الصيني

مئوية الحزب الشيوعي الصيني

في الذكرى المائة لتأسيسه، من المستبعد أن يكون قادة الحزب الشيوعي الصيني الحاليين قد تعلموا أيًّا من الدروس التي تعلمها الحزب خلال العقد الأول من تأسيسه.

أكدت ثورتان عظيمتان في العشرينيات على ضرورة حفاظ الطبقة العاملة على استقلالها السياسي في علاقتها مع باقي الطبقات. في 1917، انتصر العمال في روسيا بعد تعبئة أغلبيتهم في اتجاه البلاشفة. سعى البلاشفة نحو تلك الفكرة بأن الطبقة العاملة، بالتحالف مع الفلاحين، يمكنهم الانتقال بالثورة إلى ما هو أبعد من التخلص من النظام القيصري في روسيا إلى القضاء على الرأسمالية. بينما كان للمناشفة، الحزب العمالي المعتدل، وجهة نظر أخرى، وهي أن مرحلة نمو روسيا تتطلب فقط ثورة ديمقراطية برجوازية، وبالتالي على الطبقة العاملة أن تدعم البرجوازية الليبرالية. يلخص الاشتراكي الثوري البريطاني جون مولينو هذه الفكرة على النحو التالي:

“في هذا المشروع، كان دور العمال ثانويًا. كان عليهم أن يكونوا جنودًا للثورة وليس قادتها أو المنتصرين فيها. ويتبع هذه النظرية أن الطبقة العاملة عليها أن تحجِّم نفسها عن المطالب الجذرية للغاية أو الأفعال الثورية التي قد تخيف الطبقة البرجوازية وتدفع بها إلى أحضان السلطة الاستبدادية”.

أكدت الثورة الروسية ضرورة حفاظ الطبقة العاملة على استقلالها السياسي. تأكد المبدأ ذاته من خلال المثال السلبي للثورة الصينية 925-1927، حين ضلَّلَت الأممية الشيوعية (الكومنترن) الطبقة العاملة الصينية ورأس حربتها المتمثلة في الحزب الشيوعي الصيني ولم تحظ لنفسها بموقع مستقل وتلقت هزيمةً ساحقة.

كانت الصين في العشرينيات تعيش تحت نير كافة القوى الإمبريالية التي حكمت مقابل حقوق انتفاع في المدن ذات الموانئ الساحلية وموانئ الأنهار. وقعت غالبية أراضي الصين تحت حكم أمراء الحرب حتى عام 1928. ولكن في الجنوب، شكَّل الحزب القومي الصيني (الكومينتانج)، الذي تأسس على يد سون يات سين بمدينة جوانزو (كانتون)، حكومةً وطنية بدأت بدورها في شن حملة عسكرية باتجاه الشمال في عام 1926 بهدف تحرير البلاد من قبضة الإمبريالية وأمراء الحرب الإقطاعيين.

أما في شنجهاي، فقد تأسست مجموعةٌ شيوعية عام 1920 بمساعدة مبعوثٍ من الكومنترن. نشرت المجموعة جريدة “العامل” الأسبوعية، وجريدة “الشباب الجديد” الشهرية، وجريدة شهرية سرية حملت اسم “الشيوعي”. تأسست مجموعاتٌ في مدنٍ أخرى، وفي يوليو من عام 1921، عُقِدَ مؤتمر وطني تقرَّر فيه تأسيس الحزب الشيوعي الصيني. يروي بينج شوزي (1)، أحد الزعماء القدامى للحزب الشيوعي عند تأسيسه، قائلًا:

“في الفترة بين 1921 و1922، قاد الحزب الشيوعي الصيني سلسلةً من الإضرابات وحقق بعض الانتصارات. في ضوء ذلك، دعت أمانة العمال بالحزب لانعقاد المؤتمر الوطني الأول للعمال في مايو 1922 بكانتون. قُدِّرَ عدد الحاضرين بنحو 230 ألفًا من العمال المنظمين. وبالتالي أصبح جليًا أن الحزب الشيوعي قد تمكن في غضون سنة واحدة من أن يصبح مركزًا لحركة الطبقة العاملة في الصين … ثم في ربيع عام 1922، حدَّد الحزب الشيوعي الصيني خطه الإستراتيجي نحو الثورة الوطنية الديمقراطية في الصين”.

في يونيو 1922، أصدر مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني بيانًا ظهر فيه بوضوح مسار الحزب نحو استقلال الطبقة العاملة في طريقها للثورة الوطنية الديمقراطية كما يتضح في الاقتباس التالي:

“إذا عقدنا العزم على النضال المنظم نحو التحرير، سوف يحتشد العمال والفلاحون الفقراء تحت راية حزبنا، والبرجوازية الصغيرة أيضًا سوف تفتح أبوابها تجاهنا. ولكن يجب على العمال ألا يصبحوا تابعين للبرجوازية الصغيرة في تلك الجبهة الديمقراطية المتحدة، بل يتعيَّن أن يناضلوا من أجل مصالحهم الطبقية. وبالتالي لا غنى عن تنظيم العمال داخل صفوف الحزب والنقابات العمالية. وحرصًا على استقلالية طبقتهم، لابد على العمال أن يعززوا من القوة الضاربة لمنظمتهم من أجل التحضير لتأسيس السوفييتات بالتعاون مع الفلاحين الفقراء لتحقيق الهدف والوصول إلى التحرر الكامل”.

تأثر هذا البيان البرنامجي الأول من نوعه للحزب الشيوعي الصيني بمجموعةٍ من الأطروحات التي قدمها زعيم الثورة الروسية، فلاديمير لينين، بعنوان “مسودة أطروحات حول القضايا القومية والاستعمارية”، لمؤتمر الأممية الشيوعية في يوليو 1920. كتب لينين في هذه الأطروحات:

“لابد أن تدعم الأممية الشيوعية الحركات البرجوازية الديمقراطية الوطنية في البلدان المستعمرة والبلاد المتأخرة، فقط في حالة أن تتحد عناصر الأحزاب المستقبلية للبروليتاريا، التي لن تصبح شيوعيةً بالاسم فقط، في تلك البلدان، وتتمرَّس على فهم مهامها الخاصة، أي مهام النضال ضد الحركات البرجوازية الديمقراطية في بلادهم. لابد أن تدخل الأممية الشيوعية في تحالف مؤقت مع البرجوازية الديمقراطية في البلدان المستعمرة والبلدان المتأخرة، ولكن لا يجب أبدًا أن تندمج معها، ويجب في جميع الأحوال أن تدعم استقلال حركة البروليتاريا حتى لو كانت في أكثر أشكالها بدائية”.

دعا بيان الحزب الشيوعي الصيني في يونيو 1922 إلى تشكيل الجبهة المتحدة مع “العناصر الثورية” من حزب الكومينتانج القومي والاشتراكيين الثوريين، في مواجهة الهيمنة الأجنبية و”أمراء الحرب من الإقطاعيين”. اتسقت تلك الجبهة مع توجيهات لينين للأممية الشيوعية بالدخول في “تحالف مؤقت مع الديمقراطية البرجوازية”. اتسقت أيضًا مع سياسة الاستقلال التي ذكرها الكومنترن في مؤتمر كادحي الشرق الذي انعقد في موسكو في الفترة بين يناير وفبراير من العام 1922. كان للكومينتانج مندوبون هناك. أخبرهم جورجي سافاروف، أحد قيادات الكومنترن في الشرق الأقصى، قائلًا: “نحن ندعم نضالكم وسوف نستمر في دعمه طالما أنه يتعلَّق بالانتفاضة الوطنية الديمقراطية في سبيل التحرر الوطني. ولكن في الوقت نفسه، سوف نواصل عملنا الشيوعي في تنظيم الجموع البروليتارية وشبه البروليتارية في الصين باستقلالية”.

لم يلبث الحزب الشيوعي الصيني أن تبنَّى موقفًا إستراتيجيًا متسقًا مع موقف الأممية الشيوعية، لكن قيادة الكومنترن برئاسة جريجوري زينوفيف غيَّرت فجأة من سياستها تجاه الصين. في أغسطس 1922، ذهب ممثل الكومنترن، هينك سنيفليت، إلى الصين وقابل زعيم حزب الكومينتانج سون يات سين باستعلاء، قبل أن يطلب من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الدعوة لاجتماع استثنائي من أجل تلقي تعليمات الكومنترن. جاءت التعليمات بانخراط أعضاء الحزب الشيوعي الصيني في صفوف الكومينتانج بصورة فردية، ما كان متناقضًا بشكل واضح مع سياسة الاستقلال. وفقًا لبينج شوزي، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، فإن جميع الحاضرين بالاجتماع اعترضوا على السياسة الجديدة. لجأ سنيفليت إلى الاستناد لضرورة إطاعة أوامر الكومنترن لدفع اللجنة المركزية للحزب نحو الموافقة على اتخاذ المسار الجديد رغمًا عنهم.

لم يذكر المؤتمر الرابع للكومنترن المنعقد في نوفمبر 1922 الكثير بشأن الصين، ولكن الكلمة التي ألقاها كارل راديك، الزعيم الحزبي والأممي، كانت ذات دلالةٍ على الانحراف نحو سياسةٍ منشفية، إذ نصح المندوبين الصينيين باستعلاء قائلًا:

“الهدف الأول للرفاق في الصين هو التركيز على ما تستطيع الحركة في الصين تحقيقه. يا رفاق، يجب أن تدركوا أن انتصار الاشتراكية أو تأسيس جمهورية سوفييتية ليس على الأجندة. لسوء الحظ، حتى قضية الوحدة الوطنية ليست تاريخيًا على الأجندة هي الأخرى. ما نشهده في الصين لهو تذكرةٌ بأوروبا القرن الثامن عشر، تذكرةٌ بألمانيا على وجه الخصوص، حيث كان تطور الرأسمالية ضعيفًا للغاية لدرجة أنها لم تتمكن من تأسيس أي مركز قومي وحدوي … لدينا منظورٌ عريض يجب أن تدافعوا عنه بكل ما لدى أفكاركم الشيوعية اليافعة من قوة. على الرغم من ذلك، تنحصر المهمة في توحيد القوى الفاعلة في الطبقة العاملة لتحقيق هدفين: الأول تنظيم الطبقة العاملة الناشئة، والثاني تكوين علاقة قوية بينها وبين القوى البرجوازية الثورية الفاعلة من أجل توحيد النضال ضد الإمبريالية الأوروبية والآسيوية”.

نقل زينوفيف للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الروسي معارضة أعضاء الحزب الشيوعي الصيني الانضمام إلى الكومينتانج في مطلع يناير 1923. وافق الجميع باستثناء تروتسكي على انضمام الشيوعيين الصينيين إلى الكومينتانج. لم يعبِّر تروتسكي علانيةً عن رأيه في تلك المسألة حتى عام 1927، وهو الخطأ الذي ندم عليه بشدة. كان لينين قعيدًا في ذلك الوقت. وبتصديقٍ من زينوفيف، الأمين العام للحزب الشيوعي الروسي والكومنترن، أُعلِنَ القرار في 12 يناير 1923 بشأن “العلاقات بين الحزب الشيوعي الصيني والكومينتانج” والذي أيد انضمام أعضاء الحزب الشيوعي للحزب القومي.

كان هناك جدلٌ بشأن الانضمام إلى الكومينتانج في المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي في 1923. ولكن غالبية الأعضاء شعروا بالرهبة من سلطة الحكومة السوفييتية والكومنترن، وصدَّقوا على إلغاء سياسة الاستقلال التي تبناها الحزب في مؤتمره في العام السابق. في هذا السياق يكتب شوزي معلقًا على الأحداث:

“تحول الحزب الشيوعي الصيني من بلشفيته الأصلية وانزلق إلى مستنقع المنشفية. في حقيقة الأمر، كان موقف الحزب الشيوعي الصيني أسوأ من المناشفة الروس؛ على الأقل حافظ المناشفة على استقلالهم التنظيمي، ولم يضطروا للانضمام إلى حزب البرجوازية في روسيا، حزب الديمقراطيين الدستوريين، بينما اضطر الحزب الشيوعي الصيني للانضمام إلى حزب البرجوازية في الصين، الكومينتانج، على أمل أن تتحد كل العناصر الثورية في مجتمعنا تحت راية الكومينتانج”.

أرسلت الحكومة السوفييتية في روسيا الأسلحة والمستشارين العسكريين إلى حزب الكومينتانج، بينما قام أعضاء الحزب الشيوعي الصيني داخل الكومينتانج بتنفيذ مهام عمله. ولكن ساعدت حركةٌ قام بها سون يات سين بغرض السيطرة على أعضاء حزبه على تحفيز قادة الحزب الشيوعي على إعادة التفكير في دور كل طبقة في الثورة الوطنية الديمقراطية. اتفق كل من تشن دو زيو، السكرتير العام ومؤسس الحزب الشيوعي الصيني، وبينج شوزي على أن الطبقة العاملة فقط هي القادرة على قيادة الثورة.

في المؤتمر السنوي الرابع للحزب الشيوعي الصيني، يناير 1925، عادت البوصلة مرة أخرى باتجاه السياسة البلشفية. أعلن المؤتمر بوضوح أن الطبقة العاملة هي القائدة للثورة، ويتعيَّن أن ينصب التركيز على بناء الحركة العمالية. وقد أتت هذه العودة إلى الطبقة العاملة بثماره سريعًا؛ إذ نظم عمال السكك الحديدية أنفسهم، واندلع إضرابٌ ناجح في مغازل القطن المملوكة لليابان في شنجهاي. عقد الحزب الشيوعي الصيني المؤتمر الوطني الثاني للعمال في الأول من مايو بحضور 166 نقابةً تمثِّل 570 ألف عضو، وطبقًا لبينج شوزي فإن المؤتمر “سيطرت عليه قناعةٌ بضرورة قيادة الطبقة العاملة للثورة الوطنية وهو ما نُقل بعدها إلى الجماهير العمالية”.

أضرب عمال القطن في شنجهاي مرةً أخرى للدفاع عن مكتسباتهم، وقُتِلَ أحد قياداتهم. نظم الطلاب والعمال مسيرات مناهضة للاستعمار. أطلقت الشرطة البريطانية الرصاص وقتلت سبعة أشخاص وأصابت العشرات. عرفت تلك الحادثة بمذبحة الثلاثين من مايو والتي كانت بمثابة الشرارة المفجرة للثورة الصينية الثانية (الثورة الأولى التي تخلصت من السلالة الحاكمة كانت في 1911). علَّق بينج شوزي على الأحداث كما يلي:

“أضرب كافة طلاب وعمال وتجار شنجهاي. أصبحت موجة قوية في وجه الإمبريالية قوامها الشعب بالكامل. في قلب تلك الموجة، حشد الحزب الشيوعي الصيني أعضاءه وأعضاء منظمة الشباب الشيوعي لقيادة الطلاب في تنظيم اتحاد طلاب شنجهاي. في الوقت ذاته، تأسس الاتحاد العام لعمال شنجهاي في أقل من أسبوع، وفي القلب منه نقابات عمال مغازل القطن. أصبح هذا الاتحاد العام مركزًا لقيادة النضالات اللاحقة للحركة العمالية في شنجهاي.

تحت التأثير القوي للحركة المناهضة للإمبريالية في شنجهاي، انتفضت المدن الكبرى الأخرى مثل ووهان ونانجينج وبكين، ونظم الطلاب والعمال والجمهور العام الإضرابات والمظاهرات. كانت الأجواء تفيض بمشاعر حقيقية مناهضة للامبريالية في حركة التحرير الوطنية.

في النهاية، نظم جموع الطلاب والعمال مظاهرةً في 23 يونيو للاحتجاج على المذبحة التي ارتكبتها القوات البريطانية في شنجهاي. مرت المسيرة في طريق شاكي، وبمجرد وصولها إلى منطقة شامين، التي سيطرت عليها قوى الامبريالية، بدأت الشرطة العسكرية البريطانية والفرنسية في رشق المتظاهرين العزَّل بالبنادق الآلية. قُتِلَ 75 شخصًا وأُصيبَ 117 في واقعة شاكي الشهيرة.

بمجرد وصول الأنباء عن المذبحة التي ارتكبتها القوات البريطانية في كانتون، دعا العمال في هونج كونج إلى إضراب عام، وسافر الكثيرون منهم إلى كانتون. في ذلك الوقت تشكَّلت لجنة إضراب كانتون-هونج كونج التي كانت معقلًا لحركة مقاومة الإمبريالية في جنوب الصين، وبدأ حصار هونج كونج. مثَّلت كل تلك الأحداث ضربةً قوية للاستعمار البريطاني”.

أصبح الحزب الشيوعي الصيني على خلاف مع الحكومة السوفييتية والكومنترن في مسألة العلاقات مع حزب الكومينتانج. في أكتوبر 1925، تقدَّم تشن دو زيو، السكرتير العام للحزب الشيوعي، الذي آمن أن انضمام الأعضاء للحزب القومي يعيق استقلالية الحزب والحركة العمالية، بطلب للجنة المركزية بانسحاب الأعضاء من الكومينتانج. وقف ممثل الكومنترن ضد مقترح شين، مشيرًا إلى احتمالية تمكُّن اليسار من السيطرة على الكومينتانج في المؤتمر القادم المزمع عقده في يناير 1926. وفي ذلك المؤتمر، حظى عددٌ من أعضاء الحزب الشيوعي بالفعل بمناصب قيادية في الكومينتانج. ولكن للأسف كان الحزب الشيوعي الصيني والكومنترن في مهمةٍ حمقاء؛ بعد شهرين فقط، قاد تشانج كاي شيك انقلابًا أطاح بالشيوعيين من الكومينتانج وأسَّس ديكتاتوريته العسكرية. مرةً أخرى، أعيد تقييم سياسة التعاون بين الحزب الشيوعي والكومينتانج، واتخد ميخائيل بورودين، مندوب ستالين، قرارًا باستمرار سياسة التبعية لحزب الكومينتانج، حتى بعد أن تخلَّص تشانج كاي شيك من القيادات الشيوعية في الكومينتانج، وسُجِّلَت قائمةٌ بأسماء كافة أعضاء الحزب الشيوعي.

خلال اجتماع اللجنة المركزية في يونيو 1926، قرر تشن دو زيو وبينج شوزي مغادرة حزب الكومينتانج القومي، ولكنهم لم ينجحوا بسبب اعتراض مندوب الكومنترن. ومُرِّرَ القرار إلى الكومنترن الذي رفض بدوره الموافقة عليه.

في ذلك الوقت بدأت الحملة العسكرية في الشمال. حشد الحزب الشيوعي العمال والفلاحين ولعب دورًا محوريًا في الانتصارات العسكرية التي أدت إلى تقدم القوى المناهضة للإمبريالية إلى وسط الصين، حيث تدفَّقَ مئات الآلاف من العمال إلى النقابات، وملايين الفلاحين إلى الاتحادات. يصف بينج شوزي الموقف على النحو التالي:

“باختصار، منذ دخول القوات إلى وادي نهر يانجتسي، اندفعت حركة العمال والفلاحين في هونان وهوبي في موجة غضب عارمة قلبت كل العلاقات الاجتماعية رأسًا على عقب. تحول العمال من الإضرابات المطالبة بظروف عمل وحياة أفضل إلى مهاجمة نظام الملكية الفردية، وبدأوا في السيطرة على ممتلكات الإمبريالية التي حصلت عليها بحقوق الانتفاع. وتحول الفلاحون، وخاصة أولئك من هونان، من النضال من أجل تخفيض الإيجارات ومعدلات الفوائد، نحو أنشطة ثورية وبدأوا في التخلص من الإقطاعيين والأرستقراطيين والسيطرة على الأرض. وفي الحقيقة، أصبحت اتحادات الفلاحين هي الكيانات الحاكمة في أغلب القرى. وقتها تمكنَّا من رؤية الذروة الجديدة التي وصل إليها المد الثوري”.

انزعج تشانج كاي شيك وحزب الكومينتانج، ممثل البرجوازية، من تحول الجماهير إلى تلك الحالة الثورية أكثر من انزعاجهم من الإمبريالية وأمراء الحرب. وبالتالي أصبح الكومينتانج من قوى الثورة المضادة التي عملت على قمع العمال والفلاحين في المناطق المحررة.

مع تقدم قوات تشانغ كاي شيك شمالًا باتجاه شنجهاي، قاد الحزب الشيوعي عمال شنجهاي، في 21 مارس 1927، لتمردٍ مسلح قضى على سلطة أمراء الحرب. ولكن بسبب سياسة التعاون مع تشانج كاي شيك التي أملاها ستالين، لم يتمكَّن الحزب من تشكيل حكومة ثورية في المدينة. يعلق بينج شوزي:

“حتى مع سيطرة الحزب الشيوعي على شنجهاي ودعم الطبقة الوسطى وقطاع كبير من البرجوازية الصغيرة، والتعاطف الكبير من الجنود، اضطر الحزب للانصياع لتعليمات الكومنترن بتشكيل “حكومة ائتلافية من أربع طبقات”. لم يتمكن الحزب من القيام بأي شيء سوى تشكيل حكومة انتقالية بالمشاركة مع البرجوازية”.

بعد عدة أيام فقط، في 12 أبريل، دشَّن تشانج كاي شيك ثورته المضادة بالانقلاب في شنجهاي. يقول بينج شوزي:

“ذُبح الآلاف من العمال المقاتلين وأعضاء الحزب الشيوعي. دُمرت نقابات العمال، وطارد الرجعيون أعضاء الحزب وقتلوهم … في النهاية كانت مكافأة ستالين على سياسة التعاون بين الحزب الشيوعي والحزب القومي هي التعتيم على كل جرائم تشانج وتقديم الدعم غير المشروط له في حملته على أمل نجاحه في القضاء على الإمبريالية وأمراء الحرب وتحقيق هدفه في الاستقلال الوطني”.

حتى بعد انقلاب شنجهاي، لم تتغير سياسة الكومنترن بشكل بشكلٍ جوهري. انتقل الولاء الشيوعي من تشانج إلى من افتُرض أنهم يساريو حزب الكومينتانج بقيادة وانج جينجوي، وتركزوا في مدينة ووهان. كانت سياسة وانج تتمثَّل في تعطيل نضال الفلاحين والعمال. تأكد أخيرًا أن سياسة التعاون بين الحزب الشيوعي وحزب الكومينتاج كانت سياسةً مُضلِّلة حين انقلب وانج جينجوي على الحزب الشيوعي في يوليو 1927، وأمر أعضاءه المنخرطين في الكومينتانج والجيش بترك الحزب الشيوعي أو تحمل العواقب.

صارت سياسة الكومنترن بالتعاون مع البرجوازيين من الكومينتانج في حالةٍ يُرثى لها، وأمر ستالين بتغيير الاتجاه بمقدار 180 درجة وخوض مغامرة نحو أقصى اليسار. أُمِرَ الحزب الشيوعي الصيني بإشعال الانتفاضات. في ذلك الوقت، كانت الحركة الثورية في موقف دفاعي نتيجة لسياسة التعاون السابقة. والنتيجة هي مذبحة للآلاف من العمال والشيوعيين في جوانزو في ديسمبر 1927 بعد صمودهم التاريخي، وبهذه النهاية الدموية انتهت ثورة 1925-1927.

لو لم يُضلَّل الحزب الشيوعي الصيني من الكومنترن وممثله زينوفيف، وستالين لاحقًا، لتمكَّن الحزب من قيادة ملايين العمال والفلاحين وصغار التجار نحو طرد المستعمرين من المناطق التي حظوا فيها بامتيازات، وهو ما لم يقم به تشانج كاي شيك، بل وربما تمكَّنوا من إرساء الحكم من خلال مجالس العمال أو السوفييتات بالتعاون مع جموع الفلاحين المنظمين في التعاونيات.

إلى جانب مبدأ استقلال الطبقة العاملة، هناك العديد من الدروس التي نتعلمها من تجربة الحزب الشيوعي الصيني فيما يتعلق بالسلطة والعملية الديمقراطية في المنظمات الأممية لأحزاب الطبقة العاملة. كان لدى الحزب الشيوعي الصيني مفكروه من بين قياداته، مثل تشن دو زيو وبينج شوزي، لكنهم لم يتمكنوا من تخطي تبعيتهم للحزب الشيوعي الروسي -الحزب الذي قاد من قبل ثورةً ناجحة.

أصبح تشن دو زيو وبينج شوزي بعد ذلك تروتسكيين متقدي الحماس، ولكن التروتسكية أتت متأخرة جدًا للثورة الصينية الثانية. بحلول عام 1927، حاول تروتسكي إدانة سياسة الكومنترن نحو الصين علانية، ولكن ستالين قَمَعَ نشر كتاباته. في مايو 1927، كتب تروتسكي “الثورة الصينية وأطروحات الرفيق ستالين”. يشرح الاقتباس التالي الفكرة الذي حاول تشن وبينج الحفاظ عليها بين صفوف الحزب الشيوعي الصيني خلال سنوات الثورة:

“النضال الثوري ضد الإمبريالية لا يضعف الاختلاف السياسي بين الطبقات، بل يوطِّده. تعتبر الإمبريالية قوة مؤثرة جدًا في العلاقات الداخلية في الصين. لم يكن أمراء الحرب في وادي نهر يانجتسي المصدر الأساسي لتلك القوة، بل كانت العلاقة بين رأس المال الأجنبي وبين الطبقة البرجوازية. وبسبب قوتها الاقتصادية والعسكرية الهائلة، يتطلب النضال ضد الإمبريالية توحيد القوى من أعماق الشعب الصيني. ولتحريض العمال والفلاحين وحشدهم ضد الإمبريالية، لابد من ربط مصالحهم وحاجات حياتهم الأساسية بهدف التحرير الوطني للبلاد”.

تمتَّع تروتسكي بسلطةٍ كبيرة في الحركة الشيوعية العالمية الناشئة لم يتخطاها سوى لينين. لو علم قادة الحزب الشيوعي الصيني باختلاف تروتسكي مع سياسة الكومنترن نحو الصين منذ عام 1923، لربما تمكنوا من الحفاظ على موقفهم ودعم استقلالية الطبقة العاملة في مواجهة الضغط الذي مارسه عليهم الكومنترن.

هوامش:
(1) بينج شوزي (1896-1983): عضو باللجنة المركزي للحزب الشيوعي الصيني منذ سبتمبر 1924 حتى طرده من الحزب في نوفمبر 1929 بتهمة دعم التروتسكية. عاش في المنفى في فيتنام وفرنسا والولايات المتحدة حتى وفاته (المحرر).

* المقال مترجم عن موقع الاشتراكيين الأمميين في نيوزيلندا.