بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خبرات ثورية

مائة عام على تأسيس أول اتحاد عمالي في مصر

العمال في مصر.. من العمل بالسخرة إلى تأسيس أول اتحاد عمالي

مظاهرات ثورة 1919
مظاهرات ثورة 1919

مرت الطبقة العاملة المصرية بعدة مراحل منذ نشأتها بداية من مرحلة السخرة والعمل القهري في عهد محمد علي وما شهدته تلك الفترة من اتساع الصناعات العسكرية والتي عادت للانحسار مرة أخرى بتخفيض التسليح وقلة وتيرة الحروب، ولم تتمتع الطبقة العاملة في تلك الفترة بالتنظيم حيث كان العمال يعملون بالقهر والإرغام واقتصرت رغباتهم على الهروب من مواقع العمل، وبعد رحيل محمد علي ومحاولات إسماعيل لاستعادة الصناعة في مصر وتوافد العمالة الأجنبية الحاملة للخبرات سواء العملية أو النضالية تمكنت من إحداث تطور كبير في الحركة العمالية المصرية فقد مكنت من معرفة كيفية الاعتراض والتضامن وتكوين وإنشاء تجمعات عمالية بدأت في مراحلها الأولية في شكل جمعيات ثم انتقلت لنقابات ثم تأسس أول اتحاد عمالي في مصر كانت نواته من العمال الأجانب تمكنوا من جعله يتبنى خطابًا يساريًا بدلًا من الوقوف عند مرحلة المطالب الاقتصادية فقط.

وقد شهدت مرحلة تأسيس النقابات حصر العمل السياسي على الطبقة الوسطى ومثقفيها وتهميش الطبقة العاملة، لكن اتحاد عمال مصر أحدث تطور هائل في الحركة العمالية وأنشأ روابط قوية مع الحزب الشيوعي المصري، لم تعني في ذلك الوقت تبعية الاتحاد للحزب أو إلحاقه به، ترجم ذلك في شكل إضرابات عديدة وصعود للطبقة العاملة إلى أن تمكنت حكومة الوفد برئاسة سعد زغلول من الهجوم على الاتحاد وهزيمة تلك الحركة الصاعدة بالقوة.

نظام الطوائف في مصر
شكل نظام طوائف الحرف التنظيم الاجتماعي الذي كانت تسير وفقه الفئات العاملة في مصر قبل ظهور الطبقة العاملة، وكانت كل طائفة تضم الأفراد الذين يجمعهم مهنة واحدة فكانوا ينضمون إليها وينظمون أنفسهم فيها لرعاية مصالحهم، وتعد الطوائف مظهر مصغر للتجمعات العمالية التي تبلورت فيما بعد في شكل نقابات عمالية، واختلفت الطوائف عن النقابات العمالية في التشكيل حيث لم تقتصر عضويتها على أبناء المهنة الواحدة بل اكتسبت أبعادًا أخرى فبعض فلم تقتصر على أساس ضم أبناء نفس المهنة بل اشترطت ضم أبناء نفس الديانة وبذلك قامت على بعد عقائدي، وطوائف أخرى كالتجار التي كانت تضم أصحاب نفس البلد، فكانت طائفة تجار الخمور تضم غير المسلمين، وطائفة تجار الرقيق تقتصر على أبناء الواحات وأسوان، وطائفة الصاغة على المسيحيين واليهود، كما تم التفرقة بين الطوائف تبعا للمهنة الخاصة لكل طائفة فتجار الحرير والأقمشة كانوا ينتمون إلى الحرف ذات المكانة العالية بعكس الحرف المتدنية كباعة الأسماك والخمارين والطهاة.

وتمتعت الطوائف بتقاليد معينة في الانضمام إليها أو الترقي داخلها يلتزم بها كافة أفراد الطائفة، وتكون بداية الالتحاق بالطائفة كصبي لدى الأسطى ويخضع لفترة تدريب ثم بعد ذلك يأخذ الصبي العهد على معلمه، ثم بعد ذلك ينتقل إلى المرحلة التي تليها والتي من خلالها يصبح الصبي عاملًا أو صنايعيًا، والمرحلة الرابعة التي ينتقل فيها إلى معلما أو اسطى وتعد تلك المرحلة رخصة بمزاولة تعليم المهنة أو الحرفة.

كان ذلك الشكل العام للطوائف حتى صعود محمد علي لكرسي الحكم في مصر في القرن السابع عشر حيث تم عسكرة الطوائف وأصبحت كل طائفة خاضعة لضابط يشرف عليها ويجبي منها الضرائب، وفي القرن الثامن عشر انحصرت الطوائف في ثلاث مجموعات كبيرة في القاهرة:

1- أمين الخردة: ضمت هذه الطوائف الخبازين والمغنين وصباغي الحرير وباعة الخردة والحدادين.
2- المحتسب: وتولى الأسواق حيث كان يفتش على الموازين والأسعار، وله سلطة جمع الضرائب من الباعة والتجار.
3- المعمار باشي: تولى الإشراف على البنائين والنجارين وصانعي الطوب وكافة العاملين في عملية البناء وكانت له سلطة جمع الضرائب منهم.

ووصولًا للقرن التاسع عشر ألغيت وظيفة المحتسب وتحولت اختصاصاته إلى حكمدار الشرطة، وكونت الطوائف التابعة له مجموعات خاصة بها وتم اختيار شيوخهم بواسطة حكمدار الشرطة بعد أن ألغيت وظيفة المحتسب.

تمتع شيخ كل طائفة بسلطات واسعة على أعضاء طائفته حيث كان يتولى تقسيم الضرائب المفروضة على أعضاء كل طائفة، وتوقيع العقوبات على المخالفين في الطائفة بداية من الغرامة أو حرمان من مزاولة المهنة أو إغلاق المحل وصولا إلى السجن وبالرغم من عرفية تلك الأحكام إلا أنها كانت سارية ولها احترامها من كافة داخل كل طائفة. ووجدت علاقة عكسية بين قوة شيوخ الطائفة وقوة سلطة الدولة، فكلما ضعفت قوة الدولة زادت في المقابل قوة شيوخ الطائفة، وكلما زادت قوة الدولة ضعفت سلطة الشيخ، ومن الملاحظ أن الدولة كانت تتنازل أو تمنح للشيوخ السلطة الإدارية لجمع الضرائب وتقسيمها على أبناء الطائفة، أما حق استخدام القوة فقد احتكرته الدولة ولكن توقف ذلك على مدى قوة الدولة، وبقية سلطة الشيوخ موجودة حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

شهد القرن التاسع عشر اتساع مفهوم الطوائف حيث ضمت كافة الموظفين في القاهرة، بداية ممن يعملون في البناء وصولا إلى الكتبة وجامعي الضرائب، ولم تندرج البيروقراطية من موظفي الدولة إلى ذلك النظام.

تختلف الطوائف نهائيا عن النقابات العمالية، فلا يمكن اعتبار النقابات العمالية امتدادًا للطوائف، فهناك فروق جوهرية بينهما: تجمع الطوائف أصحاب الأعمال مع العمال مع إمكانية الترقي من مرحلة صبي والوصول لمرحلة صاحب العمل، من خلال المراحل التي يمر بها الشخص المنتسب إلى الطائفة، وذلك وفقا للتقاليد والأعراف التي كانت تسير عليها الطوائف، كما لم يحدث نظام الطوائف فروقات طبقية شاسعة بين صاحب العمل والعمال فالعلاقة كانت أشبه بتلميذ يتلقى تعليم صنعة أو مهنة ما، وبذلك اختلفت الطوائف عن النقابات العمالية التي تأسست لتوحيد العمال تحت راية المطالبة بحقوقهم والدفاع عنها، كما أن الطائفة لم تكن تمتلك حجم عمالة كبير كالذي أنتجته الرأسمالية الصناعية والتي ساهمت في تراكم الأرباح في قطب على حساب القطب الآخر وظهور فائض قيمة كبير يمثل ربح لصاحب العمل.

الصناعة المصرية والسخرة في عهد محمد علي
بلورت تجربة التصنيع التي أنشأها محمد لظهور الطبقة العاملة المصرية، بالرغم من أن ولادة الطبقة العاملة تلك كانت مشوهة حيث قام محمد علي بإخضاع العمال للعمل بالسخرة، فلم يتح لهم أن يبيعوا قوة عملهم لصاحب عمل ما بل عملوا لدى مصانع محمد علي، أدت تلك التجربة إلى إحداث تحولات كبيرة في المجتمع المصري وتغيير العلاقات الاجتماعية السائدة سواء في الريف أو الحضر والقضاء على نمط الإنتاج الزراعي الإقطاعي، وانهيار نظام الطوائف وأنتج ذلك طبقة عاملة تتشكل من فلاحي الريف المعدمين ومن حرفي الطوائف.

أدى النظام الصناعي الذي أدخله محمد علي إلى ضرب نظام الطوائف خاصة الطوائف العاملة في مجال الصناعة بينما طوائف التجار لم تتضرر كثيرا، حيث أقام محمد علي باحتكار الصناعة ما مهد إلى تراجع الطوائف الصناعية، وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر تضررت طوائف التجار من عملية التجارة الخارجية فقد كان يتم إعفاء التجار الأوروبيين من الضرائب، بينما تفرض على التجار المصريين ضرائب باهظة، وذلك بسبب التحول الذي طرأ على التجارة في مصر فبعد أن كانت القاهرة مركزا للمعاملات التجارية، تحولت إلى مصدر لتصدير القطن إلى أوروبا واستيراد السلع الأوروبية إلى مصر ما مكن التجار اليونانيين والأوربيين من لعب دور محوري في عملية الاستيراد والتصدير، والذي أضر كثيرا بالتجار المصريين، تزامن ذلك مع تحول الدولة تدريجيا إلى المنهج النظامي وبداية تكوين مجموعة من الموظفين وبذلك تحول اعتماد الدولة كليا من الطوائف إلى الاعتماد على الموظفين، وبذلك اندثر نهائيًا نظام الطوائف من المجتمع.

احتكر محمد علي الصناعة القائمة وهدف إلى إنشاء منشآت صناعية كبيرة، بهدف تحقيق ميزان تجاري يميل لصالح الدولة وتحقيق مبدأ الاكتفاء الذاتي، وساهم في تحقيق ذلك الإنتاج الحربي، ونشأت العديد من الصناعات المكملة لصناعات الجيش الذي أسسه محمد علي فقد أقيمت صناعة السبائك، كما نشطت صناعة الغزل والنسيج لصناعة ملابس الجنود، وقد ارتبط الإنتاج بالطلب الحربي فينتعش ويزيد في أوقات الحروب ويتراجع ويقل في أوقات ما بعد الحرب.

تراجعت الصناعة التي أسسها محمد علي بتراجع الإنفاق على الجيش والأسطول فكافة تلك الصناعات كانت مكملة أو مغذية لصناعات الجيش، وتدهورت الصناعة بسبب تقليص عدد الجيش وتخفيضه لمجموعة تتناسب مع الموارد الاقتصادية للبلاد وبالتالي قل اهتمام النظام بالصناعة واتبع عباس وسعيد نفس النهج وقاموا بإغلاق العديد من المصانع وتم بيع البعض الآخر أو منحه لأشخاص بعينها كالتزام.

بصعود إسماعيل للسلطة حاول إعادة التجربة الصناعية مرة أخرى، وتزامن مع ذلك الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) والتي أدت لزيادة الطلب على القطن المصري ما دفع اسماعيل لتطوير أدوات حلج القطن، واتجه إسماعيل لإنشاء محالج في الوجه البحري ليتمكن من مواكبة الطلب على القطن، واتجه إسماعيل إلى إحياء التجربة الصناعية التي أسسها محمد علي، ولكن لم تنجح التجربة وأغلقت العديد من المصانع في 1875، ولكن ازدهرت صناعة السكر ومحالج القطن التي كان يشرف عليها بعض الأجانب.

دخل رأس المال الأجنبي الاقتصاد المصري وارتكز على المرافق العامة مفضلا إياها عن الصناعة. كما منع رأس المال المحلي من الدخول في ميدان الاستثمار في التصنيع المحلي:

– تكونت رؤية ذهنية عن إخفاق محاولات التصنيع المحلي في عهد محمد علي وعهد إسماعيل، وما تركته تلك الإخفاقات من رواسب.
– تحول مصر لسوق للمنتجات الأوروبية وبالتالي، لم تتمكن المنتجات المصنعة محليا من منافسة المنتجات المستوردة من أوروبا, كما أن كرومر كان يرفض وجود تصنيع في مصر ودافع عن حرية التجارة، وبرر ذلك بأن مصر ستخسر الكثير من إيرادتها إذا وجدت صناعة محلية نتيجة الضرائب الكثيرة التي ستفرض على من يتجه للتصنيع.

نشوء الطبقة العاملة المصرية
أدى الرخاء في نهاية القرن التاسع عشر إلى تأسيس عدد من شركات النقل، والبنك الأهلي وشركات الأراضي وزادت الشركات التجارية والصناعية، وتأسست غرفة التجارة الإنجليزية والتي حصرت عدد الشركات 67 شركة معظمهم برأس مال أجنبي، وأسس مجموعة من المستثمرين اليونانيين مصانع سجائر، كما برز الاهتمام بالسكك الحديدة نتيجة لأهمية النقل.

خلق تأسيس تلك الشركات والمصانع طلب على فرص العمل، وتكونت طبقة عاملة تحمل مزيجا من العمالة المصرية وبعض العمالة الأوروبية، حيث تشكلت من الفلاحين المعدمين في الريف، الذين خسروا أراضيهم نتيجة للتطور الرأسمالي وتحولوا لعمال في الريف أو في المدينة، كما أدى اختفاء نظام الطوائف إلى ظهور عمال في الحضر، وجاء بعض العمال الأجانب لمصر من جنوب أوروبا نتيجة الظروف الاقتصادية هناك ومثلوا شريحة صغيرة العدد في العمالة المصرية ولكنهم تمتعوا بخبرات نضالية نقابية وسياسية، مكنتهم من لعب دور قيادي للطبقة العاملة المصرية، كما أن الصناعات المتطورة كانت بحاجة لخبرات تلك العمالة الأوروبية.

وبالرغم من التطور في الصناعات والشركات الحديثة التي أقامتها رؤوس الأموال الأجنبية إلا أن ظروف العمل ازدادت سوءًا، فقد كانت الأجور منخفضة وساعات العمل طويلة، فقد كان أجر العامل غير الفني أقل من ثلاثة قروش، أما العامل الفني فلم يزد عن ثمانية قروش، ومتوسط ساعات العمل اليومية ثلاثة عشر ساعة، ووصلت ساعات العمل في محالج القطن لـسبعة عشر ساعة، وبلور العمال مطلب تحديد ساعات العمل بعشر ساعات وأصبح ذلك مطلبا لكافة العمال المصريين، ورغم تميز العمال الأجانب عن العمال المصريين في الأجور، لعب العمال الأجانب دورًا كبيرا في قيادة الاحتجاجات والإضرابات العمالية التي جرت فيما بعد، حيث استفاد العمال المصريون من خبرات هؤلاء العمال الأجانب، كما لم تشهد تلك الفترة وجود تشريعات قانونية تنظم علاقات العمل بين أصحاب العمل والعمال، أدت تلك الظروف المأساوية إلى ظهور العديد من الإضرابات العمالية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وشهد عام 1899 إضراب لفافي السجائر في القاهرة والذي بدأ في ديسمبر واستمر حتى فبراير 1900، وكان سبب الإضراب لجوء أصحاب مصانع لفاف السجائر إلى استخدام الآلات مما أدى إلى الاستغناء عن عدد كبير من العمالة وتخفيض أجور المستمرين في العمل، واتسع نطاق الإضراب ليشمل عمال كافة مصانع السجائر بالقاهرة، وأسفر عن الإضراب تأسيس أول نقابة للعمال بمصر عام 1899، وكان العمال الأجانب هم المحركين ذلك الإضراب بحكم خبرة العمال النقابي في أوروبا والمعارك بينهم وبين أصحاب العمل حيث كانوا أغلبية في تلك المصانع. استخدم العمال المضربون وسيلتين للضغط على أصحاب المصانع:

– إطالة مدة الإضراب حتى تنقص الكمايات المعروضة من سلعة السجائر في السوق.
– استخدام القوة لمنع صاحب العمل من استبدالهم بعمال جدد للعمل بدلا منهم.

وذكرت جريدة اللواء أنه بلغ عدد العمال المضربين عن العمال حوالي 900 عامل، كانوا موزعين على مصانع مختلفة. نجح الإضراب وتوصل العمال للتفاوض مع أصحاب رأس المال وتوصلوا لزيادة أجورهم، ولكن حدث تفاوت في المكتسبات بسبب اتفاق كل صاحب مصنع على حدى مع عماله.

واستند العمال في ذلك الإضراب لخبرات إضرابات سابقة محدودة قد حدثت ففي عام 1894 حدث إضراب عمال نقل الفحم في بورسعيد طلبا لزيادة الأجرة وتدخلت الحكومة لفض الإضراب.

يعد إضراب لفافي السجائر هو البداية الحقيقية للحركة النقابية في مصر، فمنه تولدت الأشكال النقابية الأولى، والتي اختارت لها اسم الجمعيات، وانتشرت من لفافي السجائر إلى قطاعات عمالية أخرى، كما حفز الإضراب موجة من النضال العمال طالبت بتحسين الأجور وخفض ساعات العمل.

الإضرابات خطوة في طريق تأسيس النقابات العمالية
وشهد العقد الأول من القرن العشرين العديد من الإضرابات التي نظمها العمال الأجانب وساهم العمال المصريون فيها على حسب نسبة تواجدهم في كل مؤسسة من المؤسسات التي وقعت فيها الإضرابات، ومن تلك الإضرابات إضراب عمال شحن وتفريغ الفحم بجمرك الإسكندرية لتحديد ساعات العمل ورفع الأجور، وعمال الترام المصريين بالثغر لتخفيض ساعات العمل، كذلك قام عمال تنفيذ خزان أسوان بالإضراب اعتراضًا على تخفيض الأجر من 30 قرشا إلى 15 قرشا في اليوم، واستمرت الإضرابات في العديد من المؤسسات والمحافظات المختلفة وتمحورت معظم مطالب تلك الإضرابات في تحديد ساعات العمل وزيادة الأجور، وشهدت تلك الإضرابات مشاركة عمال أجانب ومصريين، حتى تمكن عمال السجائر في 1903 من تأسيس النقابة المختلطة لعمال الدخان، وقد أسسها عمال شركة ماتوسيان، ومكنت الإضرابات العمال من معرفة أساليب المقاومة الجماعية في مواجهة رأس المال، وتحسين ظروف وشروط العمل، وشعورهم بمزايا التضامن والترابط ووحدة مصالحهم الطبقية.

اكتسب العمال من تلك الإضرابات ضرورة المحافظة على تجمعهم في شكل تنظيم يدافع عن مصالحهم، حيث تكونت نقابة لفافي السجائر في 1899 وكان رئيسها يوناني يدعى “كريازي”، ثم جمعية اتحاد الخياطية بالقاهرة عام 1901، وجمعية الحلاقين وجمعية عمال المطابع في العام ذاته، ثم تأسست نقابة عمال السجائر بالإسكندرية وكتبة المحامين في 1902.

وكانت تلك النقابات على درجة عالية من التنظيم فقد أقدم الخياطون على اعتصام في نوفمبر عام 1901 وانضم إليهم في ذلك الاعتصام عدد من أعضاء نقابة لفافي السجائر، وأعضاء الجمعيات العمالية حتى تجاوز عددهم 1500 معتصم، وطالبوا من خلال الاعتصام تقاسم الأرباح بين العامل وصاحب العمل، وتناقشوا أثناء اعتصامهم حول حقوق وواجبات العمال تجاه صاحب العمل. كما شهدت تلك الفترة دورًا بارزًا للعمال الأجانب في توجيه العمال ونقل دروس وخبرات تجاربهم النضالية في دولهم الأوروبية. لكن تلك الحركة النقابية التي ظهرت في مطلع القرن العشرين شهد رفض من قبل السلطات المصرية والقنصلية وتدخلت بكل قوة للقضاء على مكتسبات تلك الحركة والقضاء على أي تنظيم عمالي وتمكنت من القضاء عليها حيث لم تتمكن من الاستمرار طويلا. وتواصلت الطبقة العاملة في نضالاتها للحصول على مكتسبات ففي أغسطس 1908 أضرب عمال السجائر مطالبين، بزيادة الأجور، وخفض ساعات العمل، واحتساب الاجازة المرضية بأجر، لكن الإضراب فشل نتيجة القمع البوليسي، ثم عاود العمال الإضراب مرة أخرى بعد شهرين، وتمكنوا من إعادة تشكيل نقابة عمال الدخان.

وشهدت المطالب العمالية في نفس العام تطورا كبيرا فقد قام عمال شركة ترام القاهرة بتقديم قائمة مطالب لإدارة الشركة وتمثلت تلك المطالب في:

– خفض عدد ساعات العمل لـ8 ساعات بدل من 13 ساعة.
– زيادة الأجور السنوية بنسبة 40% لمواجهة غلاء المعيشة
– إعادة العمال المفصولين وتنظيم الاجازات السنوية والرضية والغرامات.
– اعتراف الشركة باللجنة التي يشكلها العمال من 4 مندوبين من بينهم محامي لبحث شكاوي العمال في المستقبل.
– تمكين العمال المصريون من الترقية أسوة بالأجانب.
– الاعتراف بالتنظيم النقابي الدائم للعمال.

هدفت تلك المطالب إلى تحطيم الفوارق بين العامل المصري ونظيره الأجنبي الذي كان يحظى بإمتيازات طالما أنهم يعملون في مؤسسة واحدة.

رفضت إدارة الشركة تلك المطالب مما دفع العمال للدخول في إضراب في أكتوبر 1908، وقاموا بمظاهرات في شوارع القاهرة، وقاموا بالمبيت ليلًا على قضبان الترام لمنع الشركة من تسيير القطارات بواسطة عمال آخرين. ولكن تم فض الإضراب واتهام العمال بالإخلال بالأمن والنظام وتعطيل عمل الشركة والإضرار المادي بها، وتمت محاكمة 180 عامل على تلك التهم وإدانتهم.

الحرب العالمية الأولى وتأثيرها على الحركة العمالية
انتقلت فكرة تأسيس النقابات من القاهرة إلى باقي المحافظات فأنشئت نقابة بالإسكندرية وأخرى بالمنصورة وطنطا، واستمر تعرض النقابات للقمع السياسي ومطاردة حتى تم إعلان الأحكام العرفية بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914، وتم حظر مزاولة أي نشاط اجتماعي وسياسي، وأغلقت النقابات وتم وقف أي نشاط سياسي، كما لم ينجح الحزب الوطني في تحشييد الطبقة العاملة والمهمشيين من فقراء المدن والفلاحين واستمر الانقسام الاجتماعي بين مثقفي الطبقة الوسطى والفقراء والكادحين.

نجحت الطبقة العاملة في مصر في الفترة من 1899 حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى من اكتساب خبرات تأسيس النقابات وإدراك أهمية وحدة الطبقة العاملة في مواجهة الرأسمالية التي نشأت برأس مال أوروبي، واتسمت مطالب العمال في تلك الفترة بطابع اقتصادوي حيث انحصرت في تعديل ساعات العمل وزيادة المرتبات، وتأسيس تجمعات تنظيمية، ولكن القمع الذي أحدثته الحرب العالمية الأولى أدى إلى انخفاض عدد الإضرابات، وقلت عضوية النقابات، بسبب قيام بريطانيا بإعلان الأحكام العرفية على مصر، وقامت بريطانيا بتجنيد العمال والفلاحين بالقوة والإرغام لاقتيادهم لجبهات قتال قوات الحلفاء للعمل في خدمة تلك القوات، ورضخت الحكومة المصرية للحكومة البريطانية رضوخًا تامًا في تلك الفترة ووضعت موظفيها رهن إشارة بريطانيا، ووصل عدد العمال والفلاحين الذين جندتهم بريطانيا قهرًا إلى ما يزيد عن المليون مات العديد منهم في الحرب، ونشطت حركة التصنيع المحلي في مصر نتيجة لإنقطاع طرق التجارة وتراجع واردات السلع الاستهلاكية.

العمال وثورة 1919
زادت أعداد العمال في أعقاب الحرب العالمية الأولى نتيجة لتكثيف الصناعة أثناء فترة الحرب، حيث وصل عدد العاملين في الصناعة إلى ما يقرب من 490 ألف، بخلاف عمال السكك الحديدية الذي وصل عددهم إلى 150 ألف عامل. برغم من زيادة عدد العمال فقد تراجعت الحركة النقابية بصورة كبيرة بدلا من أن تنمو بزيادة عدد العمال بسبب الأحكام العرفية، وقد استفادت طبقة التجار وملاك الأراضي الزراعية من الحرب بعكس العمال الذين تضرروا كثيرا فقد زادت ساعات العمل مرة أخرى، كذلك ارتفعت قيمة بعض السلع والمنتجات بنسبة 100% وبذلك فإن القوة الشرائية لراتب العامل لم تعد تتناسب مع مقدار ما حدث من زيادة في أسعار السلع.

أدت تلك العوامل إلى اشتراك الطبقة العاملة بقوة في ثورة 1919، وبدأ عمال النقل في الإضراب من اليوم الثاني للاحتجاجات وسلك دربهم سائقو سيارت الأجرة والنقل، فعطلت المواصلات في كافة مناطق القاهرة، وفي مارس دخل عمال العنابر في إضراب ردا على قيام الحكومة البريطانية بإلحاق بعض الجنود إلى عنابر العمال لتمرين الجنود على مختلف الصناعات، ما جعل العمال يعتقدون بأنه سيتم إحلال الجنود محلهم، وكان عددهم يزيد عن 4 آلاف عامل يعملون في صيانة عربات القطارات، وقاموا بتعطيل قطارات الوجه القبلي، واعتصم عمال شركة النور في مارس مما أدى إلى أن أصبحت القاهرة في ظلام حالك، وانضم الحرفيون بقوة إلى الاحتجاجات.

انعكاسات ثورة 1919 على نشاط النقابات العمالية
سرحت السلطة العسكرية أعداد كبيرة من العمال في أعقاب انتهاء الحرب الأولى ما أنتج بدوره جيش من البطالة، وارتفع الطلب على العمل مع وقف الصناعات التي نشأت نتيجة الحرب، تزامن ذلك مع ارتفاع كبير في الأسعار بنسبة تجاوزت 200% في 1919، وبذلك اضطر العمال للقبول بظروف العمل السيئة، ما استدعى قيام العمال بتأسيس النقابات لمواجهة تلك الأوضاع السيئة، وكان شكل النقابات في أعقاب الحرب هو نقابة المؤسسة بمعنى أن تضم كل نقابة عمال شركة واحدة أو مصنع واحد، فتأسست نقابة عمال الترام وعمال السجائر وعمال الطباعة والترسانة والسيارات، وانتشرت النقابات في الإسكندرية والبحر الأحمر والسويس وطنطا، وظهر منصب المستشار في كل نقابة وكان يمنح أما لمحامي النقابة أو أحد الشخصيات العامة في المجتمع، ما جعل بعض الأحزاب تتعامل بانتهازية مع النقابات لقيادتها وتوجيه دفة النقابة لتتبنى توجهات الحزب السياسية، ولم تشترك النساء العاملات في النقابات العمالية ولم يؤسسن نقابات خاصة بهن، وانحصرت أهداف النقابات في الدفاع عن المصالح المشروعة للعمال في مواجهة صاحب العمل والسلطات، ونصت لوائح النقابات على تجنب العمل السياسي الحزبي، ونتيجة لظروف العمال الاقتصادية المأساوية انطلقت موجة إضرابات، كإضراب عمال الترام بالقاهرة والإسكندرية، وعمال المياه والسجائر وعمال المطابع وعلى رأسهم المطبعة الأميرية وعمال الترسانة وعنابر القطارات. وانحصرت المطالب في تلك الفترة على تقليل ساعات العمل وزيادة الأجور والحصول على إجازة مدفوعة الأجر، وتخصيص يوم للراحة الأسبوعية، وطوال العقد الأول من القرن العشرين كانت تلك مطالب العمال يكسبونها من إضرابات أحيانا ويسلبها صاحب العمل منهم في أوقات أخرى حيث شهدت الفترة عمليات شد وجزب ارتبطت بالوضع السياسي للدولة. لكن موجة الإضرابات تلك أنتجت مكتسبات في شكل قوانين ولوائح، حيث تشكلت لجان التوفيق والتي تمكنت من وضع نواة عقود العمل بين العامل وصاحب العمل، لعب ذلك المكتسب دورا هاما في مسيرة النقابات، حيث أدى إلى زيادة الإقبال على عضويتها من قبل العمال، وواجهت الشركات حركة النقابات تلك وحاولت القضاء عليها من خلال رشوة رؤساء النقابات ممن يبدي الاستعداد لذلك، أو فصل رئيس النقابة إذا انحاز لزملائه وتمسك بمصالحهم.

اليسار والحركة العمالية
في أعقاب الحرب العالمية الأولى تبلور اتجاه سياسي يساري تزامنًا مع تصاعد الإضرابات العمالية وطفرة في حركة النقابات، ولعب المثقفون الأجانب دور مهم في بلورة اليسار المصري فكريًا وتنظيميًا، وقد أسهم “جوزيف روزنتال” والذي كان يعمل جواهرجيا في تكوين نقابات بين صفوف العمال الأجانب في الإسكندرية، وكان صاحب فكرة إنشاء اتحاد نقابي عمالي عام يوجه النقابات العمالية، وتأسس الاتحاد العام للعمل في فبراير 1921 بعد اجتماع تأسيسي عقد في الإسكندرية بحضور قيادات نقابية راديكالية، والاتحاد عند تأسيه كان ذا طابع نقابي أوروبي بقيادة اشتراكية، والتحق بالاتحاد 21 نقابة والتي كانت نقابات أجنبية، أما النقابات المصرية التي كان قاداتها إصلاحيون من الطبقة الوسطى فلم تنضم للاتحاد، حيث لم تسمح الحركة الوطنية بزعامة الوفد من أن تقوم النقابات بتبني خطاب جذري أو أن تنضم إلى نقابات مكونة من مجموعات أجنبية، وذلك بسبب المطرح الإصلاحي الذي كان بتبناه الوفد. وفي خضم تأسيس الاتحاد، تأسس الحزب الاشتراكي المصري وجمع بين مجموعتين اليساريين المثقفين المصريين بقيادة سلامة موسى، والجزء الجذري في الحزب بقيادة روزنتال، وتبنى الحزب برنامجًا إصلاحيًا، كما تبنى تكتيكات إصلاحية تقوم على إنشاء النقابات والمشاركة في الانتخابات البرلمانية والمجالس المحلية والنيابية، ولم يطرح القيام بتغيير من خلال احتجاجات شعبية وإضرابات عمالية.

على الرغم من تأسيس الحزب الاشتراكي والاتحاد العام للعمل في 1921، ونشطت حركة واسعة من الإضرابات بدأت في يوليو 1921 واستمرت إلى مارس 1922، بواقع 81 إضراب في 50 مؤسسة مختلفة، بالإضافة إلى عدد من الإضرابات الطويلة كإضراب عمال مصفاة تكرير البترول بالسويس 113 يومًا، وإضراب ترام القاهرة 102 يومًا، وإضراب الشركة الأهلية للغزل والنسيج بالإسكندرية 52 يومًا، وإضراب شركة غاز القاهرة الذي استمر 45 يومًا.

فلم يلعبًا دورًا بارزًا في هذه الموجة النضالية، بسبب الخلافات الداخلية التي شلت قدرة اليسار على التفاعل مع تلك الإضرابات.فلم يمكن الفرع الإصلاحي داخل الحزب المجموعة الراديكالية من توثيق علاقتهم مع مجموعات أكبر من الطبقة العاملة. ما أدى لحدوث انشقاق داخل الحزب في منتصف يوليو 1922 تم بموجبه طرد العناصر الإصلاحية، وانتقلت القيادة إلى أيدي “محمود حسني العرابي” و”أنطون مارون” ووقف “روزنتال” والأعضاء الأجانب الآخرون، موقفا بضرورة تمصير الحزب.

نشط الحزب الشيوعي واتحاد العمال في الإسكندرية التي كانت معقل المجموعات الراديكالية، وتعاظمت قوة الاتحاد في عام 1923 ونظم عددًا من الإضرابات، كان أقواها إضراب عمال معمل الخواجات أبى شنب حينما استولوا على المعمل واشتبكوا مع الشرطة، وفي عام 1924 وقعت العديد من الإضرابات في القاهرة والإسكندرية بدعاية ومساعدة الشيوعيين واعتراضا على سوء الأحوال التي كان يعاني منها العمال، حيث وقعت الإضرابات في شركة الملح والصودا وعمال شركة زيت فاكوم وعمال الغزل بالإسكندرية وعمال التليفونات وعمال الترام.

اعتبرت حكومة الوفد التي انتصرت في انتخابات 1924 أن مطالب العمال ومشاكلهم مسائل ثانوية وليست من ضمن اهتمامات الحزب الذي كان ممثلا للطبقات العليا ومعبرا عن مصالحها، فلم تتجه حتى لإصدار تشريعات تحفظ للعامل حقوقه وتمكنه من مواجهة تعسف صاحب العمل بوسائل وطرق قانونية، في المقابل انتعش الحزب الشيوعي في تلك الفترة لاشتباكه مع إضرابات الطبقة العاملة وما كانت من حكومة الوفد قامت بقمع الإضرابات ومهاجمة الحزب الشيوعي من أجل تصفيته وقامت بحل اتحاد النقابات، واتجهت حكومة الوفد لاحتواء العمال لتأسيس اتحاد نقابات عمال وادي النيل، الذي كان نواته النقابة العامة للعمال والتي أسسها بعض الأعضاء الذين خرجوا من نقابة عمال الصنائع اليدوية التي أسسها الحزب الوطني وفقد الاهتمام بها بعد ذلك لتلاشي قدرتها على حشد العمال، فقد كانت لا تساهم في دعم العمال في الإضرابات طول فترة العشرينات.

صعود الحزب الشيوعي في خضم الحركة العمالية وتنكيل الوفد بهم
في بداية 1923 لعب الحزب دورًا مهما في مساندة وتنظيم واحد من أوسع الإضرابات، وهو إضراب عمال الغاز والكهرباء بالإسكندرية في فبراير. طالب العمال في هذا الإضراب إقرار مكافأة نهاية الخدمة والتعويض عن إصابات العمل وتوفير الخدمات الطبية، ودشن الحزب في حملة في مواجهة لجنة التوافيق في المنازعات العمالية والتي كانت أداة حماية مصالح أصحاب الأعمال. واستغلت السلطات هذه الحملة كانت هذه الحملة لإلقاء القبض على قائدي الحزب: العرابي ومارون، وإغلاق مقر الحزب ومصادرة أوراقه.

واستطاع الحزب أن يواصل نشاطه، وأخذ تأثيره ونفوذه في صفوف الطبقة العاملة يتزايد بفضل نشاطه الدائم في دعم العمال. حيث شهد مقر الحزب اجتماعات كبيرة للعمال والقيادات النقابية فمقر الحزب كان خلية نمل نشيطة بالاجتماعات الحاشدة للعمال والنقابيين.

تعرض الاتحاد العام للعمل القريب من الحزب الشيوعي لحملات عدائية من قبل النقابات التي كان قياداتها إصلاحيون. ومع ذلك أسفر نشاط الحزب الشيوعي والاتحاد خلال عام 1923 عن توسيع صفوف الاتحاد بدرجة كبيرة حيث صار يضم ما بين 15 و20 ألفًا من الأعضاء في الإسكندرية، دائرة نفوذه الرئيسية. وأصبح الاتحاد هو القوة الأكبر في الحركة العمالية بالإسكندرية.

أدى تزايد قوة الحزب الشيوعي وتوغله في صفوف الطبقة العاملة إلى بوادر صدام بين الحزب وحكومة الوفد، وانطلقت موجة إضرابية تزامنًا مع الموعد الذي قرر فيه الحزب الشيوعي المصري عقد مؤتمر عام للحزب لمناقشة وتعديل برنامجه وانتخابات مندوبين لمؤتمر الأممية، وقد حظرت حكومة الوفد عقد هذا المؤتمر، معتبرة موجة الإضرابات التي اشتعلت في مارس بمثابة مؤامرة شيوعية ضد حكومة الوفد، والتي قامت بالتنكيل بالعمال المضربين وكذلك بالاتحاد النقابي والحزب الشيوعي المصري، ونجحت في القضاء شبه التام على الوجود المنظم للشيوعيين.

خلال التطور اللاحق للحركة الشيوعية المصرية، تبنى الشيوعيون التعاون الطبقي لمصلحة الوطن، ويعد ذلك ردة عن الطريق التي تأسست بها الحركة الاشتراكية والتي جمعت بين عمال أجانب ومصريين، وهذه الإستراتيجية قادت اليسار المصري على مدى حوالي ستين عامًا إلى الإفلاس التام من خلال تبني شعار التحرر الوطني وإعطاءه الأولوية على أية مطالب أخرى يجب أن تنجزها الطبقة العاملة، وتم تنحية الصراع الطبقي وتبني التحرر الوطني، وكأن المستغل المصري سيكون أقل توحشا في تعامله مع العمال وسيتوقف عن استغلالهم ومراكمة الأرباح من خلال جهد هؤلاء العمال.

تمكنت حكومة الوفد من البطش بالحزب الشيوعي والقضاء على الاتحاد العمال الأول الذي كان تجربة فريدة اتسمت بدرجة عالية من الوعي الطبقي، واستفادت من خبرات الحركة العمالية في العالم، وتمكنت من الجمع بين النضال الطبقي الاقتصادي الموقف الصلب من قضية التحرر الوطني فضلا عن وعي تقدمي عميق. ورغم الدور المركزي للحركة العمالية في ثورة 1919، والموقف الجذري للطبقة العاملة من قضية الاستقلال، لم تتردد حكومة الوفد البرجوازية من الإجهاز على رفاق الثورة، حتى وإن كانت النتيجة المباشرة إضعاف جبهة التحرر الوطني.

————–
هوامش:
– الحركة العمالية في مصر 1899- 1952، رؤوف عباس.
– فصل من تاريخ الطبقة العاملة الوفد والعمال، بوابة الاشتراكي.
– الحزب الشيوعي المصري والطبقة العاملة 1922 -1924، ومضة ثورية سرعان ما انطفأت، بوابة الاشتراكي.