بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

روزا لوكسمبورج وأصل عيد العمال

نشأت روزا لوكسمبورج (1871 – 1919) في بولندا التي كانت تخضع للحكم الروسي، وانخرطت في النضالات السرية وهي لا تزال في المرحلة الثانوية. وأصبحت لاحقاً واحدة من أبرز المنظرات والناشطات الثوريات في جيلها، فكتبت نقداً مهماً لكتاب “رأس المال ” لكارل ماركس، وخاضت سجالات فكرية مع الزعيم الثوري فلاديمير لينين، والأهم من ذلك هو مهاجمتها للتيار الإصلاحي المتنامي داخل “الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني” منذ عام 1903 (حين كان يطلق الماركسيين على أنفسهم في ذلك الوقت اسم ” الاشتراكيين الديمقراطيين”).

تأسس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني عام 1875. وقد تعرض برنامجه السياسي الأول للإنتقاد من قبل كارل ماركس، وفي نهاية حياة فريدريك إنجلس بدأ يواجه محاولات قادة الحزب لتحويل الاشتراكية الثورية إلى اشتراكية إصلاحية، وهي فكرة تحقيق الاشتراكية عبر تشريعات برلمانية مدعومة من قبل حركات عمالية جماهيرية. وأصبحت روزا لوكسمبورج من أشد منتقدي هذا التيار الإصلاحي الجديد، وقادت لاحقاً مجموعة ثورية منشقة بعدما صوت نواب الحزب في البرلمان لصالح تمويل مشاركة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، الحرب التي تركت ملايين العمال حول العالم بين قتيل ومشوه.

سُجنت روزا لوكسمبورج عدة سنوات خلال الحرب، لكنها واصلت نضالاتها وكتاباتها السياسية من داخل محبسها، قبل أن يطلق سراحها في 8 نوفمبر 1918 مع دخول الثورة الألمانية مراحلها الأولى. وبعد شهرين، أمرت حكومة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني بشن حملة للقمع. وفي 15 يناير 1919، اغتيلت روزا لوكسمبورج في برلين.

كُتب مقال “ما هو أصل عيد العمال؟ ” عام 1894. ونشر في صحيفة ” قضية العمال” Sprawa Robotnicza، وهي الصحيفة التي كانت شاركت روزا في تأسيسها في العام السابق.

ما هو أصل عيد العمال؟
ولدت فكرة استخدام احتفال عمالي أممي جماهيري كوسيلة للنضال من أجل يوم عمل يقدر بثماني ساعات لأول مرة في أستراليا. فقد قرر العمال هناك في عام 1856 تنظيم يوم من التوقف الكامل عن العمل، ويتضمن أيضاً اجتماعات وفعاليات ترفيهية، بوصفة مظاهرة لتأييد يوم عمل يقدر بثماني ساعات. وحددوا يوم 21 أبريل موعداً لهذا الإحتفال. في البداية، لم يعتزم العمال الأستراليون تنظيم هذا الحدث سوى مرة واحدة في عام 1856 فقط. لكن الإحتفال الأول ترك تأثيراً كبيراً في صفوف الطبقة العاملة الأسترالية، فنشطهم وبعثهم على خوض نضالات جديدة، مما أدي إلي إتخاذ قرار بجعله طقس سنوي.

في الواقع، ما الذي كان من الممكن أن يمنح العمال الشجاعة والإيمان بقوتهم أكثر من إضراب جماعي عن العمل، قرروا هم أنفسهم خوضه؟ ما الذي كان من الممكن أن يمنح مزيداً من الجرأة لـ “عبيد المصانع وورش العمل” أكثر من تنظيم صفوفهم بأنفسهم؟

وهكذا، لاقت فكرة الإحتفال العمالي قبولاً سريعاً، وانطلقت من أستراليا لتنتشر في بلاد أخري، حتي أصبحت في النهاية، احتفال أممي بين الطبقات العاملة في سائر بلاد العالم.

كان العمال الأمريكيين هم أول من مشوا على خطى العمال الأستراليين. في عام 1886، قرر العمال الأمريكيون أن الأول من مايو يجب أن يكون يوماً للإضراب العام عن العمل. وفي ذلك اليوم، ترك 200000 عامل أماكن عملهم، مطالبين بيوم عمل من ثماني ساعات. لكن الشرطة والحملات القمعية منعت العمال من تكرار هذه المظاهرة في الأعوام التالية. وبالرغم من ذلك، فقد قرر العمال في عام 1888 أن يجددوا التظاهرات، وأعلنوا أن الاحتفال التالي سيكون في الأول من مايو عام 1890.
في تلك الأثناء، كانت الطبقة العاملة الأوروبية قد ازدادت قوة ونشاط. وقد كان أقوى تعبير يعبر عن تلك القوة يتجلى في مؤتمر العمال الأممي عام 1889. وبمشاركة 400 مندوب، تم الإتفاق على أن مطلب يوم عمل بثماني ساعات يجب أن يكون المطلب الأساسي للحركة العمالية. وعندها تقدم مندوب النقابات الفرنسية “العامل لافين من بورديو” باقتراح، أن يتم التعبير عن هذا المطلب عن طريق إضراب عمالي أممي عن العمل في جميع بلدان العالم. كما لفت مندوب العمال الأمريكيين الإنتباه إلي قرار رفاقه بتنظيم إضراب في الأول من مايو عام 1890، فقرر المؤتمر أن يكون هذا التاريخ يوماً أممياً لاحتفال الطبقة العاملة.

وفي هذه المرة أيضاً، وكما حدث في أستراليا منذ ثلاثين عاماً، لم يكن العمال يفكرون سوى في تنظيم مظاهرة ليوم واحد. فقد قرر المؤتمر أن يتظاهر جميع عمال بلاد العالم معاً في الأول من مايو عام 1890، مطالبين بيوم عمل من ثماني ساعات، ولم يطرح أحد في ذلك الوقت أن يتحول اليوم إلى طقس سنوي. وبالطبع، لم يتوقع أحد السرعة التي ستنتشر بها هذه الفكرة ولا الكيفية التي ستتبناها بها الطبقات العاملة في كل بلاد العالم. بالرغم من أنه كان يكفي الإحتفال بعيد العمال مرة واحدة فقط، لكي يدرك الجميع أن عيد العمال يجب أن يصبح طقساً وتقليداً سنوياً دائماً ومستمراً.

كان الهدف من عيد العمال هو تحقيق مطلب يوم عمل بثماني ساعات. ولكن حتى بعد تحقيق هذا الهدف، لم يتخل العمال عن احتفالهم السنوي. فطالما استمر نضال العمال ضد الرأسماليين وضد الطبقات الحاكمة، وطالما لم تتحقق مطالبهم، سيمثل عيد العمال التعبير السنوي عن تلك المطالب.

وحينما تتحقق تلك المطالب وتحرر الطبقة العاملة في العالم، فربما تحتفل الإنسانية أيضاً بعيد العمال تخليداً لذكرى تلك النضالات المريرة، ولكل معاناة الماضي.

*المقال مترجم من جريدة الراية الحمراء الأسترالية