بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف وصلنا إلى 30 يونيو؟

لم يكن انقلاب 3 يوليو 2013 حادثًا مفاجئًا هبط على مصر من السماء، ولم يكن أيضًا مجرد مؤامرة عسكرية محكمة بدأت وانتهت في غرف مغلقة. كان الانقلاب نتيجة تفاعل مركب بين أزمة حكم الإخوان، استعادة أجهزة الدولة لثقتها بعد صدمة 2011، خوف الطبقات الوسطى والعليا من استمرار الثورة، عجز المعارضة المدنية عن بناء بديل مستقل، وأخطاء جسيمة ارتكبتها القوى الثورية، بما فيها الاشتراكيون الثوريون. بهذا المعنى، لا يمكن فهم 30 يونيو باعتبارها “موجة ثورية” نقية اختطفها الجيش في اللحظة الأخيرة، ولا باعتبارها مسرحية أمنية كاملة بلا مضمون شعبي. كانت 30 يونيو تعبئة جماهيرية حقيقية، لكنها جرت داخل ميزان قوى مضاد للثورة، وبقيادة سياسية واجتماعية فتحت الباب واسعًا أمام الجيش كي يعود إلى الحكم، لا كحكم مؤقت بين المتخاصمين، بل كصاحب الدولة الجديدة.
السؤال إذن ليس فقط: كيف حدث الانقلاب؟ السؤال الأهم: كيف أصبح الانقلاب ممكنًا، ومقبولًا، ومطلوبًا من قطاعات واسعة من المعارضة والمجتمع؟ هنا تكمن المأساة. فالثورة التي أسقطت مبارك فتحت المجال أمام ملايين المصريين كي يتخيلوا السياسة من جديد. لكنها لم تنجح في تفكيك جهاز الدولة الذي ثارت ضده. بقي الجيش، والشرطة، والقضاء، والبيروقراطية، والإعلام، ورجال الأعمال، وشبكات الحزب الوطني المنحل، كلهم في مواقعهم تقريبًا. تراجعت هيبتهم لبعض الوقت، لكنهم لم يهزموا. انتظروا، ناوروا، تحالفوا مع طرف ضد طرف، ثم عادوا حين وجدوا أن الجميع تقريبًا يحتاج إليهم أو يخاف من خصومه أكثر مما يخاف منهم.
منذ البداية، كان المجلس العسكري يسعى إلى “انتقال” يحافظ على بنية النظام لا إلى ثورة تغيرها. كان يريد انتخابات، ودستورًا، ومؤسسات منتخبة، لكن بشرط أن تبقى الدولة العميقة، وخصوصًا المؤسسة العسكرية، فوق المساءلة. قبل الإخوان المسلمون هذا الإطار لأنهم رأوا في الانتخابات طريقهم الأسرع إلى السلطة. اندفعوا إلى استفتاء مارس 2011، واعتبروا أن الصندوق وحده كفيل بمنحهم الشرعية، حتى لو بقيت قواعد اللعبة في يد الجنرالات. لم تكن هذه مجرد سذاجة. كان هذا اختيارًا سياسيًا: عقد صفقة مع المجلس العسكري على حساب استمرار الضغط الثوري في الشارع.
ساهمت قوى ليبرالية ويسارية أيضا في هذا المأزق بطرق مختلفة. بعض القوى انحازت مبكرًا إلى الدولة ضد الإسلاميين، مستعيدةً لغة التسعينيات عن “الحرب على الإرهاب” و”الفاشية الدينية”. وبعضها رأى في الجيش شريكًا ضروريًا لضبط الانتقال أو لمنع هيمنة الإخوان. أما القوى الأكثر جذرية، ومنها الاشتراكيون الثوريون، فخاضت معارك شرسة ضد المجلس العسكري والشرطة، لكنها لم تنج من الارتباك حين انتقلت السلطة إلى مرسي، وحين بدأت المواجهة بين الإخوان ومعارضة مدنية تتسع داخلها بسرعة مساحة الفلول والدولة القديمة.
كان الإخوان، من جهتهم، أكثر من ساهم في عزل أنفسهم. بعد وصول مرسي إلى الرئاسة، لم يسعوا إلى تفكيك جهاز القمع أو محاسبته. بالعكس، حاولوا استرضاءه. تصالحوا مع الجيش، وحموا امتيازاته، وقبلوا بوضعه الخاص كدولة داخل الدولة. لم يكن الجيش خاسرًا في عهد مرسي. حصل على حماية دستورية، وامتيازات مادية، واستقلالية سياسية، وموقع فوق الرقابة المدنية. أما الشرطة، التي كانت هدفا مركزيا لغضب 2011، فقد حاول الإخوان استيعابها بدلًا من إصلاحها. تحدثوا عن “الشرفاء” داخلها، وراهنوا على استخدامها ضد خصومهم وضد الاحتجاجات الاجتماعية، ثم اكتشفوا لاحقًا أن جهازًا بني على احتقار المجتمع لا يمكن أن يتحول إلى أداة طيعة في يد سلطة منتخبة ضعيفة.
في العام الأول لحكم مرسي، كان الغضب الاجتماعي يتسع. العمال والموظفون وأصحاب المطالب اليومية ذهبوا إلى أبواب القصر الرئاسي، والمصانع، والشوارع. لم تكن الأزمة مجرد صراع علماني إسلامي، كما حاول الإعلام تصويرها. كانت أيضًا أزمة خبز، وأجور، وكرامة، وشرطة، وعدالة اجتماعية. في 2012 وحده، سجلت مصر آلاف التحركات الاجتماعية والعمالية، بما يفوق ما شهدته البلاد طوال العقد السابق للثورة. لكن مرسي والإخوان لم يروا في هذا الفوران الاجتماعي امتدادًا للثورة، بل مؤامرة. وحين فتحت الشرطة النار في بورسعيد في يناير 2013، وقتلت عشرات المواطنين، بينهم عضو شاب في الاشتراكيين الثوريين هو أحمد سامي، دافع مرسي عن الشرطة، ووصم المحتجين بالبلطجية والمتآمرين. كانت تلك لحظة كاشفة. الرئيس المنتخب الذي جاء بعد ثورة على الشرطة وقف مع الشرطة ضد الشارع.
من هنا بدأت المعارضة المدنية تتوسع بسرعة. لكن توسعها لم يكن كله ثوريًا. جبهة الإنقاذ ضمت طيفًا واسعًا من الليبراليين واليساريين والناصريين، لكنها ضمت أيضًا شخصيات من النظام القديم، أو تحالفت معها ميدانيًا وسياسيًا. بالنسبة للاشتراكيين الثوريين، كان هذا سببا لرفض الانضمام إلى الجبهة. كان الخطر واضحًا: معارضة مرسي عبر تحالف تقوده شخصيات مثل عمرو موسى، وتدعمه شبكات رجال الأعمال والإعلام القديم، ستنتهي إلى إعادة تأهيل الفلول لا إلى تجديد الثورة. لكن رفض جبهة الإنقاذ لم يمنع الاشتراكيين الثوريين من الانخراط لاحقًا في حملة تمرد، وهنا كان الخطأ الأكبر.
بدأت تمرد، في مرحلتها الأولى، كمبادرة شبابية لا مركزية لجمع توقيعات لسحب الثقة من مرسي والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة. هذا الشكل اللامركزي منح قوى مختلفة، بينها الاشتراكيون الثوريون، مساحة للعمل داخل الحملة بخطاب مستقل: ضد مرسي، وضد الجيش، وضد الفلول. كان التصور أن الغضب الشعبي من الإخوان يمكن دفعه في اتجاه يساري وثوري، وأن 30 يونيو قد تكون موجة جديدة تطيح بمرسي وتفتح الباب أمام مسار ثوري أوسع. عزز هذا التصور تصاعد الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية في النصف الأول من 2013. لكن السياسة لا تقاس بالرغبات. تقاس بموازين القوى، ومن يملك القيادة، ومن يملك السلاح، ومن يملك الإعلام، ومن يملك الدولة.
بحلول يونيو، كانت تمرد تتغير. صار مركزها أكثر ضيقًا، وخطابها أكثر تقربًا من الجيش والشرطة والفلول. دخلت عليها شبكات الحزب الوطني، ورجال الأعمال، وإعلام الثورة المضادة، وقطاعات من القضاء والبيروقراطية، ودعموا الاستقرار بأي ثمن، ومعهم قوى إقليمية معادية للثورة، خاصة الإمارات والسعودية. لم تعد تمرد مجرد حملة شبابية. أصبحت وعاءً واسعًا لإسقاط مرسي، لكن دون ضمانة واحدة بشأن من سيحكم بعده. بل الأسوأ أن الإجابة كانت تظهر أمام الجميع: الجيش. كان شعار “انزل يا سيسي” يصعد، وصورة الجيش تعود إلى الميادين، والنزعة الانتقامية ضد الإخوان تبتلع أي حديث عن دولة مدنية أو عدالة اجتماعية أو حكم عسكري.
رأى الاشتراكيون الثوريون الخطر. قاطعوا في الأسابيع الأخيرة كل اجتماعات التنسيق مع تمرد وجبهة الإنقاذ بسبب الخط السياسي الذي يغازل الجيش والشرطة والفلول. نزلوا في 30 يونيو بشعار “يسقط كل من خان: عسكر، فلول، إخوان”. رفعوا صور الشهداء الذين قتلهم الجيش والشرطة، وهتفوا ضد الحكم العسكري، ووزعوا أدبيات تحذر من تدخل الجيش. لكنهم كانوا أقلية داخل موجة هائلة تغيرت طبيعتها السياسية. في القاهرة والمحافظات، تعرض نشطائهم أحيانا للهجوم حين هتفوا ضد الجيش. كانت “الموجة” التي حاولوا التأثير فيها قد أصبحت، في لحظتها الحاسمة، موجة تطلب من الجيش أن يحسم الصراع.
هنا يجب قول الأمر بوضوح: كان قرار المشاركة في تمرد و30 يونيو خطأً سياسيًا، حتى لو كان مفهومًا في سياقه. كان مفهومًا لأن مرسي كان قد خان وعود الثورة، وتحالف مع الجيش، ودافع عن الشرطة، وفشل في الحكم، وترك البلاد تحت وطأة أزمة اقتصادية وسياسية خانقة، وفتح الباب أمام خطاب طائفي مع حلفائه السلفيين، وتعامل مع المعارضة والاحتجاج الاجتماعي بمنطق المؤامرة. وكان مفهومًا لأن قطاعات شعبية واسعة كانت تريد الخلاص منه. لكنه كان خطأ لأن الحركة الفعلية على الأرض لم تكن تتجه نحو سلطة ثورية بديلة، بل نحو تفويض الجيش. حاول الاشتراكيون الثوريون ومجموعات ثورية أخرى أن يكونوا “الطرف الثالث”، لكن الطرف الثالث لا يصنعه الشعار وحده. يحتاج إلى تنظيم جماهيري واسع، ونقابات قوية، وقيادة سياسية ذات وزن، وشبكات إعلامية واجتماعية قادرة على منافسة ماكينة الدولة. لم يكن ذلك موجودًا.
المعارضة المدنية ارتكبت خطأ أفدح. لم تكتف بالنزول ضد مرسي. ذهبت إلى الجيش، أو قبلت بدوره، أو بررته، أو صمتت عنه. كثيرون تصوروا أن الجيش سيتدخل لإزاحة مرسي فقط، ثم يسلم السلطة إلى المدنيين. بعض قادة جبهة الإنقاذ تلقوا تطمينات من السيسي بأن الجيش لا يريد الحكم المباشر ولا يسعى إلى طموح سياسي. لكن كل تاريخ المؤسسة العسكرية في مصر كان يقول العكس. الجيش لا يدخل السياسة ليحرس الثورة، بل ليحرس الدولة. وحين تستدعيه المعارضة إلى الشارع، فهو لا يأتي كقوة محايدة، بل كقوة صاحبة مشروع ومصالح وذاكرة انتقامية من 2011.
أما رواية أن تمرد كانت منذ اليوم الأول مجرد صناعة أمنية كاملة، فهي تبسيط مريح لكنه غير دقيق. المبادرة بدأت بالفعل من شباب معروفين في دوائر المعارضة، وبعضهم له تاريخ في معارك ضد المجلس العسكري. لكن هذه الحقيقة لا تبرئ المسار الذي انتهت إليه. فالحركات السياسية لا تعرّف فقط بمن بدأها، بل بمن سيطر عليها، ومن مولها، ومن ضخّمها، ومن حدد لحظتها الحاسمة. تمرد بدأت كحملة احتجاج، ثم أصبحت، مع اتساعها، الجسر الذي عبرت عليه قوى الثورة المضادة إلى الشارع. لم تكن الدولة بحاجة إلى اختراع الغضب الشعبي ضد مرسي. الغضب كان حقيقيًا. ما فعلته الدولة هو أنها أعادت تنظيم هذا الغضب حول حل عسكري.
في المقابل، كان مرسي عاجزًا عن فهم طبيعة الخطر. تلقى تحذيرات من تحركات السيسي، لكنه لم يتحرك. ربما خاف من الدم، وربما صدّق أن استرضاء الجيش يحميه، وربما تصور أن شرعيته الانتخابية كافية. لكنه لم يدرك أن الشرعية في لحظة ثورية لا تعيش في القصر ولا في الصندوق فقط. تعيش في الشارع، وفي القدرة على كسب الطبقات الشعبية، وفي كسر جهاز القمع أو تحييده. مرسي فعل العكس. خسر الشارع، ولم يكسر جهاز القمع، وحمى امتيازات الجيش، ثم وجد نفسه وحيدًا أمام مؤسسة كانت قد حسمت أمرها.
بحلول مايو 2013، كان قادة الجيش قد بدأوا يميلون إلى الانقلاب. وبحلول أواخر مايو، كان بعض كبار الضباط يتحدثون علنًا عن دعم تمرد. لم يكن الدافع أن مرسي هدد مصالح الجيش. العكس هو الصحيح: مرسي منح الجيش أكثر مما كان يحلم به في إطار انتقالي. المشكلة من وجهة نظر الجنرالات أنه فشل في إنهاء الثورة، وفشل في استعادة الاستقرار، وفشل في ضبط الشارع. الجيش أراد حاكمًا مدنيًا ضعيفًا يحمي امتيازاته ويهدئ البلاد. لكن مرسي كان ضعيفًا دون أن يكون قادرًا على التهدئة. من هنا أصبح التخلص منه، بالنسبة إلى قيادة الجيش، فرصة لإعادة تأسيس النظام على قاعدة أشد قمعًا ومركزية.
في 3 يوليو، ظهر السيسي محاطًا بممثلين عن المعارضة المدنية والدينية. كانت الصورة أهم من البيان. الجيش أراد أن يقول إن الانقلاب ليس انقلابًا، بل استجابة وطنية جامعة. وجود رموز مدنية ودينية في المشهد منح التدخل العسكري غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا. كثيرون من الذين وقفوا في تلك اللحظة بجوار السيسي اكتشفوا لاحقًا أنهم لم يكونوا شركاء في سلطة جديدة، بل شهود زور في لحظة تأسيسها. لكن الاكتشاف جاء متأخرًا. فالانقلابات لا تنتظر ندم الحلفاء.
بعد 3 يوليو، ظهرت حقيقة المسار بسرعة. في 8 يوليو، وقعت مذبحة الحرس الجمهوري، حين فتح الجيش النار على مؤيدي مرسي. كان هذا إنذارًا مبكرًا بأن السلطة الجديدة لن تكتفي بعزل الرئيس، بل ستسحق أنصاره. ثم جاء طلب السيسي في 26 يوليو بتفويض شعبي “لمواجهة الإرهاب المحتمل”. كان التفويض لحظة بالغة الخطورة: تعبئة جماهيرية لدعم القمع قبل وقوعه، وتحويل الخلاف السياسي إلى حرب وجودية ضد “الإرهاب”، واعتبار أي رفض للعنف العسكري خيانة أو اصطفاف مع الإخوان.
هنا تميز موقف الاشتراكيين الثوريين عن معظم اليسار. رفضوا التفويض، وحذروا من “الفاشية العسكرية”، ورفضوا المشاركة في التعبئة التي دعا إليها السيسي. وبعد ذلك بأسبوع تقريبًا، وقعت قوى يسارية وناصرية ومدنية، باستثناء الاشتراكيين الثوريين، على بيان بعنوان “أين الفض؟”، يدعو فعليًا إلى إنهاء اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة تحت غطاء استعادة هيبة الدولة ومواجهة الإخوان. رفض الاشتراكيون الثوريون توقيع البيان، وكان هذا الرفض مهمًا لأنه سبق المذبحة لا لحقها. وحين وقعت مذبحة رابعة والنهضة في 14 أغسطس، أدانوا المجزرة، ووصفوا السيسي بقائد الثورة المضادة. هذه مواقف مهمة، ويجب ألا تمحى من الذاكرة. لكنها لا تلغي الخطأ السابق في قراءة 30 يونيو كـ”موجة ثورية” يمكن التأثير فيها. لقد أدرك التنظيم الخطر بعد الانقلاب، ورفض التفويض وبيان “أين الفض” وأدان رابعة، لكنه لم يحسم نظريًا وسياسيًا طبيعة 30 يونيو إلا لاحقًا، حين تبلور الاستنتاج بأنها كانت تعبئة رجعية سلمت السلطة للثورة المضادة، لا موجة ثورية اختطفها الجيش عرضًا.
أما بقية اليسار، فكانت الكارثة أعمق. قطاعات واسعة منه رأت في تدخل الجيش حربا ضد “الفاشية الدينية”. بهذا المنطق، عاد جزء من اليسار إلى أسوأ تراثه في التسعينيات: الاصطفاف مع الدولة في حربها على الإسلاميين، وتخيل أن القمع يمكن أن يكون تقدميًا إذا كان ضحيته إسلاميًا. هذا المنطق لم يحم اليسار. بعد سحق الإخوان، جاء الدور على الجميع: 6 أبريل، الاشتراكيين الثوريين، النشطاء المستقلين، العمال، الصحفيين، الحقوقيين، الليبراليين، وحتى بعض من صفقوا في البداية. الدولة التي تمنحها شيكًا على بياض كي تقتل خصمك لن تعيد لك الشيك بعد انتهاء المهمة.
الدرس القاسي من 30 يونيو هو أن العداء للإخوان لا يصنع سياسة ثورية وحده. الإخوان كانوا قوة محافظة، انتهازية، معادية في لحظات كثيرة لمطالب العمال والنساء والأقباط والحريات الفردية. كما تورطوا في صفقات مع المجلس العسكري، وغطوا على جرائم الشرطة، وشاركوا في شيطنة الاحتجاجات. لكن مواجهة الإخوان عبر الجيش كانت انتحارًا سياسيًا. لا يمكن إسقاط قوة رجعية بالتحالف مع قوة أشد رجعية وتمتلك الدبابات والسجون والإعلام والقضاء. ولا يمكن بناء ديمقراطية باستدعاء المؤسسة التي تأسس النظام كله حول امتيازاتها منذ 1952.
والدرس الثاني أن الصندوق لا يكفي. شرعية مرسي الانتخابية كانت حقيقية، لكنها لم تمنحه حق سحق الاحتجاجات أو حماية الشرطة أو تحصين الجيش. وفي الوقت نفسه، فشل مرسي لا يمنح الجيش حق الانقلاب. الدفاع عن الديمقراطية لا يعني الدفاع عن حكم الإخوان، بل الدفاع عن حق المجتمع في إسقاطهم دون تسليم نفسه للجنرالات. كان الطريق الصحيح، مهما كان صعبًا، هو بناء معارضة مستقلة ضد مرسي وضد الجيش في آن واحد، تربط بين المطالب الاجتماعية والديمقراطية، وتدافع عن الحريات للجميع، وترفض الطائفية، وترفض عودة الفلول، وترفض تفويض الجيش. هذا الطريق كان ضعيفًا، لكنه كان الطريق الوحيد الذي لا ينتهي إلى رابعة، وقانون التظاهر، والسجون، والجمهورية العسكرية الجديدة.
والدرس الثالث أن الثورة المضادة لا تنتصر بالقمع وحده. تنتصر حين تقنع قطاعات من المجتمع بأن القمع هو الحل. في 2013، لم يكن الجيش بحاجة إلى أن يخفي مشروعه كثيرا. الملايين كانت مرهقة وخائفة وغاضبة، والإعلام ضخ خطابًا يوميًا عن الانهيار والمؤامرة والأخونة، والمعارضة المدنية منحت المؤسسة العسكرية شرعية سياسية، والإخوان منحوا خصومهم كل الذرائع الممكنة، والقوى الثورية لم تكن تملك تنظيمًا بحجم اللحظة. عند هذه النقطة، لم يعد الانقلاب مجرد قرار من السيسي، بل أصبح نتيجة ميزان قوى كامل.
لذلك، في ذكرى 30 يونيو، لا يفيد جلد الذات المجرد، ولا يفيد الدفاع العصبي عن أخطاء الماضي. المطلوب حساب سياسي بارد. نعم، كان الغضب ضد مرسي مشروعًا. نعم، شاركت قطاعات شعبية واسعة في 30 يونيو لأسباب حقيقية. نعم، لم يكن كل من نزل يطلب الدكتاتورية. لكن النتيجة السياسية للتعبئة كانت واضحة: فتح الطريق أمام انقلاب عسكري، ثم أمام نظام أكثر شراسة من نظام مبارك. النظام الحالي ليس مجرد عودة إلى ما قبل 2011. إنه نظام تعلم من الثورة كيف يمنع تكرارها: توحيد أجهزة القمع، توسيع دور الجيش في الدولة والاقتصاد، سحق المجال العام، وتجريم السياسة نفسها.
أما بالنسبة للاشتراكيين الثوريين، فالحساب يجب أن يكون مزدوجًا. من جهة، يحسب لهم أنهم لم ينضموا إلى جبهة الإنقاذ، ولم يشاركوا في التفويض، ورفضوا بيان “أين الفض”، ولم يبرروا رابعة، وحاولوا بعد الانقلاب – مع مجموعات ثورية أخرى – بناء جبهة طريق الثورة كبديل عن الإخوان والجيش. ومن جهة أخرى، يحسب عليهم أنهم شاركوا في تمرد و30 يونيو وهم يبالغون في تقدير قدرتهم على التأثير في موجة كانت قيادتها الفعلية تنتقل بسرعة إلى الثورة المضادة. هذا ليس تفصيلًا. فالسياسة الثورية لا تقاس فقط بصحة النوايا أو نقاء الشعارات، بل بالقدرة على قراءة اللحظة وتحديد الاتجاه الغالب داخلها.
لقد وصلنا إلى 3 يوليو لأن الجميع تقريبًا، بدرجات مختلفة، أخطأ في تقدير الدولة. الإخوان ظنوا أنهم يستطيعون التعايش معها ووراثة رأسها. الليبراليون والناصريون وكثير من اليسار ظنوا أنهم يستطيعون استخدامها ضد الإخوان ثم إعادتها إلى الثكنات. الثوريون ظنوا أنهم يستطيعون ركوب موجة 30 يونيو ضد مرسي والجيش معًا. لكن الدولة لم تكن أداة في يد أحد. كانت هي الطرف الأكثر تنظيمًا وتسليحًا وصبرًا. وحين سنحت اللحظة، لم تعد إلى ما كانت عليه فقط، بل بنت نظامًا أضيق وأعنف وأكثر طموحًا.
كانت 30 يونيو صرخة غضب شعبية حقيقية، لكنها تحولت إلى باب خلفي للثورة المضادة. هذه هي الحقيقة المؤلمة التي يجب أن نبدأ منها، لا أن نهرب منها. ومن دون الاعتراف بها، ستظل الذاكرة المصرية سجينة روايتين زائفتين: رواية ترى في 30 يونيو ثورة مكتملة خانها بعض الجنرالات لاحقًا، ورواية ترى كل من نزل إلى الشارع عميلًا للانقلاب منذ اللحظة الأولى. الحقيقة أكثر تعقيدًا، لكنها أكثر فائدة: الجماهير يمكن أن تتحرك لأسباب عادلة في اتجاه كارثي إذا غابت القيادة المستقلة، وإذا احتكرت الدولة معنى الاستقرار، وإذا تحولت كراهية الخصم السياسي إلى استعداد لتسليم البلاد لمن يملك السلاح.
بعد 13عامًا، لا تزال آثار تلك اللحظة تحكمنا. كل سجين سياسي، كل قانون قمعي، كل صحيفة مغلقة، كل نقابة مروضة، كل جامعة مؤممة أمنيًا، كل عامل يعاقب لأنه أضرب، كل مواطن يخاف من الكلام، يحمل أثرًا من ذلك التفويض. لم يبدأ القمع في 2013، لكنه وجد في 30 يونيو و3 يوليو الشرعية الجماهيرية التي كان يفتقدها بعد 2011. لهذا يجب ألا تكون ذكرى 30 يونيو مناسبة للحنين أو الشماتة أو تبرئة الذات. يجب أن تكون مناسبة لفهم كيف تهزم الثورات: لا فقط بالدبابات، بل أيضًا بالأوهام، وبالخوف، وبالتحالفات الخاطئة، وبالخلط القاتل بين إسقاط خصم سياسي وتسليم الدولة لمن سيحطم الجميع.