حين صفّق اليسار للجلاد
لماذا أيّد اليسار المصري انقلاب يوليو 2013؟

في أغسطس 2013، بعد أيام قليلة من مذبحة رابعة العدوية التي قُتل فيها أكثر من ألف مصري في ساعات، أدلى رفعت السعيد، زعيم حزب التجمع وأحد أقدم رموز اليسار المصري، بتصريحه الشهير: “أحب السيسي لأنه أنقذ رقبتي في 30 يونيو.” (1) لم يكن هذا زلّة لسان، بل موقفاً سياسياً متكاملاً. فحزب التجمع كان قد رحّب بتغييب العملية الديمقراطية، ودعم وصف الإخوان بالإرهابيين، وبارك فض الاعتصامات، واستنكر تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش عن المجزرة، بينما أشاد بتقرير لجنة تقصي الحقائق الموالية للنظام. (2)
أمام هذا المشهد، ثمة إجابة سهلة تقول إن اليسار “خان مبادئه” أو “انحرف عن طريقه الصحيح.” لكن هذه الإجابة، رغم راحتها الأخلاقية، يفوتها الأهم. فالخيانة تفترض أن ثمة مبدأ كان موجوداً وجرى التخلي عنه، والانحراف يفترض أن ثمة طريقاً مستقيماً انعرج عنه. والحجة التي يطرحها هذا المقال مختلفة تماماً: ما جرى في 2013 لم يكن انحرافاً عن منطق اليسار التقليدي، بل كان تطبيقاً أميناً ومتسقاً له. والسؤال إذن ليس “لماذا خان اليسار مبادئه؟” بل “ما هي هذه المبادئ التي قادته حتماً إلى هذا الحصاد؟”
الجواب يستدعي رحلة من 2013 إلى الوراء، لأن ما جرى في يوليو لا يُفسَّر بيوليو، إنما بسبعين عاماً من تشكّل يسار وُلد من رحم طبقة بعينها، وتبنّى منطقاً فكرياً بعينه، فوصل حتماً إلى ما وصل إليه.
أولاً: من أنتج هذا اليسار؟ الانتلجنسيا بنت رأسمالية الدولة
قبل أن نسأل “لماذا فعل اليسار ما فعله؟” علينا أن نسأل “من هو هذا اليسار اجتماعياً؟” أي من أي طبقة جاء، وفي أي بيئة نشأ، وأي مصالح مادية يعبّر عنها حين يُنظّر.
الجواب يقودنا إلى ظاهرة تاريخية محددة، وهي الانتلجنسيا التي أفرزتها رأسمالية الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار. فحين انتهجت مصر ما بعد 1952 طريق التصنيع عبر الدولة، كان هذا الطريق يُنتج بالضرورة طبقة وسطى جديدة: موظفو الدولة والضباط ومديرو القطاع العام والمهندسون والأطباء والمعلمون والصحفيون، أي كل من تلقّى تعليمه في مؤسسات الدولة الجديدة وحصل على مكانته الاجتماعية منها. وكان الحراك الاجتماعي الذي أتاحه هذا المشروع حقيقياً، فأبناء الفلاحين والعمال أصبحوا مهندسين وأطباء وموظفين، وهو ما منح المشروع الناصري شعبيته الاستثنائية.
من رحم هذه الطبقة خرجت غالبية كوادر اليسار التقليدي المصري. وهنا تكمن المسألة الجوهرية التي يجب أن نفهمها جيداً قبل المضيّ قُدُماً: الانتلجنسيا لا تطوف في الهواء. هي دائماً تعبير عن طبقة اجتماعية ما، تصوغ مصالحها في هيئة أيديولوجيا ونظرية وبرامج سياسية. وكما أوضح ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي، فإن قطاعاً من المنظّرين البرجوازيين يستطيع أن ينشق عن طبقته وينضم للطبقة العاملة، لكن الشرط هو أن يرتفع إلى مستوى “الفهم النظري للحركة التاريخية في مجملها.” (3) أي أن الأصل الطبقي ليس قدراً محتوماً، لكنه يظل قيداً حقيقياً حين لا يحدث هذا الارتفاع.
ما هي إذن مصلحة الطبقة الوسطى التي تشكّلت في رحم رأسمالية الدولة؟ مصلحتها المادية هي الحفاظ على الدولة بوصفها الجهاز الذي أنتجها وضمن وجودها واستمرار امتيازاتها. هي لا تستطيع أن تتخيل عالماً بدون هذه الدولة، لأن وجودها نفسه مرهون بوجود الدولة. ومن هنا جاء ما يبدو في الظاهر “موقفاً أيديولوجياً” أو “خياراً فكرياً”، لكنه في الجوهر انعكاس لمصلحة مادية عميقة.
لكن علينا أن نحذر هنا من الوقوع في المادية الميكانيكية التي ننتقدها. فالأصل الطبقي لا يُحدِّد الوعي تحديداً آلياً قاطعاً، بل يضع إطاراً لما يُرى وما يُتخيَّل وما يُرفض. والفارق بين اليسار التقليدي الذي انتهى إلى 2013، وبين من رفضوا هذا الطريق، ليس في الأصل الاجتماعي، بل في المنهج: أولئك تبنّوا المادية الميكانيكية التي جعلت الدولة بديلاً عن الطبقة العاملة كفاعل تاريخي، وهؤلاء قطعوا الأوصال مع هذا المنطق وتبنّوا الجدل المادي. هذا التمييز هو خيط المقال كله.
ثانياً: الدائرة المغلقة، رأسمالية الدولة تُنتج يساراً يُعيد إنتاجها
لكن قبل أن ندخل في تشريح المشروع الناصري، علينا أن نُسجّل نقطة جوهرية: الخطيئة الأصلية لم تبدأ مع ناصر، بل سبقته. ذلك أن الموجة الثانية من الحركة الشيوعية المصرية تبنّت في الأربعينات المنطق الستاليني المستورد من موسكو، أي منطق المراحل الميكانيكية للثورة والتحالف مع البرجوازية الوطنية كضرورة تاريخية لا مفرّ منها. ما فعله ناصر هو أنه وفّر لهذا المنطق بيئته الاجتماعية المثالية: طبقة وسطى واسعة وُلدت من رحم الدولة وأعادت إنتاج نفس المنطق الذي كان مُستورداً في البداية.
الجانب الأول من هذا المحور يتعلق بطبيعة المشروع الناصري نفسه. فالرواية التي تبنّاها اليسار التقليدي ترى في مشروع ناصر “اشتراكية عربية” أو مشروعاً تقدمياً معادياً للإمبريالية يستحق الدعم. لكن هذه الرواية تخلط بين الشكل والجوهر، لأن ما بناه ناصر لم يكن اشتراكية بل رأسمالية دولة.
الفرق ليس لفظياً. ففي رأسمالية الدولة، كما طوّر توني كليف هذا المفهوم، يستمر “العمل المأجور في تناقضه مع رأس المال، ويستمر إنتاج فائض القيمة وتحوّله إلى رأس مال.” (4) ما يتغيّر هو هوية من يتراكم عنده فائض القيمة: بدلاً من الرأسمالي الفرد، تتراكم الثروة في يد بيروقراطية الدولة. لكن العامل ظل عاملاً مأجوراً يُنتج فائض قيمة لا يملكه، ويخضع لسيطرة لا حول له فيها. كما أن الاشتراكية عند ماركس لم تكن يوماً مجرد تأميم، بل كانت سيطرة الطبقة العاملة المنظمة ديمقراطياً على وسائل الإنتاج وذبول الدولة كجهاز قمع، لا تضخّمها. وكما يقرّر الاشتراكيون الثوريون بوضوح، تلك الدول “لم تكن اشتراكية إلا في الاسم، بل كانت في الواقع شكلاً من أشكال رأسمالية الدولة.” (5)
الجانب الثاني، وهو الأعمق، هو أن هذا التشخيص لا يقف عند مجرد وصف الاقتصاد السياسي لمصر الناصرية، بل يكشف دائرة تأسيسية مغلقة: رأسمالية الدولة الناصرية أنتجت الطبقة الوسطى البيروقراطية التي تشكّل منها اليسار التقليدي، وهذا اليسار بمنطقه المادي الميكانيكي أكمل بدوره تهميش الطبقة العاملة المستقلة وأعاد إنتاج الشروط التي جعلت رأسمالية الدولة ممكنة. أي أن العلاقة لم تكن أحادية الاتجاه من الاقتصاد إلى الأيديولوجيا، بل كانت جدلية: الأيديولوجيا الستالينية الميكانيكية مكّنت رأسمالية الدولة من تجريد الطبقة العاملة من أسلحتها.
والدليل على ذلك هو ما وثّقه عبد الغفار العوضي من أن الناصرية قامت على “تأميم الحياة النقابية وسيطرة جهاز الدولة على كل منظمات الطبقة العاملة منذ 1957، وتولّي أهل الثقة من الطبقة الحاكمة كل المناصب القيادية فيها، والقضاء على التنظيمات السياسية المستقلة للعمال وحقهم في الإضراب.” (6) بمعنى آخر، المشروع الناصري عمّق بالضبط الفجوة التي يحتاجها اليسار التقليدي لبقاء دوره: فجوة بين طليعة منظّرة وجماهير موضوع للتحديث لا فاعلة تاريخية. فالمثقف البيروقراطي يحتاج للجماهير موضوعاً لخطابه لا قوة مستقلة تتجاوزه.
وتصل الدائرة إلى اكتمالها الأكثر مأساويةً عام 1965، حين حلّ الحزبان الشيوعيان الكبيران نفسيهما طوعاً وانضمّ أعضاؤهما إلى الاتحاد الاشتراكي العربي، تنظيم ناصر الأوحد. والمفارقة التي رصدها سامح نجيب بدقة قاسية هي أن ذلك جرى بعد سنوات من التعذيب في سجون نفس النظام، وبتعليمات من الاتحاد السوفيتي، في مفارقة تتمثل في أن “التقدميون يتواطؤون مع النظام ويندمجون فيه، والرجعيون يناهضونه ويموتون على مشانقه.” (7) لم يكن هذا الحل خيانة للمبادئ، بل تطبيقاً داخلياً متسقاً لها: فمنطق المراحل المادي الميكانيكي لا يملك معياراً مستقلاً للمقاومة حين “تُنجز” الدولة الوطنية “مهام مرحلتها”، فيصبح الحل ليس هزيمة بل “قراراً نظرياً سليماً.” الجدير بالذكر أن عدداً من الأفراد والمجموعات رفضوا حل الحزب.
ومع بداية السبعينيات تجمعت حلقات ماركسية من جديد في الجامعات لتكوّن تنظيماً “شيوعياً مصرياً”، ونمت هذه الحركة، وبخاصة “حزب العمال”، في الجامعات مع اندلاع الحركة الطلابية عام 1972.
ثالثاً: السادات وفاتورة الفراغ
حين تولّى السادات مقاليد دولة يوليو وأطلق الانفتاح الاقتصادي وبدأ تفكيك القطاع العام والتحالف مع الغرب، جاء الاختبار الحقيقي. وكان من السهل قراءة ما جرى على النحو التالي: اليسار راهن على الدولة فسقط حين انقلبت الدولة عليه. هذه القراءة صحيحة لكنها سطحية، لأنها تجعل السقوط حادثة خارجية أصابت يساراً كان صحيحاً لولاها. القراءة الأعمق، المُطعَّمة بالأولى، هي أن اليسار لم يكن لديه ما يسقط منه أصلاً، لأن السقوط الحقيقي كان قد جرى قبل السادات بعقد كامل.
السبب هو أن المنطق الميكانيكي نفسه كان قد قرّر نظرياً أن بناء قاعدة طبقية مستقلة عن الدولة الناصرية “التقدمية” أمر “غير ضروري” في أحسن الأحوال، و”تخريب للمشروع التقدمي” في أسوأها. فطالما أن الدولة تُنجز مهام المرحلة، فلماذا تبني قوة موازية لها؟ وهكذا وجد اليسار نفسه، حين انقلبت الدولة عليه، بلا نقابات مستقلة، وبلا تنظيمات عمالية حقيقية، وبلا ثقة في الطبقة العاملة كقوة مستقلة. لم يكن ذلك ضعفاً تنظيمياً بل نتيجة قرار نظري. الفراغ لم يتركه السادات، بل تركه اليسار بنفسه قبل السادات بعقد كامل.
وحين اندلعت انتفاضة يناير 1977 احتجاجاً على رفع الدعم، وكانت أوسع حركة جماهيرية مصرية بين 1952 و2011، جاءت عفوية من أسفل، صنعتها الجماهير العمالية والفقيرة بلا قيادة منظّمة. واليسار لم يكن قائدها بل لحق بها. لم يكن ذلك مصادفة أو فشلاً تنظيمياً طارئاً، بل كان البرهان على أن يساراً تخلّى عن بناء علاقة عضوية مستقلة مع الطبقة العاملة لمدة عقدين لا يستطيع أن يقودها حين تتحرك. والطبقة العاملة بدورها، حين تتحرك، تتجاوز من لم يكن معها يوماً.
وهنا يكتمل الفهم الجدلي للمرحلة: السادات لم يُفشل اليسار، بل كشف فشله. فالفشل الحقيقي كان في قرار اليسار النظري الذي جعل بناء قاعدة طبقية مستقلة “غير ضرورياً.” وحين انهار العقد الاجتماعي الناصري بعد هزيمة 1967، ثم مضى السادات في تفكيكه اقتصادياً، لم يجد اليسار أمامه سوى خيارين كلاهما مرّ: إما الوقوف في مواجهة الدولة بلا قاعدة شعبية مستقلة، وهو ما يعني العزلة الكاملة، وإما الاستمرار في التبعية للدولة بشكلها الجديد. وقد اختار اليسار التقليدي، بمنطقه الداخلي المتسق، الخيار الثاني مراراً. وكان هذا الاختيار يُرسّخ في كل مرة الحلقة التي بدأت مع الناصرية: لا قاعدة طبقية مستقلة تعني لا استقلالية سياسية، وغياب الاستقلالية يعني العودة إلى الدولة، والعودة إلى الدولة تعني إعادة إنتاج غياب القاعدة.
لكن من الإجحاف، ومن التعميم المُخلّ، أن نُسوّي بين كل تيارات اليسار في هذه الحقبة. فموقف حزب التجمع المهادن لم يكن موقف اليسار كله. فقد نشأ في أواخر الستينيات تيار راديكالي قطع نظرياً مع المنطق الستاليني السائد، أبرزه حزب العمال الشيوعي المصري الذي تأسس في ديسمبر 1969، وضمّ كوادر نظرية مثل إبراهيم فتحي وخليل كلفت وصلاح العمروسي. (8)
وكان الفارق الجوهري بين هذا التيار واليسار التقليدي فارقاً في التشخيص الطبقي للناصرية ذاتها. فبينما رأى اليسار التقليدي في الناصرية مشروعاً تقدمياً يستحق الدعم، قدّم حزب العمال نقداً بروليتارياً صريحاً لها. فقد ردّ صلاح العمروسي على “القائلين بسلطة البرجوازية الصغيرة” الذين اعتبروا الناصرية والبعثية أنظمة تقدمية، وكشف طبيعتها الرأسمالية الدولتية. بل إن إبراهيم فتحي توقّع، قبل حرب أكتوبر وقبل أن يكمل السادات تحوّله، أن “مآل النظام الناصري هو الاستسلام للإمبريالية الأمريكية”، وهو تشخيص أثبتته الأيام بدقة لافتة.
والأهم أن هذا التيار لم يكن منعزلاً في برجه النظري، بل كان مرتبطاً بقطاعات عمالية وطلابية حقيقية، وكان له دور فعلي في انتفاضة الطلبة بين عامي 1972 و1973، وكذلك في التحضير لانتفاضة الخبز عام 1977 من خلال الحركة الطلابية والحركة العمالية خلال عامي 1975 و1976. غير أن المفارقة المؤلمة هي أن رؤاه، حتى وهي الأكثر راديكالية، لم تترجم نفسها إلى قيادة فعلية للانتفاضة حين اندلعت. وهذا الاستثناء مهم لسببين: أولاً، لأنه يُثبت أن المنطق الميكانيكي لم يكن قدراً محتوماً على كل اليسار، بل كان خياراً نظرياً أمكن لبعضهم رفضه بوضوح. وثانياً، لأنه يكشف أن المسألة ليست فقط في صحة التحليل، بل في بناء الأداة التنظيمية القادرة على تحويل التحليل الصحيح إلى ممارسة قيادية. فالتيار الذي امتلك التشخيص الأصح ظل أصغر من أن يقود، بينما التيار الأكبر مؤسسياً كان أسير المنطق الذي يقوده إلى الدولة. وهذا التمييز سيظل حاضراً حتى 2013، حين شارك الجميع في النهاية في دعم الانقلاب أو السكوت عنه، على تفاوت كبير في درجات هذا التورط ولحظاته.
رابعاً: الإسلام السياسي، المعضلة التي صنعها اليسار بيديه
هذا المحور هو الذروة التحليلية للمقال، لأنه يكشف الحلقة التي تتكسر عندها كل محاولة تغيير في مصر حتى اليوم.
مع تراجع مشروع رأسمالية الدولة الناصرية وانفتاح السادات وتآكل العقد الاجتماعي، صعد الإسلام السياسي كقوة معارضة رئيسية. لكن السؤال الذي لم يطرحه اليسار التقليدي على نفسه أبداً بصدق هو: من أين جاء هذا الصعود؟ ومن يمثّل؟ الجواب المادي الواضح هو أن الإسلام السياسي لم يأتِ من فراغ، بل ملأ فراغاً محدداً تركه انهيار العقد الاجتماعي الناصري في الطبقات الشعبية. الجماهير الفقيرة، وعمال المدن الجدد، وأبناء الريف الذين وجدوا أنفسهم في أحياء عشوائية بلا خدمات، هؤلاء وجدوا في الحركات الإسلامية ما لم يجدوه في الدولة ولا في اليسار: شبكات خدمات حقيقية من مستشفيات وجمعيات ومدارس، وإجابة هوياتية عن أزمة المعنى في مجتمع يتفكك، ومقاومة ثقافية لموجة تغريب جاءت بالتزامن مع تراجع الأجور والأمان الاجتماعي. (9)
المعنى البنيوي لهذا واضح ومؤلم: الإسلام السياسي لم يسرق “جماهير اليسار” ويحرّفها، بل ملأ فراغاً أنتجه اليسار نفسه حين تخلّى عن بناء قاعدة طبقية مستقلة في الحقبة الناصرية، ثم فقد أي قدرة على المنافسة الاجتماعية لأنه لم يعد يملك أدوات هذه المنافسة.
لكن السؤال الأعمق هو: لماذا لم يستطع اليسار أن يرى هذا؟ لماذا لم يطرح السؤال المادي “لماذا ذهبت الجماهير إلى الإسلام السياسي وليس إلينا؟” والجواب هو أن هذا السؤال كان سيقوده حتماً إلى نقد ذاتي جذري لمرحلة الذوبان في الدولة الناصرية، وهو نقد كان سيهدد وجوده كله. فبدلاً من ذلك، طرح اليسار سؤالاً مختلفاً تماماً: “كيف نحمي الجماهير من الظلامية؟”
والفارق بين السؤالين ليس بلاغياً بل طبقي بامتياز. السؤال الأول يضع الجماهير فاعلاً تاريخياً يسألها عن دوافعها المادية وظروفها الموضوعية. أما السؤال الثاني فيضعها موضوعاً للإنقاذ والتنوير، ويضع الانتلجنسيا اليسارية مُنقذاً متنوّراً يعرف “مصلحة الجماهير” بدلاً من الجماهير ذاتها. وهذا التحوّل في الصياغة يكشف الطابع الطبقي للانتلجنسيا البيروقراطية في أكثر لحظاتها عرياً: هي لا ترى في الجماهير التي انجذبت للإسلام السياسي طبقة تسأل عن مصالحها المادية الموضوعية، بل ترى فيها كتلة جاهلة تحتاج لتنويرها وحمايتها من نفسها.
هذا العمى هو تحديداً ما يجعل أي محاولة تغيير في مصر تتكسر عند هذه المعضلة. فاليسار الذي يريد “تحرير الجماهير من الظلامية” بدلاً من أن ينظّم معها على أساس مصالحها الطبقية المادية، لن يصل إليها أبداً، وسيظل يدور في نفس الحلقة: يفشل في بناء قاعدة شعبية، فيرتمي في أحضان الدولة “العلمانية” بديلاً، فيُقوّي الدولة التي تُفقر الجماهير نفسها التي يريد تحريرها، فتذهب هذه الجماهير أكثر نحو الإسلام السياسي، فيرتمي اليسار أكثر في أحضان الدولة. الدائرة مغلقة تماماً، وكل حلقة تُحكم الأخرى.
وقد ظهر التعبير الأوضح لهذا المنطق في شعار حزب التجمع غير المعلن: “أبداً مع الإسلاميين، ودائماً مع الدولة.” هو شعار يعكس بدقة تامة أولويات انتلجنسيا الطبقة الوسطى البيروقراطية، فالتهديد الأول عندها ليس الاستغلال الطبقي، بل تهديد مكانتها الثقافية والمهنية من قِبَل حركة تستند إلى الطبقات الشعبية التي لا تعترف بهذه المكانة ولا تحتاج وساطتها.
ولعلّ أشدّ ما يكشف عمق هذه الأزمة هو أن مهدي عامل، أعمق المفكرين الماركسيين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، كان قد وضع يده على جوهر المشكلة نظرياً دون أن ينجو منها عملياً. فقد طوّر عامل مفهوم “نمط الإنتاج الكولونيالي” ليثبت أن البرجوازية في المجتمعات المستعمَرة عاجزة عن قيادة أي تحول حقيقي، لأن مصلحتها مرتبطة بإعادة إنتاج التبعية. وأكد أن “الصراع الوطني لا يمكن إلا أن يكون صراعاً طبقياً وإن لم يظهر بهذا الشكل، والصراع الطبقي لا يمكن إلا أن يكون صراعاً وطنياً.” (10) أي أن من يفصل الوطني عن الطبقي يُعيد إنتاج التبعية التي يُريد نقدها. غير أن الحزب الشيوعي اللبناني الذي انتمى إليه مهدي عامل ظل تاريخه كله باحثاً عن البرجوازية الوطنية ومُقدِّماً النصح لها، مكرّراً بالضبط الخطأ الذي نظّر ضده. التحليل يقول شيئاً، والممارسة تفعل نقيضه. وهذه المفارقة ليست غرابة شخصية، بل هي الدليل الأوضح على أن الأزمة أعمق من النية وأعمق من الوعي الفردي، إنها أزمة في العلاقة بين المنهج والممارسة، وبين النظرية والتنظيم.
خامساً: 2013، الدوائر كلها تغلق
في يناير 2011 فاجأت الثورة الجميع، ومنهم اليسار التقليدي. وكان المفاجئ حقاً ليس الثورة بل الجماهير التي صنعتها: تحركت بلا قيادة مسبقة ولا وصاية حزبية، أسقطت مبارك بقوتها المستقلة. وهنا أظهر اليسار التقليدي حرجه الحقيقي: الجماهير التي “ينظّر لها” تحركت بدونه. شارك لاحقاً، لكن بتردد، وكان المحرك الأساسي في كل خطواته هو مخاوفه من صعود الإسلام السياسي لا حماسه للثورة.
ثم جاءت 2013 فأغلقت كل الدوائر التي رسمها هذا المقال. المنطق الذي وضع الدولة فوق الطبقة قاد إلى دعم انقلاب عسكري على أعظم ثورة شعبية في تاريخ مصر الحديث. والمنطق الذي أنتج فراغاً ملأه الإسلام السياسي قدّم هذا الانقلاب بوصفه “إنقاذاً” من خطر داهم. والمنطق الذي يرى الجماهير موضوعاً للتنوير لا فاعلاً مستقلاً جعل مجزرة رابعة “ضرورة موضوعية.”
ويجب هنا أن نُسجّل تمييزاً دقيقاً دون أن يستأثر بالمقال. فثمة من امتلك التحليل المادي الصحيح لموازين القوى وعرف أن ما يجري انقلاب لا ثورة، لكنه تردد في قطع الصلة بالجماهير. هذا التردد يختلف جذرياً عن دعم الانقلاب، لكنه يُثبت أن المسألة لا تُحسم بالتحليل وحده، بل تتطلب الحسم الجدلي في اللحظة الفارقة حين يكون الوضوح النظري مكلفاً. فالقطيعة مع منطق الدولة ليست قراراً نظرياً مريحاً بل ممارسة ثورية حقيقية، بالمعنى الذي صاغه ماركس: “تطابق تغيّر الظروف مع النشاط الإنساني لا يُفهم عقلانياً إلا بوصفه ممارسة ثورية.” (13)
وتبقى المقارنة التاريخية شاهداً لا يُصد ولا يُرد. ففي الصين عام 1927 فرضت موسكو الستالينية على الشيوعيين الصينيين الاندماج في الكومنتانغ “الوطني” باسم الجبهة المتحدة ضد الإمبريالية، فكانت النتيجة مجزرة شنغهاي. وفي تشيلي عام 1973 راهن اليسار على الطريق البرلماني وحياد الجيش فجاء بينوشيه. في الحالتين، والحالة المصرية معهما، الدرس واحد: جهاز الدولة البرجوازي لا يمكن أن يكون حليفاً للثورة لأنه مُصمَّم أساساً لسحقها، ومنطق المراحل المادي الميكانيكي بتكوينه الستاليني هو ما يُعمي اليسار عن هذه الحقيقة في كل مرة.
خاتمة: ما الذي تكشفه كل هذه الدوائر؟
حين نصل إلى هنا بعد رحلة المحاور الخمسة، يصبح السؤال الحقيقي ليس “كيف دعم اليسار انقلاب الجيش في 2013” بل “ما الذي يجب أن يكون مختلفاً كي لا يتكرر؟”
الجواب الذي يفرضه التحليل نفسه هو أن كل محطة من محطات الهزيمة كانت نتيجة لاستبدال واحد بعينه: استبدال الطبقة العاملة بوصفها فاعلاً تاريخياً مستقلاً، بالدولة أو الأمة أو الطليعة المثقفة بوصفها وكيلاً عنها. وكل مرة جرى هذا الاستبدال أنتج نفس النتيجة: تسليم قيادة المرحلة لمن يمسك بسلطة الدولة، سواء كان ناصر أو السادات أو مبارك أو السيسي. الأشكال تتغير، الوظيفة تبقى.
وهنا تتكشّف أيضاً مشكلة السؤال الخاطئ الذي طالما طُرح: “لماذا فشلت الاشتراكية؟” السؤال الصحيح هو: متى جُرِّبت أصلاً؟ ما فشل في القرن العشرين، في الاتحاد السوفيتي ومصر الناصرية وتجارب رأسمالية الدولة القومية كلها، لم يكن اشتراكية بل كان استبدال الرأسمالي الفرد ببيروقراطية الدولة دون أن يمسّ علاقات الاستغلال نفسها. أما الاشتراكية الحقيقية، أي سيطرة الطبقة العاملة المنظّمة ديمقراطياً على وسائل الإنتاج وذبول الدولة كجهاز قمع، فلم تُجرَّب إلا في لحظات وامضة في التاريخ قُضي عليها بسرعة.
والطبقة العاملة التي ندعو إلى مركزيتها ليست الصورة النمطية الضيقة عن “عامل المصنع.” فتعريف الطبقة، كما يقرّر الاشتراكيون الثوريون على سبيل المثال، هو “علاقة اجتماعية أولاً وأخيراً، يقوم على موقع البشر من عملية الإنتاج وعلاقتهم الموضوعية بها.” (14-15) ومن يبيع قوة عمله ويخضع لسيطرة رأس المال وينتج له فائض القيمة هو عامل بالمعنى الماركسي الدقيق، سواء كان طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو سائق تطبيق. والتحولات التكنولوجية الراهنة، من اقتصاد المنصات إلى الذكاء الاصطناعي، لا تلغي هذه العلاقة بل توسّعها وتعمّقها، فتجعل جموعاً أكبر من البشر تخضع لمنطق واحد: بيع قوة العمل وإنتاج القيمة وفقدان السيطرة على ما يُنتَج.
وهذه الطبقة الواسعة لم تفقد طاقتها الثورية. الجماهير التي صنعت يناير 2011 أثبتت ذلك. وقبلها انتفاضة 1977 أثبتت ذلك. وقبلهما إضرابات المحلة وعمال الغزل والنسيج في مسيرتهم النضالية الطويلة أثبتت ذلك. ما تفتقره هذه الطاقة ليس الوجود بل القيادة الثورية المستقلة القادرة على أن تنتظم في صفوف الطبقة العاملة الفعلية لا فوقها، وأن تثق بقدرتها على أن تقود وتحكم وتحرّر نفسها بنفسها.
المصادر
(1) تصريح رفعت السعيد، 2013.
(2) موقف حزب التجمع من فض رابعة والتعليق على تقارير حقوق الإنسان، 2013.
(3) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي 1848.
(4) توني كليف، رأسمالية الدولة في روسيا، 1948.
(5) مقدمة في الاشتراكية الثورية، بوابة الاشتراكي، 2010.
(6) عبد الغفار العوضي، هل يمكن أن تتكرر التجربة الناصرية؟. مجلة أوراق اشتراكية، بوابة الاشتراكي، 2013.
(7) سامح نجيب، من ناصر إلى مبارك، بوابة الاشتراكي، 2006.
(8) سعيد العليمي، وثائق ومقالات حزب العمال الشيوعي المصري، منشورة على موقع الحوار المتمدن. انظر أيضاً: “في ذكرى تأسيس حزب العمال الشيوعي المصري – 8 ديسمبر 1969″، الحوار المتمدن، 2015؛ والوثائق التأسيسية: خمسون عاماً على تأسيس حزب العمال الشيوعي المصري، تحقيق سعيد العليمي.
(9) كريس هارمن، النبي والبروليتاريا. مجلة الاشتراكية الأممية، 1994. نشر مترجم على بوابة الاشتراكي.
(10) مهدي عامل، مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، دار الفارابي، بيروت 1972.
(11) أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن.
(12) يزيد صايغ، الجيش المصري كرأس حربة لرأسمالية الدولة، مركز كارنيغي، 2020. وانظر كذلك: يزيد صايغ، أصحاب الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري المصري، مركز كارنيغي، 2019.
(13) كارل ماركس، أطروحات حول فويرباخ، الأطروحة الثالثة، 1845.
(14) ماذا نعني بالطبقة العاملة؟، 1994، بوابة الاشتراكي.
(15) البرجوازية، 1999، بوابة الاشتراكي.





