بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خبرات ثورية

ثمانون عامًا على الثورة الروسية (الجزء الثالث)..

دروس الثورة

لا شك أن أحداث ثورة 1917 في روسيا، التي رصدناها في عددين سابقين من هذه المجلة، تمثل أهم الخبرات الثورية التي تحتفظ بها ذاكرة الحركة الاشتراكية الثورية العمالية. إذ أن الدروس الأساسية لهذه الثورة، بالرغم من قيامها في بلد متأخر، هي التراث الذي سيكون على قيادة كل ثورة مقبلة أن تدرسه بعناية، وأن تستخلص نتائجه، حتى تتعلم كيف اندفعت الجماهير إلى مقدمة مسرح التاريخ، وكيف أمسكت مصيرها بيدها، وكيف حطمت العالم القديم، في عملية ثورية متدافعة ومتشابكة وظافرة.

وفي هذا المقال الختامي، سنحاول أن نرصد الدروس الأساسية لثورة أكتوبر 1917، مبرزين الجوانب العامة اللصيقة بكل ثورة عمالية، أي مبررين تلك العناصر التي تمثل المعالم الأساسية لعملية التحول الثوري الاشتراكي، والتي تمثل بالتالي تراثًا عالميًا أمميًا لا يزال حيًا وقابلاً للتكرار.

السوفيتات واعتلاء الجماهير لمقدمة مسرح التاريخ:
(لم يتسلم البلاشفة السلطة نتيجة مساومة مع الطبقات المالكة أو مع القادة الآخرين، ولا بإرضاء جهاز الحكومة القديم، ولا عن طريق عنف منظم مارسته فئة قليلة العدد. فلو لم تكن الجماهير في كافة أنحاء روسيا مستعدة للانتفاضة لأخفقت محاولتها. إن السبب الوحيد لنجاح البلاشقة يكمن في إنجازهم أوسع الرغبات وأبسطها لطبقات الشعب الدنيا، داعين لهدم القديم وتدميره، ثم التعاون معه لإقامة بنية للعالم الجديد وسط فوضى الخرائب المتهاوية..) – جون ريد، عشرة أيام هزت العالم – إن هذا الاقتباس السابق يؤكد على فكرة أن الثورة لم يصنعها مجموعة من المغامرين قادهم متآمر محنك إلى السلطة، وإنما صنعتها انتفاضة جماهيرية أشعلتها عوامل عدة فجرت الغضب الكامن في صدور الجماهير وحولته إلى لهيب ثوري أطاح بالقيصرية والبرجوازية معًا.

فمنذ أن أرغمت سيول الجماهير المتدفقة من العمال والجنود في مارس1917 مجلس دومًا الدولة (البرلمان) المتخاذل على تولي زمام السلطة، منذ تلك اللحظة – ومن قبلها أيام فبراير – أصبح واضحًا للعيان أن حركة الجماهير هي التي كانت تحدد كل انعطاف رئيسي في مسار الثورة. فالجماهير هي التي أطاحت بالوزارة المؤقتة، وهي التي طالبت بانتقال السلطة إلى السوفيتات، وهي التي حددت – وفقًا لمصالحها الأممية – شروط الصلح السوفيتي في حرب النهب الإمبريالية (الحرب العالمية الأولى).

ولقد كان الشكل الأكثر عبقرية الذي احتوى حركة الجماهير الثورية هو السوفيتات. بالطبع لم تكن السوفيتات نتاج حركة عفوية خالصة: فقد كانت هناك خبرة 1905 (عندما ظهرت السوفيتات إلى الوجود لأول مرة)، وكانت هناك العناصر العمالية الطليعية المرتبطة بالأحزاب الثورية. ولكن لا شك أن الطاقة الثورية للجماهير هي منشئته الأولى، وحتى فبراير 1917 لم يكن أحد يتصور – حتى من بين الثوريين الأكثر بعدًا في نظرهم – أن السوفيتات ستكون هي أداة السلطة العمالية الظافرة.

وتكمن روعة الشكل السوفيتي للسلطة في مزجه بين المركزية لضمان عدم اضطراب الصفوف وانتشار الفوضى، وبين الديمقراطية المباشرة التي تضمن لكل كادح مهما كان بعيدًا حقه في أن يدلي برأيه وصوته وفي أن يراقب تنفيذ المهام وفي أن يحاسب القادة ويعزلهم. لقد ردت الجماهير بالسوفيتات – بالديمقراطية الأتم – على زيف وكذب البرلمانات البرجوازية التي أدمنت الكلام وعشقت الطبقات المالكة وحققت مصالحها بكل دأب وإتقان. أن السوفيتات – في رأي تروتسكي – (.. هي أصدق تمثيل للشعب، أصدق من حيث تجربتها الثورية وأفكارها وأهدافها. وهي باعتمادها المباشر على الجنود في الخنادق وعلى العمال في المصانع وعلى الفلاحين في القرى، تعتبر بالفعل، بمثابة العمود الفقري للثورة..).

ونلاحظ خلال الثورة الروسية أن ميزان القوى: عند كل خطوة للأمام كانت تخطوها الثورة، كان يميل ناحية مبادرة الجماهير الخلاقة. فكلما كانت الجماهير تبدأ بعرض قوة اندفاعها، وكلما حاولت الطبقات المالكة المذعورة الحد من هذه القوة كلما بدا أن الزمام الأمور في يد الطبقات الخاضعة، وأن سادة العالم القديم يفقدون سطوتهم وسلطتهم. ففي انتفاضة فبراير، عندما انتفض عمال بتروجراد وجنودها ممن كانوا تلاميذ نبهاء في مدرسة لينين الثورية، عندما انتفض هؤلاء (وليست القوى الأولية المزعومة)، كان ذلك ليس فقط على الرغم من الإرادة الوطنية البرجوازية ولفئات المثقفين الوسطية، ولكن أيضًا على خلاف حسابات التنظيمات الثورية. حتى البلاشفة لم يتخيلوا أن انتفاضة فبراير ستمتد وتتعاظم هكذا، بل ظنوا أنها مجرد مظاهرة قصيرة عابرة كغيرها. وحدها الجماهير كانت تتقدم للأمام خالقًا وضعًا ثوريًا لم يتوقعه ولم يقتنصه – وقتها – أحد. ففي خلال أيام إبريل على سبيل المثال، نزلت الأفواج والجماهير الثائرة إلى شوارع بتروجراد دون تلقي الدعوة من أي حزب، وطرحت فكرة مقاومة السياسة الإمبريالية التي تتبعها حكومة فرضها التوفيقيون على الشعب. وحصلت مظاهرات تلك الأيام على نتيجة هامة. إذ أبعد زعيم الإمبريالية الروسية – ميليوكوف – عن الحكم.

كل هذه الأحداث وغيرها برهنت على أن الجماهير الثورية ليست جموعًا “غوغائية” قابلة للخضوع لأي انتهازي محنك، وليست كيانًا خاملاً يقع عليه دائمًا عبء دفع ثمن سياسات حاكتها طبقات مالكة مستبدة ومستغلة. الجماهير تتعلم من تجربتها، وفي غمار الثورات الكبرى تستمع لصوت من يمثلون مصالحها الأساسية، ومن يستشعرون نبض حركتها وآمالها.

البلاشفة ودور الحزب الثوري:
(..يشتمل تسعة أعشار فن القيادة الثورية، في أحرج اللحظات، على معرفة واستجلاء صوت الجماهير وإرادتها.. وكان الذي يصنع أكبر قوة في وجود لينين هو قدرته التي لا تجارى في الخوض إلى أعماق الجماهير..) – ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية – لم يكن لينين الذي يصفه تروتسكي في هذا المقتبس ساحرًا أو دجالاً، وإنما كان قائدًا سياسيًا للبروليتاريا الثورية يقف على رأس حزب عمالي ثوري تمرس بالنضال وتعلم خبرات الهزائم والانتصارات والكر والفر، ومن خبرات ثورية سابقة هي ثورة 1905.

في البدء لم يكن البلاشفة على مستوى أحداث انتفاضة فبراير، وكان ضعف التنظيمات السرية بوجه عام ناجمًا عن مناورات السحق البوليسية، فمعظم القادة الثوريين وزعماء أحزاب اليسار كانوا لاجئين في الخارج، أما قادة الداخل فكان عدد لا بأس به منهم في السجون والمنافي. لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا كانت أن البلاشفة لم يكونوا على مستوى الأحداث لأسباب سياسية كثر عمقًا تتعلق بعدم قدرة كل القادة البلشفيين عدا لينين أن يفهموا أن الأحداث تجاوزت المخططات القديمة للبلاشفة فيما قبل فبراير كانت الركائز البلشفية الثلاث هي: 1- جمهورية ديمقراطية (الديكتاتورية الديمقراطية للفلاحين والعمال)، 2- مصادرة أراضي كبار الملاك والنبلاء، 3- يوم عمل من 8 ساعات. وهكذا لم تكن فكرة سيطرة البروليتاريا داخل الثورة الديمقراطية (البرجوازية) تعني شيئًا سوى أن على الحزب العمالي مساعدة الفلاحين بأسلحته السياسية ليصلوا إلى السلطة.

ولكن انتفاضة فبراير حطمت مخطط البلشفية تمامًا، إذ أقامت حكومة برجوازية تتنازع السلطة – في فترة ازدواجية السلطة – مع سوفيتات العمال والفلاحين. وفي كل منعطف كان يثبت أن الدولة القديمة عاجزة، وأن السوفيتات هي – بدون منازع – جنين السلطة الجديدة التي ترجع إليها الجماهير في كل كبيرة وصغيرة. على الرغم من ذلك، واصلت الكوادر البلشفية تمسكها بالمخطط القديم (البقاء عند حدود ثورة البرجوازية، وعدم تحطيم جهاز الدولة البرجوازية).

ناضل لينين ضد البلشفية، وضد الروح المحافظة التي سادت في قمة الحزب. وفي نضاله هذا كان يعبر عن الإمكانية الجديدة التي امتلأت بها قواعد البلاشفة: إمكانية تجاوز الثورة البرجوازية والشروع فورًا في بناء سلطة البروليتاريا. ونستطيع أن نكتب العديد من المجلدات عن قدرات لينين التنظيمية والسياسية غير المحدودة. ولكن بدون شك لن يكون هناك ظروف خصبة، وطبقة عاملة تبرهن على قوتها على أرض الواقع، لما أمكن للقيادة الثورية الثاقبة النظر أن تحول دفة الاتجاه في قمة الحزب الثوري الوحيد في روسيا.

ولقد أكدت أحداث الثورة نظرية لينين حول الحزب على الأقل بطريقتين: أولاً، أظهرت أن حزبًا صغيرًا في الأصل يمكنه، في سخونة الصراع، أن ينمو بسرعة كبيرة وأن يكسب تأييد الغالبية الكاسحة من الطبقة العاملة. ففي يناير 1917 كانت عضوية البلاشفة 23600، ومع نهاية أبريل نمت إلى 79204، وفي أغسطس قدرت بحوالي 200000، ونستطيع أن نفترض أن العضوية زادت على ذلك بحلول أكتوبر، شهر الانتفاضة. وبالطبع يمكن القول أن 200000 بالنسبة لسكان روسيا رقم لا قيمة له. لكن هذه العضوية كانت مركزة في الطبقة العاملة ذات الأهمية السياسية الفائقة، والقائدة الحقيقية للنضال الثوري في 1917، أي أن البلاشفة تمكنوا خلال شهور الثورة من أن يحوزوا ثقة قسم متعاظم من الطبقة القائدة والأساسية في النضال من أجل الاشتراكية: في تسعة أشهر صعد البلاشفة من مجرد مجموعة منشقة تبدو الأهمية إلى أقوى قوة سياسية في روسيا.

البرهان الثاني الذي قدمته ثورة 1917 على صحة نظرية لينين حول الحزب هو أنها أظهرت أنه لا غنى عن حزب ثوري ممركز وطليعي من أجل استيلاء الطبقة العاملة على السلطة. لم تتحول انتفاضة فبراير التي أسقطت القيصرية وأفرزت السوفيتات إلى سلطة عمالية ظافرة بالضبط بسبب افتقاد العمال للتنظيم والقيادة السياسية، كان العمال عاجزين عن تحويل إرادتهم المسيطرة إلى سلطة سياسية قادرة على قمع الطبقة المالكة القديمة. ولم يصبح جنين السلطة العمالية- السوفيتات – قادرًا على تحويل الإمكانية الكامنة فيه إلى واقع حي إلا مع نمو البلاشفة إلى حزب جماهيري، ومع ظهور أغلبية بلشفية في السوفيتات.

إن تأرجح أقسام من الحزب البلشفي، وفي بعض الأحيان الحزب ككل، لا يبطل المبادئ التي بني عليها. فلم يحدث – قبل ذلك ولا بعده أن تصرف حزب عمالي بطريقة أفضل في ظل حالة ثورية. ولكن هذا التأرجح يعنى أن تنظيم الحزب على أسس لينينية ليس في حد ذاته ضمانًا للنجاح. لا يوجد غنى عن الحزب الثوري الطليعي، لكن حتى أكثر الأحزاب ثورية يكون عرضة لكوابح روتينية محافظة لأن عليه ببساطة أن يخلق منظمة مستقرة وذات ضوابط وبالمثل، فإن مجرد خلق الحزب كهيئة متميزة يتضمن خطر أن يعزل الحزب نفسه عن الطبقة التي يمثلها. ولكن ميزة الحزب اللينيني في الحقيقة تكمن في كونه قادر على تخفيض هذه المخاطر لأدنى حد، فالقاعدة العمالية الطليعية للحزب اللينيني ومركزيته الديمقراطية، واستراتيجيه الثورية، ونضاله الدائب ضد كل انحراف أو تشوش، وفحصه وتمحيصه لكل خبرة ولكل ظرف كل هذه العوامل تجعله مؤهلاً لخوض المعركة الثورية الفاصلة ولقيادة الجماهير في نضالها من أجل تحطيم جهاز الدولة القديم وبناء السلطة السوفيتية.

الثورة العمالية وقيادة طبقة الفلاحين:
(..لم تستطع الثورة الأولى – 1905 – تصفية الحساب مع الإقطاعيين النبلاء. ولم تثر الجماهير الفلاحية كلها دفعة واحدة. ولم تتطابق الحركة في الأرياف مع الحركة في المدن. ولم يتجزأ الجيش المكون من غالبية فلاحين على اتخاذ قرار حاسم، وانتهى بأن قدم قطاعات كافية لسحق العمال..) – ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية.

واحدة من المعضلات الرئيسية التي كان على الثورة الروسية حلها، والتي سيكون على أي ثورة عمالية في بلد متخلف حلها، كانت هي جذب الطبقة الواسعة من فقراء ومعدمي الريف إلى مقار الثورة فإذا ما تركت البروليتاريا الثورية الفلاحين الفقراء فريسة سهلة للأحزاب البرجوازية الصغيرة التي تؤجج فيهم نزعات الملكية الواهمة، سيكون في هذا هلاك الثورة. حدث هذا – للأسف – في كوميونة باريس وفي ثورة 1905. ولكن البروليتاريا الروسية في 1917، وتحت قيادة الحزب البلشفي، استطاعت أن تؤمن نجاح الثورة عن طريق انتزاع الفلاحين الفقراء من بين أيدي القوى البرجوازية والبرجوازية الصغيرة. فلاحو روسيا الفقراء لم يسعهم إلى أن يسيروا وراء أخوتهم العمال – المنظمين جيدًا – بعدما اكتشفوا عبر تجربة الشهور الثورية أن السلطة العمالية هي الوحيدة التي بمقدورها أن تعطيهم ما يطلبون: السلم والأرض.

التجربة وحدها هي التي علمت الفلاحين ضرورة السير وراء العمال الثوريين: وراء البلاشفة فقد كان وضع البلاشفة في البدء ضعيفًا. ولكن هذا الضعف كان مؤقتًا. وقد نجم هذا الضعف عن أن البلاشفة لا يؤيدون أوهام المزارعين وأفقهم البرجوازي الصغير الذي شدهم في أولى مراحل الثورة إلى الاشتراكية البرجوازية الصغيرة التي خدعتهم وأوهمتهم أن بمقدورها إعطاؤهم السلم والأرض من دون قطع كل الروابط مع البرجوازية ومع العالم القديم. ولذا لم تستطع البلشفية اجتذاب الريف إلا عندما مارس الريف تجربتين وتعرض لخيبات الأمل. كانت قوة البلاشفة في المسألة الزراعية، كما في مسائل الأخرى كامنة في البقاء خارج نطاق التناقضات بين القول والفعل.

الانتفاضة وفن الاستيلاء على الحكم:
(..لا يقوم الناس بالثورة طواعية، كما لا يخوضون الحرب عن رضى أبدًا. ومع ذلك فإن الفرق بين الحرب والثورة هو أن الدور الحاسم في الحرب هو دور الإلزام والقسر. أما في الثورة فليس هناك من إلزام سوى إلزام الظروف وقسرها. وتنفجر الثورة عندما لا يبقى هناك سبيل آخر. ولا يمكن أن تحدث الانتفاضة، قمة أحداث الثورة، بصورة ارتجالية، كما لا يمكن ارتجال الثورة بمجملها. فالجماهير تهاجم وتتراجع في عدد من المرات قبل أن تقرر القيام بالانقضاض الأخير..) – ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية.

كانت الحجة الأساسية للديمقراطيين البرجوازيين الصغار والانتهازيين في معارضة الاستيلاء على السلطة عن عجز العمال عن إدارة جهاز الدولة ذلك المقدس الأبدي لكل برجوازي صغير تربى على الركوع لكبار الوزراء والموظفين. لكن لينين أجاب عن ذلك التساؤل بمنتهى الثقة عندما أعلن في كراس “الدولة والثورة” أن العمال ليس هدفهم الاستيلاء على الآلة القديمة للدولة بغرض تحقيق أهداف جديدة. وإنما هدفهم هدميًا تمامًا، والاستعاضة عنها على الفور بالجهاز الذي خلقوه بالفعل، السوفيتات. وفي هذا الجهاز الجديد سيتعلم العمال بسهولة كيف يديرون شئونهم بأنفسهم.

وحتى يستولي العمال على السلطة لا بد من الانتفاضة المسلحة. علينا أن نفرق هنا بين الانتفاضة الجماهيرية التي تصنعها طبقة مؤهلة لقيادة الأمة، وبين المؤامرة كمشروع تدبره أقلية من وراء ظهر الجماهير. في كل مجتمع طبقي من التناقضات ما يكفي لتخطيط وتنفيذ مؤامرة في ثغراته. لكن المؤامرة لا تستطيع حتى لو انتصرت، أن تؤدي إلا إلى استبدال رجال دول بآخرين في حدود نفس النظام الطبقي. أما انتصار نظام اجتماعي على آخر لا يمكن أن يحدث إلا بانتفاضة جماهيرية مسلحة.

لكن الانتفاضة والمؤامرة، على الرغم من تباينهما، ليسا منفصلين كل الانفصال. فعنصر التآمر يدخل تقريبًا دومًا في الانتفاضة. صحيح أن بعض الانتفاضات الشعبية تستطيع أن تنتصر وأن تجر جزء من الجيش وأن تشل قوة العدو وتقلب السلطة القديمة في بعض الظروف حتى بدون انتفاضة مسجلة مخططة مسبقًا، وذلك إذا ما انبعثت في ظروف تخلق التخبط والشلل في أوساط الطبقة الحاكمة، ولكن تبقى تعد ذلك معضلة خلق السلطة الثورية الجديدة. فكما بقول تروتسكي (.. أن قلب السلطة وتقويضها شيء، والاستيلاء على السلطة شيء آخر. وكما أن الحداد لا يستطيع أن يمسك بيده العارية الحديد الحامي، فأن البروليتاريا لا تستطيع وأيديها عارية الاستيلاء على السلطة: فهي تحتاج إلى تنظيم خاص بهذه المهمة يكون دوره هو المزج بين انتفاضة الجماهير وبين المؤامرة، والتأكد من تبعية المؤامرة للانتفاضة، وتنظيم الانتفاضة من خلال المؤامرة..). أن هذا هو ما أسماه ماركس وانجلز “فمن الانتفاضة”، وهو يقتبس بعضًا من أدواته من العلوم العسكرية. فهو يفترض قيادة ثورية صحيحة ومتحركة، ومرنة في التوجيه إزاء الظروف المتبدلة، وخطة للهجوم تم تمحيصها، وحذرًا في الإعداد التقني، وجرأة في توجيه الضربة، ودقة في اختيار التوقيت المناسب. وبهذا المعنى فالانتفاضة هي الهجوم الأخير، هي تحويل الطاقة الثورية إلى عمل منظم وتحت قيادة حازمة. وهذه الانتفاضة العسكرية هي شل قدرة العدو الطبقي على تقويض السلطة الجديدة (بالقبض على قياداته، والاستيلاء على مراكز قواه.. الخ) وتأمين السيطرة للسلطة العمالية الثورية الجديدة.

الأممية:
كان واحد من أهم أسباب هزيمة وانحسار ثورة 1917 وتدولها – على يد ستالين – إلى مسخ الاشتراكية في بلد واحد في هزيمة الثورات الأوروبية التي تلتها: فالثورة العمالية – أن ثورة عمالية – لا يمكنها أن تولد وتستمر في بلد واحد. بالطبع تشعل الشرارة الأولى للثورة من داخل نطاق وطن قومي واحد، لكنها إذا ما سجنت داخل نطاق وطن قومي واحد، لكنها إذا ما سجنت داخل حدوده فسوف تموت دون شك.

ولم يكن هناك من يعرف أكثر من البلاشفة صحة هذه الحقيقة كانت فكرة عالمية الثورة حجر الزاوية في الإستراتيجية الثورية للبلاشفة. وقد ترجمت هذه الفكرة نفسها بشكل عملي في عملهم الدءوب من أجل إنشاء الأممية الثالثة في 1919، وذلك بغرض خلق قيادة أممية موحدة للثورة البروليتارية العالمية.

ومع انحسار أفق الثورة العالمية، بدأت المعضلات التي واجهت الثورة الروسية تطرح نفسها بشكل جديد. فالتيار الستاليني الذي استنتج من انحسار الثورة فكرة “الاشتراكية في بلد واحد”، كان في الحقيقة هو تيار الثورة المضادة الذي بدأ يتشكل داخل روسيا ذاتها من جراء العزلة والحصار والحرب الأهلية وضعف الطبقة العاملة وسيطرة البيروقراطية على الحزب الشيوعي. ولذلك فقد اتخذ النضال بين الثورة (الحفاظ على السلطة البروليتاريا) والثورة المضادة (محاولة إعادة العامل القديم)، في أحد جوانبه، شلك الصراع بين التيار الأممي وبين التيار القومي الذي أراد حبس الثورة في داخل حدودها القومية وأراد المساومة والتعاون مع الإمبريالية العالمية وضد الثورة العالمية.

إن مسألة أممية الثورة – كما أثبتت هزيمة الثورة الروسية – هي – بدون مبالغة – قضية حياة أو موت. أن القضية لا تتعلق فقط بتعاطف بروليتاريا دولة ما مع بروليتاريا دولة أخرى. وإنما تتعلق بإمكانية – أو عدم إمكانية – خلق اقتصاد ومجتمع اشتراكي بدون القضاء على كل السلسلة الرأسمالية. وهذا هو بالضبط ما وعته البروليتاريا الروسية الثورية وما ناضل من أجله البلاشفة الأمميين تحت قيادة لينين.