بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلسطين.. صفحات من نضال شعب

تأتي هذا العام الذكرى التاسعة والخمسون للنكبة، والشعب الفلسطيني يعيش واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخه. فبينما يخضع الشعب الفلسطيني لحصار اقتصادي منذ مارس من العام الماضي بقيادة أمريكية وتواطؤ عربي وغربي، يقتل الفلسطينيون بعضهم البعض في قطاع غزة.

لكن هذا الواقع المؤلم لا يجب أن ينسينا أن الشعب الفلسطيني خاض نضالا حافلا بالتضحيات على مدى ما يزيد عن سبعين عاماً. تحاول السطور القادمة التعرف على أهم محطات هذا النضال والبحث في الدروس التي يمكن أن يعلمنا أياها كفاح الشعب الفلسطيني.

ثورة 1936

ولدت حركة المقاومة الفلسطينية قبل تأسيس دولة إسرائيل. ففي العشرينات من القرن الماضي كانت فلسطين قد وقعت فريسة للانتداب البريطاني. وبهدف مقاومه الانتداب، نشأت حركة جماهيرية متصاعدة كانت ذروتها هي ثورة 1936 التي يطلق عليها إسم «الثورة الفلسطينية الكبرى» لشموليتها واتساع نطاقها، وطول مداها الزمني قياسا إلى الثورات والانتفاضات التي سبقتها، حيث امتدت هذه الثورة حتى عام 1939.

وقد مرت ثورة 1936 بمراحل عدة، حيث كانت البداية في 20 أبريل بإعلان الإضراب العام الكبير. وبعد خمسة أيام من إعلان الإضراب ترأس الحاج أمين الحسيني احتجاجا لرؤساء الأحزاب الفلسطينية في بيت أحد أحياء القدس، نتج عنه تشكيل قيادة عامة لشعب فلسطين عرفت باسم «اللجنة العليا»، وهي التي أصبحت لاحقا تعمل باسم «الهيئة العربية العليا». قررت الهيئة استمرار الإضراب إلى أن تغير الحكومة البريطانية سياساتها المتبعة في البلاد وأساساً التوقف عن تشجيع الاستيطان الصهيوني. وتزامن مع الإضراب العام حركة رفض دفع الضرائب لنظام الانتداب البريطاني.

وفي نفس الفترة استمرت العمليات المسلحة التي بدأتها مجموعة بقيادة عز الدين القسام –الذي استشهد في نوفمبر 1935— مترافقة مع الإضراب. وقام الثوار بعمليات مسلحة في عدة مدن أبرزها القدس مثل معركة باب الواد على طريق القدس يافا، والهجوم على سينما أديسون في القدس، والهجوم على سيارة مفتش البوليس البريطاني في المدينة، وعلى اثنين من ضباط الطيران البريطانيين. بعد ستة أشهر ووساطة من الملوك والأمراء العرب، تم الإعلان عن وقف الإضراب، ونهاية المرحلة الأولى من الثورة التي ما لبث أن تفجرت بعد تبين كذب الوعود البريطانية بشأن وقف هجرة اليهود إلى فلسطين.

ومن القدس انطلقت المرحلة الثانية من الثورة عبر سلسلة كبيرة من الهجمات التي نفذها الثوار ضد دوريات الجيش والبوليس البريطاني. وبلغت فعاليات الثورة في القدس ذروتها في سبتمبر من عام 1938 حين تمكن الثوار الفلسطينيون من تحرير البلدة القديمة في القدس من سيطرة قوات الاحتلال البريطاني. واستمرت البلدة محررة لأكثر من أسبوع، رغم قيام الطائرات البريطانية بإلقاء منشورات على القدس وضواحيها، موقعة من القائد العسكري البريطاني لمنطقة القدس، ويدعو فيها جميع السكان في البلدة القديمة إلى إلقاء السلاح والتزام منازلهم. وقامت قوات الاحتلال البريطاني بمحاصرة البلدة وأحكمت الطوق عليها قبل أن يقوموا باقتحامها. ولكن البريطانيين اضطروا إلى الخروج منها مجددا لثلاثة أيام قبل أن يقوموا بشن هجوم كبير عليها ومعاودة احتلالها .

وفي عام 1939 تمكن الثوار من السيطرة على أكثر من مدينة على غرار ما شهدته البلدة القديمة من القدس. غير أنه رغم البطولات والتضحيات التي قدمها الفلسطينيون، استطاع التحالف بين كبار ملاك الأراضي الفلسطينيين والاستعمار البريطاني، والأفواج الأولى من العصابات الصهيونية، هزيمة الثورة.

منظمة التحرير والكفاح المسلح

ومع حدوث النكبة، حيث أُعلن قيام دولة إسرائيل في 15 مايو 1948، ونجاح سياسة التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني، تغيرت ظروف المقاومة. لقد أصبح معظم الشعب الفلسطيني وقتها خارج حدود دولة إسرائيل. وكان السؤال هو أين وكيف تُطلق المقاومة؟ بعد فترة ركود جاءت الإجابة الأساسية والأهم في بداية الستينيات من جانب حركة فتح، التي تأسست على يد مجموعة من المهنيين ذوي الحال الميسور الذين عمل بعضهم في بلدان النفط الخليجية. وكانت إجابة فتح على هذا السؤال، هي أن على المقاومة أن تنطلق من الدول العربية المجاورة لإسرائيل (حينذاك كانت الضفة تحت سيطرة الأردن وغزة تحت سيطرة مصر)، وتكون بأيدي الفلسطينيين ذاتهم وفي شكل حركة مسلحة، والهدف منها هو الضغط على الأنظمة العربية، ودفعها لأن تقوم هي بمواجهة كبرى مع إسرائيل تتحرر نتيجة لها فلسطين. وكان هذا التصور يقوم على مجموعة من الركائز أهمها هو «عدم التدخل في شئون الدول العربية الداخلية». وكان السبب في ذلك أساساً يرجع إلى طبيعة حركة فتح التي كانت تعكس الآمال والطموحات السياسية للمهنيين والطلاب ميسوري الحال، حول إنشاء وطن قومي مستقل للفلسطينيين. هؤلاء كانوا «وطنيين» لكن وطنيتهم كانت أسيرة تماماً لمصالح الرأسمالية. ومن ثم فإن الخط الأحمر لدى قادة فتح كان هو زعزعة استقرار سلطة الطبقات الرأسمالية الحاكمة في المنطقة. بل أن فتح سعت إلى دفع تلك الأنظمة ذاتها إلى «تبني» القضية الفلسطينية و»تبني» الحركة مالياً وسياسياً.

وعلى أية حال، فقد نجحت الأنظمة العربية –التي شعرت بالخوف من تصاعد المقاومة ومن تأثير هذا على استقرارها السياسي– في احتواء المنظمات الفلسطينية وفي توحيدها تحت مظلة «منظمة التحرير الفلسطينية» التي أصبحت من وجهة نظر الطبقات الحاكمة «المتحدث الشرعي والوحيد باسم الشعب الفلسطيني». وبالرغم من ذلك، فقد تعرضت منظمة التحرير، بعدما أصبحت تحظى بنفوذ قوى في الأردن، إلى ضربة كاسحة من النظام الملك حسين في سبتمبر 1970، بالتعاون مع إسرائيل ومباركة كافة نظم الحكم العربية التي كانت تخشى على نفسها من السلاح الفلسطيني. وبعدها انتقلت المقاومة الفلسطينية إلى لبنان حيث ظلت تمارس الكفاح المسلح ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، إلى أن تم احتلال لبنان في 1982، وقامت إسرائيل بالتعاون مع حلفائها وعلى رأسهم حزب الكتائب بسحق الفلسطينيين وطرد المقاومة.

الانتفاضة الأولى

وفي أواخر الثمانينيات –بالتحديد في عام 1987– انتقلت حركة المقاومة الفلسطينية خطوة مهمة إلى الأمام. ففي ديسمبر من ذلك العام، انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى. وبانطلاقها دخلت الجماهير الفلسطينية إلى مسرح التاريخ مجدداً. فقد كانت الانتفاضة الأولى هي حركة شعبية واسعة، ترتكز على الإضراب، ومقاطعة العمل في إسرائيل، وتنظيم اللجان الشعبية لإدارة الحياة داخل الأراضي المحتلة، إضافة إلى استخدام السلاح الأبيض ضد قوات الاحتلال.

ومما لاشك فيه أن الانتفاضة قلبت الكثير من الموازين، وكلفت إسرائيل أموالاًَ طائلة، وخلقت موجة من التعاطف العالمي مع القضية الفلسطينية. بل أن الانتفاضة قد أشعلت حركة مؤثرة –بالرغم من صغر حجمها– للتضامن مع الشعب الفلسطيني في الدول العربية، وهو ما أحدث ذعراً لدى الأنظمة العربية. غير أن هذا التأثير الذي أحدثته الانتفاضة على إسرائيل اقتصادياً وسياسياً، كان محدوداً في نهاية الأمر، حيث أنها لم تكن تستطيع أن تقضي على الدولة الاستعمارية الاستيطانية، رغم المقاومة الجماعية العنيدة والباسلة، التي قام بها الشعب الفلسطيني.

وإزاء هذا الوضع كانت نتيجة الانتفاضة أن بدأت الولايات المتحدة في الاعتراف بمنطقة التحرير، وفي دفع إسرائيل للدخول في مفاوضات سلام. ومن جانبها، فإن الطبقة الرأسمالية الفلسطينية التي تمثلها منظمة التحرير بزعامة ياسر عرفات، قد وجدت ضالتها في هذه العملية. فلطالما حلمت هذه الطبقة بالحصول على دولتها الصغيرة، لتحمي فيها مصالحها، بالتعاون مع الأنظمة العربية والاستعمار. وكانت نتيجة عمليات المفاوضات الطويلة والمضنية هي التخلي عن المقاومة في مقابل قطعة أرض وعلم ونشيد وطني.

انتفاضة الأقصى

اندلعت انتفاضة الأقصى في سبتمبر من عام 2000 كرد فعل عفوي على اقتحام السفاح أرئيل شارون للمسجد الأقصى. غير أن أسباباً أخرى، بخلاف هذا الحدث المباشر، كانت وراء انطلاق الانتفاضة. فقد تبين للشعب الفلسطيني أن محصلة ما يسمى بعملية السلام، كانت تقوية نفوذ الاحتلال في ظل التوسع في المستوطنات وسرقة مياة الضفة الغربية، إضافة إلى الخضوع لسلطة «وطنية» فاسدة لاهم لقادتها سوى الإثراء والنهب على حساب الشعب.

غير أن انتفاضة الأقصى واجهت صعوبات تفوق الانتفاضة الأولى. فالفلسطينيون لم يعد بمقدورهم الضغط على إسرائيل عن طريق الإضراب أو مقاطعة العمل في المنشآت الإسرائيلية، لأن اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي على العمالة الفلسطينية تضاءل إلى حد كبير. من ناحية أخرى، فأن المواجهة المسلحة المباشرة أصبحت أكثر صعوبة، في ظل الخلل الهائل في القوى بين الطرفين، وسياسة الحصار الإسرائيلي المحكم. لذلك لم يكن أمام الشعب الفلسطيني هذه المرة سوى سلاح العمليات الاستشهادية، الذي تبنته في الأساس حركة حماس قبل أن تحذو حذوها الفصائل الأخرى. وكان ما يميز هذاالسلاح، هو أنه السلاح الوحيد الذي يتفوق فيه الفسلطينيون على إسرائيل.

أيضا كما في محطات النضال السابقة، رغم البطولات والتضحيات الهائلة، لم يكن بمقدور الانتفاضة أن تمثل تهديداً للدولة الصهيونية، التي لجأت إلى أكثر الأساليب وحشية لقمع مقاومة الشعب الفلسطيني. والآن نجد هذا الشعب يعاني التجويع بسبب الحصار الاقتصادي، في الوقت الذي تخوض فيه حركتا فتح وحماس صراعاً مدمراً على السلطة لا يستفيد منه سوى الإسرائيليون والأمريكيون وحلفائهما في المنطقة.

كيف يمكن أن تتحرر فلسطين؟

تشير تجربة الكفاح الفلسطيني إلى مسألتين قد تساعدا في فهم ما يحدث اليوم. فأولا، الشعب الفلسطيني لا يواجه إسرائيل وأمريكا وحدهما، وإنما يواجه بنفس القدر كافة الأنظمة العربية، الفاسدة والمستبدة والمعتمدة على الاستعمار في بقائها. فهذة الأنظمة تجد في أي صعود للمقاومة تهديداً حاسماً لها. لذلك، فإن الشعب الفلسطيني يجد نفسه محاصر بين الاستعمار من جهة وبين حلفاء هذا الاستعمار في المنطقة العربية من جهة أخرى. ومن ثم فأن من يستطيع أن يكسر هذا الحصار هو فقط الشعوب العربية، عن طريق التحرر من تلك الأنظمة التي تقف أمام تحرر الشعب الفلسطيني. إذاً، فليس من المبالغة التأكيد على أن تحرر فلسطين يبدأ في القاهرة وعمان ودمشق. أما المسألة الثانية فهي أن افتقار حركات المقاومة، مهما كانت بسالتها، إلى برنامج اجتماعي يقوم على الانحياز للجماهير الفقيرة ضد الاستغلال والقهر، يجعل هذه الحركات عرضة بفعل الضغوط الخارجية والداخلية إلى الانزلاق إلى نزاع مدمر كما يحدث اليوم.