بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البرازيل: عمال في مواجهة العسكر (1978 – 1980)

يقدم لنا هذا المقال خبرة ثمينة زمانها هو سبعينات وثمانينات هذا القرن ومكانها هو البرازيل. فقد استطاع العمال هناك أن يبنوا، بتضحيات هائلة، حركة قاعدية كانت أساسًا لتحدي البرجوازية وتهديد عروشًا. فهل يمكن أن تستفيد الطبقة العاملة المصرية من خبرة كهذه؟

استحقت البرازيل خلال الربع قرن الأخير أن تكون مصدر إلهام لليمين واليسار معًا! بالنسبة لليمين، دأب صندوق النقد الدولي منذ أوائل الثمانينات على اعتبار البرازيل نموذجًا يحتذي للتنمية الاقتصادية في العالم الثالث، وراح يطلق وصف “المعجزة البرازيلية” على نمط النمو الذي تحقق في البرازيل منذ الانقلاب العسكري في 1964 – وذلك على الرغم من (أم ربما تحديدًا بسبب؟) الطابع الشديد القسوة والدموية لجنرالات البرازيل اليمينيين.

وسنتعرض في هذا المقال لبعض جوانب “المعجزة البرازيلية” هذه، إلا أن التركيز الأساسي سيكون على مقاومة عمال البرازيل لوحشية الرأسمالية في بلادهم، تلك المقاومة التي تجعل البرازيل مصدر إلهام لليسار الثوري أيضًا. فقد اهتزت الأرض بشدة تحت أقدام جنرالات البرازيل تحت تأثير الإضرابات الجماهيرية التي اندلعت في أواخر السبعينات، تلك الإضرابات الجماهيرية التي أفرزت حركة نقابية قاعدية مناضلة، كما أنتجت حزبًا عماليًا جماهيريًا راديكاليًا أستطاع (رغم نواقصه) أن يتجاوز التراث الشعبوي[1] لليسار البرازيلي.

إننا في هذا الباب من “الشرارة” سنبرز دائمًا مقاومة العمال لعدوهم الطبقي. ولكن هدف الماركسية هو الإطاحة بالرأسمالية وليس مجرد مقاومتها. ومن هنا فإن تناولنا للحركة العمالية البرازيلية هو بالضرورة تناول نقدي. فالطبقة العاملة لن تستطيع انجاز ثورتها دون تكون “ذاكرتها التاريخية” التي تستخلص من المعارك الطبقية العظيمة دروسها الايجابية والسلبية معًا.

مقدمات الحكم العسكري:
عندما استولى الجنرالات على السلطة في 1964 كانت هذه المرة الخامسة خلال 75 عامًا التي “تتدخل” فيها القوات المسلحة في السياسة البرازيلية، إلا أنها كانت المرة الأولى التي يسفر فيها انقلاب عسكري من فترة طويلة نسبيًا من الحكم العسكري في البرازيل. ومع ذلك، فليس من قبيل المبالغة على الإطلاق أن نقول إن تطور الرأسمالية البرازيلية قد اقترن بشكل شبه دائم بأنظمة سياسية سلطوية، حيث أن “الثورة البرجوازية” (في جوهرها خلق مركز مستقل نسبيًا للتراكم الرأسمالي) في البرازيل قامت على أساس تحالف ثلاثي بين الدولة والرأسمال الأجنبي والرأسمال المحلي، وهو تحالف لم يعتمد على تعبئة الجماهير في مواجهة النظام السابق على الرأسمالية، ومن ثم لم يحتاج للديمقراطية البرجوازية.

فعندما أنجزت البرجوازية البرازيلية “ثورتها” السياسية المحدودة في أواخر الثمانينات من القرن الماضي (تم إلغاء العبودية نهائيًا في 1888 والقضاء على الإمبراطورية الموروثة عن الاستعمار البرتغالي في 1889 عن طريق انقلاب عسكري) فإنها أقامت في ظل “الجمهورية الأولى” (1889 -1930) نظامًا سياسيًا شديد النخبوية. ويكفي أن نعلم أنه مع انهيار “الجمهورية الأولى” في 1930 تحت وطأة أزمة حادة في صفوف البرجوازية أفرزها الكساد الكبير، لم يكن قد حصل على حق الانتخاب سوى 4% من السكان.

كان تأثير الكساد مدمرًا على الرأسمالية البرازيلية التي اعتمدت حتى ذلك الوقت على “التنمية من خلال التصدير” وأسفرت حدة الأزمة عن “تدخل” عسكري حديد أطاح “الجمهورية الأولى” واستبدلها بنظام شعبوي (1) سلطوي تحت قيادة فارجاس. اعتمد فارجاس اقتصاديًا على إعادة هيكلة الرأسمال البرازيلي من خلال تدخل واسع من الدولة واستبدال “التنمية من خلال التصدير” بإستراتيجية “الإحلال محل الواردات”. أما على الصعيد السياسي فقد أقام فارجاس دكتاتورية وصلت إلى مستوى “الكمال” مع تأسيس “الدولة الجديدة” على نمط ايطاليا موسوليني.

ومع النجاح النسبي لبرنامج الدولة للتنمية الصناعية، أرخى فارجاس عناصر حكمة الأكثر سلطوية وأرسى دعائم تحالف شعبوي بين عمال الصناعات الجديدة وبيروقراطية الدولة. وعلى أساس هذا التحالف قاد فرجاس تحولاً نحو “ديمقراطية” هشة، حيث أقام تحت رعاية الدولة حزبين لكل من العمال والطبقة المتوسطة الجديدة كما وافق فارجاس على إضفاء الشرعية على الحزب الشيوعي البرازيلي الذي راح يؤيده باعتباره (وفقًا لنظرية المراحل الستالينينة) “محور للبرجوازية التقدمية”!

على أن التحالف الشعبوي لم يصمد كثيرًا، إذ سرعان ما تقوض تحت وطأة التناقضات الطبقية داخلة، وجاء إضراب مارس 1953في ساوباولو، الذي شارك فيه 300 ألف عامل، لكي يبرز بوضوح حدة هذه التناقضات. ثم جاء انتحار فارجاس في العام التالي لكي يرمز بطريقة دراماتية لبداية النهاية بالنسبة للشعبوية في البرازيل. وخلال السنوات العشر الممتدة بين انتحار فارجاس واستيلاء الجيش على السلطة في 1964، استطاعت الطبقة العاملة التي اكتسبت مزيدًا من الثقة مع تزايد نضاليتها أن تنتزع التنازل تلو الأخر من خلفاء فارجاس. مع تزايد هذه التنازلات فقد النظام الشعبوي ثقة البرجوازية مما مهد الطريق للانقلاب العسكري اليميني الذي حظي منذ ساعاته الأولى بترحاب شديد من جانب البرجوازية البرازيلية والرأسمالية العالمي معًا.

المعجزة البرازيلية:
لم يستطع جنرالات البرازيل أن يوطدوا حكمهم (رغم القمع السافر) إلا في 1968، بعد سحقهم الدموي لموجة الإضرابات والمظاهرات التي اندلعت في 1967 – 1968.

وفي أعقاب القضاء عي هذه الموجة النضالية شهدت البرازيل سنوات حالكة السواد بلغ فيها القمع السياسي حدودًا غير مسبوق في تاريخ البرازيل الحديث. ويكفي أن نذكر أنه عندما استولى الجيش على السلطة في شيلي في انقلاب دموي بعد ذلك بخمس سنوات استدعي جنرالات شيلي زملائهم البرازيليين لتدريب البوليس السري في شيلي.

خلال السنوات السوداء هذه تحديدًا وقعت “المعجزة البرازيلية”. بلغ معدل النمو السنوي المتوسط حوالي 11% خلال الفترة من 1968 إلى 1974. ارتفعت الإنتاجية بشكل هائل في الوقت الذي تراجعت فيه مستويات معيشة العمال والفقراء بشدة. وفيما بين 1960 و1976 ارتفع نصيب الـ 5% الأغنى من السكان من الدخل القومي من 27،7% إلى 39% في حين انخفض نصيب 50% الأفقر من 17،7 % إلى 11،6% خلال نفس الفترة. وأظهر مسح تم إجراءه في 1976 أن 2،5 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشر انضموا لقوة العمال، وأن 68 % كانوا يعملون لأكثر من 40 ساعة أسبوعيًا.

نتج عن التنمية الصناعية السريعة تحولات عميقة للطبقة العاملة البرازيلية. ففي الفترة من 1950 إلى 1980 زاد سكان المدن من 36% إلى 68% من أجمالي السكان. وارتفع عدد عمال الصناعة التحويلية والبناء من 2 مليون إلى حوالي 10 مليون خلال نفس الفترة، تركز 60% منهم في منطقة الوسط – الجنوب الصناعية وكان أهم قطاعات الطبقة العاملة الجديدة – اقتصاديًا وسياسيًا – هو الصناعات الهندسية. فقد بلغ عدد عمال الصناعات الهندسية في مدينة ساوباولو حوالي 350 ألفًا في 1982، كما بلغ عددهم في نفس السنة 140 ألفًا في ضاحية ساوبرناردو (جنوب ساوباولو) و 40 ألفًا و60 ألفًا على التوالي في ضاحيتي أوساسكو وجوارولوس (شمال ساوباولو). وإلى جانب تزايد حجم الطبقة العاملة الصناعية، تزايد أيضًا تركزها. ففي أوائل الثمانينات كان 25% من عمال الصناعة التحويلية يعملون في مصانع بها ألف عامل فأكثر، فضلاً عن 45% آخرين يعملون في مصانع بها ألف عامل فأكثر، فضلاً بها مائة عامل فأكثر.

وإذا كانت التحولات الاقتصادية قد شملت البرازيل بأسرها، فإنها تركزت بشكل خاص في ساوباولو الكبرى، التي ضمت حوالي 55% من إجمالي الصناعة البرازيلية (وخاصة الصناعات الهندسية) في أوائل الثمانينات. وفي هذه المنطقة – مدينة ساوباولو وضواحيها الشمالية والجنوبية – انفجرت نضالية الطبقة العاملة البرازيلية في أواخر السبعينات.

الحركة العمالية وبدايات المواجهة:
في أعقاب سحق إضرابات ومظاهرات 1968، سار اليسار البرازيلي في مسارين انتحاريين. من ناحية، انغمس الحزب الشيوعي البرازيلي تمامًا (وكذلك المنظمة الماوية التي انشقت عنه) في “الحركة الديمقراطية البرازيلية”، وهي حركة أقامها جنرالات البرازيل عقب استيلائهم على السلطة لتكون بمثابة معارضة “مقبولة” لـ “تحالف الإنقاذ الوطني” الذي حكموا من خلاله. وكان معنى ذلك فقدان الحزب الشيوعي للبقية الباقية من مصداقيته كحزب مناضل.

ومن ناحية أخرى، اندفع اليسار الغير الستاليني، فضلاً عن جزء من الحركة الماوية، في اتجاه حرب العصابات المسلحة تحت تأثير أفكار دوبريه وجيفارا، وبوحي من الثورة الكوبية وحرب فيتنام. وفي غياب حركة جماهيرية صاعدة، كان هذا الخيار يعني الانتحار ذاته.

في هذه ظل الظروف القاتمة، ظهرت بدايات المقاومة داخل صفوف الطبقة العاملة على يد حركات المعارضة النقابية التي تركزت في ساوبرناردو ساوباولو. ومنذ البداية كان واضحًا أن المعارضة النقابية الجديدة تتضمن تيارين متمايزين. من ناحية كان هناك من حولوا إصلاح النقابات الصفراء القائمة من الداخل. وقد انطبق ذلك على المعارضة النقابية في ساويرنادردو حيث كانت البيروقراطية النقابية أقل تنظيمًا وقوة وبالتالي أعلى استعدادًا لمغازلة اليسار. ومن ناحية أخرى، ركز مناضلو المعارضة النقابية بين عمال الصناعات الهندسية في ساوباولو على العمل القاعدي، حيث سعوا للبناء من أسفل في مواجهة الدولة وأصحاب الأعمال والنقابات الصفراء جميعًا. وقد أتخذ العمل القاعدي خلال سنوات الجرز صورتين، أولاً: تنظيم إضرابات تباطؤ محدودة، وثانيًا: القيام بدعاية مكثفة حول فكرة اللجان المصنعية المستقلة كأساس للتنظيم اليومي للعمال من جانب، وكجنين للسلطة العمالية في مجتمع جديد من جانب آخر.

الإضرابات الجماهيرية:
عشية انفجار النضالية في صفوف عمال البرازيل في 1978، كانت جهود حركتي المعارضة النقابية قد بدأت تؤتى ثمارها. استطاعت المعارضة النقابية الهندسية في ساوباولو (التي سنشير إليها فيما بعد باسمها المشهور: أم. أو.) من خلال الانخراط في العديد من الإضرابات المحدودة أن تكون مجموعات مصنعية متزايدة القوة في عدد من المصانع الكبرى. أما في ساوبرناردو، حيث التركيز على “غزو” النقابات القائمة، تمكن القائد العمالي “لولا” (الذي سيقود فيما بعد “حزب العمال”) من كسب انتخابات رئاسة نقابة العمال الهندسيين.

شهدت شهور مايو ويونيو ويوليو 1978 اندلاع موجة عاتية من الإضرابات شملت 539 ألف عامل في 213 شركة صناعية هندسية في ولاية ساوباولو وحدها. وقد أثمرت هذه الإضرابات تزايدًا هائلاً في التنظيم الذاتي للطبقة العاملة حيث تشكلت لجان مصنعية منتخبة في جميع الشركات الكبرى.

وخلال السنوات اللاحقة على يوليو 1978، لم تتصاعد فقط الموجات الإضرابية وإنما حدث أيضًا تحول كيفي في مستوى الصراع الطبقي. فقد اندلعت أربعة موجات من الإضرابات الجماهيرية الكبرى بين صفوف العمال الهندسيين في ساوباولو في أكتوبر / نوفمبر 1978 ثم 1979، وفي ساوبرناردو في أبريل / مايو 1979 ثم 1980. كما اندلعت خلال نفس الفترة صراعات هائلة بين صفوف العمال الزراعيين، خاصة في مزارع السكر الكبرى. وقد أعقبت هذه الإضرابات العظيمة فترة استطاع خلالها حزب العمال (الذي تأسس في 1979) أن يعزز نفوذه. وسنتناول فيما يلي بإيجاز خبرة الإضرابات الجماهيرية الأربعة في الصناعات الهندسية.

في ساوباولو، كانت إضرابات أواسط 1978 قد أفرزت، كما ذكرنا، العديد من اللجان المصنعية في الشركات الكبرى، إلا أن هذه اللجان واجهت حربًا حقيقية من جانب أصحاب الأعمال وقيادات النقابة معًا، مما أدي للقضاء على نسبة كبيرة منها. ومن هنا فعندما اندلع الإضراب الجماهيري في أكتوبر / نوفمبر 1978 (في مناسبة المفاوضات على الأجور مع أصحاب الأعمال) والذي شارك فيه 350 ألف عامل في ساوباولو وضواحيها الشمالية، لم تكن أم. أو. بالقوة الكافية لقيادته. استطاعت نقابة الصناعات الهندسية أن تتولى القيادة وتوصلت لتسوية مع أصحاب الأعمال ضربت عرض الحائط بمطالب العمال. ففي حين أن العمال المضربين طالبوا بزيارة الأجور بنسبة 70 % والاعتراف باللجان المصنعية، فإن التسوية أهملت تمامًا ذكر اللجان المصنعية كما نصت على زيادة الأجور بنسبة 58 % فقط. والأخطر من ذلك أنه تقرر خصم أية زيادة يكون العمال قد حصلوا عليها في الإضرابات الأسبق عند احتساب هذه النسبة. أي أن القيادة النقابية وصلت إلى اتفاق يعاقب كل من شارك في إضراب مايو – يوليو 1978!

ومع اندلاع الإضراب الجماهيري الثاني في ساوباولو بعد ذلك بسنة، كانت أم. أو. قد استوعبت دروس السنة السابقة. فمنذ البداية عملت الحركة بدأب على تأسيس تنظيم إضراب قاعدي مستقبل يربط اللجان المصنعية في مختلف المصانع الكبرى. كما نظمت أم. أو. أيضًا العديد من الاجتماعات على مستوى المصنع والمنطقة الصناعية والقطاعات الصناعية (في إطار الصناعات الهندسية) بهدف تأسيس “قيادة عامة للإضراب” في مواجهة الدور التخريبي للنقابة. واجه هذا الإضراب – الذي كان تنظيمه أرقى كثيرًا من سابقه – محاولات نشطة لكسرة. من جانب القيادات النقابية في ساوباولو، كما واجه أيضًا قمعًا شديدًا من جانب الدولة، خاصة في المنطقة الجنوبية من المدينة. أمام هذه الضغوط انتهى الإضراب دون تحقيق كافة مطالبه. وقد أظهر ذلك نقطة الضعف الأساسية لحركة أم. أو.، ألا وهي اقتصارها على عمال الصناعات الهندسية. ففي مواجهة القمع السافر كان الحل الوحيد الذي يسمح باستمرار الإضراب هو امتداده لمجموعات أخرى من العمال. ومع ذلك، فإن الثمرة الحقيقية لهذا الإضراب كانت التحسن الهائل في مستوى تنظيم العمال، وهي ثمرة لا تقل أهمية عن تحقق المطالب الاقتصادية للإضراب.

على حين أن قيادات أم. أو. ركزوا عي تنظيم العمال في أماكن العمل على المستوى القاعدي، فإن أعين القيادات اليسارية في ساوبرياردو كانت سلطة على التنظيم النقابي. بالنسبة لهم. كانت اللجان المصنعية وسيلة لدعم قوة النقابة وليس مراكز مستقلة للسلطة العمالية. ومن ثم، فإن الإضرابين الجماهيريين في ساوبرناردو لم يواجها فقط قمع الدولة وضغوط أصحاب الأعمال، وإنما أيضًا تردد ووسطية القيادات اليسارية ذاتها (لولا ورفاقه).

ففي إضراب ساوبرناردو في أبريل / مايو 1979، كان مستوى التنظيم راقيًا حيث شكل العمال إلى جانب لجان الإضراب مفارز (2) جماهيرية لحماية وتوسيع الإضرابات. وعلى الرغم من مشاركة ما يزيد على مائة ألف عامل في هذا الإضراب الجماهيري، فإن تذبذب قيادات نقابة ساوبرناردو وعلى رأسهم لولا جعلهم يقبلون وساطة الكنيسة ويرضون بتعليق الإضراب لمدة 45 يومًا على سبيل “الهدنة” وهي فترة سمحت لأصحاب الأعمال بالتقاط الأنفاس والتحايل على مطالب العمال الذين أضعفت الهدنة قدرتهم على المقاومة. وهكذا منحت التسوية النهائية العمال زيادات في الأجور أقل كثيرًا مما طالبوا به كما استطاع الكثير من أصحاب الأعمال أن يعاقب نشطاء الإضراب في انتهاك لما نصت عليه التسوية.

كان الإضراب الثاني في ساوبرناردو في مارس / أبريل 1980 أفضل تنظيمًا حيث لعبت اللجان المصنعية دورًا أكبر في توجيهه، كما أن مطالبة كانت أكثر تقدمًا حيث تضمنت إلى جانب رفع الأجور وعدم معاقبة القيادات النشطة، الاعتراف باللجان المصنعية وإقرار أسبوع العمل ذي الأربعين ساعة. وكما حدث في الإضراب الجماهيري الثني في ساوباولو قبل ستة شهور واجهت الدولة هذا الإضراب بعنف شديد حيث حاصرت الفرقة العسكرية الثانية ساوبرناردو وتم إلقاء القبض على مئات القيادات (بما فيهم قادة نقابة ساوبرناردو بما فيهم لولا). ولم تتم تبرئة لولا من تهمة التحريض على القتل سوى في 1984. كان هذا الإضراب فرصة جيدة لكي يدرك القادة النقابيون في ساوبرناردو أن “شرعيتهم” ليست حماية كافية في مواجهة بطش الحكام العسكريين.

الحزب المفتقد:
مثلت سلسلة الإضرابات الجماهيرية في البرازيل بين 1978 و1980 طفرة هائلة في مستوى الصراع الطبقي. وعلى الرغم من قمع الدولة الشديد وخيانة القيادات النقابية في ساوباولو فضلاً عن تردد قيادات ساوبرناردو اليساريين، فإن هذه الإضرابات ارتفعت بمستوى التنظيم الذاتي لعمال الصناعات الهندسية في البرازيل بشكل كيفي، كما أدت إلى تزايد ثقة العمال في قوتهم وقدرتهم على مقاومة وحشية الحكم العسكري.

وكانت سنوات ما بعد 1980 هي سنوات التعزيز تأسس حزب العمال في غمار الموجات الإضرابية في 1979 بقيادة لولا، وكان هذا الحزب في الواقع بمثابة كتلة واسعة من عدة قوى شملت مجموعات مسيحية راديكالية تتبنى لاهوت التحرير، وجماعات تروتسكية وماوية، ونشطاء حقوق الإنسان….. إلخ. على أن النواة الأساسية للحزب تمثلت في الحركة العمالية الراديكالية بشقيها القاعدي (ممثلاً في أم. أو.) والنقابي (مثلاً في لولا وقيادات ساوبرناردو).

والحق أن قيام حزب العمال كان خطوة رائعة للأمام بالنسبة للطبقة العاملة البرازيلية. فهو، أولاً: حزب عمالي مناضل يرفض تقاليد الشعبوية وسياسات التعاون الطبقي التي طالما هيمنت على اليسار البرازيلي لعقود. وهو، ثانياً: حزب جماهيري قام في معمعة الصراع الطبقي واستطاع أن ينظم مئات الآلاف من العمال المتقدمين. ومع ذلك، فهناك الكثير مما يستحق النقد في حزب العمال. من ناحية، وكما رأينا من قبل، فإن الحركة العمالية (وهو التيار المهيمن داخل الحزب) للعمل القاعدي على أنه مجرد وسيلة لتقوية التنظيم النقابي وليس محورًا للعمل الثوري داخل الطبقة العاملة. وقد ظهر التناقض واضحًا بين التيارين عندما تأسس إتحاد نقابي مستقبل جديد يوحد النقابات اليسارية والتنظيمات القاعدية داخل الحركة العمالية (الـ سي. يو. تي.) حيث حدث استقطاب بين قيادة حزب العمال/ ال سي. يو. تي. من ناحية، وما يسمى بال “سي. يو. تي. من أسفل” وهو الاتجاه الراديكالي داخل الاتحاد الجديد والذي تتمثل نواته الأساسية في حركة أم. أو.

ومن ناحية أخرى يعاني حزب العمال من غياب الرؤية السياسية العامة الواضحة. وعلى الرغم من رفضه القاطع لسياسات التعاون الطبقي، فإن هذا اللا انسجام الإيديولوجي والسياسي عنى خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة أن الميل “البرلماني” تزايد باستمرار داخل الحزب قاذفًا به خطوات بعيدة إلى اليمين، ومعمقًا التنقاض قيادته من جانب وقاعدته المناضلة في الحركة العمالية من جانب أخر.

حزب العمال إذن، ورغم إيجابياته، أبعد ما يكون عن الحزب الثوري الذي يستطيع أن يوفر للطبقة العاملة البرازيلية القيادة الأيديولوجية والسياسية التي تدفعها على طريق الإطاحة بالرأسمالية. فماذا عن حركة أم. أو.، تلك الحركة القاعدية التي قادت إضرابات ساوباولو الجماهيرية في أواخر السبعينات والتي كونت الجناح اليساري لحزب العمال منذ ذلك الوقت؟

الواقع أن حركة أم. أو. تمتلك إلى جانب نضاليتها القاعدية، رؤية سياسية ثورية على درجة عالية من الوضوح. إنها، من جانب، تدرك بوضوح الدور المتناقض للنقابات والحاجة لدور سياسي للجان المصنعية، تقول وثيقة لـ أم. أو.:

تريد البرجوازية أن تحول اللجنة المصنعية إلى أداة تتعاون في إدارة المشاكل القائمة داخل المصنع… إلى أداة للسيطرة السياسية على الصراع… كما يريدون أيضًا تقسيم العمال، من خلال اللجان المنفصلة، وبالتالي تجنب تعميم الصراع النقابي… النقابات منظمات تولد في ظل الديمقراطية البرجوازية وتحدد الرأسمالية دورها ووظائفها… تناضل النقابات أساسًا لتحسين شروط بيع قوة العمل في السوق… وهناك ميل قوي للبيروقراطية في الجهاز النقابي، وهناك ميل قوي لأن تحول الطبقة الحاكمة النقابات إلى أجهزة دولة، وأن تدمجها بحيث تدعم الرأسمالية… اللجان المصنعية والنقابات هي منظمات من نوعيات مختلفة. وينبغي أن تكون العلاقة بين اللجان والقيادة النقابية سياسية… ينبغي على النقابات وحركات المعارضة التي تؤيد الـ سي. يو. تي. أن تحارب من أجل بناء اللجان المصنعية والحفاظ على استقلاليتها، ولكن في نفس الوقت بناء علاقة سياسية تقوم على التأييد والدعم المتبادل.

وتدرك أم. أو. كذلك الحاجة لبناء حزب ثوري. فهي تقول: اللجان المصنعية هي منظمات الطبقة العاملة للصراع الاقتصادي – القضايا القطاعية، والسيطرة على عملية العمل، ومسائل الأجور – وفي هذه الحالات تقوم بوظيفة نقابية وهي أيضًا منظمات الطبقة العاملة للصراع السياسي – الصراع الطبقي – عندما تتقدم لأبعد من النقابية، بإمكانية أن تصبح أدوات التحول الثوري للمجتمع. إلا أن ذلك يستتبع ثلاثة أمور على الأقل: تمر اللجان بتغييرات جوهرية في أدوارها ووظائفها، فتصبح عناصر مكونة لأجهزة ثورية أخرى مثل المجالس العمالية. ولا يحدث ذلك إلا في الأزمة العميقة للحكم البرجوازية والصراع الثوري المتصاعد، أي في حالة قبل ثورية. وبحلول هذا الوقت سيكون على العمال بناء حزب ثوري يكون عليه أن يعمم الصراع وأن يطرح بديلاً سياسيًا عامًا للمجتمع الرأسمالي، أي أن يطرح خطة للاستحواذ على السلطة وبناء الاشتراكية.

يفهم مناضلوا أم. أو. بوضوح الحاجة لبناء حزب ثوري ويرفضون بشدة النقابوية. إلا أن مشكلتهم هي الاعتقاد بأن هذا الحزب لا يمكن بناه سوى في وضع قبل – ثوري. فالواقع أن مثل هذا الحزب (ولو على نطاق صغير) هو ما تحتاجه الطبقة العاملة البرازيلية الآن بشدة. فمن شأن وجوده أن يطرح أمكانية تعميم الصراعات وبالتالي زيادة تأثيرها وقدرتها على تحقيق الانتصارات على المدى القصير، فضلاً عن طرح الإطاحة بالرأسمالية على جدول أعمال المجتمع البرازيلي.

إن ما تفتقر إليه الطبقة العاملة البرازيلية ليس هو العامل الموضوعي المتمثل في نضج الرأسمالية وتأزمها. ولا هو بالطبع النضالية وارتفاع مستوى الصراع الطبقي. العنصر المفتقد حقًا ه ذلك الحزب الذي تبنيه القطاعات الأكثر تقدمًا داخل الطبقة خلال معاركها لكي يعمم خبراتها ولكي يقودها ومعها كافة المقهورين في المجتمع على طريق الثورة الاشتراكية. ولا يستطيع الحزب الثوري أن يلعب هذا الدور دون بلورة رؤية سياسية واضحة للتغيير الاجتماعي الثوري يستطيع أن يسكب بها ثقة جميع المقهورين في المجتمع.

ماركس أم أفلاطون؟
منذ 1974، بدأ الحكام العسكريون للبرازيل عملية الانفتاح السياسي المحدود بعد سنوات القمع السافر. وقد أعتبر أغلب المراقبون هذه السياسة دليلاً على قوة الحكم العسكري وسيطرته. إلا أن الحكام العسكريين واجهوا أزمة مزدوجة منذ نهاية السبعينات. فمن جانب، انفجرت موجات الغضب العمالي لكي تهز أركان الحكم العسكري. ومن ناحية أخرى، دخل الاقتصاد البرازيلي مرحلة أزمة عميقة، تحت تأثير الركود العالمي المتزايد، تمثلت في تراجع معدلات النمو وتفاقم مشكلات البطالة والمديونية وعجز الموازنة، فضلاً عن وصول التضخم إلى نسب فلكية.

ومع تفاقم هذه الأزمة المزدوجة، بدأت البرجوازية البرازيلية تبحث عن بديل للحكم العسكري يحفظ لها مصالحها وتتوفر له أيضًا المصداقية اللازمة لتمرير السياسات التقشفية اللازمة للخروج من الأزمة. كان البديل الأول الذي سعت إليه البرجوازية هو البريق المتمثل في “المعارضة المعتدلة” التي كان النظام العسكري ذاته قد خلقها. هكذا تولى حزب الحركة الديمقراطية البرازيلية الحكم في أعقاب انتهاء الحكم العسكري في 1985. ولكن مع نهاية الثمانينات كان رموز هذا الحزب قد فقدوا مصداقيتهم إذ واجهوا احتدام الصراع الطبقي بوسائل لا تختلف جوهريًا عن تلك التي كان الجنرالات يستخدمونها من قبل. كما تفاقمت الأزمة الاقتصادية على يد ذلك الحزب.

كان الوهم التالي الذي تعلقت به البرجوازية هو وهم المستقلين، حيث تم الدفع بكولور، المستقل عن الأحزاب السياسية، لرئاسة البلاد في أول انتخابات رئاسية مباشرة في 1989. إلا أن القضاء البرازيلي أضطر لإزاحة كولور الذي زكمت رائحة فساده الأنوف بعد أقل من ثلاث سنوات من توليه السلطة!

والآن وقد سقط البديلان “المعارض” و”المستقبل”، فإن البرجوازية تتعلق فيما يبدو بوهم ثالث هو وهم “المثقف” فرئيس البرازيل الحالي ليس سوى فرناندو هنريك كاردوسو – نعم كاردوسو – نعم كاردوسو أحد أكبر منظري مدرسة التبعية خلال الستينات والسبعينات والثمانينات!!

وصل كاردوسو لقمة السلطة من خلال رعاية الرئيس السابق (خليفة كولور) فرانكو له، حيث عينه فرانكو وزيرًا للخارجية في 1993 ثم وزيرًا للمالية أيضًا. وقد انتصر كاردوسو في انتخابات الرئاسة من خلال تحالف خاصة حزبه “الاشتراكي الديمقراطي” مع حزبين شديدي اليمينية (كان أحدهما قريبًا من الحكم العسكري) في مواجهة مرشح حزب العمال لولا!

منذ أكثر من ألفي عام قدم أفلاطون في الجمهورية رؤيته المثالية لمجتمع طوباوي يحكمه المثقفون بعد تدريب خاص لملكاتهم العقلية ولنزوعهم نحو “الخير” و”العدل”. فهل كاردوسو هو أفلاطون القرن العشرين؟ الواقع أن كاردوسو يدرك أن مثالية أفلاطون لا تكفي للتعامل (من موقع الرئاسة) مع مشكلات الرأسمالية البرازيلية، ولذلك سرعان ما مزجها بواقعية مكيافيللي حيث قال قبيل تقلده السلطة: “من الآن فصاعد… انسوا كل شيء كتبته!!” هل يوجد مثال أشد فجاجة على إفلاس نظرية التبعية؟

على كل حال، يبقى على عمال وفقراء البرازيل أن يثبتوا تفوق تصورات ماركس عن المجتمع والسياسة (التي غازلها كاردوسو من قبل) على تصورات أفلاطون ومكيافيللي معًا.

وأخيراً:
برهنت تجربة الحركة العمالية البرازيلية خلال السبعينات على أنه حتى في أحلك الظروف وفي ظل أشد أنظمة الحكم الرأسمالي وحشية يستطيع المناضلون داخل صفوف الطبقة العاملة – إذا امتلكوا الوعي والعزيمة اللازمين – أن يطرحوا رؤية واضحة المعالم للعمل القاعدي الثوري الذي يمكن عند احتدام الصراع أن يتحول إلى حركة جماهيرية كبرى. أليس هذا هو بالضبط ما فعلته حركة أم. أو. في البرازيل؟ إن ما كان مجرد مجموعات مصنعية محدودة التأثير قبل 1978 قد تحول قي خضم الصراع الذي أنفجر في ذلك العام إلى مجرى رئيسي مؤثر داخل الحركة العمالية البرازيلية.

ولكن التجربة البرازيلية برهنت كذلك على شيء أخر: ضرورة بناء الحزب الثوري المغروس داخل الطبقة العاملة والقادر على تحول الحالة القبل – ثورية إلى ثورة ناجحة. فهذه الحالة القبل – ثورية بطبيعتها غير قابلة للاستمرار طويلاً بلا حسم. فإذا لم يستطع العمال حسمها لصالحهم عن طريق الإطاحة بالدولة الرأسمالية وإقامة دولتهم العمالية من خلال المجالس المنتخبة ديمقراطيًا في أماكن العمل، فإن الدولة تتمكن دائمًا من استعادة الزمام والقضاء على الحالة القبل – ثورية سواء باستخدام القمع الدموي البشع أو باللجوء للإصلاحات المحدودة التي تفرمل الحالة الثورية وتفككها.

[1] النظام “الشعبوي” هو نظام يستهدف كسب تأييد “الجماهير الشعبية” من خلال سياسات إصلاحية. ومن جانب أخر، فإن “الشعبوية” تصور “الشعب” ككيان متجانس لا وجود داخله للتناقضات الطبقية.