بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خبرات ثورية

انتفاضة جنود الأمن المركزي فبراير 1986:

المعسكر سجن.. المعسكر بؤرة للثورة

لأول مرة منذ انتفاضة الأمن المركزي عام 1986 تحتل احتجاجات الجنود مساحة علي صفحات الجرائد. فقد نشرت صحيفة المصري اليوم مؤخرا خبرا عن قيام 2000 جندي من قوات الأمن المركزي بمحافظة الغربية بالدخول في إضراب عن الطعام احتجاجا على سوء المعاملة التي يلقونها من قبل قادتهم، خاصة بعد وفاة زميلهم أمير حسن مصطفى الذي قرر أن ينهي آلامه وآلامهم، وأطلق النار على نفسه ليضع حدا للمعاملة غير الإنسانية من السادة ضباط الأمن المركزي.

ما أشبه الليلة بالبارحة

في أواخر شهر فبراير من عام 1986، وبينما الاستعدادات تجري علي قدم و ساق في القاهرة والمحافظات لتنظيم مصر كأس الأمم الأفريقية، وإثر منشور وزع في ثكنات قوات الأمن المركزي بأن مدة التجنيد ستزيد سنة إضافية. وفي ظل سياق أزمة متفاقمة للرأسمالية المصرية، بعد خمس سنوات من تولي الديكتاتور مبارك للحكم، انفجرت انتفاضة جنود الأمن المركزي في 25 و26 فبراير 1986 في ظل تصاعد حدة الصراع الطبقي بسبب التدهور في الأوضاع الاقتصادية. فقد تقلصت عائدات البترول ومعها تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وارتفع معدل التضخم إلى حوالي 20 % وتراجع معدل النمو الاقتصادي (الذي بلغ حوالي 2.5 %) عن معدل نمو السكان وهو ما عني انخفاض نصيب الفرد من الدخل (فضلا عن سوء توزيع هذا الدخل)، كما بلغت الديون 32.5 مليار دولار. ومع احتدام الأزمة بدأت حكومة علي لطفي في اتخاذ مجموعة من القرارات الاقتصادية الجديدة علي طريق “الانفتاح” والهجمة علي حقوق ومكتسبات العمال وتكثيف معدلات الاستغلال. ومع تفاقم الأزمة ومحاولات حلها علي حساب الطبقة العاملة والفقراء، تصاعدت حدة الصراع الطبقي واندلعت الإضرابات الكبرى مثل إضرابي أسكو والمحلة في فبراير 1986 الذين شهدا مواجهات دموية بين العمال والدولة، وما تلاهما من إضرابات عديدة خلال العام نفسه.

في سياق هذا التصاعد في الصراع الطبقي جاءت انتفاضة الأمن المركزي. فجنود الأمن المركزي الذين يقال إنهم “يخافون من أقل رتبة” كسروا كل القواعد وخرجوا عليها وأصبحوا ثوريين. فلأول مرة في تاريخ جهاز الأمن المركزي يتمرد الجنود علي الضباط والنظام، حيث سئموا المهانة والذل ورؤية غيرهم يأكلون اللحم بينما هم لا يجدون الخبز. انفجرت انتفاضة جنود الأمن المركزي في منطقة الأهرامات في مساء يوم الثلاثاء 25 فبراير 1986 وتطورت على نحو واسع فاجأ الجميع: النظام، والبرجوازيين، وأحزاب المعارضة.

انطلقت الانتفاضة من معسكرين من معسكرات الأمن المركزي يقع أولهما على الطريق بين القاهرة والفيوم، ويقع الثاني على الطريق بين القاهرة الإسكندرية. ففي السادسة من مساء ذلك اليوم بدأ ثمانية آلاف جندي مظاهرات احتجاجية، بعد أن ترددت بينهم أنباء تفيد بأنه تقرر مد فترة التجنيد الإجباري لأفراد الأمن المركزي من ثلاث سنوات إلى أربع سنوات وأن تخفيضا صغيرا سوف يلحق بمرتبات الجنود لسداد ديون مصر!! وتطورت الأحداث بعد ذلك ما يشبه انتفاضة شاملة امتدت إلى ستة معسكرات مختلفة في عدد من محافظات الجمهورية (القاهرة، الجيزة، القليوبية، سوهاج، أسيوط، الإسماعيلية)، وشارك في الانتفاضة أكثر من 20 ألف جندي.

كان طبيعيا أن يثير خبر مد فترة التجنيد ثائرة جنود الأمن المركزي الذين تراوح عددهم الإجمالي في تلك السنة بين 300 و400 ألف جندي، معظمهم من أبناء معدومي الريف وفقراء الفلاحين الذين تفضل القوات المسلحة إحالتهم إلى قوات وزارة الداخلية لقضاء تجنيدهم الإجباري بها. وطبقا لتصنيف القوات المسلحة لهؤلاء المجندين فهم من اللائقين صحيا من المستوى (1) وثقافيا من المستوى (صفر)، أي الأميين المحملين بأمراض مختلفة. وتنظر لهم وزارة الداخلية على أنهم يد عاملة رخيصة، حتى أن تقريرا رسميا للوزارة وصفهم بأنهم “عمالة معدومة الأجر”، حيث تتراوح مرتباتهم بين 4 و6 جنيهات. وقد دفع ذلك وزارة الداخلية للتوسع في أعداد الملتحقين بقوات الأمن المركزي، خاصة مع تزايد حدة الصراع الطبقي في السبعينيات. وإذا كانت الأحداث التي قام بها المجندون في الأمن المركزي، ناتجة عن قضية أخرى، وهي قضية تمديد الخدمة لمدة عام، فإن الذي هيأ لذلك، هو الوضع الاقتصادي ذاته، الذي جعل المتظاهرين من الجنود يرددون هتافات ضد السياسات الاقتصادية والمعيشية للدولة، ويهاجمون مخازن الأغذية، ويرفعون الشعارات حول الأوضاع الاقتصادية المتردية، وحول النقص في المواد الغذائية.

كانت حصيلة انتفاضة الأمن المركزي أكثر من 107 قتيلا معظمهم من الجنود، 104 منهم في القاهرة، و3 في أسيوط، و719 جريحا. بعد إعادة الجيش السيطرة علي الأوضاع، تم القبض علي آلاف من الجنود من مواقع الأحداث، بالإضافة إلي أعداد من البروليتاريا الرثة. وأمام أحد أقسام الشرطة التي تعرضت للهجوم وقفت دبابات الجيش صفين، بينهم طابور من العساكر المقبوض عليهم واضعين أياديهم فوق رؤوسهم مثل الأسرى وعيونهم زائغة، معظمهم ضعاف الجسم قصار القامة، بعضهم يرتدي الزى العسكري وآخرون بالملابس الداخلية، مساقين إلي المذبح في مشهد يشبه إلي حد كبير صلب سبارتاكوس ورفاقه علي طريق روما. وتم طرد 21 ألف جندي من الخدمة. وفور انتهاء عملية الذبح، سارع زعماء المعارضة (الوفد والتجمع والعمل والأحرار) إلي لقاء مبارك، حيث أعربوا عن استنكارهم لانتفاضة الأمن المركزي وتأييدهم المطلق لسياسة النظام في مواجهة الانتفاضة.

حياة الجنود داخل المعسكرات اليوم

كان الفلاحون في مصر الفرعونية يستعبدون لمدة ثلاثة أشهر لبناء قصر لفرعون، أو عام لشق قناة أو إقامة هرم ثم يفرج عنهم، أما الآن فإن جنود الأمن المركزي مستعبدون لمدة ثلاث سنوات في ظل شروط عمل أشبه بنظام السخرة. فالعديد من الضباط يقومون باستغلال الجنود كخدم في أعمال المنزل ورعاية الأطفال وشراء احتياجات منازلهم، وأحيانا للعمل في مزارعهم ومحلاتهم بالطبع دون مقابل .ويعمق إحساسهم بالظلم التناقض المخيف بين بؤس حياتهم في المعسكرات والرفاهية البادية في الأماكن التي يكلفون بحمايتها من بنوك وشركات وسفارات وفنادق وملاهي وكازينوهات.

إن اغلب جنود الأمن المركزي ينظرون لفترة التجنيد على أنها عقوبة وتمر بأية صورة. فالمعسكرات بالنسبة لهم سجن، حيث يعيشون في معسكرات ضخمة من الخيام لا تتضمن أي مرافق مريحة. إنهم ينامون على الأرض ولا تتوافر لهم دورات مياه آدمية. كما أن التغذية التي تصرف لهم لا تتناسب مع ما يبذلون من جهد شاق، وهم لا يحصلون على الوجبة الساخنة الوحيدة إذا حلت وهم في دورياتهم.

ولا يحصل جنود الأمن المركزي على أجازات إلا لمدد قليلة وعلى فترات متباعدة وهم يتعرضون إلى تدريبات شاقة ولا إنسانية، ويتعامل معهم الضباط كأنهم آلات صماء بلا مشاعر أو إرادة. فمن بين أساليب تدريبهم إجبارهم على الوقوف ثماني ساعات لا يتحركون خلالها ولو لقضاء الحاجة، فضلا عن شحنهم ضد أي مشاعر إنسانية قد تنتابهم أثناء أداء مهمتهم بتدريبهم على ضرب بعضهم البعض. هم كذلك يمنعون من الطعام والشراب، ويتعرضون للسب واللعن ولظروف بيئية لا إنسانية مثل السكن عشرون فردا في خيمة واحدة وأحيانا الضرب بالاحذمة والهراوات من الضباط و صف الضباط، بغرض الوصول بهم إلي حالة لا إنسانية مستعدة لتنفيذ أي أمر للقائد في سبيل إرضائه. و يروي أحد ضباط الأمن المركزي بعض أساليب تطويع الجنود مثل حمل الضابط حملا إلي دورة مياه والضرب والبصق والسب بالوالدين وإطفاء السجائر بأجسامهم و امتطاء ظهور بعضهم بعضا، وأسلوب “اشرب ويسكي” أي أن يضع يد علي الأرض والأخرى علي الأذن و بطرف سبابته يظل يدور مثل الساقية حتى يسقط كالسكران.

إن الحياة في المعسكر بالنسبة لجندي الأمن المركزي تشبه السجن تماما. ووفقا لجريدة صوت الأمة في 11 نوفمبر 2005، فقوات الأمن المركزي بجبل الحلال، التي كانت تلاحق العناصر الإسلامية المتهمة بارتكاب أحداث شرم الشيخ، أصيبت بالجرب نتيجة حرمانها من الماء والطعام، “فقد أصابت قلة المياه وانقطاعها المستمر عن القوات بعض الجنود بالجرب وامتدت العدوى لعدد آخر بشكل لاحت معه إشارات لتحول المرض لوباء بين جنود الأمن المركزي … نتيجة عدم استحمامهم أو تغيير ملابسهم لفترة وصلت لشهر كامل … وقد أسهمت ندرة الأجازات وإلغاؤها في أحيان أخرى إلي إحساس القوات بأنها في سجن كبير.”

الغضب الجماهيري قادم

إن حادثة انتحار أمير حسن تؤكد إذن علي أنه قتل علي أيدي من حولوا حياته إلي سجن وجحيم لا يطاق. فأمير، الذي نصحته أمه وأخواته بالصبر حتى تمر الأيام وينهي خدمته، طبقا لما نشرته المصري اليوم في 28 يناير الماضي، قرر أن ينهي بؤسه وتعاسته وخدمته بيديه. ليشعل بذلك شرارة أول احتجاج جماعي علي المعاملة السيئة والبشعة داخل معسكرات جنود الأمن المركزي منذ 1986. على حد قول لينين في مقاله “الجيش والثورة” المنشور عام 1905: “إن روح الحرية تتسرب إلى الثكنات. في كل مكان كانت الثكنة في روسيا أسوء من سجن، وكانوا لا يقمعون الشخصية في أي مكان كما في الثكنة ولم يكن الضرب والتعذيب وإهانة الإنسان يصل في أي مكان لهذه الدرجة … هذه الثكنة تصبح بؤرة للثورة “.

بعد واحد وعشرين عاما من انتفاضة الأمن المركزي، وربع قرن علي حكم مبارك، يؤكد إضراب جنود الأمن المركزي عن الطعام في يناير الماضي علي أننا نعيش أياما فاصلة أوشك فيها الغضب المتراكم لدى الجماهير الفقيرة عبر السنوات الماضية أن ينفجر، وسط تنامي استعداد هذه الجماهير لمواجهة سلطة القهر والاستغلال. فمن مظاهرات التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية نهاية عام 2000 ومظاهرات 20 و21 مارس 2003، وصعود حركة التغيير الديمقراطي ومعارضة التمديد والتوريث وأخيرا موجة الإضرابات والاعتصامات العمالية التي نشهدها اليوم في ظل هجمة البرجوازية الشرسة والليبراليين الجدد علي مستويات معيشة الطبقة العاملة والطبقات الفقيرة. كل ذلك يؤكد المرة تلو الأخرى علي أن الجماهير تخوض نضالاً بطولياً أربك النظام، وساهم في كسر حاجز الخوف لديها. هذا النضال البطولي يؤشر لعملية تزايد ثقة الجماهير في نفسها لتبدأ عملية رص الصفوف لمواجهة سياسات الإفقار والقهر التي بلغت ذروتها من قبل النظام والطبقة الحاكمة. إن عملية احتجاج جنود الأمن المركزي لسان حالها يقول للجميع: أنظروا ها هي الجماهير بكل شرائحها بدأت ترد علي الحالة التي وصلت إليها وتؤكد علي أننا سنشهد الفترة القادمة انفجارات جماهيرية كبيرة في ظل تصاعد الصراع الطبقي، حيث ازداد غنى أقلية ضئيلة هي الطبقة الحاكمة بينما تفاقم فقر الأغلبية، وغدت تعيش في حالة صعبة من البؤس والقهر والحرمان.