بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خبرات ثورية

إندونيسيا 1998:

الانتفاضة الشعبية وسقوط سوهارتو “ملك الحرامية”

انتفاضة إندونيسيا 1998

إن قصة الانتفاضة الشعبية التي حدثت في إندونيسيا في العام الماضي وإمكانيات الثورة التي لم تحسم تمامًا حتى الآن هي خير مؤشر على أن الطبقة العاملة ما زالت تنبض بالحياة والعنفوان. فالذين يدعون أن الطبقة العاملة قد اختفت عليهم أن ينظروا إلى دولة مثل إندونيسيا وغيرها.

الانتفاضة وسقوط الديكتاتور سوهارتو:
يبدو أن شهر مايو هو أكثر شهور السنة سخونة بالنسبة للجماهير. ففي مايو 1998، اندلعت شرارة الانتفاضة الشعبية في إندونيسيا، وهذا ربما يذكرنا بمايو 1968 في فرنسا ومايو 1989 في الصين. كانت الجماهير تغلي من الغضب في الشهور السابقة لشهر مايو في إندونيسيا، وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى تدهور شديد في معيشة الملايين من الفقراء والعمال والفلاحين. كانت البطالة في تزايد مستمر والأسعار أيضًا في ارتفاع متصل. ولقد توجه الكثير من الغضب المكبوت في الصدور بشكل عنصري ضد الأقلية الصينية التي تشكل أقل من 4% من السكان ولكنها تملك ما يقرب من 70 % من الثروة (نشير هنا إلى نقطة شديد الأهمية وهي أن معظم الصينيين في إندونيسيا ينتمون إلى الطبقات الفقيرة حيث أن الأغنياء يمثلون أقلية ضئيلة). شجع على اضطهاد الصينيين أيضًا الكثير من القادة الإسلاميين من أعضاء حزب التفاوض الوطني الذي يتزعمه أمين رئيس – أحد أقطاب المعارضة البارزين على الساحة اليوم. حاول الكثيرون من الساسة البرجوازيين أو البرجوازيين الصغار، ومن بينهم رئيس وسوهارتو شخصيًا، تحميل الصينيين مسئولية الأزمة واتهموهم بأنهم السبب الرئيسي في الأزمة الاقتصادية، وأن رجال الأعمال من الأقلية الصينية يعيشون مثل “الطفيليات” على أكتاف الشعب الإندونيسي. أدى هذا التحريض إلى مهاجمة الكثير من المحلات والمطاعم والمدارس التي يملكها صينيون وسرقتها أو حرقها في شهري فبراير ومارس 1998؛ كما تعرضت الكثيرات من النساء والبنات الصينيات إلى الاغتصاب. وهكذا، فلقد كان الجو متوترًا للغاية بسبب تلك الصراعات، ولكن الأهم من ذلك كله بسبب حدة الأزمة الاقتصادية.

أما الشرارة التي أشعلت فتيل الأحداث فاندلعت في يوم 12 مايو من العام الماضي حيث قتل ستة من طلبة جامعة تريزاكتي وهم يشاركون في مظاهرة ضد الرئيس سوهارتو من ضمن حوالي 5000 من طلبة تلك الجامعة الكبيرة الواقعة في العاصمة جاكرتا. وكان تصرف قوات البوليس التي هاجمت الطلبة بإطلاق النار غير متوقعًا. أدى ذلك إلى تضامن طلابي أوسع في الأيام القليلة التي تبعت الحدث وخرج الطلبة في مظاهرات عارمة تطالب بسقوط سوهارتو. ولأول مرة منذ اشتعال الأحداث في إندونيسيا، تخرج ميجاواتي سوكارنو بوتري عن صمتها، وهي زعيمة المعارضة ورئيسة حزب النضال من أجل الديمقراطية وابنة الرئيس الراحل أحمد سوكارنو مؤسس الجمهورية الإندونيسية المستقلة. ولذلك فهي له شعبية واسعة ولكنها كانت تتبع سياسة البعد عن المشاكل والمهادنة مع النظام القائم. تلكم لأول مرة أيضًا أمين رئيس زعيم حزب التفاوض القومي الإسلامي. وطالب الاثنان الجماهير بضرورة ضبط النفس وعدم اللجوء للعنف.

لم تعر الجماهير اهتمامًا لتلك النداءات الفارغة، بل خرجت مظاهرات الطلبة إلى قلب العاصمة جاكرتا، وهناك انضمت إليهم أعدادًا هائلة من العمال والعاملات والفقراء المنتشرين في المدينة. ترك الموظفون أيضًا مكاتبهم وخرجوا إلى الشوارع لينضموا للمظاهرات. كان العمال قد نجحوا في تشكيل “لجنة العمال للإصلاح الشامل” والتي استطاعت أن تنظيم صفوفهم إلى حد ما وتطالب بإجراء إصلاحات شاملة في المصانع لتحسين ظروف العمل للطبقة العاملة. ولكن لم تنجح هذه اللجنة في تحويل مظاهرات العمال إلى بداية لحركة ثورية أشمل وأعم. زادت حدة المظاهرات في اليوم التالي ولمدة ثلاثة أيام على التوالي. اشتعلت جاكرتا بغضب الجماهير وامتدت المظاهرات لتشمل أعدادًا أخرى غفيرة. وكان انضمام الفقراء والمهمشين للمظاهرات من العوامل التي أثرت كثيرًا في سير الأحداث. اندفع الفقراء إلى المحلات الفخمة يحرقونها وينهبون ما فيها من طعام وملبس وأجهزة ثمينة ظلوا محرومين منها لسنوات طويلة، فهم بذلك يحطمون رموز الرفاهية والبذخ. دخل الفقراء البنوك التي يمتلكها سوهارتو وعائلته واخذوا ما فيها وحطموا نوافذها وأبوابها، كما اندفعوا إلى محلات السيارات التي يمتلكها أبن سوهارتو وحطموا ما فيها، وحرقوا مبنى وزارة الشئون الاجتماعية التي كانت ترأسها ابنة سوهارتو. كان غضب الفقراء موجها إلى الديكتاتور وعائلته التي نهبت موارد الشعب لأكثر من ثلاثين عامًا متصلة. كما رفعت الجماهير صوتها هاتف: “يسقط ملك الحرامية”.

وفي هذه الأثناء، كانت مظاهرات الطلبة والعمال تجتاح أنحاء العاصمة. قامت قوات البوليس بمهاجمتها وقتلت المئات من المتظاهرين والفقراء مما أشعل الغضب أكثر وأكثر. وعلى أثر ذلك، أرسلت وحدات من الجيش للسيطرة على الموقف. ولكن مثلما يحدث في بعض الأحداث الثورية المشتعلة كما شهدنا في التاريخ من قبل، تعاطف الكثير من قوات الجيش والبوليس مع المتظاهرين وساعدوهم. فمثلاً قام بعض الجنود بمساعدة الأهالي في سرقة شركة إندوفود جاكرتا، وقالوا لهم: “عندما تحصلون على ما يكفيكم، أعطوا فرصة لغيركم ليحصلوا على ما يريدون.” وهناك أمثلة عديدة على مثل تلك المواقف.

أدى ذلك إلى الشلل التام في جاكرتا. أغلقت المدارس والشركات والمكاتب وبدأ التضامن الجماهيري يعلو بوتيرة سريعة. امتدت الانتفاضة إلى أنحاء أخرى من الأرخبيل الإندونيسي. ففي مدينة يوجياكرتا مسقط رأس سوهارتو، ألقى الطبلة بالمولوتوف على قوات البوليس وأحرقوا صور سوهارتو في أنحاء المدينة واختطفوا أحد أعضاء البرلمان، ورد البوليس بإلقاء القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطية. أما في مدن صناعية كبرى مثل سورابايا، لم يستطع البوليس فعل أي شيء أمام مظاهرات الطلبة والعمال الذين قاموا بتنظيم مظاهرات مشتركة. كانت المظاهرات تنادي بإسقاط سوهارتو وضرورة الإصلاح (أو ريقورماسي). أصبحت كلمة “ريفورماسي” أي الإصلاح، هي الكلمة المسيطرة على شعارات الطلبة والعمال. وبعد ثلاثة أيام من المظاهرات وأعمال الشغب المتصلة، أصبحت معظم جزر إندونيسيا مثل جاوة ومدان وبوجور وسوراكاتا وغيرهم تشهد انتفاضة جماهيرية هائلة. في هذه الأثناء. كان سوهارتو في القاهرة يحضر قمة مجموعة دول الـ 15 ويكرم من قبل نظيره مبارك. عاد يوهارتو فورًا إلى بلده يوم 15 مايو حيث وجد أنصاره من أعضاء البرلمان ورئيسة هارموكو يطالبونه بالاستقالة من أجل “الوحدة الوطنية” وحقن الدماء. ولكن لم ينج البرلمان نفسه في هذه الأثناء من هجوم الجماهير التي أشعلت فيه النيران.

وفي 19 مايو، أحتل أكثر من 30،000 من الجماهير البرلمان تحت أعين وأسلحة قوات الأمن الذين لم يكن باستطاعتهم أن يفعلوا شيئًا. كانت الجماهير تنادي بسقوط سوهارتو وحبيبي، ورفعوا شعارًا ضخمًا طوله 40 مترًا كتب عليه: “أعيدوا السلطة للشعب. يكفي 32 عامًا من الديكتاتورية”. كان الحدث ينذر بوقوع مذبحة مثل ما حدث في قلب الميدان السماوي في الصين عام 1989. أما فلي اليوم التالي، وهو عيد الصحوة الوطني التاسع عشر والذي يؤرخ لمولد الحركة الوطنية الإندونيسية، وصلت أعداد غفيرة أخرى من الأوتوبيسات التي تقل طلبة وعمال وغيرهم للتضامن مع الجماهير التي احتلت البرلمان، فوصل العدد إلى ما يقرب المليون. كانت قوات الجيش تحت إشراف الجنرال ويرانتو على أهبة الاستعداد للهجوم. وعلى الرغم من نجاح التعبئة الجماهيرية تلك، فلقد حدث نوع من الاستقطاب بين صفوف الجماهير – وهي حالة يحدثنا عنها التاريخ كثيرًا وربما تكون سمة من سمات الانتفاضات الجماهيرية.

ففي صفوف الطلبة، كان هناك الإسلاميون (وهم الفئة الغالبة) والليبراليون واليساريون. كان ما يجمعهم هو ضرورة الإصلاح – وهذا الشعار يعتبر مطاطًا جدًا ويشمل الكثير من المطالب. لم يكن لدى الطلبة مطالب محددة غير إسقاط سوهارتو من الحكم، وكانت حركتهم تضم العديد من مجموعات المناقشة في الجامعات المختلفة بدون وجود قيادة عامة تجمعهم وتوحد مطالبهم. أما العمال، فقد كانت لهم مطالب مباشرة ومحددة تتلخص في زيادة الأجور وتحسين شروط العمل بشكل عام. كان دور لجنة العمال للإصلاح الشامل هامًا في تلك الأثناء حيث قامت بتوزيع المنشورات من أجل توحيد مطالب العمال والعاملات، كما أصبح لها منسقًا في كل مصنع تقريبًا. فعندما كانت تدعو لإضراب ما، كانت في نفس الوقت تطالب الجميع بمساندته. ولكن مما هو واضح من أحاديث أعضاء اللجنة أنفسهم، لم تكن هناك مطالب ثورية تدعو الطبقة العاملة لحركة اشتراكية شاملة من أسفل من أجل اقتلاع الرأسمالية من جذورها، فالهدف الأساسي للجنة تلخص في التكتل من أجل إحداث تغيير ديمقراطي حقيقي. بمعنى آخر، لم تستطع اللجنة أو أي نقابة عمالية أخرى أن تكون نواة لمنطقة ثورية. وكما قال أحد قيادات اللجنة أثناء أحداث مايو: “إننا نركز جهودنا على العمال. إنهم يتحركون بوتيرة أبطأ من الطلبة ولكنهم أكثر تنظيمًا.. أما الطلبة فإنهم ينفقون الكثير من الطاقة في المناقشات وتشكيل مجموعات تناقش وتتكلم، ولكن دون بناء حركة متماسكة.”

من ناحية أخرى، وفيما يتعلق بفقراء المدن، كان ما يهمهم هو إسقاط سوهارتو وتوزيع ثروته على الشعب، وهو ما كان واضحًا تمامًا في اندفاعهم لتحطيم ونهب ما تطوله أياديهم من رموز الثروة والرفاهية. وهكذا، كانت تلك هي الصورة بشكل عام عندما تدفقت الجماهير على مبنى البرلمان للمطالبة بإسقاط شخص سوهارتو، وبالتالي كان من السهل استمالتهم وتهدئتهم إذا ما تم تنفيذ ذلك المطلب المحدد.

وفي هذا الإطار، أقنع ويرانتو زعيم المعارضة الإسلامية أمين رئيس أن يطلب من الجماهير التي احتلت البرلمان الهدوء حتى لا تحدث مذبحة أخرى. استمع رئيس لهذا النداء وخرج للأعداد المحتشدة يطالبهم بضبط النفس حتى يكون باستطاعتهم تحقيق الإصلاح الذي يبتغونه. وللأسف استمعت فئات كبيرة من الجماهير له – فهو زعيم المعارضة الإسلامية ومن السهل عليه إقناع الإسلاميين الذي كان وجودهم قويًا في وسط الجماهير – خصوصًا في ظل غياب أية فصائل معارضة ثورية من الساحة. لقد أصبح المطلب الرئيسي الآن هو استقالة سوهارتو من الحكم. وفي اليوم التالي 21 مايو، ظهر سوهارتو على شاشة التليفزيون يعلن استقالته.

ما بعد مايو 1998:
فرحت الجماهير بخروج سوهارتو من السلطة. ولكن السلطة لم تذهب للشعب بل ذهبت إلى بحر الدين يوسف حبيبي – الصديق المخلص لسوهارتو ونائبه الأمين. فقبل اختياره لمنصب نائب الرئيس في مارس 1998 عندما أعيد انتخاب سوهارتو لفترة رئاسة أخرى، كان حبيبي يرأس شركة لصناعة الطائرات وأخرى لصناعة السفن، وهما من أكبر الشركات التي تمتلكها الدولة. بمعنى آخر، كان حبيبي رجلاً قوي النفوذ. ورث حبيبي تركة سياسية واقتصادية مليئة بالمشاكل والتناقضات. فعلى المستوى الاقتصادي، كانت البلاد تعيش في أزمة خانقة تتمثل في ارتفاع الأسعار إلى أكثر من 50% وهبوط قيمة العملة المحلية (حيث وصلت ألي 15،000 روبية أمام الدولار الواحد)، وانخفاض معدل النمو بالسالب بعد أن كان يتراوح بين 6-8% في سنوات الثمانينات وحتى منتصف التسعينات. انتشرت البطالة أيضًا حيث تم طرد ملايين العمال والموظفين بسبب الكساد وأغلقت الكثير من المصانع والشركات، وأصبحت إندونيسيا تمر بأزمة طاحنة. بالإضافة إلى ذلك، كان على الحكومة في ظل كل ذلك أن تفي بالتزاماتها لصندوق النقد الدولي الذي ضخ بالبلاد 43 بليون دولار في أوائل عام 1998 لتحقيق بعض الانتعاش الاقتصادي.

أما على المستوى السياسي، كان على حبيبي – ليحتوي الغضب الجماهيري – أن يقلص من نفوذ عائلة سوهارتو التي استولت على موارد ضخمة وأقامت الشركات والمصانع واحتلت صناعات هامة في البلاد. كان الفساد مستشر، ليس فقط بين أعضاء عائلة سوهارتو وأصدقائه المقربين وحاشيته، ولكن أيضًا في الجيش الذي كان ولا يزال يملك مقاليد القوة والسيطرة. أصبح أمام حبيبي معضلة ضخمة وهي تشابك مصالح السلطة بالبنوك والصناعة. ولذلك، وأمام الضغط من أسفل، بدأ الكثير من أقرباء سوهارتو وحبيبي والجنرال وبرانتو يستقبلون من مناصبهم، كما قام عدد كبير من رجال الجيش بالتنحي من مراكزهم. بدأ النظام أيضًا يراجع ويلغي عقود الكثير من الشركات بسبب الفساد والنصب.

ولكن هذه الإصلاحات المحدودة لم تؤثر كثيرًا على حدة الأزمة الاقتصادية. فالملايين من الإندونيسيين كانوا يطردون من أماكن عملهم أو تخفض مرتباتهم في ظل ارتفاع الأسعار المتواصل وانخفاض المخزون السلعي. أصبح هؤلاء الملايين يعيشون على نصف دولار يوميًا، وانخفض متوسط دخل الفرد من 1200 دولار إلى 300 دولار. وطبقًا للإحصائيات، كان هناك 150 مليون اندونيسي يعيشون تحت خط الفقر.

أدى ذلك إلى استمرار التذمرات العمالية والطلابية فيما بعد مايو 1998. كانت الكثير من المصانع محتلة من قبل قوات الجيش، مما شكل وضعًا استفزازيًا بالنسبة للعمال. وكما ذكر أحد العمال في منطقة جاكرتا: “بعد أحداث مايو، جاءت قوات الجيش إلى المصنع لكي تمنع أي أنشطة سياسية بين العمال.” وبسبب مثل هذه الإجراءات القمعية وغيرها، قام الآلاف من العمال بالتظاهر أمام وزارة القوى العاملة مطالبين بإعادة الشرعية للنقابات العمالية المستقلة والإفراج عن القيادات النقابية في السجون. خضع حبيبي لهذا المطلب ووعد العمال بأن حكومته لن تدعو أبدًا مرة أخرى الجيش للتدخل وقمع أي إضرابات عمالية يطالب فيها العمال بحقوقهم. كان لتصرف حبيبي وكلماته تلك تأثيرًا إيجابيًا في أوساط العمال ووجدوا أنهم قد انتصروا في هذه المعركة مع النظام. بدأت أيضًا النقابات العمالية تنشط بشكل أوسع مما شجع العمال لأن ينظموا إضرابات أكثر وأعنف مطالبين بزيادة أجورهم للتوافق مع ارتفاع الأسعار، كما تظاهر الآلاف من العمال ليمنعوا فصل أعداد كبيرة منهم وإغلاق مصانعهم. وهكذا، أصبح كل يوم يشهد إضرابًا عماليًا أو تذمرًا في مصنع من المصانع في مدينة أو أخرى من المدن الصناعية الكبيرة. شاركت العاملات أيضًا زملائهن في المظاهرات والإضرابات، ففي إندونيسيا تشكل النساء ما بين 40 – 50% من إجمالي الطبقة العاملة.

وأصل الطلبة بتياراتهم المختلفة رفع احتجاجاتهم في الجامعات المختلفة من أجل إجراء المزيد من الإصلاح، ولكن كان العمال والعاملات الآن هم الذين يشغلون الصفوف الأمامية في النضال. بدا واضحًا في أنحاء الدولة كلها أن المد في الصراع الطبقي ما زال مستمرًا. قامت بعد ذلك مظاهرات عديدة تطالب حبيبي بالاستقالة بسبب أن الوضع لم يتغير. وأخيرًا أعلن حبيبي تحت الضغط أن حكومته هي مجرد حكومة انتقالية وأن الانتخابات سوف تجري في يونيو 1999، أي بعد سنة من سقوط سوهارتو.

كانت البلاد إذن في حالة من المد الثوري، ولكن لم تكن هناك منظمة ثورية تقود الصراع.

دور الطبقة العاملة وغياب التنظيم الثوري:
لقد أرعبت أحداث العام الماضي الكثير من الحكام خشية أن يحدث في بلادهم مثلما حدث في إندونيسيا. أظهرت الانتفاضة الشعبية الوجه المشرق لإمكانية حدوث ثورة وبينت مدى حدة الصراع الطبقي. ولكن على الجانب الآخر، أكدت الأحداث على أن هذا المد في الصراع الطبقي يعبر عن مرحلة مليئة بالتناقضات والمشاكل يجب علينا أن نعيها جيدًا. أول هذه التناقضات وأهمها هي غياب المنظمة الثورية التي كان يمكن أن تقود تلك الملايين من الجماهير الغاضبة لفرض حل اشتراكي ثوري لصالح الطبقة العاملة والجماهير الفقيرة. فلجنة العمال للإصلاح الشامل لم تستطع أن تدفع الصراع ليكون أكثر جذرية ويطالب بتغييرات راديكالية للطبقة العاملة. ولذلك فنحن نشهد فراغًا ثوريًا حقيقيًا في حالة إندونيسيا. وهذا الفراغ، بل هذا التناقض، يؤكد لنا بشكل حاسم من ناحية أولى محورية دور الطبقة العاملة في الصراع الطبقي. ومن ناحية ثانية الأزمة التي تنجم عن ضعفها وتشتتها السياسي.

ولكن رغم ذلك رفع الجميع، حتى العمال، شعار “الإصلاح” لا شعار “الثورة”. والمفارقة أن الجماهير التي رفعت هذا الشعار كانت في لحظة ثورية في مواجهة طبقة حاكمة مفتتة ومذعورة. وهذه المفارقة هي في الحقيقة مفارقة أي ثورة لا تجد – أو لا تخلق – القوى التي لا تدفع بخار الحركة العمالية في مسار هادر واحد. في هذه الحالة يكون الإصلاح هو البديل. والرأسماليون أنفسهم يعون ذلك جيدًا لقد أشارت صحيفة جاكرتا بوست إلى سيسوونو، وهو أحد أهم الرأسماليين الكبار في إندونيسيا حيث قال: “إن الإصلاح شيء لا بد منه، لأن أي تاجر في تطبيقه يمكن أن يشعل المطالبة بتغيير جذري والذي يمكن أن يتحول إلى ثورة. ولذلك علينا أن نشرع فورًا في تطبيق الإصلاح من أعلى لكي نمنع حدوث ثورة من أسفل.”

ولكن نجد أن من السمات الهامة للطبقة العاملة الإندونيسية هي عدم تسيسها بشكل كافي وغياب الوعي التنظيمي الثوري. فعلى الرغم من ضخامة حجمها الذي يفوق بأضعاف مضاعفة حجم الطبقة العاملة الروسية عشية الثورة البلشفية في 1917 (والتي بلغت ما يقرب من نصف مليون تقريبًا)، إلا أن الاختلاف الجوهري هو أن الطبقة العاملة الإندونيسية لم تبلغ ولو من قريب نفس مستوى التنظيم أو الخبرة الثورية التي كانت عليها الطبقة العاملة في روسيا عندما اندلعت الثورة الاشتراكية.

وعلى الرغم أيضًا من التطور الرأسمالي المذهل الذي حدث في إندونيسيا على مدار الثلاثين عامًا الماضية، إلا أن الطبقة العاملة هناك تتميز بالحداثة. لقد دخلت إندونيسيا ركب الصناعة متأخرة عن دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية. فقبل ثلاثين عامًا مضت، كانت إندونيسيا دولة فقيرة وكان اقتصادها يعتمد أساسًا على الزراعة والبترول. ولكن عندما وصل سوهارتو إلى الحكم عام 1965 بعد انقلابه الشهير على الرئيس سوكارنو، بدأ يدفع بالاقتصاد نحو التصنيع. وبدأت هذه الدولة المتخلفة اقتصاديًا وصناعيًا في تسريع عملية الإنتاج في المدن الكبرى لمنتجات تكنولوجية متطورة للغاية، مثل رقائق الكمبيوتر الإلكترونية. حدث هذا جنبًا إلى جنب استخدام أدوات الإنتاج الزراعية القديمة والتقليدية في الريف الذي لم يكن في مقدوره التقدم نحو ذلك التطور التكنولوجي. ولذلك، فإن إندونيسيا تعتبر نموذجًا مثاليًا لما يسمى بقانون التطور المركب واللا متكافئ. ومع الإسراع في عملية التصنيع، بدأت تظهر طبقة عاملة جديدة ليس لها تاريخ نضالي في الصراع الطبقي.

خلق هذا الوضع انتعاشًا اقتصاديًا ومعدلات نمو عالية في إندونيسيا مما جعل الرأسمالية العالمية تقدم على ضخ كميات هائلة من الاستثمارات والقروض لاستغلال هذا الانتعاش وتحقيق الربح في ظل مناخ عالمي يحوطه الكساد من كل جانب. خلق هذا الانتعاش أيضًا فئات من البرجوازية والبرجوازية الصغيرة استفادت بشكل كبير في مقابل الملايين من فقراء الريف والمدن الذين كان يصلهم الفتات وظلوا يعيشون في تخلف. أدى هذا إلى حدوث تفاوت مذهل في توزيع الدخل بين المدينة والريف وبدأت الفجوة تتسع بين الطبقات في ظل قانون التطور المركب واللا متكافئ. وبما أن إندونيسيا محاطة بدول النمور الآسيوية الأخرى مثل كوريا الجنوبية وتايلاند وهونج كونج وسنغافورة، بدأ التنافس على الإنتاج يشتد بين هذه الدول، حيث أصبح يوجد إنتاج كثير وعمالة رخيصة متوفرة. وأصبحت دولة مثل إندونيسيا تعتمد بشكل رئيسي على التصدير واقعة بين مطرقة السلع التكنولوجية المتقدمة جدًا في دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وسندان السلع الرخيصة المتوفرة بغزارة لدول مثل الصين. بمعنى آخر، بدأت المنافسة تشتعل بين دول النمو على زيادة الإنتاج من أجل تزويد السوق الرأسمالي الذي كان قد بدأ يتقلص وينكمش؛ أي أصبح الإنتاج غزيرًا على رقعة محدودة من الموارد المالية.

وهكذا نجد أن إندونيسيا قد شهدت على مدار الثلاثين عامًا الماضية تقدمًا رأسماليًا حقيقيًا، ولكن هذا التقدم المذهل له أيضًا تناقضاته ومعضلاته.

معضلات الثورة في إندونيسيا:
أولى هذه المعضلات هي ثانوية الدور السياسي الذي تلعبه الطبقة العاملة الإندونيسية. فحتى الآن نادي العمال والعاملات بالمصانع بضرورة الإصلاح وزيادة الأجور وعدم الفصل من المصانع. وهذه كلها مطالب مهمة، ولكن الأهم هو تحويل هذا الإصلاح إلى ثورة عمالية. ما يبدو حتى الآن هو أن إمكانيات هذه الثورة قائمة ولم تحسم بعد. ولكن من ناحية أخرى، بدأ التيار ينحرف في اتجاه الأحزاب الإصلاحية الديمقراطية. والمؤشر على ذلك هو الانتخابات البرلمانية التي حدثت في شهر يونيو الماضي والتي لم تظهر نتيجتها حتى وقت كتابة هذا المقال. فالمؤشرات تبين أن حزب جولكار الحاكم. وهذا أدى بالرئيس حبيبي إلى أن يعرض على ميجاواتي أن يشكلا مع بعضها البعض تحالفًا يضمن لها أن تصبح نائبًا للرئيس، وقالت ميجاواتي أنها سوف تفكر في هذا العرض. أما الملايين من أنصار ميجاواتي فهم ينتظرون منها أن تقوم بتنفيذ الإصلاحات التي وعدت بها. ولكن نحن نعلم جيدًا أن حزب ميجاوتي أو حزب أمين رئيس لن يقوما بأي إصلاحات حقيقية للجماهير، بل ربما بعض الإصلاحات الشكلية حتى يضمنها تهدئة الجماهير وعدم اتساع المد الثوري أكثر وأكثر. ففي نهاية المطاف، إنهما لا يريدان تهديد النظام الرأسمالي القائم، وميجاواتي لن تستطيع أن تكون زعيمة النخبة التي تثق بها وزعيمة الفقراء في نفس الوقت. فكلا من ميجاواتي ورئيس “ثوري تجاه المحافظين ومحافظ تجاه الثوريين”، مثلما وصف ماركس الطبقة البرجوازية الألمانية. ولذلك فإذا لم تستطع الجماهير في الشهور القليلة المقبلة أن تضغط على ميجاواتي من أجل إجراء إصلاحات كبيرة في البلاد، أو إذا لم تستطع الجماهير الاندفاع بالثورة إلى آفاق أبعد من ميجاواتي ورئيس فبالتأكيد سوف يتوجه حزبها إلى التحالف مع النخبة الحاكمة.

من المعضلات الأخرى التي تواجه المد الثوري في إندونيسيا هي الارتباط الوثيق بين السياسة والاقتصاد، وهو ما يعطي هذه الدولة خصوصية هامة. فعلى الرغم من النمو الاقتصادي المذهل الذي حدث بها، إلا أن الفساد كان سمة عميقة ومميزة في جميع المجالات. فنجد أن سوهارتو وعائلته وحاشيته ورجال الجيش قد سيطروا على معظم الشركات الضخمة في الدولة، وكان لدى عائلة سوهارتو فقط أسمها في أكثر من 1200 شركة أخرى. ولقد سيطروا أيضًا على عدد كبير من الصناعات والمجالات الهامة مثل السيارات، الكيماويات، الاتصالات، الفنادق، وسائل الإعلام، صناعة السفن والطائرات، البترول، المقاولات، المحطات الكهربية، محطات المياه،… الخ. إنهم في الحقيقة سيطروا على معظم موارد الدولة واقتصادياتها. والآن، وبعد أن سقط سوهارتو، من الذي سيتحكم في كل أركان الاقتصاد هذه؟ إنها معضلة سوف يواجهها أي حزب سيتولى الحكم في الفترة المقبلة لأن الجماهير تعي هذه الحقيقة تمامًا.

أما المعضلة الثالثة الجوهرية التي تواجه المد الثوري في إندونيسيا فهي غياب اليسار الثوري. لقد تحطمت الحركة الشيوعية على يد سوهارتو في الستينيات عندما تولى الحكم، حيث قتل ما يقرب من نصف مليون إندونيسي من المعارضين الوطنيين والشيوعيين. ففي عهد الرئيس سوكارنو، كان للحزب الشيوعي الإندونيسي الموالي لستالين مكانًا على ساحة السياسية، كما كان لأعضائه ستين مقعدًا في البرلمان من إجمالي 261 من الأعضاء المعينين. وفي مقابل ذلك، كان الحزب يعطي لمطالب الطبقة العاملة صيغة الوحدة الوطنية حتى يحافظ على نفوذه لدى النظام. ولذلك لم يعترض الحزب على الرغم من ذلك، كان هناك أعضاء بالملايين من عمال وفلاحين وطلبة في الحزب الشيوعي. ففي عام 1965، وهو عام الانقلاب الذي قاده سوهارتو ووصوله إلى الحكم، كان أعضاء الحزب حوالي 3 مليون بالإضافة إلى 10 مليون عضو في النقابات العمالية واتحادات الفلاحين والنساء والشباب. لقد كان هذا العدد الضخم يؤهل الحزب لقيادة الطبقة العاملة وفرض البديل الثوري، ولكنه اختار البديل الآخر: مهادنة النظام.

وعندما وصل سوهارتو للحكم، قام بمذبحة لا ينساها التاريخ ضد أعضاء الحزب الشيوعي. لقد صفى سوهارتو الحزب تمامًا إما بالقتل أو السجن، كما قام بضرب الحركة النقابية وحظر وجودها هي وأي أحزاب سياسية أخرى. وكان هذا من العوامل الهامة التي جعلت الرئيس الجديد محل ثقة الدول الغربية. فلقد أصبح سوهارتو البطل الذي قضى على الشيوعية لخدمة الإمبريالية. وربما يكون قول الرئيس الأمريكي نيكسون في عام 1967 خير دليل على أهمية نظام سوهارتو لخدمة مصالح الولايات المتحدة في منطقة جنوب شرق آسيا، حيث قال: “تعتبر إندونيسيا أعظم هدية في جنوب شرق آسيا بسكانها البالغ عددهم 100 مليون ومساحتها الهائلة الممتدة بين الجزر واحتوائها على أغنى الموارد الطبيعية في المنطقة.”

ولكن مع النمو السريع في التصنيع خلال ثلاثين عامًا من حكم الديكتاتور سوهارتو، خلقت طبقة عاملة ضخمة من أهم سماتها الاستغلال الشديد الذي تتعرض له و الأجور الهزيلة التي تحصل عليها. وعلى الرغم من غياب أي نوع من التنظيم الثوري فيما بين العمال، إلا إنهم قاموا بعدة إضرابات خلال عقد الثمانينات مطالبين بزيادة الأجور وتحسين شروط العمل. ومن أجل احتواء هذه الطبقة العاملة الصاعدة والواعدة في نفس الوقت، قام النظام في عام 1985 بإنشاء اتحاد العمال الإندونيسي والذي أداره مجموعة من رجال الأعمال وأعضاء حزب جولكار الحاكم. ولكن في مقابل ذلك، كانت هناك نقابات عمالية تعمل سرًا وتحاول تنظيم العمال والعاملات،، مما أدى بالنظام إلى أن يلغي الحظر على الإضرابات في عام 1990. كان هذا انتصارًا كبيرًا للطبقة العاملة ودليلاً دامغًِا على أهمية التنظيم الذي يمكن أن يقود إلى نتائج إيجابية. ومنذ إلغاء الحظر على الإضرابات، زاد عددها بشكل ملحوظ: ففي عام 1995، سجلت الأرقام حدوث 365 إضرابًا؛ وفي عام 1996، وصل العدد إلى 901، بمعدل حوالي ثلاثة إضرابات يوميًا واشتراك ما يقرب من نصف مليون عامل بها. وفي عام 1997، وصل عدد الطبقة العاملة في إندونيسيا على 20 مليون في المدن الصناعية الكبيرة بالإضافة إلى 66 مليون آخرين في باقي أنحاء الدولة. بعمل حوالي 30 مليون من هذا العدد في قطاع التعدين والخدمات. كما تشغل النساء قاعدة ضخمة في الطبقة العاملة الإندونيسية حيث شكلت أكثر من 40% منها عام 1997 بعد أن كانت تشكل 33% في عام 1980. تعمل معظم العاملات في ظروف أسوأ من العمال الرجال وفي مناطق متطرفة عن المدن الكبيرة، ولذلك قامت العاملات دائمًا بأدوار محورية في الإضرابات وكقيادات في النقابات العمالية حيث أنهن أكثر تنظيمًا ونضالية من الرجال. وكما يقول أحد أعضاء النقابة: “إن العاملات بالفعل أكثر نضالية من العمال. فتاريخ الحركة العمالية يبين أن المصانع التي تشغلها النساء تعتبر أكثر نضالية. فمعظم النشطاء هن من العاملات، حيث يحضرون الاجتماعات بانتظام وممثلاتهن يعتبرن أكثر نشاطًا في المصانع. ونحن دائمًا أن نطالب بإصلاحات خاصة بالنساء العاملات بسبب أنهن يتعرضن للتفرقة والاستغلال أكثر من الرجال. فمرتباتهن أقل من مرتبات العمال، وفي الكثير من المصانع لا تصرف لهن إعانة الوجبات مثل زملائهن الرجال.”

ولكن على الرغم من تصاعد الحركة العمالية وارتفاع عدد الإضرابات سنة بعد أخرى، فإن وعي العمال السياسي ظل مباشرة مثل زيادة الأجور وصرف إعانة المواصلات والتمسك بالإجازات السنوية والحوافز. ولكن كان عام 1993 حاسمًا بعد القتل الوحشي الذي تعرضت له العاملة مارسينا وتشويه جسدها، وذلك بسبب نشاطها في إحدى المعارك العمالية. أدى ذلك إلى اندلاع سلسلة من الإضرابات الكبيرة والتكتل من أجل دعم النقابة العمالية المستقلة والحديثة النشأة وهي “النقابة العمالية الإندونيسية المزدهرة” والتي أنشئت في عام 1992. وفي عام 1995، أنشئت نقابة عمالية مستقلة أخرى بقيادة عاملة صغيرة السن (23 سنة) هي ديتا ساري. قامت هذه النقابة بتنظيم العديد من الإضرابات في مصانع الغزل والنسيج. وعلى إثر كل تلك الإضرابات، قام النظام بالقبض على الكثير من القيادات العمالية والنقابية وخاصة في عام 1997 والذي شهد بداية اشتداد الأزمة الاقتصادية.

تشير هذه الحقائق إلى أن الطبقة العاملة في إندونيسيا لديها إمكانيات ثورية عظيمة إذا ما تم تنظيمها وتوجيهها نحو البديل الاشتراكي الثوري. فلقد أثبتت انتفاضة العام الماضي أن الطلبة وحدهم لا يمكنهم قيادة الجماهير الغفيرة من الفقراء والمهمشين، وأثبتت أيضًا أن الإضرابات العمالية هي التي صعدت من سخونة الانتفاضة وأعطت للطلبة قوة دفع كبيرة.

خاتمة:
بالتأكيد، يثبت الواقع الملموس يومًا بعد يوم أن هناك أزمة ثورية في إندونيسيا. ولقد بينت هذه الأزمة بما لا يدع مجالاً للشك أن الموقف يتحول إلى مأساة حقيقية عندما يكون اليسار الثوري غائبًا في لحظات التوهج الثوري. وربما يمكننا أن نتخيل عكس هذا الموقف، أي أن تندلع الانتفاضة في إندونيسيا بتوحد تلك الملايين الغفيرة من فئات الشعب المختلفة تحت قيادة ثورية منظمة تنشئ مجالس عمالية في المصانع لتدير الصراع وتحرض الشعب على الثورة وترفع شعارات التغيير الجذري. في هذه الحالة، كان الموقف سيصبح مختلفًا بكل تأكيد وربما اتخذت الأحداث منعطفًا آخر نحو قيام ثورة اشتراكية حقيقية. وهذا لا يعني أن العمال عبر تاريخهم لم يطرحوا أنفسهم سياسيًا بدون حزب ثوري، حيث حدث ذلك في تجارب مختلفة. ولكن المؤكد أيضًا أن الحزب الثوري ضروري لانتصار الثورة لأنه يحول هذا الوعي السياسي العام إلى وعي موحد ومنظم وقاهر.

إن الانتفاضة الشعبية التي حدثت العام الماضي في إندونيسيا تنير لنا الطريق كاشتراكيين ثوريين عن محورية وجود نواة منظمة اشتراكية ثورية للتفاعل مع الجماهير في أوقات المد الثوري، وهي أيضًا تعطينا دروسًا قيمة جدًا من أجل بناء هذه النواة في مصر.