بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة الأسبانية (الجزء الثاني)

الثورة الأسبانية

نُشِر المقال لأول مرة في 18 أغسطس 2011، بموقع «العامل الاشتراكي»، بقلم جيف بايلي، ويتناول فيه ما حدث خلال سنوات الصراع والحرب الأهلية بين ثورة الطبقة العاملة في أسبانيا والجنرالات الفاشيين الذين قادوا الثورة المضادة في الفترة بين يوليو 1936 إلى أبريل 1939.

ثورة العمال والردة الرجعية

لاقت الانتخابات التي أجريت في فبراير 1936 احتفاءاً هائلاً من جانب العمال والفلاحين عبر كافة أرجاء أسبانيا؛ فخلال السنتين السابقتين، والمعروفين بالسنتين السود، كانت حكومة اليمين تمارس أقسى الهجمات على حياة الملايين من العمال والفلاحين في اسبانيا. تم خفض أجور عمال الزراعة إلى النصف، وبشكل مستمر كان يتم طرد كافة الجمهوريين واليساريين من مواقع عملهم في الجيش أو المصانع والمؤسسات العامة أو الجامعات.

لذا عندما تلقت قوى اليمين هزيمة ساحقة في تلك الانتخابات على يد التحالف الانتخابي لأحزاب اليسار مع الأحزاب الجمهورية (والذي عُرف بتحالف الجبهة الشعبية)، كان لذلك صدى احتفالي واسع النطاق في القرى كما في الأحياء العمالية في اسبانيا.

لم تكن الجبهة الشعبية تحالفاً راديكالياً، بل كانت تحالفاً انتخابياً لأحزاب الطبقة الوسطى الجمهورية واليسارية، إذ كانت تضم كل من الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي الذي كان صغيراً في ذلك الوقت، بجانب الأحزاب القومية الكتالونية. واقتصر برنامج الجبهة الشعبية على العفو عن كافة المعتقلين السياسيين على خلفية انتفاضة 1934 في أستورياس، وإصلاح زراعي محدود بالإضافة إلى إرساء الحكم الذاتي (وليس الاستقلال) لإقليم كتالونيا.

وعلى الرغم من محدودية برنامج الجبهة الشعبية، إلا أن غالبية العمال في اسبانيا رأوا انتصار الجبهة الشعبية في الانتخابات وتشكيلها للحكومة بمثابة استمرار للثورة التي بدأت في 1930، وكما عبر أحد المناضلين الاشتراكيين في مدريد، فإن: “العمال يرغبون في التقدم خطوات أكبر للأمام، فهم غير قانعين فقط بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة العمال الذين كانوا قد تم فصلهم من أعمالهم إثر عصيان أكتوبر 1934. وبشكل عفوي، يضغط العمال لدفع الثورة إلى الأمام، ليس بالضرورة كي يحوذوا السلطة أو أن يشكلوا السوفيتات، لكن لإحراز المزيد من الانتصارات التي بدأتها الثورة منذ إعلان الجمهورية”.

أما على الجانب الآخر، رأى اليمين انتصار الجبهة الشعبية في الانتخابات بمثابة إعلان للحرب عليهم، وبدأ اليمين المتطرف في الإعداد للانقلاب على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً. وفي 17 يوليو، أطلق الجنرال الفاشي فرانشيسكو فرانكو الحامية الأسبانية سيئة السمعة في المغرب ليضع الانقلاب العسكري قيد التنفيذ العملي.

لم تكن تلك الهجمة موجهة فقط لحكومة الجبهة الشعبية، بل أيضاً لكافة منظمات الطبقة العاملة التي أتت بهذه الحكومة للسلطة. فعلى سبيل المثال، بعد السيطرة على حامية الجيش بأشبيلية وقّع الجنرال جونزالو كويبو ديلانو مرسوماً يقضي بالإعدام الفوري رمياً بالرصاص لكل من يحرض أو ينظم إضرابات عمالية.

لقد حظى الانقلاب بتأييد واسع بين الأحزاب اليمينية وقطاعات متفرقة من الجيش، فيما كان من الممكن التصدي لهذا الانقلاب المعادي للثورة بسهولة، فقط إذا قامت حكومة الجبهة الشعبية بتسليح الجماهير المنظمة للدفاع عن نفسها. ففي الكثير من المناطق التي استولى فيها العمال على السلاح، كان العمال ينجحون بالفعل في دحر قوات فرانكو.

تمركزت القوات الفاشية في العديد من المراكز الصناعية كما في الأراجون وأغلب مناطق الأندلس، بالإضافة إلى الكثير من المناطق التي تنتشر بها المنظمات الفلاحية الراديكالية. وكما أوضح المؤرخان الماركسيان بيير بروي وإيميل تيميم فإن:

في كل مرة يسمح العمال لأنفسهم بأن يخضعوا لاحترام الشرعية الجمهورية، وفي كل مرة يتقبل قادتهم ما يقوله لهم الضباط، يفقدون السيطرة ويعانون حالة من الشلل الكامل. على الجانب الآخر، في كل مرة يتجاهل فيها العمال “شرعية” السلطة ويجدون الفرصة وينجحون في تسليح أنفسهم، تعود الحركة الثورية مرة أخرى لحيويتها ونشاطها.

كانت الفرصة سانحة أمام حكومة الجبهة الشعبية للدفع من أجل إجراء إصلاح زراعي جذري في الريف، وكان ذلك سيؤجج الصراع بين جنرالات الجيش وبين الجنود الفقراء المنحدرين بالأساس من عائلات فلاحية فقيرة. كان لدى حكومة الجبهة الشعبية الفرصة أيضاً لإعلان استقلال المغرب، وكان من شأن ذلك أن يجلب دعماً غير محدوداً من جانب الحركة الوطنية المغربية التي ستفتح بدورها جبهة إضافية للقتال ضد قوات فرانكو.

لم تفعل الحكومة “الجمهورية اليسارية” أي من ذلك، وفي المقابل وجدت نفسها مشلولة بالكامل وفاقدة لأي سيطرة على مجريات الأمور. كان لديها القدرة على تصعيد الصراع ضد الفاشية وتحطيمها، أو على الأقل إضعافها، لكن وجدت نفسها مكبلة بالأغلال التي قيدت نفسها بها: الدفاع عن مصالح الرأسمالية والإصلاح التدريجي لها.

في البداية تعمدت الحكومة إظهار انقلاب فرانكو على نحو أقل مما يبدو عليه في الواقع، فيما كانت تحاول إيجاد بعض الطرق للتفاوض مع قوى اليمين. وكان رد الفعل الأول من جانب حكومة الجبهة الشعبية هي أن قامت بحل نفسها وعرضت تشكيل حكومة جديدة تضم وزراء يمينيين من خارج الجبهة الشعبية.

في هذا الوقت، كانت سلطة الجبهة الشعبية تتآكل بسرعة مخيفة؛ فاليمين قد رفض عرض الحكومة وأيد الانقلاب بالكامل، وهرّب الرأسماليون الكبار كل أموالهم خارج البلاد واضعين الاقتصاد تحت تهديد خطير. وعلى الجانب الآخر، انحل جهاز الشرطة وانضم لجانب الثوار. صحيح أن الجبهة الشعبية كانت في السلطة آنذاك، لكن السلطة كانت تتفتت وتنساب كالرمال من بين أيديها.

الثورة والحرب الأهلية

في الوقت الذي كانت فيه مؤسسات المجتمع القديم تنهار وتتحلل، كانت الحركة العمالية تنظم أشكال جديدة بدلاً منها. استولى العمال على الكثير من السيارات والشاحنات الكبيرة وخصصوها لنقل الميليشيات العمالية التي أنشأوها حديثاً، نظموا خدمات الإسعاف المتنقل وأداروا بأنفسهم العديد من الخدمات الأخرى كالمطاعم العمومية ووسائل النقل الجماعي والمستشفيات، إلخ.

وفي الكثير من المدن، استولى العمال على المصانع وسيطروا عليها بشكل كامل، كانوا ينتخبون ممثلين عنهم لمراقبة سير الإنتاج والتنسيق بين مواقع الإنتاج والتوزيع المختلفة. وصف الروائي البريطاني الشهير، جورج أورويل، تلك المشاهد المبهرة للمجتمع تحت السيطرة العمالية، لدى وصوله لمدينة برشلونة بعد حوالي ستة أشهر من انقلاب فرانكو. هكذا كتب في روايته “الحنين إلى كتالونيا”:

كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها مدينة تحت السيطرة الكاملة للطبقة العاملة. كل المباني بكل الأحجام تمت مصادرتها من قبل العمال، وتم تزيينها بالأعلام السوداء والحمراء للفوضويين. كل الحوائط منحوت عليها المنجل والمطرقة والأحرف الأولى للأحزاب الثورية..

لم يكن الأمر مختلفاً في الريف على الإطلاق؛ فالفلاحون الفقراء قد صادروا أراضي الإقطاعيين وأعادوا توزيعها، وفي الكثير من المناطق، حولوها إلى تعاونيات للإنتاج الجماعي بينهم (كوميونات). يتحدث أحد الفوضويين من بلدة ميمبريلا، واصفاً بلدته كالتالي:

في 22 يوليو، تمت مصادرة جميع الملكيات الكبيرة للأرض وأصبحت بين أيدي الكوميونة. كانت الخزانة المحلية فارغة، لكن تم مصادرة 30 ألف بسيتات وإيداعهم بالخزانة. كل الطعام والملابس والمعدات، إلخ، تم توزيعها بالتساوي بين السكان. تم تجميع العمل، لم يكن هناك حاجة للمال، الملكيات الكبيرة تم مصادرتها من قبل المجتمع، أما توزيع السلع الاستهلاكية فقد كان يتم بشكل اجتماعي.. كان يتم توزيع ثلاثة ليترات من النبيذ اسبوعياً لكل شخص، أما الكهرباء والماء والدواء والرعاية الصحية، فكانت تقدم بالمجان.

في كل المنعطفات الهامة خلال الثورة الاسبانية، كانت حكومة الجبهة الشعبية تحاول جذب الثورة إلى الخلف، ومنذ البداية لم تنظر الأحزاب الجمهورية للثورة إلا بنظرة احتقار وكراهية. لكن حتى عام 1936، كانت تلك الأحزاب تحتفظ ببعض التأييد الجماهيري، واستطاعت الصعود للسلطة عبر التعاون مع أحزاب اليسار.

وكما اعتادت قيادات الحزب الاشتراكي أن تفعل قبل صعود الجبهة الشعبية للسلطة، استمرت تلك القيادات في دفاعها المستميت عن الأحزاب الجمهورية وسياساتها. الجديد أن قيادات الحزب الشيوعي هي الأخرى سارت على نفس النهج.

منذ تأسيس الحزب الشيوعي الاسباني في 1921، فشل الحزب الشيوعي في أن يحظى بتأييد جماهيري واسع حتى بداية الحرب الأهلية التي دشنها الانقلاب الفاشي لقوات فرانكو. فقادة الحزب الذين كانوا يتبعون استراتيجية ستالين في الكرملين الروسي، قد حولوا الحزب من سلاح في يد الطبقة العاملة خلال نضالها الثوري إلى أداة لتنفيذ سياسات ستالين الخارجية.

انقلب الحزب الشيوعي الاسباني من التطرف اليساري، حيث رفضه القاطع للعمل المشترك مع منظمات العمال الإصلاحية خلال النصف الأول من عقد الثلاثينات، إلى الدفاع المستميت عن الجبهة المتحدة وحكومتها وسياساتها المترددة. كان ستالين يرغب في جلب دعم الحلفاء إليه في مواجهة الفاشية، في الوقت الذي كان يواجه فيه عداءاً متزايداً من جانب الحكومة النازية في ألمانيا.

ومنذ الأيام الأولى للحرب الأهلية، وضعت حكومة الجبهة الشعبية، بمساعدة الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي، الكثير من القيود على الفلاحين الذين يصادروا الملكيات الكبيرة للأرض، وعلى العمال الذين يستولون على المصانع ويديرونها ذاتياً. كما مررت قانوناً يمنع تحت أي ظرف مصادرة أيٍ من الأصول المملوكة لشركات أجنبية في اسبانيا. كانت الجبهة الشعبية ترغب في توحيد القوى المناهضة للفاشية، بما فيها قطاعات من البرجوازية الاسبانية، لذا قررت كبح نضال العمال والفلاحين كي لا تغضب البرجوازية.

تلك الاستراتيجية لم تعرقل الثورة فحسب، بل أيضاً أجهضت النضال ضد فرانكو واليمين المتطرف. كان فرانكو متفوقاً على الجبهة الشعبية من الناحية العسكرية؛ فقد كان يحظى بتأييد قطاعات عديدة في الجيش، إلى جانب تلقي دعماً مالياً هائلاً من كبار الرأسماليين الأسبان، كل ذلك بالإضافة إلى الإمدادات العسكرية التي كان يتلقاها من الحكومة الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا. ولكن كما كتب الثوري الروسي ليون تروتسكي في ذلك الوقت، فإن:

الحرب الأهلية لم تندلع بالقوة العسكرية فقط، لكن بالأسلحة السياسية أيضاً. فمن وجهة النظر العسكرية الخالصة، فإن الثورة الاسبانية أضعف كثيراً من عدوها. لكن قوتها تكمن في قدرتها على إيقاظ الجماهير الغفيرة للحركة، في قدرتها حتى على كسب الجيش من ضباطه الرجعيين. ولإنجاز ذلك، من الضروري أن يُقدم بكل جدية وجرأة برنامج الثورة الاشتراكية.

الفشل في الاستيلاء على السلطة

كانت الحكومة لا تزال تحتفظ بالسلطة في مدريد، لكن تطور المقاومة ضد اعتداءات قوات فرانكو ترك مدناً بأكملها تحت السيطرة المطلقة للعمال والفلاحين. لم يظهر ذلك بمثل هذا الوضوح في أي مدينة كما ظهر في برشلونة –قلب الحركة العمالية الاسبانية.

في برشلونة، لم تكن حكومة الجبهة المتحدة تحوذ أي سلطة، وفي المقابل كان الاتحاد النقابي الفوضوي يسيطر على مجريات الأمور بشكل كامل هناك؛ فقد كان الفوضويون ينظمون الخدمات الطبية والمطاعم العمومية، بالإضافة إلى الدور الهام الذي لعبوه في تنظيم لجان محلية للدفاع عن الثورة وتدريب الميليشيات المسلحة للتصدي للهجمات الفاشية.

في هذه الحالة من “السلطة المزدوجة”، بلغت الحكومة من الضعف بحيث لم تكن قادرة على اتخاذ أي قرار إلا إذا اتفق مع قرارات الاتحاد النقابي الفوضوي. ولعل أبرز الأمثلة على مدى ضعف الحكومة هو عندما استدعى رئيس الحكومة في كتالونيا عدد من قادة الفوضويين وأبلغهم بأنه على استعداد للتخلي عن السلطة وتسليمها للاتحاد الفوضوي.

لكن الفوضويين، الذين يرفضون أي شكل من أشكال السلطة –حتى السلطة العمالية- رفضوا العرض. وكما أوضحت الزعيمة الفوضوية فديريكا مونتسيني أن “ضميرها كفوضوية لن يسمح لها بذلك، فالاستيلاء على سلطة ديكتاتورية ليس له علاقة بالفوضوية”. وبعد جدالات طويلة، أعلن الفوضويون أنهم سيسمحون لحكومة الجبهة الشعبية للاستمرار في السلطة.

إعادة فرز اليسار

في محاولة لإنقاذ حكومة الجبهة الشعبية من مأزقها، تم تشكيل حكومة جديدة بقيادة أحد قيادات الجناح اليساري من الحزب الاشتراكي فرانشيسكو لارجو كاباليرو، الذي كان يشغل كذلك منصب وزير الحرب، فيما عرض كاباليرو مناصب وزارية في الحكومة الجديدة على بعض قيادات الاتحاد النقابي الفوضوي، بينما كان الفوضويون يتجنبون المشاركة في أجهزة الدولة مستندين إلى قوة اللجان المحلية للعمال والفلاحين للدفاع عن مكتسبات الثورة.

ولكن، كما هو الحال في أي من المنعطفات الثورية، لا يمكن أن تستمر حالة السلطة المزدوجة دون حسم واضح من أي من الطرفين؛ فإما أن تتقدم القوى الثورية في الصراع وتقوم بإحلال أجهزة الدولة القائمة، أو أن تسترد قوى النظام القديم توازنها وتقوم للإجهاز على الثورة.

أما الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي، فقد أصبحا يلعبان أدواراً أكثر أهمية في الحكومة من خلال قدرتهما على الحصول على الأموال والسلاح من الاتحاد السوفيتي، لكنهما في الوقت الذي كانا يسيطران فيه على خطوط الإمداد، كانا يحرمان الميليشيات الثورية من السلاح.

ومن جانب الفوضويين، فقد تخلوا عن رغبتهم في إسقاط الدولة وفي النهاية تمت استمالتهم للتعاون مع الحكومة، ووافقت قيادات الاتحاد النقابي الفوضوي على أن يشغلوا 4 مناصب وزارية مثلما عرض عليهم رئيس الوزراء الاشتراكي، كاباليرو.

ومرة تلو الأخرى، على الرغم من الفشل المتكرر للأحزاب اليسارية في السلطة، إلا أن العمال والفلاحين كانوا يظهرون قدراً هائلاً من الشجاعة والتضحية في التصدي لفرانكو والدفاع عن الثورة. فعندما هاجمت قوات فرانكو العاصمة مدريد، هربت الحكومة مع أغلب قيادات الأحزاب السياسية والنقابات، فيما عدا الشيوعيين، فيما هب سكان مدريد للدفاع عن العاصمة بكل بسالة. هكذا يصف أحد شباب المقاومة ما حدث، فـ”عندما هربت الحكومة شعرنا بالخيانة، وتوقعنا أن العدو سيستحوذ على المدينة بسهولة، لكنه لم يستطع ذلك. كانت هناك دعوات في كل مكان للدفاع عن المدينة.. من الأفضل لنا أن نموت على أن نعيش راكعين”.

جمع الرجال والنساء والأطفال ما استطاعوا جمعه من السلاح من كل مكان. كانت نقابة عمال النقل توفر وسائل مواصلات مجانية لنقل العمال من أحيائهم إلى الجبهة حيث القتال ضد قوات فرانكو. ولأسابيع عديدة، أبرز العمال بطولات مذهلة في قتالهم ضد الفاشيين في كل حي وفي كل شارع. وفي كثير من الأحيان، كان المئات من الرجال والنساء يذهبون إلى الجبهة دون سلاح.. فقط لعلاج المصابين أو لانتظار استشهاد بعض من رفاقهم كي يأخذوا أسلحتهم ويحلون محلهم في القتال.. كان الشعار الوحيد الذي يتردد في كل أرجاء مدريد “لن يمروا”.

وبعد شهر كامل من القتال، بدأت قوات فرانكو في التراجع إثر المقاومة البطولية لعمال مدريد. كان الحزب الشيوعي هو الوحيد الذي استفاد سياسياً من الدفاع عن مدريد. فعندما هربت حكومة الجبهة الشعبية من العاصمة، أخذت معها أغلب قيادات الأحزاب والنقابات فيما عدا الشيوعيين الذين وقعت بين أيديهم مهمة تنظيم الدفاع عن مدريد.

وبعد نجاح المقاومة العمالية في التصدي لفرانكو، كانت الصحافة الشيوعية تشيد ببطولة الشيوعيين في الحفاظ على مدريد، حيث كان الشيوعيون ينظمون الألوية الأممية القادمة للقتال ضد فرانكو، كما كانوا يتلقون دعماً هائلاً من الاتحاد السوفيتي بالمال والسلاح والمقاتلين للدفاع عن المدينة.

استغل الشيوعيون الشعبية الجديدة التي تولدت لهم في الضغط للتحكم في الجيش الشعبي وقوات الشرطة، حيث كانوا يحظون آنذاك بتأييد واسع من قادة الجناح اليميني للحزب الاشتراكي والكثير من قيادات هيئة الضباط. حينها، كان للحزب الشيوعي اليد العليا في توزيع السلاح وحجبه عن الميليشيات العمالية سواء تلك التي نظمها الاتحاد النقابي الفوضوي أو حزب العمال للتوحيد الماركسي (حزب صغير معادي للستالينية يرتكز بالأساس في إقليم كتالونيا). كان الهدف من ذلك واضحاً؛ لتبقى كل مقاليد الأمور خلال الحرب الأهلية فقط بين يدي الحزب الشيوعي.

الهزيمة

كانت برشلونة هي قلب اسبانيا الثورية، لكن عندما تراجعت الثورة في كل أرجاء اسبانيا، سادت حالة من الهدوء في برشلونة. كانت كل مظاهر الحياة تحت سيطرة الفوضويين والميليشيات العمالية، لكن الحكومة كانت تستعيد سلطتها ببطء وتسعى جاهدة لتقليص استقلالية اللجان الثورية.

مرة أخرى يصف الروائي المقاتل جورج أورويل، لدى عودته من الجبهة، التغيرات التي طرأت على المدينة منذ أن آخر مرة رآها قبل الحرب الأهلية:

في ظل المرح البادي على البلدة بملصقات الدعاية والحشود الغفيرة، كان هناك شعور مروّع بالتنافس السياسي والكراهية. كان الناس من جميع الأطياف ينذرون بقرب وقوع اضطرابات وشيكة. كان الخطر بسيط وواضح، فقد كانت الخصومة كبيرة بين أولئك الذين يتمنون أن تتقدم الثورة وأولئك الذين يرغبون في إيقافها. أي بين الفوضويين والشيوعيين.

وقع الصدام –الذي كان متوقعاً- في صباح 3 مايو، عندما وصلت قوة حكومية تحت قيادة أحد الوزراء الشيوعيين إلى مبنى للاتصالات تحت سيطرة الفوضويين لإنذارهم بالطرد من المبنى. كان ذلك اختبار حاسم للقوة، فالفوضيون كانوا قد صادروا المبنى منذ الأيام الأولى للقتال في يوليو، ومنذ ذلك الحين والمبنى تحت الإدارة العمالية المباشرة مثله مثل الكثير من المؤسسات والمصالح العامة في البلاد. وما تلى ذلك كان قتالاً عنيفاً استمر اسبوعاً كاملاً بين الشيوعيين والفوضويين.

ومنذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها المعارك، أصبح هناك أمران واضحان لا يمكن إنكارهما. الأول، أن الانتفاضة العفوية في برشلونة تحظى بتأييد أغلبية العمال في إقليم كتالونيا كله. والثاني، أن هذا الاستفزاز من قبل الحكومة لا يعني سوى شن الحرب على الثورة، وهذه المرة حاسمة؛ فإما أن يتقدم العمال ويطيحون بالحكومة، أو أن تكون هزيمتهم بداية لنهاية الثورة. لم يكن هناك ما يضمن دعم انتفاضة برشلونة خارج كتالونيا، لكن هزيمة برشلونة كانت تضمن هزيمة الثورة بأكملها.

لجأت الجبهة الشعبية للاستعانة بالاتحاد النقابي الفوضوي وأرسلت اثنين من الوزراء الفوضويين لبرشلونة للإلحاح على رفاقهم كي يتخلوا عن السلاح. استمرت المتاريس قائمة بعد ذلك بخمسة أيام في غياب تام للقيادات الفوضوية، وفي النهاية غادرها الثوار في حالة من الإحباط والاستنكار، وانهزمت الثورة.

شهدت الشهور التالية سيطرة تامة من الردة الرجعية، كان يتم اعتقال القادة الثوريين وتعذيبهم، واغتيالهم في كثير من الأحيان. أما اللجان الثورية فقد تحطمت، وتم حل الميليشيات الشعبية ودمجها في الجيش النظامي التابع لحكومة الجبهة الشعبية.

استمرت الحرب لعامين آخرين، لكن هزيمة برشلونة حسمت نتيجة الحرب. وعندما زحفت قوات فرانكو إلى المدينة في يناير 1938، لم تلقى أي تصدي، لم يكن هناك أي متاريس ولا دعوات للمقاومة المسلحة.

لم تكن فقط معارضة الفاشيين هي التي حركت الملايين من العمال والفلاحين للقتال والموت أثناء النضال ضد فرانكو. لكن الأهم من ذلك هو الأمل في أن الانتصار كان سيقود إلى إعادة تنظيم المجتمع بشكل ثوري لبناء مجتمع أكثر عدلاً وديمقراطية.

واليوم تبقى دروس الثورة الاسبانية ملهمة للجيل الجديد الذي يقود معركته من أجل الديمقراطية. وفي كل التجارب الثورية، تخوض الثورات في البداية فترة من الوحدة لكل المعارضين للنظام القديم، لكن مع تطور الصراع تضغط القوى المحافظة على العمال واليسار الثوري للتخلي عن مطالبهم من أجل الحفاظ على هذه الوحدة.

لا يمكن للثورات أن تتوقف عند منتصف الطريق؛ فإما أن تتقدم الثورات لتتحدى وتحطم حدود النظام الرأسمالي القائم، أو أن قوى النظام القديم تستعيد سيطرتها على مجريات الأمور من جديد، سواء بانتصار ساحق للثورة المضادة أو بسيطرة القطاعات الأكثر محافظة في الحركة الثورية.

والضمانة الحقيقية لانتصار الثورات هي تعميق وتوسيع رقعة الحركة الثورية. وعلى الرغم من الهزيمة التي تلقتها الثورة في اسبانيا في عقد الثلاثينات، إلا أنها قد أعطت لنا مثالاً مبهراً لسير العملية الثورية وضمانات النصر. وما نراه اليوم في شوارع القاهرة ودمشق وأثينا وغيرها من المدن عبر العالم.. بحاجة لأن يمتد ويكتمل حتى النصر.

ـــــــــــــــــــــ
اقرأ أيضاً: الثورة الأسبانية (الجزء الأول)