بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عام 1968 وربيع براج

نُشِر المقال لأول مرة في 5 أغسطس 2008 بموقع العامل الاشتراكي، وفيه يروي لنا آلان ماس قصة ثورة تشيكوسلوفاكيا ضد طغيان النظام الستاليني. فبرغم نجاح الغزو السوفيتي في إحكام قبضته على تشيكوسلوفاكيا، إلا إن هذا لم يمنع الطلاب والشباب من مواصلة نضالهم ومقاومتهم لجنود الاحتلال في شوارع براج.

لعقود بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تأججت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وظهرت بوصفها شقاً مركزياً في خريطة السياسة العالمية. صراع دولي بين نظامين على طرفي نقيض: الرأسمالية الغربية وأنظمتها الديمقراطية من جهة، في مقابل ديكتاتورية وبيروقراطية الاتحاد السوفيتي وبلدان أوروبا الشرقية الخاضعة لنفوذه من جهة أخرى. ولكن، وكما هو الحال مع ثوابت أخرى كثيرة، تمكنت الروح الثورية لعام 1968 من تحطيم هذه الصورة.

ففي شهر أغسطس من عام 1968، بينما كانت قوات الأمن في ولاية شيكاجو الأمريكية تنفذ عملية شديدة الوحشية لقمع المتظاهرين المناهضين للحرب في فيتنام أثناء إنعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي، كانت شاشات التليفزيون حول العالم تمتلأ بصور لجيش احتلال جديد، الدبابات الروسية تحتل شوارع براج بتشيكوسلوفاكيا. في تلك اللحظة، شعر الملايين حول العالم – في الغرب والشرق، في الشمال والجنوب – بوحدة نضالهم من أجل خلق عالم جديد مختلف، عالم خال من سيطرة وقمع الدولة، خال من القهر والاستغلال.

بعد الحرب العالمية الثانية تم تقسيم العالم بين أصحاب النصر الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ووفقاً لهذا التقسيم أصبحت تشيكوسلوفاكيا (التي هي اليوم دولتين منفصلتين، جمهورية التشيك وسلوفاكيا) جزءاً من الكتلة الاشتراكية الشرقية.

لم يتمكن العمال ولو للحظة من المشاركة في ترسيخ قواعد “دولة العمال ” لا في تشيكوسلوفاكيا، أو في أية دولة أخرى من دول أوروبا الشرقية. فالدولة الجديدة تم بناءها على غرار النظام الذي تديره الدولة البيروقراطية التي نشأت في روسيا في أعقاب وصول “جوزيف ستالين” إلى السلطة على أنقاض ثورة عام 1917. وتماماً كما هو الحال في الأتحاد السوفيتي، أصبح الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي هو المهيمن والمسيطر الوحيد على أجهزة الدولة والمؤسسات التي تديرها. في نفس الوقت الذي كان الاتحاد السوفيتي ذاته يمتلك كامل السيطرة – عسكرياً واقتصادياً وسياسياً – على دول أوروبا الشرقية الخاضعة لنفوذه.

ولعقدين من الزمان بعد الحرب، كانت تشيكوسلوفاكيا هي الدولة الأكثر استقراراً من بين الأنظمة الستالينية، ويعزى هذا الأستقرار إلى تمتعها بنظام اقتصادي متقدم نسبياً مكنها من تحقيق نمو مطرد في ظل نظام الدولة الموجه الجديد، ليس فقط في الأوساط النخبوية وأنما أيضاً في صفوف العمال العاديين. ولكن بحلول أوائل ومنتصف الستينيات تبدل الحال، فالنظام الجديد وصل إلى حدوده القصوى، وتوقف النمو الاقتصادي المنتظم، وكانت تلك الأزمة بمثابة الشرارة التي فجرت المظالم الكامنة تحت الرماد.

في البداية لاحت الأزمة داخل أنظمة أوروبا الشرقية الأخرى، في شكل صراع داخل النخبة الحاكمة – الحزب الشيوعي- والبيروقراطيين الذين يتولوا إدارة مؤسسات الدولة. في تشيكوسلوفاكيا ومع بداية عام 1968، دعت مجموعة من مسئولي الحزب الشيوعي لإجراء بعض التغيرات، والحد من سيطرة الدولة البوليسية في محاولة لإنعاش الوضع الاقتصادي المأزوم، وكانت هذه المطالب هي السبب في الإطاحة بسكرتير الحزب المتشدد “أنطونين نوفوتني” من منصبه، وتعيين “ألكسندر دوبتشك” الذي طالما كان أداة طيعة بلا شروط ليكون بديلاً له.

ومثل معظم الشخصيات المخلوعة من النظام القديم، لم يستسلم “نوفوتني” بهدوء للهزيمة، فلقد واصل هو ومؤيدوه من البيروقراطيين والجيش عقد الإجتماعات داخل المصانع لاكتساب الدعم العمالي، في تحدي واضح لمنافسيه. وعلى الجانب الأخر ولمواجهة هذا التهديد، اضطر “دوبيتشك” والبيروقراطيين من الجناح الإصلاحي، إلى الحد من القيود المفروضةعلى السياسية والصحافة، للتشجيع على توجيه النقد للنظام القديم. ولكن سرعان ما سقط الغطاء الذي طالما غشيّ المجتمع التشيكوسلوفاكي، على نحو لم يتصوره أياً من الأجنحة البيروقراطية.

انهارت المنظومة القديمة التي طالما انتهجها الحزب لضمان سيطرته على الصحافة، وقام مراقبي المطبوعات المعيين من قبل الدولة في مكتب المطبوعات المركزية ببراج بنشر رغبتهم في الاستقالة من هذه الوظائف. وبدأ الصحفيون في نقل ما يشاهدوه للعالم وبكل أمانة، كما اضطر عدد من أعضاء الحكومة، الجدد والقدامى، إلى الأجابة على أسئلة الصحفيين في المقابلات الصحفية.

وفي أحد البرامج الإذاعية وهو برنامج “أغاني عن طريق الهاتف” والذي كان يحظى بشعبية واسعة، في كل حلقة كان المذيع يقوم بالاتصال بأحد البيروقراطيين المتهمين بارتكاب جرائم في عهد “نوفوتني” ويطالبه بتقديم مبرر وأن يعتذر عما اقترفه من جرم، فإذا لم يتمكن المذيع من الوصول للشخص المقصود يتم إذاعة إحدى الأغنيات التي تسخر منه. وهكذا تحطمت الصورة الرمادية المعروفة عن تجانس مجتمعات أوروبا الشرقية. فارتفع توزيع الصحف والمجلات باضطراد ملحوظ، ولم يحد من هذا الإنتشار سوى قلة إمدادت الورق وقدرة المطابع المحدودة. كما أصبح بإمكان المثقفين مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية بشكل علني، وتشكلت الجماعات السياسية والاجتماعية الغير خاضعة لسياسات الحزب، والتي نظمت الإجتماعات لمناقشة القضايا الراهنة وحاولت الكشف عن سياسات الماضي.

وساعد الانفتاح الجديد في الصحافة على انتشارها بين أوساط الطبقة العاملة. فبدأ عمال المصانع في المطالبة بفصل المسؤولين فاقدي المصداقية وإرساء قواعد ديمقراطية لتنظيم العمل. وبحلول شهر يونيو، اندلعت في تشيكوسلوفاكيا موجة من الإضرابات العفوية، وبدلاً من يقمعها البيروقرطيين كما فعلوا في الماضي، أدى ترددهم إلى انضمام المزيد من العمال لموجة الاضرابات. هكذا هيأت الثقة الجديدة في القدرة على المعارضة والنضال المجال لبزوغ ربيع براج. ليس فقط لأن العام كان لايزال في بدايته، ولكن أيضاً لأنها جلبت أولى أشكال التعبير السياسي والثقافي بعد سنوات طويلة من السيطرة الحديدية لقادة الحزب.

بطبيعة الحال فإن تشيكوسلوفاكيا رزخت لسنين طويلة تحت سيطرة نظام عنصري، ولكن أي نظام يقرر أن يتخذ خطوات إصلاحية يواجه خطراً أكبر مما كان يواجهه من قبل، لأن الإجراءات الإصلاحية تلك تطلق العنان لقوى جديدة لا يمكن التحكم فيها بالطرق والوسائل القديمة.

واجه الجناح البيروقراطي الموالي لـ”دوبتشيك” معضلة. فالبرنامج الذي وضعه لإعادة تنشيط الاقتصاد يستلزم تخفيف السياسة القمعية، ولكنه في نفس الوقت لا يستطيع أن يسمح للمعارضة أن تصل إلى حد “بعيد جداً”. هكذا، أعلن “دوبيتشك” أن تشيكوسلوفاكيا بصدد بناء نظام “اشتراكي ذو وجه إنساني”. ولكنه ناشد مراراً وتكراراً روؤساء تحرير الصحف والصحفيين بتحمل “المسئولية”.

ندد “دوبيتشك” بشدة بموجة الإضرابات التي إندلعت مع بداية فصل الصيف، وفي كتابه ( الديمقراطية لتشيكوسلوفاكيا) قال “دوبيتشك”: “علينا أن ندرك أن بعض الأصوات التي تدعو إلى الإضرابات، أو الإضرابات نفسها يمكن تصل بنا إلى مرحلة من الفوضى والإضطراب”. ولكن الباب كان قد فتح على مصراعيه، ووقف “دوبيتشك” عاجزاً أمام شدة التيار. وبالنسبة لروسيا، شكّل ربيع براج تهديداً لامبراطوريتها في أوروبا الشرقية، ووجهت حكومة “موسكو” إنذاراً نهائياً، مهددة بالتدخل إذا لم يتم التعامل مع قوى “الثورة المضادة”.

لم يتمكن “دوبتشيك” من تنفيذ مطالب موسكو، وهكذا، في العشرون من أغسطس 1968، غزت القوات السوفيتية تشيكوسلوفيكا لإخماد ربيع براج. وأقتيد “دوبيتشك” وبعض الوزراء الآخرين إلى السجون في موسكو. وأتسعت المقاومة ضد الغزو السوفيتي، و قتل نحو مائة مدني تشيكي. وبثت صور الغزو السوفيتي في جميع أنحاء العالم، وكشف الحقيقة حول “الاشتراكية” المزعومة في الشرق، ولكنها كشفت أيضاً عن وحدة القمع والمقاومة على حداً سواء في الشرق والغرب. وفي شيكاجو، عندما تم قمع المتظاهرين ضد الحرب بواسطة رجال رئيس البلدية “دالي” كانوا فقط يحملون لافتات كتبوا عليها “مرحباً بكم في شيجاكو”.

في كتابه “الصراع الطبقي في أوروبا الشرقية” كتب “كريس هارمان يقول: “سيعرف شهر أغسطس من العام 1968 تاريخياً، بأنه الشهر الذي أظهر فيه قادة الحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي عدم تسامحهم مع التجارب المسماة بـ “الشيوعية ذات الوجه الإنساني”. كما أظهر أيضاً عدم قدرة قادة الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية على التسامح مع التجارب الديمقراطية.

عاد “دوبتشيك” وغيره من القادة التشيك بعد موافقتهم – “في أعقاب مناقشات حرة ورفاقية” – على إعادة الرقابة وحل المنظمات الغير رسمية، مع الإبقاء على القوات السوفيتية في تشيكوسلوفاكيا إلى أن تبدأ عملية “التطبيع”.

لكن الحركة الشعبية لم يكن من السهل اخمادها. حتى مع إحكام الدبابات الروسية السيطرة على شوارع براج، استمر البث الإذاعي والتلفزيوني بشكل غير قانوني لمدة أسبوع وكان يعمل على حشد المقاومة. وبعد يومين من الغزو، عقد مؤتمر لحزب سري في مصنع براج رغماً عن أنوف المحتلين. تواصل توافد الشباب على شوارع براج حاملين اللافتات وعلم تشيكوسلوفاكيا لمواجهة الجنود الغزاة. وانطلقت حملة شعبية تهدف إلى تغيير أسماء الشوارع، ونزع الأرقام عن المنازل وإزالة علامات الطريق، في محاولة لإعاقة المحتليين.

بحلول نهاية أكتوبر، اندلعت احتجاجات عفوية حاشدة ضد الاحتلال، وفي نوفمبر نظم الطلاب إضراباً لمدة ثلاثة أيام. وواصل العمال إنتخاب مجالسهم الخاصة داخل المصانع، كما هددت نقابة المهندسين الرئيسية باضراب عام بعد ما تم طرد أحد أبرز قادة الاصلاح “جوزيف سمركوفسكي” ولكن وكالمعتاد كان “سمركوفسكي” هو من طالب النقابة بعدم إتخاذ أية إجراءات. وفي يناير 1969، قام الطالب “يان بالاش” بإضرام النار في نفسه احتجاجاً على تخلي الحزب الشيوعي عن الإصلاحات، وكرد فعل تدفق عشرات الآلاف إلى الشوارع للتضامن.

وبدا الأمر وكأن القوات السوفيتية الغازية وحلفائها من البيروقراطيين عاجزين تماماً عن مواجهة هذه المعارضة. ومع ذلك، في حين أن حملات عدم التعاون أعاقت المحتلين الروس، إلا أنها لم تتمكن من طردهم خارج تشيكوسلوفاكيا. لقد منعت المعارضة الجماهيرية البيروقراطية من التحرك بسرعة كما كانت تأمل نحو إستعادة سيطرتها، لكنها لم تحل أيضا مكان قيادة الحزب.

وعلى الرغم من حجمها وقوتها، ظلت الاحتجاجات محدودة وقاصرة فقط على تقليص حجم الطبقات البيروقراطية ذات التوجهات الإصلاحية. لم تنشأ أي قوى مستقلة من بين العمال أوالطلبة يمكن طرحها كبديل مختلف، كي يدافع عن مكاسب ربيع براج، ويطرح المزيد من التغيرات، وينظم الصفوف لمواجهة أي قوة، محلية أو خارجية، يمكن أن تهدد النضال.

في تلك الظروف، كان الأمر مسألة وقت قبل أن تبدأ عملية “التطبيع. في أبريل 1969 تم استبدال “دوبيتشك” بالمتشدد “جوستاف هوساك”، وبحلول الذكرى السنوية الأولى للغزو السوفيتي في أغسطس استطاعت الشرطة التشيكوسلافية من سحق الإحتجاجات دون مساعدة من قوات الاحتلال.

ومع ذلك، فإن حالة السخط التي أدت إلى الانفجار في تشيكوسلوفاكيا كانت حلقة من سلسلة الثورات التي مهدت الطريق لإسقاط النظام الستاليني عام 1989. وأكدت أن النضال من أجل الحرية والديمقراطية يمكن أن يتجاوز الستار الحديدي. لقد كتب ربيع براج فصلاً حاسماً في العام الثوري 1968.