بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خبرات ثورية

ثمانون عامًا على الثورة الروسية (الجزء الثاني)..

من فبراير إلى أكتوبر

في الجزء الأول من هذا المقال استعرضنا بشكل سريع الظروف التي هيأت روسيا، رغم تخلفها الصناعي النسبي، لانفجار ثورة عمالية على هذه الدرجة العالية من الوضوح السياسي والطبقي. توقفنا في البداية عند قانون “التطور المركب واللا متكافئ” الذي كان ذا تأثير حاسم على مصائر الطبقات وموازين قواها في روسيا القيصرية. مررنا أيضًا، بشكل لا يخلو من أخلال وإيجاز، على خريطة القوى “الاشتراكية”، وكذلك القوى السياسية الأخرى، عشية الثورة. ثم انتهينا إلى الحديث عن انتصار انتفاضة فبراير تحت قيادة عناصر مجهولة من عمال طليعيين تربوا في مدرسة لينين الثورية. لكننا ختمنا المقال بمحاولة أولية للإجابة على سؤال عن مغزى ونتائج “مفارقة ثورة فبراير”، تلك المفارقة التي أوصلت الليبراليين – حزب الكاديت – إلى السلطة نتيجة لعجز قيادات البروليتاريا – البلاشفة – عن الاستيلاء على السلطة وقتها. علينا الآن أن نتمهل قليلاً أمام طبيعة وأسباب تلك المفارقة.

“أن قلب السلطة القديمة وتقويضها شيء، والاستيلاء على السلطة شيء آخر. وتستطيع البرجوازية في ثورة من الثورات الاستيلاء على السلطة لا لأنها ثورية، بل لأنها البرجوازية. فهي تسيطر على الممتلكات، والتعليم، والصحافة، وشبكة من نقاط الاستناد، وتسلسل في المؤسسات. ويختلف الوضع بالنسبة للبروليتاريا. إذ لا تستطيع البروليتاريا المتمردة الاعتماد إلا على ظلها، وتماسكها، وكوادرها، وأركانها، لأنها محرومة من المزايا الاجتماعية الموجودة خارجها”. (ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية).

في كل الثورات السابقة على الثورة الروسية كان الوضع يسير دومًا كالتالي: يقاتل العمال وصغار الصناع وعدد من الطلاب أمام المتاريس، وينجحون في شد بعض الجنود إلى جانبهم. ولكن البرجوازية المترفة، التي راقبت قتال المتاريس من النافذة، تنجح في التقاط ثمرة السلطة من قلب الدماء والخراب. وإذا ما قسنا ثورة فبراير بهذا المقياس البسيط فلن يكون هناك أي مجال للعجب فيما يتعلق باستيلاء البرجوازية على السلطة بعد انتهاء أيام فبراير العاصفة. ولكن ثورة فبراير 1917 تختلف عن سابقاتها. فهي تتميز بطابع اجتماعي رفيع وبمستوى سياسي عالي تمتعت بهما الطبقة الثورية. وتتميز أيضًا بحذر وروح معادية إزاء البرجوازية الليبرالية، وبإنشاء جهاز جديد للسلطة الثورية في لحظة الانتصار ذاتها: مجلس سوفييت يعتمد على القوة المسلحة للجماهير. فلماذا أذن وقعت هذه الثورة أيضًا تحت “طائلة القانون” الذي حكم سابقاتها؟

يتعزز هذا التناقض إذا ما علمنا أن البرجوازية الكبيرة نفسها لم تكن تفكر في استلام السلطة مطلقًا، بل أنها كانت تعتبر الثورة خطرًا مميتًا على مجمل وضعها الاجتماعي. ولم تكن الديمقراطية السوفييتية – في حقيقة الأمر – مضطرة للتنازل عن السلطة للبرجوازية بحكم الظروف الموضوعية. فبرغم أن الأفكار السياسية للجماهير الثورية في هذه الأيام كانت مشوهة في عديد من النواحي. إلا أن شيئًا واحدًا كان واضحًا في أذهانها بصورة لا تحتمل الشك: عداء البرجوازية الكبيرة والطغمة المالية وممثلوها السياسيين للمطالب المباشرة التي ثاروا من أجلها.

ولكن بالرغم من كل هذا، استحوذت البرجوازية على السلطة وشكلت حكومتها المؤقتة. ولفهم هذا اللغز علينا أن نتعرف على حلقة سياسية وسيطة في حلقات تتابع الوقائع: هي حلقة تأثير صغار البرجوازيين الديمقراطيين والاشتراكيين – الذين يجدون أساسهم الاجتماعي في فئات صغار ومتوسطي الموظفين في الصناعة والتجارة والمصارف، في الصحفيين والمهنيين، وفي البيروقراطية العمالية على حركة وميول الجماهير في الأيام الأولي بعد انتصار ثورة فبراير. لقد لقن هؤلاء – المولعين دائمًا باللفظية الثورية، ولكن ذوي الميول الوسطية والمترددة – الجماهير أن البرجوازية هي الخصم الأول. لكنهم كانوا يخشون في نفس اللحظة من سلطة هذا الخصم. ولهذا السبب فقد استحقوا لقب ممثلي الطبقة الثالثة: أي الطبقة التي تقع بين البرجوازية والبروليتاريا. ولقد كان لهؤلاء في روسيا أسم سياسي محدد: المناشفة والاشتراكيون الثوريون.

ولقد لعب هؤلاء الوسطيون دورهم على النحو التالي: خلال الأيام الأولى للثورة قبل انتصار الانتفاضة – عندما كان القتال في الشوارع – كان العمال البلاشفة يمثلون فيالق الهجوم الأكثر طليعية، وكانوا يتعرضون للخطر والقمع أكثر من غيرهم. ولذلك فقد كانوا في هذه الأيام هم القادة الحقيقيون لجماهير العمال في معركة الالتحام مع القيصرية. أما بعد تامين الانتصار فقد تبدل الوضع. إذ لم تعد المسألة قتال شوارع وإنما اختيار سياسي بين قوي متباينة ومتناقضة. عند هذه النقطة لعب التشوش السياسي الأولى لدى الجماهير دورًا حاسمًا. فلم يكن هناك سوى أقلية ضئيلة بين العمال فهمت بما يميز البلاشفة عن غيرهم من الاشتراكيين (المناشفة والاشتراكيون الثوريون).

وهكذا فقد أتاحت انتخابات مجالس السوفييتات نجاحات هائلة للمناشفة والاشتراكيين الثوريين. فقد صوت المتطوعين، والكتبة، وضباط الصف وغيرهم في الجيش لصالح الحزب الاشتراكي الثوري الذي يعبر أفضل من غيره عن جمود تلك الفئات وقصورها السياسي. أما الجنود العاديون فقد ساروا وراءهم ببساطة لأنهم لم يدركوا الفارق الذي اتضح في الشهور التي تلت ذلك بين هؤلاء وبين البلاشفة. من جهة أخرى، سار العمال وراء الكتلة الأساسية في الجيش لأنهم كانوا يريدون توثيق تحالفهم المشترك بالدم مع الجنود. ولذلك فقد صوتوا للاشتراكيين الثوريين وحلفائهم المناشفة.

نتجت عن هذه المفارقة – اختلاف قادة المتاريس عن قادة السوفييتات – وضعية جديدة ومتناقضة. فلقد وضعت الجماهير ثقتها في القادة المناشفة والاشتراكيين الثوريين للسوفييتات. ولكن هؤلاء كان همهم الأول هو فرض استلام السلطة على العدو الطبقي: البرجوازية! ولأجل ذلك ابتدعوا حججًا مثيرة للشفقة حقًا بسبب تهافتها وانتهازيتها. مثلاً تلك الحجة المذهبية – المتشددة ظاهريًا – التي تقول أنه بما أن الثورة برجوازية فأن علينا – كاشتراكيين – إلا نتورط في استلام السلطة وعلى البرجوازية أن تتكفل بنفسها!! حجة أخرى عملية هذه المرة اثارها الوسطيون تقول أن القوى الديمقراطية – يقصدون أنفسهم – لو حكمت روسيا (وكان جهاز حكمها هو السوفييتات) ستتناثر كل التنظيمات المؤثرة وستتفتت الدولة!

كل هذه الحجج كانت بالطبع هراء. الحقيقة هي أن البرجوازية الصغيرة كانت تخفي وراء مذهبيتها، وتشددها، وتحذلقها عجزها وعدم أهليتها، وكانت تخفي أيضًا ولعها ونفاقها لقوة الثروة ولجهاز الدولة الذي لا يقهر. كان صغار البرجوازيين يعترفون للبرجوازية الكبيرة بنوع من الحق الأساسي باستلام السلطة، بصرف النظر عن موازين القوى الطبقية.

لقد كان الديمقراطيون يخشون من السلطة، ولا يثقون في الجماهير ومدى دعمها. ولذلك فقد رأوا أنهم ليسوا مدعوين لاستلام قيادة الشعب في مده الثوري القصوى، بل هم معينين كجناح يساري للنظام البرجوازية.. كخيط واصل بينه وبين الجماهير، لا كقوة حاسمة تقطع كل الصلات مع النظام القديم. وكانت النتيجة الطبيعية لكل هذا هي أنهم سلموا السلطة على طبق من فضة لعدو طبقي لم يكن يحلم بها. ويوم ذهب ممثلو المجلس التنفيذي للسوفييتات لمجلس الدوما (البرلمان) لمناقشة “شروط دعم السوفييتات للحوكمة الجديدة” سكت برنامجهم عن مسألة الحرب سكوتًا تامًا، كما أسقط مسألة إعلان الجمهورية، وكذلك توزيع الأراضي، وبالطبع تم تحديد يوم العمل بثماني ساعات. سكت البرنامج عن كل ذلك، ولم يتمسك إلا بطلب واحد وحيد: هو حرية التحريض بالنسبة للأحزاب اليسارية!! هنا نستطيع أن نفهم نوع من الاشتراكيين أولئك الذين يملكون السلطة بالفعل، ويملكون منح أو منع حرية التحريض للآخرين، ولكنهم يتنازلون عنها طواعية لا عدائهم الطبقيين”شريطة أن يعدوهم بحرية التحريض”!!

وإزاء هذه المسرحية الهزلية السخيفة وجد العمال والجنود أنفسهم وقد تمت تصفيتهم سياسيًا وهم على حالة من التشوش والجذع، ولكنهم لم يجدوا المخرج فورًا. فلم يعط العامل ولا الفلاح صوته للاشتراكي الثوري أو المنشفى باعتباره توفيقيًا بل لأنه عدو القيصر والملاك والرأسمالي. لكن ذلك التصويت نفسه بني حاجزًا بين العمال والفلاحين وبين أهدافهم الثورية القصوى، حاجز لا يسعهم التقدم للأمام بدون الاصطدام به بل وتقويضه بلا هوادة.

الخلاصة أن ثورة فبراير انتهت إلى خلقت حالة من ازدواج السلطة بين الحوكمة المؤقتة ومجالس العمال “السوفييتات”. ففي الأول من مارس تشكل مجلس الوزراء الذي ضم أغلب الشخصيات التي أوصي بها القيصر مرارًا منذ عام 1915 من كبار الصناعيين والمزارعين، ومندوبي المعارضة في الدوما فيما عدا استثناء وحيد بدا العلامة الوحيدة لثورة فبراير – التي وكأنها لم تحدث أصلاً – وهو كيرنسكي.

ازدواجية السلطة تلك كانت، واضحة في وجود حكومتين: الأولى هي الرئيسية الحكومة الحقيقية للبرجوازية، الحكومة الانتقالية، التي تمسك في أيديها كل أجهزة السلطة. والثانية حكومة تكميلية وموازية في شكل سوفييت عمال وجنود بتروجراد الذي لم يكن يسيطر على أي من أجهزة السلطة حقًا لكنه كان يتمتع بأغلبية واضحة من الشعب والعمال والجنود المسلحين. ولأن ازدواجية السلطة تعبر عن مرحلة انتقالية في تطور الثورة حين تذهب أبعد من الثورة البرجوازية الديمقراطية العادية وفي الوقت نفسه لم تصل بعد إلى الديكتاتورية “النقية” للعمال والفلاحين، لذلك فهي بالأساس وضع مؤقت.

من هنا بدأت معركة جديدة. فقد بدأ مجلس الدوما يدعو المواطنين الروس لنظم الصفوف حول الحكومة التي أصبحت تمثل السلطة الشرعية الوحيد. الوقت الذي أدانت فيه مؤسسات الطبقة المالكة ازدواجية السلطة وألقت مسئولية الفوضى على عاتق السوفييتات.. بحذر في بادئ الأمر ثم بجرأة فيما بعد. وفي الوقت نفسه أدى ذلك إلى مزيد من ابتعاد العمال والجنود عن الحكومة المؤقتة ومعهم الصناع وباعة الصحف والموظفون الصغار والحوذية والخدم و.. وكان كل ما هو خارج السوفييتات سقط خارج الثورة وانتمى لعالم آخر. ولم يكن بالفعل هناك نفوذ واضح للحكومة إلا بمقدار ما يسمح السوفييت.

كان الوضع إذن لا يحتمل سوى خيارين: أما أن تستولي البرجوازية فعلاً على جهاز الدولة القديم وعندها يصبح على السوفييتات أن تزول وتتلاشي، أو أن تشكل السوفييتات قاعدة الدولة الجديدة بعد أن تقضي على جهاز الدولة القديم وكذلك على تفوق الطبقات التي تستخدمه أيضًا. توجه المناشفة مع الاشتراكيين الثوريين للخيار الأول بينما تمسك البلاشفة بالخيار الثاني، أما الطبقات المضطهدة كما قلنا فقد وجدت نفسها تمتلك المعرفة الكافية والتجربة النضالية التي تجعلها تنتصر للبلاشفة.

وكما كانت الحرب سببًا في اندلاع ثورة فبراير كانت تناقضاتها عاملاً أساسيًا في تطورات الأوضاع بعد ثورة فبراير. فقد بدأت الحكومة الانتقالية ومعها مناصروها السياسيون في استخدام الحرب كسلاح ضد الثورة وكانت المهمة الرئيسية التي تنطح التوفيقيون لتنفيذها هي: ربط قوة الجماهير الثورية بتيار الوطنية. وانصبت بالتالي جهودهم على محاولة إيقاظ الروح القتالية داخل الجيش – وهذا أمر صعب، وثانيهما، مطالبة حكومات الحلفاء بالتخلي عن عمليات النهب – وهذا مطلب على غاية من السخف – كما يصفه تروتسكي. وبسبب ذلك انتقلوا من الأوهام إلى خيبة الأمل ومن الأخطاء إلى العار والمذلة.

ويبين ضابط منشفي ومندوب سوفييت فيتيبسك في أحد المؤتمرات تحولات موقف المناشفة: “القضية ليست قضية من يسيطر على السلطة. أن مصيبتنا ليست الحكومة، بل الحرب.. ولابد من كسب الحرب قبل تحقيق أي تبديلات.. هؤلاء المحرضون البلاشفة هم الديماجوجيون.. فلننس الصراع مؤقتًا”. لكن الموقف المقابل كان واضحًا على لسان جندي من الفرقة 548: “أيها الرفاق أن الذين يحتلون المناصب العليا يدعوننا دائمًا إلى تضحيات جديدة فجديدة أبدًا، ولكنهم في الوقت نفسه لا يمسون من يملكون كل شيء. أننا في حرب مع ألمانيا. فهل ترانا ندعو الجنرالات الألمان للعمل في هيئة أركاننا؟ ونحن في حرب مع الرأسماليين أيضًا، ومع ذلك ندعوهم إلى حكومتنا.. بينوا لو لماذا أحارب. أفي سبيل القسطنطينية أم في سبيل روسيا الحرة؟ أفي سبيل الديمقراطية أم في سبيل الرأسماليين قطاع الطرق؟ إذا ما أثبتوا لي أني أدافع عن الثورة فلسوف امشي وأحارب. ولن تكون ثمة حاجة لتشجيعي على المحاربة بالتهديد بالإعدام. حين تكون الأرض للفلاحين والمصانع للعمال والسلطة للسوفييتات. فسنعلم إذ ذاك أن لدينا ما نحارب في سبيله، وإذ ذاك سنحارب”.

أن الجيش يعطينا صورة مكثفة عن الأوضاع في المجتمع “لم يعد الجيش قائمًا كجيش. فقد هزت الهزائم، والتراجعات، وفضائح القادة روح القطاعات العسكرية هزا عنيفًا.ولم يعد من الممكن معالجة الأمر بتدابير إدارية، كما لم يعد من الممكن تعديل جهاز البلاد العصبي. وأصبح الجندي الآن ينظر إلى أكداس القنابل باشمئزاز، وكأنه ينظر إلى أكداس لحم متفسخ يعبث فيه الدود فسادًا: وبدا له كل هذا زائدًا، لا يمكن استخدامه بالإضافة على كونه خديعة محققة. ولم يعد الضابط قادرًا على أن يقول له ما يقنعه، كما لم يعد قادرًا على ضربة ودفعه إلى العمل بالقوة. واعتقد الضابط نفسه أن القيادة العليا خدعته وكثيرًا ما وجد نفسه مسئولاً عن رؤسائه أمام الجنود. وهكذا غدًا الجيش مصابًا بمرض عضال لا شفاء منه. وكان قادرًا على أن يقول كلمته في الثورة، أما بالنسبة للحرب، فإن الجيش لم يعد من الناحية العملية موجودًا. ولم يعد أحد يؤمن بالنصر وينطبق هذا القول على الضباط انطباقه على الجنود. ولم يعد الجيش والشعب راغبين في استمرار الصراع”.

في وسط هذا كان البلاشفة يتحركون. وسط كل التخبطات والفوضى إبان ازدواجية السلطة ومحاولات هيمنة البرجوازية من خلال الحكومة المؤقتة أين كان الحزب البلشفي وماذا كان موقفه؟؟ في الحقيقة – قبل عودة لينين – يصعب تمييز موقف البلاشفة عن موقف المناشفة أو الاشتراكيين والثوريين من أمر الحكومة المؤقتة، فمثلاً أخذ مكتب اللجنة المركزية البلشفية قرارًا يقول أن الحكومة المؤقتة حكومة مضادة للثورة وأنه من الضروري التوجه نحو الدكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين، لكن لجنة بتروجراد (البلشفية أيضًا)، رأت أن هذا القرار أكاديمي بحت طالما أنه لم يحدد ما ينبغي القيام به في اليوم نفسه.

كان هذا يحدث بينما داخل الحزب ذاته هناك من يختلف مع هذا الانحناء الضمني أمام الحكومة المؤقتة ، فمثلاً عقدت لجنة فيبورج اجتماعًا ضم آلاف العمال والجنود الذين أقروا بالإجماع قرارًا يؤكد ضرورة استيلاء السوفييت على السلطة، لجنة بتروجراد “رفضت بشكل حاسم هذه القرارات فأجبرت لجنة فيبورج على الخضوع، واضطرب موقف زعماء الحزب حتى بالنسبة لمحتوى الثورة الاجتماعي قرر البعض أنهم متفقون مع المناشفة حول فكرة أن روسيا تمر بمرحلة تدمير ثوري لعلاقات الاقطاع والقنانة ليحل محلها كل أنواع الحريات مما يميز البرجوازية، وأقرت، “البرافدا” صحيفة الحزب الأساسية أنه المهمة الأساسية أن المهمة الأساسية هي: أقامة نظام جمهوري ديمقراطي. من ذلك تبدو طبيعية جدًا الشهادة التي تقول “إن حزبنا الذي شارك في الانتفاضة بشكل فعال. قد تخلى بكل وضوح عن سلطته بين الجماهير. وترك هذه السلطة لتسقط بين أيدي المناشفة والاشتراكيين والثوريين ولم يكن أحد يعرف ما هي شعارات البلاشفة آنذاك.. وكانت الصورة سيئة لحد بعيد”.

هكذا كان الوضع قبل وصول لينين؛ الحزب البلشفي لا تتعارض مواقفه مع المناشفة والاشتراكيين الثوريين، قواعد عريضة به “مثل لجنة فيبورج” تطالب باستيلاء السوفييت على السلطة لكنه يخضع أمام أغلبية السوفييتات الواقعة تحت سيطرة الأفكار المنشفية، البرافدا (لسان حال الحزب) تعكس الاضطراب السائد دون أنه تربط بين كل التخبطات في وحدة كلية، “كامنييف” و”ستالين” رجلاً الحزب العظيمان لا يجد خلافًا مع المناشفة يستدعي الفصل، لكن وبمجرد وصول “لينين” تغيرت دفة الأحداث تمامً: دون شك يمتلك لينين قدرة تحليلية عالية مع تماسك تنظيمي مدهش، لكنه وحتى فبراير 1917 لتضرب بالأفكار القديمة جميعًا عرض الحائط حيث كانت الطبقة العاملة مهيئة بالفعل لتجاوز القيصرية البرجوازية الهشة معًا. كانت ثورة 1917 ذات طاقات ضخمة لم يقدرها حق قدرها كل قادت البلاشفة آنذاك فيما عد لينين الذي ما أن وطأت قدميه أرض تبروجراد حتى أعلن رفضه لاتجاه أغلب السوفييتات وألقي بها في معسكر أعداه الثورة وبخصوص طبيعة السلطة أعلن أننا لسنا بحاجة لجمهورية نيابية، ولسنا بحاجة لديمقراطية برجوازية ولسنا بحاجة لأي حكومة تأتي من خارج سوفييتات مندوبي العمال والجنود والفلاحين.

وسأل لينين لماذا لم يتم الاستيلاء على السلطة، إجابة البعض بتعابير غامضة مؤكدين أن الثورة البرجوازية هي المرحلة الأولى بالإضافة لوجود الحرب. لكنه أعلن أن كل هذا هراء فالمسألة من وجهة نظره تكمن في أن الطبقة العاملة لا تتمتع بالوعي الكافي أو التنظيم الكافي، وأنه لابد من الاعتراف أن القوة المادية بالفعل بيد البروليتاريا لكن البرجوازية ظهرت واعية ومنظمة أكثر بكثير من الجماهير التي افتقدت – في أقصى حاجتها لهم – قادتها الحقيقيين. وهكذا فقد دفع لينين النقاش بعيدًا عن الظروف الموضوعية (الثورة البرجوازية والحزب) وطرحه بقوة حول الشرط الذاتي (ضعف الحزب). حيث رأي أن عدم استيلاء البروليتاريا على السلطة في فبراير كان ناجمًا عن أن الحزب البلشفي لم يكن على مستوى المهمات الموضوعية الملقاة على عاتقه، وأصبحت المهمة الملحة الآن هي إعادة تسليح الحزب فكريًا.

ودون إيطاء اتجه لينين في حربه ضد أفكار قدامي البلاشفة إلى الشريحة العمالية التي وقفت على قدميها خلال 1912 – 1914، وطرح مهمة رئيسية هي “الشرح الصبور” من أجل رفع وعي الجماهير لمستوى الوضع الذي دفعت إليه بحكم مسار التطور التاريخي. وما أن ظهرت صيغ لينين حتى سلطت أمام البلاشفة ضوءًا جديدًا على تجربة الشهر الماضي وتجربة كل يوم جديد. وظهر في وسط الجماهير اتجاه يقول: إلى اليسار، على اليسار، إلى أفكار لينين وأعلنت المناطق الواحدة تلو الأخرى تأييدها وما إن عقد مؤتمر الحزب لعموم روسيا في 24 أبريل حتى أعلن تنظيم بتروجراد بأسره عن وقوفه إلى جانب أفكار لينين.

إلا أنه لا يصح النظر لدور لينين على أنه المخلص المنتظر، والذي لولاء لما تطورت الثورة الروسية من فبراير إلى أكتوبر، فبرغم من صعوبة تصور الأوضاع في حالة عدم وجوده إلا أنه يكن هو نفسه عنصرًا قدريًا في التطور التاريخي، بل كان نتاجًا لمجمل التاريخ الروسي السابق. كان على اتصال دائم بالعمال الطليعيين وشاركهم نضالاتهم خلال الربع قرن الذي سبق الثورة. لذا فيمكن اعتبار خلافه مع القيادات البلشفية على أنه صراع ماضي الحزب مع مستقبله. لقد خلقت انتفاضة فبراير وضعًا مؤقتًا متناقضًا بسبب ازدواجية السلطة التي نتجت عنها. بالطبع هذا الوضع لم يكن قابلاً للاستمرار، لكن المهم أن السوفيتات التي خرجت من قلب الانتفاضة جعلت الثورة الاشتراكية مهمة منظورة.

وبعد أن حل محل الحكومة المؤقتة ائتلاف عقيم لم يسمن ولم يغنى من جوع، جاءت مظاهرة يونيو التي حددت تاريخها وقيامها اللجنة التنفيذية، بمبادرتها الخاصة، تحت ضغوط الجماهير وحالة غليان التي تسودهم. وأبرزت المظاهرة أن عمال بتروجراد وجنودها يتجهون نحو ثورة ثانية، كتبوا أهدافها على أعلامهم وكانت الدلائل التي لا تقبل النقض تبرهن على أن كل البلاد تقف إلى جانب خط بتروجراد. وهكذا استنزفت ثورة فبراير من الناحية السياسية في حوالي نهاية الشهر الرابع وخسر التوفيقيون ثقة العمال والجنود. وأصبح النزاع بين الأحزاب المسيطرة على السوفييتات والجماهير السوفيتيتة أمرًا محتمًا بعد ذلك متخذًا طابعًا عنيفًا ومعلنًا. فبعد مظاهرة يونيو المنظمة من قبل القمة، خرج العمال والجنود أنفسهم للشارع بعد خمسة عشر يومًا بمبادرتهم هذه المرة وطالبوا اللجنة التنفيذية المركزية باستلام السلطة. وفي يوليو حدثت صدامات عنيفة في الشوارع وقع فيها العديد من الضحايا، وأسفرت عن توجيه ضربات شديدة للبلاشفة. حيث منعت صحفهم وشنت قواتهم العسكرية وسحب من العمال سلاحهم واتهم زعماء الحزب بأنهم مرتزقة يعملون لصالح الألمان واضطر بعضهم إلى الاختفاء، على حين سجن البعض الآخر.

بعد سحق حركة يوليو أعلن لينين أنه لا يمكن الاستيلاء على السلطة إلا انتفاضة مسلحة، وبدئا من منتصف سبتمبر أصبح يدفع ويضغط بكل قواه إذ لم يعد الخطر في السير بسرعة بل الخطر كله في التأخر أكثر من ذلك. لقد انتقلت أكثرية عمال وجنود بتروجواد إلى جانب البلاشفة بصورة لا تحتمل النقاش وكان الجو العام قد وصل لنقطة الغليان. في هذه اللحظة بالضبط أعلن لينين ضرورة قيام الانتفاضة فورًا، وقد كرر أكثر من مرة بأن الجماهير أكثر يسارية من الحزب، كما أن الحزب أكثر يسارية من لجنة المركزية. ومع نفاذ صبر العمال والجنود اندفع الحزب في طريق المواقف الجذرية.

لم يكن العمال في فبراير يفكرون في الاستيلاء على مصرف الدولة أو على قصر الشتاء، بل كانوا يفكرون في تحطيم مقاومة الجيش. وكانوا يكافحون لا لكسب بعض مراكز القيادة لكن لكسب نفسية الجندي. وعندما تحقق الانتصار على هذه الأرضية في أكتوبر حلت كل المعضلات الأخرى من تلقاء نفسها. فعندما تخلي النظام الملكي عن كتائب حرسه، لم يحاول أبدًا الدفاع عن قصوره ولا عن هيئات أركانه. لم تقع أية مظاهرة أو معارك في الشوارع ولم تقم المتاريس ولم يحدث كل ما يفهم عادة من كلمة الانتفاضة. إذ لم تكن الثورة بحاجة لحل مسألة حلت بالفعل. لكن الانتفاضة لم تتم دون وقوع بعض المعارك: فقد كان لابد من الهجوم على قصر الشتاء. وكان هذا هو آخر معقل لنظام تحطم سياسيًا خلال ثمانية أشهر من وجوده ونزع سلاحه تمامًا في خلال الأيام الأخيرة. ودشن ذلك لمؤتمر السوفييتات في 25 أكتوبر الذي دشن لإعلان السلطة الجديدة السلطة الديكتاتورية للعمال والفلاحين.