بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتفاضة قيرغيزيا: ماذا جنت الجماهير بعد خمس سنوات من التيوليب؟

للمرة الثانية فى غضون خمسة أعوام تعلو صفحات الجرائد العالمية أنباء عن انتفاضة شعبية فى قيرغيزيا، ومظاهرات انتهت بحرق القصر الجمهوري، وفرار الرئيس من البلاد, كذلك القبض على وزير الدفاع الأسبق والسعي لاعتقال عدد آخر من أنصار الرئيس المخلوع، من بينهم شقيقه الذى كان يترأس جهازا أمنيا، والمتهم بإصدار أوامر إطلاق النار وقتل 83 متظاهرا وجرح الآلاف.

      في 24مارس2005، اندعلت ثورة التيوليب، والتي أدت للإطاحة بنظام حكم الرئيس الأسبق، عسكر أكاييف، ووصول الرئيس السابق باكييف إلى الحكم، من خلال انتخابات ديمقراطية شهد الجميع بنزاهتها, إلا أن ما شهدته البلاد فى فترته، خيب الظن فيه، خاصة فى ظل تردي الأوضاع الأمنية وتفاقم الأزمة الاقتصادية، التى لا يزال يعانى منها الاقتصاد القرغيزي، بسبب مشاكل هيكلية، وفساد مستشرى فى كثير من المؤسسات الحكومية والخاصة, كذلك معاناة شعبه، من أجهزة أمنية قمعية وفساد دستوري، يصيغ مشروع لضمان توريث الحكم لابنه الأكبر!. وهو ما أدى إلى ما حدث يوم 6 أبريل2010, وبرغم اكتساب الانتفاضة الشعبية طابعاً عفوياً، نابعاً من انتفاض عمال ومزارعين على أوضاعهم المتردية إلا أن بعض التوجهات و القوى الإقليمية تبدو كجبل ثلج، لا يظهر إلا قمته، وخاصة بوجود عوامل جيوسياسية معينة، تبدي تأثيرها على تطور الأوضاع هناك.

      قرغيزيا، التى ترقد على مناجم هائلة من الذهب، أصبحت هدفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، وموطىء قدم فى تلك البقعة السحرية، القريبة من بحر قزوين، التي اكتسبت أهمية جديدة، منذ هجمات11سبتمبر والحرب على الإرهاب, فكانت القاعدة الأمريكية بـ"مناس" هي التواجد العسكرى الفعلى منذ 2001، مروراً لأفغانستان. وبرغم حفاظ قرغيزيا على علاقات متوازنة بين روسيا وأمريكا، وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، لكن هذا التوازن تعرض للاختلال، لصالح أمريكا فى ظل حكم باكييف، والذي تخلى عن التزامات بلاده تجاه روسيا، وعمد على التضييق على وسائل الإعلام الروسية، وباع الوقود الروسى المستورد إلى القواعد الأمريكية، بأسعار تفضيلية, ليبدو فى المقابل القلق الروسي، بإعادة السيطرة على إحدى جمهورياتها السابقة، التي ترقد على نهر الذهب، بدلا من وقوعها فى أيدى رعاة البقر الأمريكيين، وقاعدتهم العسكرية التى تهدد أمن واستقرار الدب الروسي. والذى يتزامن مع زيادة العلاقات الأمريكية القرغيزية، بافتتاح مركز أمريكى لتدريب قوات أمريكية خاصة، وهو ما يتجاوز الخطوط الحمراء لدى روسيا.

وعلى الصعيدين الروسي والأمريكي، أصبح الرئيس المخلوع غير مرغوب فيه، بشأن طرد القوات الأمريكية من القاعدة، بالتزامن مع زيارة باكييف لموسكو، والاتفاق على قروض ضخمة، التي  لاتبدو سوى محاولة من باكييف لابتزاز الأمريكيين، لرفع قيمة إيجار قاعدة "ماناس" الجوية إلى180مليون دولار توجهت إلى جيوب الأسرة الحاكمة, فوفقا لخبراء الاقتصاد القرغيزيين أن الإدارة الأمريكية لم تحول لميزانية الدولة سوى 4 ملايين دولار خلال الأربع سنوات الماضية بدل أجرة القاعدة!، وهو ما يبدو أنه أفقد باكييف المكاسب السياسية والاقتصادية التى حققها خلال زيارته لموسكو.

وبعد استقرار الأوضاع بالبلاد وتفهم المعارضة, والذي خالف التوقعات الروسية باندلاع حرب أهلية, أعلنت الحكومة المؤقتة أنها ستجرى انتخابات برلمانية ورئاسية، في10أكتوبر تسعى فيها الحكومة إلى الخفض من صلاحيات الرئيس، وتأسيس جمهورية برلمانية، وسط توقعات من القادة الجدد بأن تكون قرغيزيا منارة للديمقراطية فى آسيا الوسطى, ليصبح التحدى قائما بإعادة دروس الحكومات السابقة لهذا البلد الفقير، ووضع المسئولية بعيدا عن فخ تلبية مصالح وهيمنة خارجية، فى مقابل أربعين بالمئة بطالة، وآلاف عمال ومزارعين وفقراء عانوا من سنوات فساد وفقر وارتفاع أسعار.

أما المفارقة الغريبة فيما يخص انتفاضة الجماهير في قيرغيزيا، أبريل السابق، هو أن نفس تلك الجماهير ثارت منذ خمس سنوات لنفس الأسباب تقريباً –الفقر والبطالة والديكتاتورية. وبالرغم من قدرة الجماهير على إسقاط سلطة الديكتاتورية في ثورة التيوليب 2005، إلا أن تلك الثورة قد استبدلت ديكتاتور بآخر، عمل على تمرير التوريث لإبنه من بعده، وواجه انتفاضة جماهيرية بـ 83 قتيل وآلاف الجرحى، واستمرت طيلة فترة حكمه نفس العوامل الاقتصادية التي كانت قد دفعت الجماهير لثورتها في 2005.

من الواضح أن ذلك البلد -المٌمزق جيوسياسياً بين روسيا والولايات المتحدة، وداخلياً بالفقر والبطالة- لم يتبلور فيه إلى الآن بديل سياسي جماهيري، بديل ثوري يستطيع ربط المطالبة بالحرية بالمطالبة بالخبز، ويستطيع مد الثورة على استقامتها لبناء سلطة جماهيرية تحقق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكسر حالة التبعية السياسية بكل أشكالها.