بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قصة الأيام التي هزت العالم

مر تسعون عاما على الثورة الروسية في أكتوبر من هذا العام. وفي رأيي أنه ينبغي علينا، نحن النشطاء الجذريون في الحركات المعاصرة من أجل العدالة والديمقراطية، اعتبار تلك الثورة جزءا هاما من تاريخنا.

ولسوء الحظ لا يرى الثورة الروسية على هذا النحو سوى نفر قليل جدا من النشطاء. إنهم يرفضون عن حق الديكتاتورية الستالينية التي صارت عليها روسيا، ولكنهم يقبلون طرح الجناح اليميني الذي يقول أن الستالينية كانت نتيجة حتمية للثورة نفسها.

والحقيقة أن ثورة أكتوبر لم تكن لها علاقة بالدكتاتورية البيروقراطية التي أنشأها ستالين، ولكنها كانت مثالا أصيلا على مدى قدرة البشر العاديين على تغيير الأمور والخطو خطوات هائلة باتجاه خلق عالم أفضل.

تصف هذه المقالة كيف صنع العمال والفلاحون الروسيون الثورة، وتشير إلى بعض ما يمكن تعلمه من خبراتهم.

ثورة 1905
كانت روسيا في بداية القرن العشرين إمبراطورية متخلفة شاسعة تسيطر عليها الملكية القيصرية منذ قرون. ضمت الإمبراطورية عديد من الشعوب المضطهدة المختلفة، من البولنديين في الغرب إلى ملايين المسلمين في وسط آسيا، يعاني جميعهم في ظل القومية الروسية وديانة دولتها وهي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وكان معظم سكان روسيا المائة وخمسون مليونا من الفلاحين الذين يعيشون في ظروف الفقر المدقع.

لكن على جانب آخر تطورت الرأسمالية الصناعية في المدن الرئيسية، وخاصة العاصمة سان بطرسبرج. وكانت هناك مصانع أضخم من مصانع أوروبا الغربية، وكان هناك نضال عمالي واضح، حيث كانت بدايات التنظيم النقابي العمالي والاشتراكي.

ومع بداية عام 1905 توسع كفاح النقابات العمالية ليصبح الثورة الروسية الأولى. فُصل أربعة عمال من مصنع بوتيلوف الضخم من عملهم بسبب مشاركتهم في نقابة عمالية شديدة الاعتدال أسسها الأب جابون. وكان الأب جابون قسيسا، وربما حتى عميلا للشرطة، ولكن كان على نقابته أن تدعم العمال المفصولين حتى لا تفقد مصداقيتها. فنظموا إضرابا ثم مظاهرة ضخمة. وسار 20 ألف عامل حاملين صور القيصر يسألونه العون. وأمر القيصر الشرطة بإطلاق النار، فقُتل ما يربو على ألف شخص. وكانت تلك هي الشرارة التي فجرت الثورة. انتشر الإضراب عبر الإمبراطورية الروسية، وهاجم الفلاحون ملاك الأراضي، وتمرد عديد من الجنود والبحارة عندما أُمروا بمهاجمة الناس.

وتواصل النضال طوال عام 1905. ثم خمدت الثورة في النهاية، إلا أنها تركت للحركة دروسا في غاية الأهمية.

ورغم أن روسيا كانت بالأساس بلدا زراعيا، إلا أن الإضرابات الضخمة للعمال شكلت محورا للثورة. وكتبت روزا لوكسمبرج الثورية البولندية العظيمة عن كيفية تقوية النضالين الاقتصادي والسياسي كل منهما للآخر. إذ يمكن للإضرابات الضخمة حول المطالب الاقتصادية أن تعلم الآلاف، أو حتى مئات الآلاف من العمال، ماهية القوة التي لديهم وإمكانية تغيير الأمور. ويمكن أن تستخدم هذه القوة في النضال السياسي من أجل الديمقراطية وضد الملكية.

وكانت هذه الثورة أيضا هي المناسبة الأولى التي تظهر فيها السوفييتات. أرسلت المصانع المختلفة الداخلة في الإضراب في سان بطرسبرج مندوبين عن لجان الإضراب بها لتنسيق النضال عبر المدينة. وهكذا تأسس السوفييت، مجلس من المندوبين المنتخبين مباشرة من العمال الذين لديهم القدرة على تغييره في أي وقت. وبالتدريج انتخب الجنود والفلاحون ممثلين من هذا النمط الذي يمثل الديمقراطية من أسفل.

الديمقراطية والاشتراكية والثورة
في عام 1905 أثير التساؤل حول الهدف من نضال روسيا: هل هو الديمقراطية والبرجوازية فحسب، أم الاشتراكية؟

ويقودنا هذا التساؤل إلى عالم اليسارالروسي المضطرب والحلقي في ذاك الوقت.

تمثَل أقدم اتجاه سياسي في روسيا في حزب اسمه “الحزب الاشتراكي الثوري”، وهو امتداد للشعبويين الذين شنوا اعتداءات إرهابية على القيصر والوزراء في أواخر القرن التاسع عشر، وكانوا من حيث المبدأ يعملون لصالح نمط من الاشتراكية ذو قاعدة ريفية. ولكن في واقع الأمر، ونظرا لأن قليل من الفلاحين كان مهتما بالنضال من أجل الاشتراكية، فقد قاد المثقفون الحزب. والأهم من ذلك، إنه كان متمحورا حول أنشطة هؤلاء المثقفين: عملهم العسكري في البداية، ثم أنشطتهم البرلمانية فيما بعد. وبغض النظر عن الرطانة شديدة الراديكالية، فقد انتهى المطاف بالاشتراكيين الثوريين إلى حزب إصلاحي صارت أقصى طموحاته هي الديمقراطية البرجوازية وليس الاشتراكية.

وإلى جانب ذلك كان هناك في ذلك الوقت في روسيا فصيلين ماركسيين؛ هما المناشفة والبلاشفة. وقد انقسما حول أطروحة بادية الغرابة في 1903. إذ دعا لينين زعيم البلاشفة إلى تكوين حزب ثوري محدد بشكل واضح يناضل من أجل أفكاره بين العمال. وأراد المناشفة منظمة أكثر اتساعا تعمل كإنعكاس لأفكار الحركة، أكثر من تمثيلها لقوة محددة بداخلها.

وأوضحت ثورة 1905، وثورة 1917 أكثر منها، أن هاتين الرؤيتين للحزب أدتا إلى أساليب مختلفة من العمل.

طرح المناشفة – وفقا لما ظنوه ماركسية أرثوذكسية – أن في بلد متخلف كروسيا ينبغي أن تكون المرحلة التالية من التطور الاجتماعي هي المجتمع الرأسمالي الذي يمكن انطلاقا منه البدء في نضال آخر من أجل الاشتراكية. وتكون مهمة العمال والثوريين في هذا السياق هي تشجيع البرجوازية في نضالها من أجل الديمقراطية. ومن ثم حاول المناشفة كبح نضالات العمال حتى لا ترهب الرأسماليين.

وافق البلاشفة على أن الثورة الروسية القادمة سوف تثمر عن ديمقراطية بورجوازية. ولكنهم طرحوا أن البرجوازيين أنفسهم لن يثبتوا في نضالهم، وسوف يتراجعون في لحظة أساسية وسوف ينسحبون من المعركة. ولذا فإن الدور الرئيسي في الثورة يجب أن يقوم به العمال. ولكن تخلف روسيا سوف يعني أن النتيجة في النهاية لن تكون سوى رأسمالية. وفيما يتعلق بالنقطة الأخيرة، فقد صحح البلاشفة موقفهم هذا عام 1917 حين أدركوا أن قيادة العمال للثورة لابد وأن تؤدي إلى تجاوز حدود الثورة البرجوازية والدخول فورا في مجال الثورة الاشتراكية.

في المقابل طرح ليون تروتسكي، الذي كان في حينها ناشطا ثوريا شابا، شيئا مختلفا. فقد أصر على أنه ينبغي النظر إلى روسيا كجزء من نظام رأسمالي عالمي تشكل البرجوازية الروسية قسما منه. والبرجوازيون الروس لا يحبون الديكتاتورية القيصرية، لكنهم يكرهون نضال العمال أكثر. وحتى ولو أرادوا ديمقراطية برجوازية، فهم لن يخوضوا معركة جدية من أجلها. ينبغي أن يقود العمال الثورة، ولكنهم لن تكون لهم مصلحة في إعطاء السلطة للرأسماليين. ولا يمكن خلق الاشتراكية في روسيا بمفردها، ولكن كجزء من النضال العالمي، وقبل أي شيء بالارتباط بالثورات في سائر أوروبا. ووفقا لذلك فقط يمكن للثورة الروسية أن تكون الخطوة الأولى في خلق عالم جديد بلا رأسمالية. ينبغي أن تكون المعركة من أجل الديمقراطية وضد القيصرية في روسيا جزءا من المعركة من أجل الاشتراكية العالمية. وفي ذلك الوقت، لم يوافقه على ذلك أيا من اليساريين تقريبا، ولكن ذلك بالضبط ما حدث في عام 1917.

بعد ثورة 1905
أدت هزيمة الثوريين في 1905 إلى ارتدادات على كل الجبهات. ولم يعد هناك سوى قليل من الإضرابات التي كانت تلاقي الهزيمة في العادة. وكان معنى ذلك في الواقع أن يقبل العمال ظروف العمل الفظيعة والفقر المدقع. وتواصلت معاناة الفلاحين في البلاد. وازداد اضطهاد الأقليات القومية والدينية.

واختفى معظم اليسار المنظم، وكان ذلك جزئيا بسبب قمع الشرطة، ولكن قبل كل شيء بسبب قلة من صاروا يعتقدون أنهم قادرون على تغيير العالم. وفي تلك الظروف، كان على العدد القليل من النشطاء الثوريين الباقين أن يستفيدوا من أي فرص للعمل، فشاركوا في المنظمات العمالية القليلة المجازة من الدولة، وشاركوا في الانتخابات، وخاضوا منازعات حادة حول ما ينبغي فعله، مما كان يؤدي دائما إلى انشقاقات في الحزب.

ولم يستمر الهبوط في مستوى النضالات طويلا. ففي عام 1910 كانت هناك احتجاجات طلابية كبيرة. وعاد عدد الإضرابات في الفترة ما بين 1912 و 1914 إلى مستوياته في عام 1905 تقريبا. ولكن حتى منذ تسعين عاما، كانت النضالات الاجتماعية في بلد ما تتأثر بالأحداث في سائر أنحاء العالم. ولذا قطعت بداية الحرب العالمية الأولى في 1914 الطريق على هذه النهضة في الإضرابات.

في تلك الأيام وافق العديد من العمال على الأطروحات الوطنية المصاحبة لاندلاع الحرب، وذلك بعد أن كانوا منذ عدة أشهر فقط في عراك مع رؤسائهم. وحدث ما هو أكثر سوءا. إذ أيد الحرب جميع قادة الأحزاب اليسارية المعتدلة تقريبا، على مضض في البداية، ولكن بحماس أشد فأشد وبعبارات محبذة للحرب فيما بعد.

وعلى السطح، كان يبدو أن إضرابات واحتجاجات الأعوام السابقة لم تعد تعنى شيئا. ولكن هذه لم تكن الحقيقة كما أثبت التاريخ.

العاملات تبدأن الثورة الجديدة
في فبراير عام 1917، كانت روسيا قد أمضت ثلاث سنوات تقريبا في غمار الحرب. وحيث جابهت ألمانيا البلد الأكثر تقدما، فإن الخسائر والمعاناة في الجانب الروسي كانت هائلة. قُتل مليونين ونصف من الجنود الروس، وعانى المدنيين من ظروف اجتماعية فظيعة، لكن الرأسماليين الروس صاروا أغنى فأغنى شأنهم شأن نظرائهم في كافة البلدان.

كان هناك شيئا من الاستياء الشعبي بسبب الحرب، ولكن لم يفكر أي من اليساريين في أن الثورة ممكنة في تلك الظروف. وهكذا، فعندما اعتزمت عاملات النسيح في سان بطرسبرح الاحتفال بيوم النساء العاملات العالمي في 23 فبراير – وفقا للتقويم الروسي الأرثوذكسي المعمول به حينها – من خلال القيام بإضراب، وقف اليسار ضد الفكرة. وحتى الثوريون ظنوا أن فعل أي شيء أعلى من تنظيم مسيرة يعد مسألة محفوفة بالخطر. ولم تعر العاملات ذلك انتباها، وقمن بالإضراب واجتذبن إليهن تسعين ألف عامل وعاملة آخرين. واتسع نطاق الإضراب بسرعة في انفجار للتوتر والغضب المتراكم عبر سنوات. وبدأ القوزاق في تأييد العمال وهم الجنود الذين طالما قاموا بقمع العمال. وخلال أيام كان القيصر، رمز الاضطهاد لقرون، قد سقط. وفي 27 فبراير، تأسس من جديد سوفييت عمال سان بطرسبرج.

لقد كانت ثورة جديدة لم يخطط لها أحد، ولم يتوقعها أحد. وكان السؤال ماذا سيحدث بعد ذلك؟

إلى أين؟
الآن، بعد تسعين عاما، تعرف الثورة الروسية بإنها ثورة شيوعية، بصرف النظر عما إذا كان ذلك جيدا أم سيئا. ولكن معظم قادة الحركة – في مارس 1917 فور سقوط القيصر – كان لديهم فكرة مختلفة تماما.

عُرف الوضع في روسيا بأنه ازدواج للسلطة. فمن ناحية، كانت هناك حكومة مؤقتة. وكانت تمثل ما بقى من سلطة الدولة القديمة، التي كان عديد من السياسيين، ومعهم موظفي الدولة وقادة الشرطة وضباط الجيش وما شابه ذلك، يحاولون الحفاظ عليها من الانهيار. ومن ناحية أخرى، كانت هناك المنظمات الشعبية للعمال، وتدريجيا المنظمات الشعبية للفلاحين والجنود: أي السوفييتات.

وتمثلت المشكلة في أن قادة السوفييتات كانوا من السياسيين الإصلاحيين؛ أي المناشفة والاشتراكيين الثوريين. وبالنسبة لهؤلاء كانت ثورة أكتوبر قد انهت المطلوب فعله: فلقد سقط القيصر وهلت بشائر النظام البرلماني. وإذا كانت السوفييتات قد ساهمت في النضال، فإن ما عليها الآن هو لعب دور ثانوي، أو حتى أن تغرب عن المشهد.

وخاض البلاشفة جدالات داخلية جادة في مارس وأبريل 1917، وانتهى بهم الأمر إلى قبول الاستراتيجية التي طرحها تروتسكي. إذ سمحت لهم جذورهم الممتدة وسط العمال بأن يروا أن ثورة فبراير كانت مجرد بداية لعملية لابد أن تمضي إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى تأسيس ديمقراطية ليس فقط في البرلمان، ولكن في كل المجتمع والاقتصاد. الطرح كان أن الثورة الاشتراكية في روسيا هي خطوة إزاء نضال عالمي للإطاحة بالرأسمالية. ولذلك ينبغي على السوفييتات أن تتحرك باتجاه الاستيلاء على السلطة وليس الانزواء، لابد من عدم التخلي عنها لصالح نظام برلماني، وهو ما يحلم به أكثر القادة البرجوازيون ذكاء وما يحلم به أيضا الاشتراكيون المعتدلون. ورغم أن هذا الطرح بدا مجردا لأول وهلة، إلا أنه امتلك إمكانيات واقعية للتطبيق الفعلي.

الدعاية طويلة النفس
كان الاشتراكيون المعتدلون أو الإصلاحيون قد قبلوا الحرب قبل فبراير 1917 مع توجيه النقد في بعض الأحيان. ولكنهم منذ ذلك التاريخ عملوا بنشاط لصالح معركة روسيا ضد ألمانيا، قائلين أن ذلك “للدفاع عن الثورة”. وعُرض الجنود الفارون على محكمة عسكرية كما كان الأمر سابقا. وقيل للفلاحين الفقراء الذين كانوا يشغلون أراضي الأثرياء أن عليهم الانتظار حتى يمكن للجمعية التأسيسية أن تتخذ قرارا بشأن الإصلاح الزراعي. وتم تحذير العمال من احتلال المصانع في محاولة للسيطرة على الإنتاج.

وهكذا فإن الأفكار المعتدلة القائلة بالبحث عن تحسينات صغيرة وتدريجية في المجتمع، إذا ما جاءت في سياق ثورة حية حقيقية، إنما تعني معركة ضد الحركة الجماهيرية لمحاولة الحفاظ على النظام القديم، مع بعض الديكورات الديمقراطية.

وكان ما يميز وضع الاشتراكيين المعتدلين هو اكتسابهم لتأييد معظم العمال والفلاحين والجنود (وهم أيضا فلاحون ولكن في الزي العسكري الرسمي) في بداية الصراع. وذلك في حين ظن معظم الناس أن سقوط القيصر وصعود وزراء اشتراكيين في البرلمان كان كافيا لتغيير حياتهم.

وهكذا كان أحد شعارات لينين في أثناء الثورة “كل السلطة للسوفييتات”، بينما كان شعاره الثاني هو “الدعاية طويلة النفس”. عمل لينين وتروتسكي وحزب البلاشفة لصالح ثورة اشتراكية ثانية تنتزع السلطة كلها للسوفييتات. ولكن ذلك كان ممكنا فقط إذا أراده العمال. فلا معني لمحاولة فرض سلطة العمال من أعلى. وتحددت مهمة الثوريين في العمل جنبا لجنب مع العمال في النضالات اليومية لإقناعهم بالحاجة إلى ثورة أخرى بعد ثورة فبراير.

وفي حين واصل الاشتراكيون المعتدلون وهم في السلطة الحرب، قام البلاشفة بدعم الجنود والعناصر الأخرى المحتجة عليها. وحيث قال الإصلاحيون لملايين البشر من الأمم المقهورة “انتظروا الجمعية التأسيسية” – وهم يرفضون تأسيسيها – دعا البلاشفة إلى التفعيل الفوري لحق تقرير المصير للأمم المضطهدة وإلى استكمال الحريات القومية والدينية. وحين كان الحزب الفلاحي التقليدي للاشتراكيين للثوريين يقول للفلاحين انتظروا الأرض، شجعهم لينين والبلاشفة على أن يأخذوها بأنفسهم.

كان مؤيدي البلاشفة 4% فقط من سوفييت سان بطرسبرج في نهاية فبراير 1917. ومع عملهم في النضالات اليومية والمناقشات من شخص إلى شخص في أماكن العمل والثكنات، كسبوا مزيد من المؤيدين لموقفهم، وهو الحاجة إلى صنع ثورة جديدة. وفي هذه الأثناء، وقبل حصولهم على الأغلبية، كان عليهم أيضا إقناع الأقلية الراديكالية بعدم القيام بالثورة مباشرة بدون تأييد الأغلبية.

ديكتاتورية أم سلطة العمال
في يونيو 1917 حاولت الحكومة المؤقتة إرسال مزيد من الجنود من سان بطرسبرج إلى الحرب. وكانت استجابة الجنود الثوريين، وعلى رأسهم منظمة الجنود البلاشفة، هي الاندفاع في اتجاه خيار العصيان المسلح. لكن الحزب البلشفي، اقتناعا منه بأن الوضع لم ينضج بعد، نجح في تخفيض رد الفعل هذا إلى مظاهرة في 4 يوليو. وشارك في الاحتجاج عدة آلاف، ولكنهم كانوا مازالو أقلية، إلى جانب أن أفكارهم كانت مشوشة.

واستخدمت الأحزاب الإصلاحية، سواء في قيادة السوفييتات أم في الحكومة المؤقتة، هذه المظاهرة كذريعة لقمع البلاشفة. وُضع تروتسكي في السجن مع آخرين، واختفى لينين عن الأنظار ليتجنب نفس المصير. وفي تلك الأثناء صار كيرينسكي، وهو القائد الإصلاحي في الحكومة المؤقتة، رئيسا للوزراء. وفي غضون تلك الأيام والأسابيع صدّق عديد من العمال والجنود الأكاذيب التي كانت تروجها الصحافة حول عمالة البلاشفة للألمان، وحول خطورة الثورة.

ولم يحل القمع مشكلة الاشتراكيين المعتدلين. أرادوا أن ينفذوا برنامجهم الخاص بتسليم السلطة إلى حكومة رأسمالية ديمقراطية ذات برلمان يمكنهم أن يمثلوا فيه دور المعارضة. ولكن الرأسماليين لم يكونوا مهتمين حقيقةً بالديمقراطية، وكان خيارهم المتمثل في الديكتاتورية العسكرية يتضح أكثر فأكثر. وأكتشف العمال من خبرتهم الخاصة ضرورة الثورة الجديدة. ولم يرغب الجنود في الموت أثناء هجوم عسكري جديد قد يندلع. وبالتدريج لم تعد الأكاذيب حول ما يمثله البلاشفة من تهديد مزعوم مقنعة مقارنة بما يواجهونه من تهديد حقيقي للحرب.

وفي ذلك الوقت، وبما أن جريدة البلاشفة محظورة وقادتهم في السجن، فإن اليمين قرر أن يضرب ضربته. ففي نهاية أغسطس حاول الآمر العسكري الجنرال كورنيلوف أن يقوم بانقلاب. وبدأ في تحريك فرق الجند للسيطرة على سان بطرسبرج، عاصمة روسيا. ولم يكن هذا الهجوم ضد الذين أرادوا ثورة جديدة فقط، بل حتى ضد التحسينات المحدودة التي أثمرت عنها الثورة الديمقراطية التلقائية في فبراير، كما إنه كان ضد الإصلاحيين أيضا.

ومع سعادة القادة الإصلاحيين بقمع البلاشفة، إلا أنهم لم يكونوا راغبين في خسارة السلطة أو أن ينتهى بهم المطاف في السجن أيضا. ولم يكونوا في ذلك الوقت يحظون سوى بتأييد قليل من العمال والجنود العاديين، وخاصة في سان بطرسبرج، ولذلك كان الخيار الوحيد أمامهم طلب عون البلاشفة في تنظيم صراع ضد انقلاب كورنيلوف. ورغم القمع الذي لاقاه البلاشفة على أيدي الإصلاحيين، إلا أنهم وافقوا، ولكن بشروطهم الخاصة.

لم يؤيد البلاشفة حكومة كيرينسكي، بل قادوا نضالا من أسفل ضد الانقلاب من خلال السوفييتات. فلم يهزم كورنيلوف سوى على يد الجنود العاديين ومن قبلهم العمال. عمال السكة الحديد وعمال التغراف والسائقون وحتى عمال النظافة – الذين لا يلحظ أحد عملهم في الأحوال الطبيعية والذين دائما ما يتم تجاهلهم – كل هؤلاء جعلوا من المستحيل على الجنرال أن يحرك قواته لمهاجمة العاصمة. أخذت العاملات في مجادلة الجنود وإقناعهم بعدم تأييده. ووصف تروتسكي في كتابه المتميز “تاريخ الثورة الروسية” كيف أرسل الثوريون مجموعة من القادة المسلمين من آسيا الوسطى للتحدث مع الجنود من الفوج المسلم في قوات كورنيلوف. وقد أدركوا أنهم كانوا يؤيدون الفريق الخاطئ، واعتقلوا آمرهم الروسي ورفعوا شعارهم الثورى “الأرض والحرية” على عربة القطار التي تقل الآمر الأعلى.

وأوضح النضال ضد الانقلاب لعديد من العمال والجنود العاديين والفلاحين أيضا أن البلاشفة كانوا على حق. وفي تلك الفترة، حصلوا على الأغلبية في عديد من سوفييتات المدن، وأولها سان بطرسبرح، حيث انتخب تروتسكي رئيسا للسوفييت.

نحو العصيان المسلح
كان الطريق الوحيد لحماية وتطوير المكاسب التي تمت في ثورة فبراير هو المضي في ثورة اشتراكية جديدة من أجل استيلاء العمال بأنفسهم على السلطة. وانحصر الخياران إما في انتظار انقلاب عسكري آخر، أو القضاء على الدولة الرأسمالية وتأسيس دولة العمال.

وكان من المدهش أن تطلق مسألة الثورة الجديدة جدالا ضخما بين قادة الحزب البلشفي. فبغض النظر عن حديث الحزب على مدى سنوات حول الحاجة إلى ثورة ، وبغض النظر عن طرح الحزب لشعار كل السلطة للسوفييتات منذ أوائل عام 1917، إلا أن قسما مهما من اللجنة المركزية للحزب لم يكن واثقا تماما من إمكانية إنجازها عمليا. وعلينا أن نتذكر أنهم حذروا منذ أبريل 1917 من محاولة الاستيلاء على السلطة إذا لم يتوفر التأييد من الأغلبية. ورأى لينين وتروتسكي أن الأغلبية متوفرة، إما الآن أو أبدا. لكن أراد أعضاء آخرون في القيادة أن يلزموا الانتظار. بينما تراوح آخرون – مثل ستالين – بين الفريقين.

وهكذا أرسل لينين من مخبئه (جددت الحكومة الإصلاحية أمر اعتقاله) طوال شهر سبتمبر حتى أوائل اكتوبر 1917 الرسالة تلو الرسالة داعيا القادة البلاشفة إلى الإعداد لعصيان مسلح جديد ومنتقدا ترددهم. وشجع لينين النشطاء البلاشفة المحليين على الضغط على قيادة الحزب لدفعها لاتخاذ المبادرة التي كانت ضرورية.

وأخيرا في 10 اكتوبر حضر لينين اجتماع اللجنة المركزية لحزبه متنكرا، حيث كان مطلوبا من الشرطة. وبعد عشر ساعات صوت الاجتماع لصالح العصيان المسلح.

ولم يبق سوى النشاط العملي لتنظيم العصيان.

كانت المشكلة هي أن البلاشفة يطالبون بإعطاء كل السلطة للسوفييتات، لكن الجهاز المسيطر على السوفييتات كان لجنة تنفيذية مركزية يهيمن عليها المناشفة والاشتراكيون الثوريون الذين انتخبوا في المؤتمر الاول لسوفييتات عموم روسيا الذي انعقد في مايو. وقد حصل البلاشفة على كثير من التأييد منذ ذلك الحين، وكانوا سيحصلون على الأغلبية في المؤتمر التالي المزمع عقده في سبتمبر. وحيث أدرك القادة الإصلاحيون في اللجنة التنفيذية المركزية أنهم سوف يخسرون سلطتهم، فقد رفضوا الدعوة إلى المؤتمر الثاني. وكانت الخطوة الأخيرة في إقناع عديد من العمال والجنود بالتخلي عن الإصلاحيين وتأييد البلاشفة هي النضال من أسفل لإجبار الإصلاحيين على احترام ديمقراطية السوفييتات. وتحت الضغط، وافق الأخيرون على الدعوة للمؤتمر في 25 أكتوبر.

وفي نفس الوقت، اقنع تروتسكي القادة البلاشفة الآخرين بأن العصيان المسلح لا ينبغي أن يتم تحت اسم الحزب، بل باسم السوفييتات نفسها. وصار سوفييت بطرسبرح الذي يقوده البلاشفة القوة المنظِمة للثورة الجديدة. وبدأت اللجنة العسكرية الثورية للسوفييت في الإضطلاع بمسئولية تنسيق المقاومة ضد انقلاب عسكري آخر. وكان 22 أكتوبر 1917 هو اليوم الذي حدده سوفييت بطرسبرج، وصوتت الاجتماعات الضخمة عبر المدينة لصالح الكفاح للدفاع عن الثورة، والمطالبة بالخبز والسلام والأرض.

وعندما حاولت الحكومة المؤقتة والسلطات العسكرية الحد من قوة السوفييت وإغلاق جريدتين للجناح اليساري، أعلنت اللجنة العسكرية الثورية أن الثورة يعتدى عليها وأن الوقت حان للدفاع عنها بالسلاح.

وهكذا وفي ليلة 24 أكتوبر قامت مجموعات العمال والجنود والبحارة بالعصيان المسلح الذي فتح الباب للثورة الاشتراكية. قُتل قليل من الأشخاص في الانتفاضة، وكان جميع العمال والجنود تقريبا يعملون لصالح الثورة، ولم يكن المنتمين للطبقة العليا المعارضين لها على استعداد للموت في غمار حرب.

وفي يوم 25 أكتوبر، أعلن المؤتمر الثاني لسوفييتات عامة روسيا دولة جديدة قائمة على سلطة العمال والفلاحين والجنود العاديين. وكانت الدولة الجديدة هي بالضبط عكس الدولة القيصرية الديكتاتورية التي حلت محلها. لقد دعت إلى نهاية الحرب عوضا عن الانغماس فيها، وأيدت العمال الذين سيطروا على مصانعهم، والفلاحين الذين احتلوا أراضيهم، واطلقت الحرية للأقليات القومية والدينية.

ولم يكن الأمر ببساطة مجرد وعود سوف ينكث بها السياسيون إذا ما ألفوا السلطة. فقد قاد البلاشفة الدولة الجديدة من خلال حصولهم على الأغلبية في اللجنة التنفيذية المركزية الجديدة للسوفييت، وكانوا إلى حد بعيد قد امتلكوا السلطة فقط لأنهم أقنعوا الناس العاديين بسياساتهم. وكانت قرارات السوفييت برنامجا للنضال السياسي من أسفل يتولاه الناس أنفسهم.

استعادة حيوية الثورة
بعد 90 عاما من الثورة، وبالنسبة لمن يواصل منا النضال ضد الحرب والظلم الاجتماعي ومن أجل الديمقراطية، فإن انجازات أكتوبر 1917 تعد نموذجا لسلطة الناس العاديين.

نحن نعلم الآن أن تجربة الثورة الروسية لم تستمر لفترة طويلة. إذ اكتسبت الثورة الاشتراكية في روسيا معناها فقط كجزء من النضال العالمي لهزيمة الرأسمالية. وفي السنوات التالية على 1917، كانت هناك نضالات ثورية في معظم أوروبا، وأيضا في الأجزاء الأخرى من العالم. وكانت هناك لجان مصنعية، وحتى سوفييتات، في أيطاليا وألمانيا والمجر وبلدان أخرى. ولكن لم يكن في أي منها يسار ثوري منظم يمتلك القوة الكافية لمقاومة القوى الموحدة للبرجوازية والقادة الإصلاحيين الذين يدعمونها.

وأدت الحرب الأهلية والعزلة عن سائر الاقتصاد العالمي إلى إضعاف الاقتصاد الروسي – وقد حاول الرأسماليون الروس المخلوعون والحكومات الغربية غزو روسيا لهزيمة الثورة. ومضت الأمور إلى أزمة طاحنة، واختفت تقريبا الطبقة العاملة التي كانت أساس البلاشفة والثورة نفسها. وعملت المصانع بصعوبة أو حتى أُغلقت تماما. وقد توفى عديد من النشطاء القياديين في 1917 في الحرب الأهلية، أو اتجهوا للعمل في الدولة الجديدة. وفي عام 1923، لم تكن السوفييتات قائمة بالفعل، إلا إسما.

وصارت الدولة تدريجيا أكثر بيروقراطية بدون سلطة من أسفل. وقام الأخصائيون بالعديد من الوظائف الهامة، الفنيون المتخصصون والمهندسون في المصانع، وفي الجيش كان هناك الضباط الذين خدموا على عهد القيصر. كان هؤلاء في البداية مسيطرا عليهم من قبل ممثلي منظمات العمال والجنود. ولكن بعد ذلك بدأوا في تقرير الأمور بأنفسهم.

وتمكن الحزب البلشفي لفترة، وبعد تدهور الأحوال، أن يحل محل ديمقراطية العمال التي كانت نابضة في عام 1917، ولكن حتى هذا الوضع المنقوص لم يدم طويلا.

وأصبح ستالين السكرتير العام للحزب، وقد كان شخصا ثانويا في قيادة البلاشفة عام 1917. وقبله كان هذا المنصب مهمة إدارية تتعلق أهميتها بالأشغال العملية للمنظمة، ولا يعني قيادة سياسية. ولكن ستالين استخدم موقعه للحد من الديمقراطية التي كانت مازالت قائمة داخل الحزب؛ على سبيل المثال تعيين مندوبي المؤتمرات من أعلى، وهم من عليهم انتخاب القيادة.

وبدأ الاعتداء على التحسينات التي تمت من قبل ثورة 1917، من ظروف حياة العمال إلى حقوق الأقليات الدينية.

وفي 1928، وصلت هذه العملية إلى مداها في الخطة الخمسية الأولى ومصادرة الدولة لأراضي الفلاحين. وأدير مجمل الاقتصاد – ليس في روسيا فقط ولكن في كامل اتحاد الجمهوريات السوفيتية من أوكرانيا إلى كازاخستان –من أجل منافسة الغرب اقتصاديا وعسكريا. وصارت فئات القمة في المجتمع الروسي – بيروقراطيو الدولة ورؤساء المصانع وكبار ضباط الجيش – نمط جديد من الطبقة الرأسمالية.

الديمقراطية والثورة اليوم
بالطبع كانت روسيا في ذلك الحين بلدا مختلفا عن أيا مما هو قائم الآن. ولكننا لازلنا نواجه عديد من القضايا نفسها.

تمثل الحرب والديكتاتورية وتخلف الريف والفقر المدقع في المدن المزدحمة والانقسامات القومية والدينية واضطهاد النساء وكل تلك المسائل مشاكل كبيرة أمامنا اليوم.

وقد أوضحت لنا الثورة الروسية أن هذه الأزمات يمكن فعليا أن تحل فقط من خلال دمج النضال من أجلها مع النضال من أجل الإطاحة بالرأسمالية والإمبريالية. ويمكن في عديد من تلك القضايا أن تؤسس تحالفات واسعة، حتى أحيانا مؤقتا وبشكل عملي مع ليبراليين. وتعتبر هذه التحالفات من الأمور الهامة. ولكن وكما رأينا من خبرة 1917، فحتى أكثر الليبراليين تقدما يكونون أكثر اهتماما بمصالحهم عن الكفاح من أجل الديمقراطية أو ضد الإمبريالية. وهذا منطقي، فنظامهم يقوم على استغلال قلة من الناس للأغلبية، ومن ثم تعني الديمقراطية الحقيقية أن يصير المجتمع كله ضد مصالحهم. ومن ناحية أخرى، حتى العمال الذين لا يأبهون كثيرا بالسياسية ولا يرغبون سوى في أجر كاف يعيشون عليه، فإنهم قد يجدون أن الأحوال تجبرهم على الالتحاق بنقابة والقيام بإضراب. ولهذا تصير الديمقراطية بالنسبة للعمال جزء مهم من محاولة الوصول إلى حياة لائقة.

والنقطة العملية الأخيرة في هذا الصدد، أن ثورة أكتوبر كانت ممكنة من خلال الجمع بين النضالات الجماهيرية التلقائية من ناحية والتنظيم الواعي لغالبية النشطاء الملتزمين بالحزب الثوري من ناحية أخرى. وهذا ما يعني عمليا أن النضال من أجل بناء حزب ثوري على غرار الحزب البلشفي هو واحد من أهم شروط انتصار أي انتفاضة ثورية قادمة.