بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إرث نيلسون مانديلا

مقال باللغة الإنجليزية، يقدم رؤية متوازنة حول مقاتل عظيم من أجل الحرية، تصالح مع النظام في نهاية المطاف، وأدت سياساته حينما تولى الحكم إلى تزايد الظلم في جنوب إفريقيا.

جاءت وفاة نيلسون مانديلا لتضع نهاية لحياة واحد من أبطال المقاومة، كرَّس نفسه كليةً للنضال ضد نظام الأبارتيد (الفصل العنصري)، بالرغم من التكلفة الضخمة التي تكبدها على الصعيد الشخصي جراء ذلك. غير أن مانديلا كان أيضًا منقذًا الرأسمالية في جمهورية جنوب إفريقيا، وهو ما حكم على أعداد هائلة من رجال ونساء بلاده بالاستمرار في تحمل معاناة رهيبة، حتى بعد تدمير نظام الأبارتيد. ولا يمكن فهم شعبية مانديلا الواسعة في جنوب إفريقيا ـ التي تمتد من الفقراء إلى أصحاب الثروة والنفوذ ـ بدون فهم هاتين الحقيقتين.

أحبت الجماهير مانديلا بسبب إخلاصه الهائل وتضحياته من أجل القضية، التي تجسدت في الأعوام الـ 27 التي قضاها في سجون النظام القذرة؛ 27 عامًا خرج بعدها رجلاً مسنًا.

خلال الأعوام الـ 18 الأولى من السجن، ظل مانديلا محتجزًا في سجن روبن أيلاند، قبالة كيب تاون، منعزلاً تمامًا عن كل ما اعتاد عليه في حياته. وكانت زنزانته الأولى رطبة، مساحتها 2,4 × 2,1 متر، وليس بها سوى حصيرة من القش كي ينام عليها.

ولم يُسمح له بحضور جنازة والدته وإبنه الأكبر، ونادرًا ما سُمح لبناته ووزجته ويني ـ التي كثيرًا ما تعرضت للسجن والضرب والنفي بسبب نشاطها السياسي ـ بزيارات قصيرة. وخلال العقد الأول من وجوده في السجن، كان يُسمح له برسالة واحدة كل ستة أشهر. وكانت الصحف محظورة في السجن، وكان السجناء ممنوعون من التحدث إلى بعضهم البعض وقت تناول الطعام أو ممارسة الأشغال الشاقة.

أثرت حياة السجن في روبن أيلاند على صحته، وهو ما يجعل من العمر الطويل الذي عاشه أمرًا مدهشًا للغاية. وعندما كان في الـ 46، حُكم عليه بالأشغال الشاقة في محاجر الحجر الجيري، في ظل الحرمان من النظارات الشمسية. وأدى وهج الشمس القاسية إلى تدمير نظره. وبعد سنوات عديدة، وهو في عمر الـ 70، بعدما كان قد انتقل إلى سجن آخر في كيب تاون، مرض مانديلا بالسل.

كان بوسع مانديلا الحصول على عفو بمجرد إعطاء ظهره لرفاقه وللنضال، وإدانة الكفاح المسلح، والتعاون مع نظام الأبارتيد، والانضمام إلى السود الآخرين ممن تصالحوا من الأبارتيد في مقابل 30 قطعة من الفضة. لكن مانديلا، على العكس من ذلك، واصل طريق النضال خلال 40 عامًا، وحوَّل ـ بالتعاون مع النشطاء الآخرين المنتمين إلى  حزب المؤتمر الوطني الإفريقي ـ روبن أيلاند إلى جامعة للنضال، مما أجبر السلطات على التخفيف تدريجيًا من قسوة نظام السجن.

وقبل أن يُلقى به في السجن، تولي مانديلا وعدد قليل من الأشخاص خلال الأربعينيات مسئولية تنشيط ما تبقى من حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وهو منظمة محافظة، مخلصة لمصالح القادة القبليين. ولم تتجاوز رؤية الحزب إرسال التماسات عقيمة إلى بريطانيا تطالب بالإصلاح. حوَّل مانديلا ورفاقه حزب المؤتمر إلى منظمة جماهيرية قادرة على تعبئة الآلاف ـ وفي وقت لاحق، مئات الآلاف ـ من سكان جنوب إفريقيا  للنضال من أجل الحرية.

لعب مانديلا دورًا فعالاً في كل نقاط التحول في التاريخ الحديث لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي. فقد كوَّن ـ جنبًا إلى جنب مع والتر سيسولو وأوليفر تامبو ـ رابطة الشباب داخل المؤتمر الوطني الإفريقي عام 1944, التي قوضت القيادة الشائخة للحزب ثم أطاحت بها، مبشرة بجيل جديد من القادة الأكثر نضالية. ونتيجة القمع الذي مارسته الدولة تجاه إضراب عيد العمال في عام 1950 ـ وهو الإضراب الذي عارضه مانديلا، بينما شارك فيه نصف العمال السود في جوهانسبرج بناء على دعوة الحزب الشيوعي ـ أدرك مانديلا مدى قسوة الدولة، لكنه أدرك أيضًا أنه يمكن تعبئة الطبقة العاملة لأهداف سياسية، ومن ثم أدرك الحاجة إلى تحسين العلاقة مع الحزب الشيوعي ـ الذي كان مانديلا في الماضي يعارضه بقوة.

وفي 1952، كان مانديلا مسئولاً عن “حملة التحدي”، وهي حركة تقوم على العصيان المدني غير العنيف، سمحت بنمو عضوية حزب المؤتمر الوطني الإفريقي من 20 ألف إلى 100 ألف. وفي 1955، رتب مانديلا لانعقاد “مؤتمر الشعب” الذي وضع البيان التعريفي للؤتمر الوطني الإفريقي، الذي سُمي “ميثاق الحرية”. وفي العام التالي، اعتُقل مانديلا، ومعه معظم اللجنة التنفيذية لحزب المؤتمر، بتهمة الخيانة العظمى للدولة. واستمرت المحاكمة خلال السنوات الست التالية. وفي 1961، أكدت المحكمة أنه ليس مذنبًا، لكنه بعد سنوات قليله أُغلقت أبواب السجن عليه.

وفي أعقاب مذبحة 1960 التي قُتل فيها 69 شخصًا في شوارع شاربفيل ـ وهو الحدث الذي لفت أنظار العالم إلى نظام الأبارتيد ـ مضى مانديلا قدمًا في إنشاء جناح مسلح لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي. وفي العام التالي، شكل أوخونتو وي سيزوي (رمح الأمة) للقيام بأعمال تخريبية ضد البنية المدنية والعسكرية داخل جنوب إفريقيا. وكان مانديلا ورفاقه يخططون أنه إذا فشلت هذه العمليات، فسوف يقومون بالتصعيد عبر تبني خيار حرب العصابات.

وقام مانديلا بتنسيق الحملة التخريبية لأوخونتو وي سيزوي، وهو ما كان يمثل خطرًا هائلاً على سلامته الشخصية. وسرعان ما اعتقلته السلطات في 1964، وحكم عليه بالسجن مدة الحياة، بعد أن تفادى بصعوبة حكم الإعدام.

وبالرغم من عدائه لليسار في شبابه ـ وهو ما رجع إلى أصوله الطبقية الموسرة نسبيًا وانتمائه المبكر إلى النزعة القومية الإفريقية الضيقة ـ شكل مانديلا في بداية الخمسينيات تحالفًا مع الحزب الشيوعي، الذي كان يجمع بين صفوفه بعض النقابيين والاشتراكيين المخلصين. وعزز التحالف الوطني- الشيوعي من مكانة المؤتمر الوطني الإفريقي في السنوات التالية، وفسر قدرته على اكتساب جمهور كبير بين السود.

ألهم نضال السود في جنوب إفريقيا الملايين من السود حول العالم كي يناضلوا من أجل حقوقهم. ولم يقتصر هذا الإلهام على السود. فالنسبة إلى أجيال عديدة من اليساريين، كان الكفاح ضد الأبارتيد ـ جنبًا إلى جنب مع النضال ضد حرب فيتنام ـ واحدًا من المحكات الأساسية لجميع من يقاومون الظلم. وكانت صورة مانديلا داخل السجن واحدة من أهم عناصر هذا النضال، حيث تُجسد نضالات العديد من السود غير المعروفة أسماؤهم، ممن كانوا يعانون مثله من ظلم الأبارتيد. واقترن حدث إطلاق سراح مانديلا في فبراير 1990 باحتفالات في مناطق العالم المختلفة.

إن ذكرى مساهمة مانديلا في هذا النضال هي ما  يلهم الكثيرين من غير البيض، بل، وفي حقيقة الأمر، الكثيرين من الليبراليين البيض، في جنوب إفريقيا، كي يعبروا عن حزنهم الجماعي لرحيله.

نفاق الغرب
لكن التعبير عن الحزن لوفاة مانديلا لم يقتصر على الجماهير. ذلك أن رجال الدولة في الغرب يتنافسون في مديح الزعيم الجنوب إفريقي. فقد أطلق عليه رئيس حزب المحافظين البريطاني ديفيد كاميرون “بطل عصرنا”، وأمر بتنكيس العلم في مقر مجلس الوزراء.

ويرى أولئك ممن يسمح لهم عمرهم بتذكُّر أيام ذروة النضال ضد الأبارتيد في أناشيد المديح هذه مجرد نكتة سخيفة. فينما كان السود يتعرضون لإطلاق النار في الشوارع، والتعليق على المشانق، والسجن الذي طال الآلاف منهم، والتعذيب في زنازين الشرطة، وكانت احتجاجات المدارس والجامعات والمصانع والمناجم تُقابل بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع، كانت الحكومات الغربية لا تعير اهتمامًا لكفاح جنوب إفريقيا من أجل الحرية، وكانت تتعامل مع مانديلا باعتباره شخصًا منبوذًا.

ومن ثم، فعندما جال مانديلا أوروبا في بداية الستينيات، سعيًا وراء الدعم لقضية النضال ضد الأبارتيد، أغلقت جميع الحكومات بلا استثناء أبوابها في وجهه.

وفي الثمانينيات، ظلت حكومة تاتشر وإدارة ريجان تشيران بانتظام إلى حزب المؤتمر الوطني الإفريقي باعتباره منظمة إرهابية. ولم ترفع الولايات المتحدة إسم الحزب من قائمة الإرهاب إلا في 2008، بعد مرور 18 عامًا على إطلاق سراح مانديلا.

وأسرف كل من ريجان وتاتشر في مديح النظام الحاكم في جنوب إفريقيا، باعتباره حليفًا مخلصًا للغرب. وفي 1981، قال الرئيس ريجان لتلفزيون سي بي إس إنه يدعم جنوب إفريقيا لأنها “بلد وقف إلى جانبنا في جميع الحروب التي خضناها؛ بلد ذو أهمية إستراتيجية بالنسبة للعالم الحر بسبب ما ينتجه من معادن”.

ودافعت هذه الحكومات بإخلاص عن كبار الرأسماليين الغربيين، ممن كونوا ثروات عبر استغلال العمالة السوداء الرخيصة في جنوب إفريقيا. وكان الهدف الأساسي من الأبارتيد هو الإبقاء على هؤلاء الرأسماليين في جنوب إفريقيا. وقد استثمرت شركات عديدة، مثل شِل وكونسوليدايتد جولد فيلدز وكالتكس وموبيل وهاني ويل وآي بي إم وفورد وجنرال موتورز ووستنجهاوس وبيلكينجتون وبريتش بتروليم وبلو سيركل وجادبري شويبس ـ وهي الشركات المهمة على قوائم بورصات لندن ونيويورك ـ أموالاً هائلة في جنوب إفريقيا في الستينيات، حينما كان الاقتصاد العالمي في حالة انتعاش. واحتفظت تلك الشركات باستثماراتها في جنوب إفريقيا في السبعينيات بالرغم من تصاعد القمع. وامتلكت شركات أخرى أسهمًا في التكتل الجنوب إفريقي الأفرو-أمريكي الذي حقق أرباحًا هائلة من استغلال عمال المناجم في جنوب إفريقيا.

وفي الثمانينيات، أجبرت الحملة البارعة لفضح نظام جنوب إفريقيا بعض الشركات على الانسحاب ـ لكنها لم تترك البلاد إلا بعد أن منحت توكيلات لموزعين محليين. غير أن حملة الانسحاب هذه كانت بطيئة ومتقطعة. ذلك أنه بحول عام 1987، كانت 410 شركة أوروبية ومن أمريكا الشمالية قد سحبت استثماراتها، فيما بقيت 690 شركة. وفي 1988، استثمرت الشركات الأمريكية 1,3 مليار دولار في المجال الصناعي في جنوب إفريقيا، و 4 مليارات دولار في مجال التعدين ذي الأهمية الحيوية. وارتفعت صادرات الولايات المتحدة إلى جنوب إفريقيا بمقدار 40% بين 1985-1988. ومادام كان بالإمكان تحقيق أرباح، تجاهلت الحكومات والشركات الغربية القمع ضد السكان السود في هذا البلد.

لذلك، فإن المديح الذي تغدقه هذه الطفيليات على مانديلا ليس إلا نفاقًا من الطراز الأول.

منقذ رأسمالية جنوب إفريقيا
ما الذي يفسر إذًا هذا التحول من جانب القادة الغربيين؟ لماذا تحول مانديلا، في خطاب التيار السائد، من جاسوس شيوعي وإرهابي إلى قديس دنيوي و”أبو الأمة”؟ يُعتبر الدور الذي لعبه مانديلا في التحول من نظام الأبارتيد في النصف الثاني من الثمانينيات أساسيًا في فهم هذا التحول.

ضربت أزمتان كبيرتان نظام الأبارتيد خلال الثمانينيات. ذلك أن هذا النظام ظل مفيدًا للرأسمالية العالمية، لأنه بفعل القمع الوحشي للطبقة العاملة السوداء، ظلت الأجور منخفضة بما فيه الكفاية كي تجعل صناعة التعدين صناعة مربحة. وانتعشت رأسمالية جنوب إفريقيا في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حققت نموًا بلغ ذروته، بمعدل 8%، في النصف الأول من السبعينيات. ومنذ ذلك الحين، تراجع الاقتصاد ولم يتعاف قط، حيث انخفض النمو ليبلغ معدل ضئيل قدره 1,5%.

وتفاعلت الأزمة الاقتصادية مع انفجار التمرد الشعبي الذي بدأ مع انتفاضة سويتو لعام 1976، وبلغ ذروته في موجة التمرد التي شملت المقاطعات كلها في الفترة بين 1984-1986. وتشابك هذا التمرد مع ظهور حركة للعمال السود، منظمة بشكل كبير في نقابات ليست عنصرية. وبدأت هذه الحركة في دربان عام 1973، وبلغت أوج قوتها في بداية الثمانينيات، حيث اجتاحت النقابات الطبقة العاملة السوداء. وفي 1979، نُظمت النقابات في اتحاد جديد هو فوزاتو، الذي كان قادته في كثير من الحالات نقابيين ثوريين، رأوا في حركة الطبقة العاملة أداة سحق الأبارتيد. وآمنت الجماهير المنظمة في نقابات بالاشتراكية بقوة، كأنها إنجيل جديد.

وفي البداية، تعاملت إدارة الرئيس بي دبليو بوتا مع الأزمة الاقتصادية وتصاعد النضال عبر سياسة تجمع بين الإصلاحات الجزئية والقمع الوحشي. وأراد بوتا إطالة عمر الأبارتيد عن طريق إدماج الهنود ـ ممن كان يُطلَق عليهم “الملونون” ـ وأقلية من السود في النظام. لكن هذه السياسة فشلت فشلاً ذريعًا حينما رفض حزب المؤتمر الوطني الإفريقي وحلفاؤه التعاون. وفي 1986، أعلن بوتا حالة الطوارئ، لكن هذا الحل المستند إلى القمع فشل أيضًا. ونتيجة القلق إزاء حالة عدم الاستقرار، بدأت رؤوس الأموال الأجنبية تتدفق إلى خارج البلاد.

ولم يكن بالإمكان سحق حزب المؤتمر الوطني الإفريقي عن طريق قمع الدولة. وبالرغم من أن الحزب تذيَّل ـ بدلاً من أن يقود ـ العديد من الأحداث الكبرى في تلك الفترة، مثل انتفاضة سويتو وتشكيل النقابات المستقلة، إلا أنه مع ذلك استطاع احتلال موقع مسيطر داخل الحركة. وعجزت التيارات المنافسة، مثل حركة الوعي الأسود والاتحادات النقابية، عن تحدي حزب المؤتمر، وهو ما سمح للحزب بأخذ زمام المبادرة. وبات ذلك واضحًا عام 1989، في المؤتمر الثالث لكوزاتو ـ الذي خلف فوزاتو ـ حينما جرى تسييد الخط السياسي لحزب المؤتمر.

وفي هذا السياق، أدرك عدد متزايد من أصحاب الأعمال الجنوب إفريقيين بعيدي النظر، إلى جانب المزيد من الحكومات والشركات الأجنبية، إنه يجب إدماج حزب المؤتمر في العملية، والتوقف عن اعتباره منبوذًا. ونسي هؤلاء الصفات التي سبق وأن نعتوا بها حزب المؤتمر، بعندما أدركوا أن الحزب ومانديلا فقط بوسعهما وقف ثورة الطبقة العاملة.

وبداية من 1985، عبر اجتماع أُجري في زامبيا بين قادة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في المنفى وكبار رجال الأعمال الجنوب إفريقيين، فُتح الطريق أمام مفاوضات ترمي إلى التخلص من البنية السياسية للأبارتيد. وبدأ تخفيف القيود تدريجيًا على مانديلا. وبحلول 1988، أصبح يتحاور على نحو منتظم مع وفود تضم وزراء من الحزب الوطني الحاكم، بالرغم من أنه كان لا يزال سجين النظام.

وكانت الإطاحة ببوتا عام 1989، بواسطة إف دبليو دي كليرك، خطوة أخرى على طريق مشروع الإصلاح. وبالرغم من أن دي كليرك خرج من رحم الحزب الوطني، إلا أنه فطن إلى الحاجة إلى إجراء إصلاحات أكثر جذرية. وفي فبراير 1990، حرر الرئيس الجديد مانديلا وجميع السجناء السياسيين، ورفع الحظر عن حزب المؤتمر والحزب الشيوعي. وبعد أربعة أعوام، فاز حزب الؤتمر باكتساح في أول انتخابات ديمقراطية تشهدها البلاد. وجرى تفكيك البنى السياسية للأبارتيد وتأكد حكم الأغلبية السوداء.

وفي غضون تلك الفترة، أصبح مانديلا حبيبًا للغرب، ومصدر مديح ـ باعتباره المنقذ ـ من جانب أعدائه السابقين. وأجرى مانديلا المفاوضات الأولية وحده، من دون استشارة رفاقه في حزب المؤتمر. ذلك أنه كان الشخصية القيادية المسئولة عن الترويج للمفاوضات ـ كبديل للثورة ـ بين القاعدة الجماهيرية للحزب. وفي المنعطفات الأساسية لهذا التحول، كان مانديلا من قاد الجماهير في اتجاه السياسة الواقعية، بعيدًا عن طريق التمرد. وكان مانديلا ذا أهمية بالغة، لذلك أصيبت الحكومة بالرعب عندما مرض بالسل عام 1988. فقد كانوا يخشون أنه حال وفاته، ما كان شيء آخر بوسعه وقف الثورة.

وأثناء المفاوضات من أجل التوصل إلى تسوية، كان الشرط الأهم من جانب الحكومة هو عدم المساس بثروات الأنجلو-أمريكيين وكبار اللصوص الآخرين. وحُذف هدف التأميم من برنامج حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وأكد مانديلا مرارًا التزامه نحو رأس المال الخاص والاستثمارات الأجنبية، وإعادة هيكلة الخدمات الحكومية الكبرى والصناعات التي تسيطر عليها الدولة ـ التي كانت قد أنشأتها حكومة الحزب الوطني.

كما وافقت قيادة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي على عدم المساس بالقيادة العليا في الجيش، وعلى فترة انتقالية مدتها خمس سنوات، تتولى خلالها الحكم “حكومة وحدة وطنية”، مما يعني منح حقائب وزارية لسياسيين من الحزب الوطني.

وفي أغسطس 1990، أمر مانديلا بإنهاء الكفاح المسلح. وبالرغم من أن هذا الإعلان كان مناسبًا بالنظر إلى فشل هذه الأداة في مواجهة جيش جنوب إفريقيا ـ الذي كان أقوى جهاز عسكري في القارة ـ عبَّرت هذه الخطوة عن رغبة في التكيّف مع مطالب الحكومة.

أدان البعض من مؤيدي حزب المؤتمر الوطني الإفريقي هذه الخطوات باعتبارها خيانة للقضية. وشعر الكثيرون بالغضب نتيجة وقف الكفاح المسلح في وقت كانت الحكومة تطلق عصابات الموت ضد مناضلي الحزب في جميع أنحاء البلاد. وواجهوا مانديلا بلافتات تقول: “مانديلا، أعطنا السلاح”، و”أنت تتصرف بجبن بينما يموت الناس”.

لكن الشروط التي تفاوض عليها مانديلا كانت تتسق مع السياسات التي ظل يتبناها منذ أمد بعيد. فقد كان دومًا داعمًا للقطاع الخاص والهيكل البرلماني. وكان اعتراضه الأساسي هو حرمان السود من المشاركة في هذين المجالين. وفي محاكمة ريفونيا، عام 1964، قال للمحكمة: “لم يدع حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في أي فترة من تاريخه إلى التغيير الثوري في البنية الاقتصادية للبلاد. وعلى حد علمي، لم يقم الحزب بإدانة المجتمع الرأسمالي قط”.

وكان الالتزام بالتأميم، المدرج في”ميثاق الحرية” لعام 1955، مجرد تنازل شكلي يهدف إلى إرضاء وفود الطبقة العاملة في “مؤتمر الشعب”، الذي تبنى هذا الالتزام. ولم يأخذه مانديلا مأخذ الجد قط.

ولم يضع مانديلا، ولا حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، ولا حتى الحزب الشيوعي، قط الاشتراكية على جدول الأعمال في جنوب إفريقيا. وفي أفضل الأحوال، كان الحزب الشيوعي يرى أنه ينبغي الانتظار لعقود قبل وضع الاشتراكية على الأجندة، حتى تنتهي “المرحلة الأولى” من الثورة، مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية. بل أن الحزب الشيوعي استخدم نفوذه كي ينزع فتيل معارضة الطبقة العاملة للصفقة المتعفة التي جرى التفاوض عليها بإسمها. في الوقت نفسه، كان جوي سلوفو، كبير المنظرين في الحزب الشيوعي ورفيق مانديلا في أوخونتو وي سيزوي (الجناح المسلح)، في طليعة المفاوضين.

حزب المؤتمر في الحكم
في أعقاب أول انتخابات ديمقراطية في أبريل 1984، تُركت الطبقة العاملة السوداء ـ التي كافحت وقاست من أجل قضية الاشتراكية في جنوب إفريقيا ـ كي تتجرع الكأس المر بواسطة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، بينما ظل قادة بورصة جوهانسبرج، ومعهم حفنة من رموز الحزب البارزين، يجنون الثمار.

وفي مساعيهم للتعبير عن الامتنان، هلل أصحاب الشركات لمانديلا، باعتباره رئيس “دولة قوس قزح” الجديدة، التي مكنتهم من التلاعب بأرباح كبيرة عبر استغلال الطبقة العاملة، ونقل مقراتهم الرئيسية إلى ماوراء البحار، بينما ظل السود يقاسون حياة الأكواخ، ومراحيض الحفرة التقليدية، ونقص المياة الجارية، وخدمات الكهرباء المحدودة، والمدارس غير المطابقة للمواصفات وقليلة التمويل، والكساد الذي أوصل معدلات البطالة إلى 30% أو أكثر.

بعد عامين من تطبيق حكومة حزب المؤتمر لبرنامج ضعيف لإعادة البناء والتنمية، قررت التخلي عنه لمصلحة برنامج نيوليبرالي للنمو والتوظيف وإعادة التوزيع. وارتكزت هذه البرامج مباشرة إلى وصفة البنك الدولي. وفي 1995، حظى مانديلا بالمزيد من المديح من قادة عصر الأبارتيد، عندما ارتدى قميص فريق الريجبي المكروه، سبرينج بوك، في مباراة كأس العالم للريجبي، بينما كان يقدم الكأس لكابتن الفريق. وقام السكان الأثرياء في ساندتون ـ وهي ضاحية أنيقة جميع ساكنيها تقريبًا من البيض ـ بوضع تمثال له في مركز التسوق في الضاحية، كنوع من التكريم.

ولهذا لا يقتصر الاهتمام بموت مانديلا على الذين حلموا بأن يقودهم إلى الحرية، بل امتد هذا الاهتمام ليشمل رجال الأعمال الذين أنقذ حياتهم عندما كانوا يواجهون تهديدًا قاتلاً في الثمانينيات. ومع وفاة مانديلا نتذكره كقائد للمقاومة، وكشخص لم يقدر قيمة مؤيديه، حينما دفع كفاحهم نحو طريق رأسمالي مسدود.

ويشير ما حدث في أغسطس 2012، حينما قتل البوليس 44 من عمال المناجم المضربين في ماريكانا – وهو ما يذكرنا بما حدث في شاربفيل قبل 50 عامًا – إلى أن النضال من أجل التحرر الحقيقي للطبقة العاملة في جمهورية جنوب إفريقيا مازال ينتظرنا. وسوف يتعين ممارسة هذا النضال ليس فقط في مواجهة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، بل في مواجهة الإطار الوطني بأكمله، الذي استندت إليه حياة مانديلا.