بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خبرات ثورية

النظر في مرايا مهشمة

رؤية ماركسيي الحلقة المتوسطة في مصر لانقساماتهم

ترك التيار الماركسي بصمات واضحة على الحياة الفكرية والسياسية في مصر، وبدرجة أكبر كثيرا من إنجازاته التنظيمية. ولعل الانقسام والتشظي من أهم السمات الواضحة في هذا الصدد. وقد بلغت هذه السمة ذروتها في الحلقة الثانية من تاريخ الحركة الشيوعية التي بدأت أواخر الثلاثينات من القرن الماضي وانتهت في منتصف الستينيات مع حل تنظيمات الحركة لنفسها كي تتوحد في “الحزب الثوري الواحد” للناصرية. وقد استمرت هذه النزعة الانقسامية في الحلقة الثالثة التي بدأت في السبعينات، وإن لم تصل حد التشظي والتلاشي الذي بلغته الحلقة التاريخية السابقة عليها.

ومن الأمور اللافتة للنظر بقوة أن هذا التيار ذاته كان أكثر روافد الحركة الوطنية المصرية اهتماما بالتأريخ لنفسه، ومن تيارات أخرى أعرض منه بكثير. ويمكن تفسير هذا بأن التيار الشيوعي على وعي شديد بالتاريخ وعلمه، وقد امتلك كوكبة من المثقفين بدرجة أعلى نسبيا من أي تيار آخر. ولعل شعور المنضوين في هذا التيار بالغبن الكبير الواقع عليهم لتشويه نضالاتهم أو طمسها في الكتابات التاريخية والسياسية والدعائية، هو مايجعلهم أكثر احتياجا من غيرهم الى تسجيل تاريخهم بأيديهم. ولكن يظل هناك عامل آخر، وثيق الصلة بالموضوع الذي نتحدث عنه هنا، ألا وهو التاريخ الحافل بالانقسامات، والذي يزيد من حرص جميع الأطراف على تبرئة الذات وغسل الأيدي والرد على اتهامات الرفاق.

“جديد” الشفاهي

يتبنى “مركز البحوث العربية والأفريقية” بالقاهرة منذ أكثر من عقد من السنين مشروعا طموحا في هذا الصدد بالتعاون مع “لجنة توثيق تاريخ الحركة الشيوعية المصرية حتى العام 1965” تحت إشراف المؤرخ المعروف الدكتور عاصم الدسوقي. وقد صدر عن المشروع حتى الآن سبعة مجلدات تضم العشرات من شهادات المناضلين، فيما يعد إضافة قيمة للتاريخ الشفاهي لهذه الحركة.

وقد تضمنت الشهادات معلومات تفصيلية كثيرة لم ترد في دراسات سابقة، وأنارت العديد من الجوانب المعتمة، غير أن أهم ماقدمته على الإطلاق هو استحضار الأجواء الداخلية – وحتى النفسية – بشكل مفيد جدا في تفهم مدى التفتت وبواعثه والتراشق بالاتهامات. بل إن غلو النزعة الانقسامية لم يغادر أصحاب تلك الشهادات رغم مرور عشرات السنين على تلك الخبرة.

ولا تعتبر الشهادات الشفاهية وثيقة تاريخية مكتملة في حد ذاتها، حيث تحتاج إلى المضاهاة والمقارنة في ضوء العديد من الوثائق والقرائن التاريخية الأخرى. وهذا ما أكدته الشهادات المنشورة ذاتها، حيث شابها بالطبع قصور الذاكرة البشرية والنزعة التبريرية وروح التحزب وإصدار الأحكام على الماضي انطلاقا من معطيات حاضر يبعد عشرات السنين. ناهيك بالطبع عن كون الشهادات المنشورة لا تشمل بالطبع جميع الفئات والمستويات التنظيمية.

غلو!

تقابلنا واقعة طريفة وردت في شهادة “جنفيف سيداروس” التي طولبت بتقديم نقد ذاتي لأنها أعطت “صابونة” لزميلتها في الزنزانة “ماري بابادوبلو” المنتمية لفصيل شيوعي آخر (مجلد 3- ص14). وعلى عكس هذه الصورة الكاريكاتورية شديدة التكثيف تجيء الرواية التراجيدية في شهادة “ثريا حبشي” التي كانت منتمية لتنظيم غير الذي ينتمي إليه زوجها، فطلبت منها مسؤولتها “أوديت حزان” تجنيد زوجها في التنظيم، ولما فشلت في هذا قيل لها: “يجوز أنه ليس خائنا، لكن طالما أنه مصر علي المضي مع هؤلاء الناس فإنه في النهاية سيخون.” وفي النهاية حينما فشلوا في إجبارها على طلب الطلاق من زوجها قاموا بتنحيتها جانبا (ج1- ص116).

وقد أورد أصحاب الشهادات مبررات لهذا الانقسام مترابطة ومتداخلة ومتراتبة لا يجوز الفصل بينها تماما، إلا لضرورات التحليل. وهذا ما سنحاول عرضه والتعليق عليه.

التركيب الطبقي

يقول “يوسف ماضي” (ج6- ص276) إن كل تنظيم كانت تقوده مجموعة من المثقفين وقواعده مكونة أساسا من الطلبة. ويضيف أن التنظيمات التي تمكنت من ضم عدد من قيادات العمال “لم يتم إعدادهم ككادر مسلح بالنظرية الماركسية لديهم القدرة لبناء حزب الطبقة العاملة”.

ويقول “علي نجيب” إنه كثيرا ما كانت “تظهر أفكار المثقفين شديدة التنوع ومحكمة الاختلاف حول قضية ثانوية تتحول لانقسام” (ج6- ص221).

ويضيف المناضل العمالي “سيد ندا” أن الحركة لم يكن يوجد بها العدد الكافي “ممن يكتوون بالصراع الطبقي. وإن وجد بعض العمال، فإنهم لم يؤسسوا نظريا بالقدر الكافي الذي يمنعهم من الانحراف”. وأرجع شغل بعض العمال لمناصب قيادية في بعض التنظيمات إلى عنصر الولائية قبل أي شيء آخر (ج2- ص49).

ويؤكد “إسماعيل عبد الحكم” الناشر المعروف على نفس المعني، ويضيف أن الحركة “لم تقترب من الفلاحين”، وإن أرجع هذا إلى الضربات الأمنية المتلاحقة (ج6- ص71).

أما الأديب “رمسيس لبيب” فيرجع جزءا من الانقسامية إلى تاريخ القهر الطويل الذي جعل المثقفين “يتصفون بدرجة عالية من الذاتية” (ج3- ص116). ورغم اعتراف المفكر الكبير”سمير أمين” بهذا الواقع الطبقي لعضوية الحركة الشيوعية، فإنه لم يحاول تفسير أثره في الميل الانقسامي واكتفى بالقول “إن المثقف يميل بطبيعة إلى الاهتمام بالأبعاد الفلسفية والحضارية للمشروع الشيوعي” (ج6- ص117).

وفي ظننا أن هذه التفسيرات المبنية على الطبيعة الطبقية أقرب إلى “التبرير القدري”، وقد تفيد أكثر في تفهم انعزالية الحركة عن الطبقات الشعبية، ولكنها لا تكفي لفهم الظاهرة الانقسامية. ذلك أن المثقفين والبرجوازية الصغيرة كانوا أيضا في قيادة العديد من التيارات الوطنية الأخرى، ومع هذا لم تعرف تلك الأخيرة ذلك المستوى العالي من الممارسات الانقسامية.

ويرى الكاتب أن بعض التنظيمات قد نجحت بالفعل في التماس الحقيقي مع الحركة العمالية ولعبت دورا مهما في التنظيم النقابي (خاصة حزب العمال والفلاحين)، كما نجح تنظيم “حدتو” (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) في القيام باختراقات محدودة للريف، إلا أن هذا لم يتناسب مطلقا مع ما ادعته هذه التنظيمات لنفسها كأحزاب للطبقة العاملة.

وتبقي هناك أسئلة لم يجب عنها بعد، مثل لماذا لم تنجح التربية النظرية في تغيير ذاتية المثقفين؟ أم أن سمات الذاتية والفردية واللجاج والمماحكة والتهوس بالفكرة الواحدة قد باتت مثل التضاريس التي تصمد في وجه كل عوامل التغيير النفسي؟

ومن الناحية المقابلة هل يكفي القصور النظري لتفسير عدم نجاح الكوادر العمالية في فرض قبضتهم على التنظيم؟ أم أن الغلبة كانت لعوامل الإفساد التي حولتهم أيضا إلى السطحية والتصلب والمزاج التشاجري التخويني، في ظل وعي سطحي بالنظرية والواقع واعتداد مريض بالرأي في آن؟

“مركزية” الديمقراطية

في شهادته المهمة يقول “مارسيل تشيريزي” أحد اليهود الثلاثة مؤسسي التنظيمات الرئيسة في أوائل الأربعينيات إن اللجنة المركزية لتنظيم “حدتو” (وهو غير تنظيمه) كانت “تغير تركيب أعضائها باستمرار عن طريق الفصل والانتخاب الذاتي.. أما الكادر والقاعدة فكانا على جهل تام بكل هذه التغييرات. والشيء الوحيد الذي كان يصل إليهم هو صدى الخلافات والصراعات في اللجنة المركزية” التي لم يكن لها “أي اتصال فعال وحقيقي مع القاعدة ولم تسمح بقيام نقاش داخلي بل ورفضت حتى انعقاد مؤتمر أو كونفرنس محدود” (ج1- ص33). غير أن “رمسيس لبيب” يؤكد أن “كل التنظيمات بلا استثناء قامت في بنائها التنظيمي على المركزية وليس المركزية الديمقراطية، ولم توجد في أي تنظيم آلية لتغيير القيادات أو السياسات، الأمر الذي كان يدفع في كثير من الأحيان إلى الانقسام” (ج3- ص117). ويضيف “محمود عزمي” الكاتب في الشؤون الاستراتيجية “إن الخط السياسي كان يفرض دون أن يؤخذ رأي الناس فيه.. وكان هناك قمع معنوي للآراء المضادة” (ج5- ص185).

ويعمم “سمير أمين” هذا القول باعتباره أن هذه هي السمة السائدة لأحزاب الأممية الثالثة التي “لم تدرك ضرورة رفض مبدأ الاحتكار العقائدي”، وأوضح أن بعض الممارسات الديمقراطية التي تمت بالفعل “لم تتجاوز الحدود البرجماتية في أفضل الظروف” (ج6- ص119).

إلا أن هذا ينقلنا إلى تفسيرآخر للمفكر الكبير “محمود أمين العالم” يربط غياب الديمقراطية الداخلية بالطبيعة السرية للتنظيمات حيث يقول “إن وجود الديمقراطية في الأحزاب الشيوعية السرية عملية صعبة، وخاصة في إطار أحزاب ليست جماهيرية، وليس لديها مشروع اقتصادي- اجتماعي- ثقافي شامل وواضح ومحدد ومترجم إلى خطط عمل” (ج5- ص171).

وهنا يثور التساؤل عن مدى استيعاب القيادات الشيوعية للمركزية الديمقراطية وإخلاصها لها؟ أم أن هذه النظرية في التنظيم تنزع بالضرورة – أو عمليا – إلى مركزية/ فردية متطرفة في ضوء العوامل الإنسانية والطبقية والنضالية؟ وهل يمكن فصل هيمنة المثقفين – والقيادات اليهودية في بعض التفسيرات – عن غياب الديمقراطية الداخلية خشية منهم لفقد القبضة التنظيمية، ومن ثم وقوع الحركة في ما يعتبرونه أخطاء وانحرافات؟

وبماذا نفسر أن تنظيمات وطنية أخرى كانت سرية وغير ديمقراطية، ومع هذا لم تعرف هذا المزاج الانقسامي العنيف؟ في الحقيقة أن السرية ربما أفادت في تحقيق شيء من الحماية والانضباط للمنظمات، لكن غياب الديمقراطية الداخلية كان كفيلا بتحقيق الانفراط. والغريب أن مناسبات ممارسة الديمقراطية من نشرات للصراع الفكري أو مؤتمرات داخلية، كانت هي نفسها مقدمات الانقسام القادم.

النصية/ السلفية

ويتبين من الشهادات كيف أن النزعة النصية/ السلفية مثلت قصورا واضحا، خاصة في ظل عدم وضع هذه النصوص في سياقاتها التاريخية للتفرقة الضرورية بين ما هو قومي وما هو أممي، وبين النظرية والنموذج. فشاعت عبادة النصوص وهيمنة المفسرين وتعددت المذاهب، ومن ثم شاب العقم الطروحات والبدائل.

يقول “سعيد مصطفى” إن المنظمات فهمت الماركسية “على أنها فكر لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، الماركسية فهمت على أنها آخر كلمة” (ج3- ص165). ويؤكد السوسيولوجي “أحمد القصير” أن “الوعي النظري اتسم بالضعف عند الجميع. ومن الخطأ القول بأن هذا التظيم تميز بالفعل الجماهيري وأن التنظيم الآخر تميز بالعمق النظري”. ويفسر هذا الضعف تفسيرا ملفتا بقوله “إن ظروف القهر من جانب السلطة لم تتح لأحد أن يلتقط أنفاسه” (ج5- ص28).

ويربط “سمير أمين” بين هذه الروح النصية الجامدة وبين ما سبق ذكره عن “مبدأ الاحتكار العقائدي” ويقول في عبارة صافية “إن الفهم العقائدي السائد في الحركة الشيوعية المصرية لم يتح مساحة لقبول التنوع. فالاختلاف كان ينسب دائما إلى انحراف يميني أو يساري، وفي ظل تعدد المنظمات الشيوعية المصرية التي زعم كل منها أنها تمثل الحزب الحقيقي القائم على أساس العقيدة الصحيحة..” (ج6- ص139).

وأسهمت الاختلافات حول طبيعة المرحلة الثورية وطبيعة السلطة وأساليب العمل والتنظيم في تعميق الانقسامات، وأصبحت المعول الرئيس لها. حتى ليقول الفنان “عدلي برسوم” في عبارة مؤسية “ضاعت سنوات العمر في مناقشة: ثورة أم ثورتان؟ كما لو كان من طبائع الأمور أن تطل بين الحين والآخر خلافات نظرية طويلة الأمد ليبقى الانقسام طويلا” (ج1- ص137).

ومع هذا ينبهنا “سمير أمين” في شهادته إلى عدم الاستهتار بأن التناقض بين البعد الوطني والأبعاد الاجتماعية والفكرية كان مصدرا موضوعيا للالتباس والانقسام.

وإذا كانت التبعية أو المرجعية الفكرية لمركز أممي واحد هي من أهم أسباب شيوع النصية، فمن المثير أن الشيوعيين المصرييين لم ينعموا أصلا – بسبب انقسامهم وأسباب أخرى – بالانضمام لهذه الأممية. ولعل هذا هو ما دفع الناشر “محمد الجندي” إلى استنتاج أن عدم الاعتراف الأممي “أي عدم الارتباط بمركز دولي واحد وعدم وجود مرجعية واحدة” هو من أسباب “نشأة الحركة منقسمة واستمرارها كذلك” (ج2- ص190).

ومما زاد من فداحة النصية والتراشق والتباعد بين أصحاب التحليلات المختلفة، تلك التطورات والتقلبات الكبرى التي مرت بها مصر بعد الحرب العالمية الثانية، والتي أنتجت تحليلات قلقة وشديدة التباين، حيث طلب القادة الغوث من النصوص لدعم مواقف اتخذوها قبلا مع سبق الإصرار! ولعل هذا يفسر تلك التقلبات المدهشة في المواقف من ثورة يوليو، دون إيلاء كبير اهتمام لبناء هذه المواقف على المعرفة بكل متناقضات الواقع والمرحلة وموازين القوى.

الأجانب واليهود

يتساءل “بدر رضوان”، وله كل الحق، عن الثلاثة (هليل شوارتز، مارسيل إسرائيل أو تشيريزي، هنري كورييل) الذين أنشاوا ثلاثة تنظيمات في وقت واحد أوائل الأربعينيات، فيقول “كانوا من الأجانب واليهود، فلماذا لم يتفقوا وهم قريبون من بعضهم ثقافة وهوية وجنسية على إنشاء منظمة واحدة على أن يكون الصراع الفكري سبيل توحد آرائهم في داخل المنظمة الواحدة” (ج6- ص85). غير أن الأمر لا يمكن أن يقف عند هذا التبسيط، خاصة في ضوء حديث “محمود أمين العالم” عن امتلاك الأجانب للوعي النظري وترجمتهم للكتب السوفيتية.

ويقول “إسماعيل عبد الحكم ” إن الطابع الانقسامي للحركة “جاء نتيجة نشأتها على يد الأجانب، وبالتالي ليست مبرأة من التدخلات الأجنبية” (ج6- ص70). ويقول “عدلي برسوم”: “كان يبدو لي أحيانا أن هناك إصرارا من بعض القيادات على عدم الاقتناع بوجهة نظر الآخر إذا كانت صحيحة بالفعل حتى لاتفقد الزعامات مواقعها، علما بأنها زعامات سرية لا نجومية فيها ولا شعبية” (ج1- ص137).

وينقلنا القائد العمالي “شحاتة عبد الحليم” إلى مستوى آخر من الريبة حينما يتحدث صراحة عن دور لإسرائيل في تعميق الانقسام (ج4- ص177). ويقترب الأديب “شريف حتاتة” من هذه الرؤية حيث يقول “ربما حاولت الحركة الصهيونية أن تلعب دورا داخل الحركة الشيوعية كما كانت تلعب المباحث داخل الحركة اليسارية. وقد كانت المباحث تتعامل مع الصهاينة” (ج3- ص180).

غير أن عددا من الشهادات قد تناول ما اعتبره دورا خاصا لـ”هنري كورييل”، حيث يتهمه “نبيل قرنفلي” مثلا بالمطالبة بحق تقرير المصير للمستوطنين اليهود، ومعاداته لرابطة مكافحة الصهيونية خوفا من تحول الهجوم على الصهيونية إلى معاداة السامية، ونصحه للشباب اليهودي المهاجر بالذهاب إلى إسرائيل للقيام بدور ثوري هناك (ج4- ص243).

ومع ذلك يحذر الكاتب “بهيج نصار” مما أسماه “تضخيم دور اليهود في الصراعات التي قامت بين الشظايا التي خرجت من قلب حدتو نفسها.. حتى أصبح الخلاف بين هنري وشوارتز ومارسيل حول تمصير الحركة هو القضية الأولى” (ج4- ص77). ويميل “محمد الجندي” إلى اعتبار دور الأجانب طبيعيا في ضوء الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها، وضعف قبضة الدولة تجاههم، وبسبب موقف اليهود ضد الفاشية. ومن ثم يحصر أسباب الانقسامية في “الصراع بين تيارين ثوري توحيدي وانتهازي انقسامي” (ج2- ص174).

غير أن هناك شبه إجماع في الشهادات بأنه كان يتوجب على القيادات الأجنبية واليهودية أن تتنحى في فترة معينة. ومع هذا يعترف “سعد الطويل” بأن موقف حزب “الراية” من اليهود كان “عنصريا شوفينيا” (ج1- ص70). ويقول “إسماعيل عبد الحكم”: “لم يكن يهمنا وجود أربعة من اليهود داخل التنظيم (الموحد) لكن عندما قيل لنا إنهم سوف يسلمون كانت مسألة مثيرة للسخرية” (ج6- ص50).

ونود أن نثير هنا بعض النقاش مع نظرية المؤامرة، في مقدمتها التساؤل عن مدى وجاهة الاستبعاد الكلي لاحتمال رفض اليهود للتنحي والتوحد بسبب حرص القيادات على الاحتفاظ بحقوق “المؤسسين”؟

غير أن المدهش في المقابل أن يغيب عن أولئك النابهين من الأجانب والمتمصرين صعوبة استمرارهم في قيادة فصيل وطني في بلد يموج بالنضال ضد الأجنبي. أم أنهم كانوا يتصورون حدوث تحول كبير في القيم المجتمعية السائدة يصعب توقعه قبل إنجاز الثورة الديمقراطية وتحول ثقافي جذري؟

من شبه المؤكد – حسب الشهادات – أن القيادات الأجنبية كانت مستريحة في الوضع الحلقي. بل إن هذه القيادات ذاتها كانت موضوعا ودافعا للانقسام. وهي أيضا القيادات التي سعت إلى وحدات اندماجية مبتسرة، وكذلك لعبت دورا في تفكيك هذه الوحدات.

وتبقى في النهاية ملاحظة أنه من غير الدقيق التعامل مع الأجانب واليهود على مستوى واحد. فمنهم من تمصر، ومنهم من ترك الوطن بسهولة فائقة، ومنهم من أبعد عن الوطن قسرا وظل مرتبطا به. كما أنهم لم يكونوا شيئا واحدا، فمنهم العامل والمدرس والمرابي. ثم نتساءل عن المنظومة القيمية التي كان هؤلاء يريدون إشاعتها في مصر. فهل كانوا على دراية واستيعاب عميقين لحقائق الثقافة الوطنية؟ أم كانوا يتصورون أن القيم الطبقية والهوية الأممية تكفيان؟ وهل يصلح هذا لكل المراحل؟ وألم يحدث فروقا ثقافية حتى مع أقرب الدوائر الحزبية؟

المزيد من “البانوراما”

حفلت الشهادات بذكر العديد من العوامل الأخرى التي احتلت مرتبة ثانوية في تفسير النوازع الانقسامية، مثل الاختراقات البوليسية، والريبة التالية لكل ضربة بوليسية، فضلا عن سنوات الاعتقال الطويلة بثقلها اللا إنساني على أعصاب وعواطف المناضلين. كما أن غياب القيادات وراء القضبان كان يفرخ هو الآخر أجواء انقسامية داخل وخارج السجن.

ويشير البعض إلى عدم رسوخ الثقافة الديمقراطية في المجتمع. ويتحدث آخرون عن آليات الاستعلاء ممثلة في “نظرية النمو الذاتي” ومقولة “لا شيوعية خارج الحزب” وتلطيخ سمعة الآخر، فضلا عن ممارسة الإيهام بالقوة وعدم الحاجة إلى الاتحاد مع آخرين.

غير أن التفسير الأشد لفتا للنظر هو القائل بأن الوحدات الاندماجية غير المبدئية كانت تستهدف أساسا القضاء على الآخر والسطو على كوادره، أى أنها كانت تتم بروح انقسامية وتنتهي إلى المزيد من الانقسامات!

انظر مثلا “سامي عجيب” وهو يقول “..لقد كانت وحدة فوقية سهلت الانقسام.. كما أنها كشفت كل كوادر المنظمات جميعا (السري منها والعلني) وأصبحت كل إمكانيات وقوات وكوادر الحزب معروفة للمباحث العامة” (ج5- ص77).

كلمة أخيرة

يمكن القول إن انقسامات الحركة الشيوعية قد فاقت من الناحية الكمية أي انقسامات عرفها تيار وطني آخر. كما صاحب هذه الانقسامات مناخ صاخب من الاتهامات، أي أنها أنهكت الحركة وأعاقت أدوارها المفترضة وحطمت حتى بنيتها المنقسمة. ويلاحظ أن هذا النزوع الانقسامي كان يزداد في فترات جزر الحركة الجماهيرية. وقد كانت الانقسامات تنظيمية أو حلقية في جوهرها وإن اكتست بصبغة سياسية زاعقة.

ولا نعتقد بالطبع أن العوامل المذكورة الدافعة للانقسام متساوية الأهمية، وهي أيضا قد تغذت على بعضها البعض ولايمكن الفصل بينها بحال من الأحوال. فالأحزاب المركزية الأوامرية (رغم الادعاء بالمركزية الديمقراطية)، والمدفوعة إلى العمل السري، وذات تلك النشأة الخاصة المذكورة والمتصلة، وذات الكهنوت النظري، والملاحقة من البوليس السياسي، والمعزولة عن جماهير تدعي التعبير عنها، والمحاكية والمقدسة للنموذج السوفييتي، والمرتبكة أمام التقلبات الدولية والإقليمية والوطني على مختلف الصعد… هذه الأحزاب مصيرها الحتمي هو التخبط في أزمة وجودية عنيفة، لا يعدو الانقسام إلا أن يكون أحد ملامحها.

وفي هذا الصدد تتحمل القيادات الحزبية المسؤولية الأكبر عن شيوع التشرذم، حيث يفترض أن تكون الأكثر وعيا وانتماء واستعدادا للتضحية والإيثار. فارجع للقيادة تربت يداك!