بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

شيلي 1973: العمال في مواجهة الإصلاحيين والعسكر

ربع قرن بالتمام والكمال مر هذا الشهر على الانقلاب العسكري الدموي الذي أطاح بحكومة سلفادور الليندي المنتخبة ديمقراطيًا في شيلي، والذي أسفر عن ذبح عشرات الآلاف من المناضلين الاشتراكيين النقابيين، من بينهم الليندي نفسه. إن شيلي التي كانت على مدى سنوات ثلاث محط أنظار وآمال الكثيرين ممن أمنوا بإمكانية بناء الاشتراكية من خلال الديمقراطية البرلمانية تحولت بين عشية وضحاها إلى كابوس مزعج ومشهد رعب مخيف. فماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وما هي الدروس التي يمكن أن يستخلصها الثوريون من المأساة الشيلية؟

الطبقة العاملة تدفع الليندي نحو السلطة
واجهت الحكومة المسيحية الديمقراطية في شيلي بقيادة أدوارد فراي (1964 – 1970) تصاعدًا كبيرًا في حدة الصراع العمالي خلال سنواتها الأخيرة. ففي بداية 1968، دعا اتحاد النقابات العمالية إلى الإضراب العام اعتراضًا على خطط فراي المتعلقة بحظر الإضرابات؛ وقد أدى نجاح الإضراب العام إلى إشعال نضالية الطبقة العاملة حيث وقع 1939 إضرابًا في 1968 شارك فيها 230725 عاملاً، ثم ارتفع العدد إلى 5259 إضرابًا في 1969 شارك فيها 316280 عاملاً. جاء هذا الصعود في الصراع الطبقي في مواجهة ارتفاع في الأسعار بلغ حوالي 50% خلال عامي 1968 – 1969، فضلاً عن زيادة معدلات البطالة وازدياد الطابع القمعي للحكم. ومن ناحية أخرى، شهدت هذه السنوات موجة من احتلال الأراضي بواسطة الفلاحين المعدمين، كما بدأ فقراء المدن من العاطلين وأصحاب المهن الهاشمية في تنظيم أنفسهم والنضال من أجل حقوقهم في السكن والخدمات الأساسية.

في ظل هذا المد في الصراع الطبقي، جرت الانتخابات الرئاسية في 1970 وأسفرت عن فوز سلفادور الليندي، هو ممثل ائتلاف لستة أحزاب يسارية يدعى “الوحدة الشعبية”. كان أهم حزبين في ائتلاف الوحدة الشعبية هما الحزب الاشتراكي، الذي كان الليندي عضوًا فيه، والحزب الشيوعي الشيلي. كان للحزبين جذور عميقة داخل صفوف الطبقة العاملة استطاعا تحقيقها عبر سنوات طويلة من النضال العمالي، وكانا يمثلان معًا القيادة السياسية للطبقة العاملة. إلا أنهما في الوقت نفسه كانا حزبين إصلاحيين يستهدفها الوصول للسلطة من خلال صناديق الانتخابات وإقامة التحالفات الانتخابية.

لم يكن برنامج الوحدة الشعبية ثوريًا، بل كان يتكون من سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المحدودة. في مجال الصناعة، اعتزم الليندي استكمالاً برنامج فراي للنمو والتحديث من خلال زيادة الاستهلاك بواسطة رفع الأجور، مما يساعد على تنشيط الطاقة الصناعية المستخدمة في شيلي. وفي حين أن برنامج الوحدة الشعبية نص على تأميم المصالح الصناعية والمالية الأساسية فإنه ترك غالبية المشروعات في أيدي القطاع الخاص. اعتزمت الوحدة الشعبية تأميم 150 شركة فقط من بين 3500 شركة صناعية في شيلي، ثم تم تخفيض هذا الرقم نفسه في وقت لاحق. أما في مجال الزراعة، فقد اعتزم الليندي استكمال برنامج 1967 للإصلاح الزراعي الذي كانت الحكومة السابقة قد تخلت عنه، وهو برنامج “معتدل” جدًا يجعل الحد الأقصى للملكية 500 فدان، كما ينص على دفع تعويضات سخية للملاك الذين تنتزع منهم أراضي. ولعل أهم ما كان في البرنامج هو تأميم مناجم الفحم المملوكة للولايات المتحدة الأمريكية بدون تعويض، حيث أعطى هذا التأميم لحكومة الليندي السيطرة على أهم الصناعات التصديرية لشيلي.

كان الفارق الأساسي بين فراي والوحدة الشعبية هو قدرة الأخيرة على السيطرة على الطبقة العاملة وتوفير التأييد العمالي الذي يساعد على إنجاح برنامج النمو الاقتصادي. إلا أن ذلك يكن كافيًا لإزالة الشكوك البرجوازية. ولكي يحصل الليندي على قبول وتأييد البرجوازية له، قام بعقد اتفاق سري مع الأحزاب اليمينية قبل تقلده مهام الرئاسة، ووقع بموجب هذا الاتفاق على ما يسمى “قانون الضمانات” وهي وثيقة تنص على أن حكومة الليندي ستحترم بنية الدولة ولن تمس الأدوات التي طورتها البرجوازية للدفاع عن مصالحها الطبقية – نظام التعليم، الكنيسة، وسائل الإعلام، والقوات المسلحة.

على الرغم من الطابع المعدل لإصلاحات الليندي، إلا أن البرجوازية رأت فيها تهديدًا سياسيًا خطيرًا – ليس بسبب مضمون الإصلاحات وإنما بسبب السياق الذي جرت فيه. فقد كان انتصار الليندي الانتخابي ثمرة لزيادة الثقة السياسية لدى الطبقة العاملة، كما أن هذا الانتصار بدوره أدى إلى زيادة أكبر في هذه الثقة. هكذا فإن الفترة بين يناير وديسمبر 1971 (أي السنة التالية لتولي الليندي السلطة في ديسمبر 1970) شهدت 1758 إضرابًا و1278 واقعة احتلال أراضي. ومن هنا بدأت البرجوازية تشعر بالخطر وقامت بشن هجوم مضاد منضم ضد العمال وحكومة الوحدة الشعبية معًا. تمثل هذا الهجوم في تصدير الرأسماليين الشيليين أقصى ما يستطيعون من رؤوس أموالهم وامتناعهم عن إعادة استثمارها في الداخل، فضلاً عن تعمد تخزين السلع مما خلق اختناقات اقتصادية شديدة. ومن جهة أخرى، نظمت الأحزاب اليمينية مظاهرات عديدة ضد النظام، كما تزايدت حملاتها داخل البرلمان ضد إصلاحات وتأميمات الليندي.

ومع ذلك، فقد حافظ الليندي على مصداقيته خلال السنة الأولى لحكمه وذلك بسبب التحسن العام في الأحوال الاقتصادية حيث ارتفع إجمالي الدخل المحلي بمعدل 8% وانخفضت البطالة إلى أقل من 10%، كما ارتفعت أجور العمال الصناعيين بمعدل 38% وأجور الموظفين الكتابيين بمعدل 120%. إلا أن التناقضات الشديدة ظلت قائمة تحت السطح.

الليندي أسير الاستقطاب الطبقي
مع بداية السنة الثانية لحكومة الليندي، ظهرت هذه التناقضات على سطح الأحداث. فقد تزايدت حدة الهجوم اليميني كما تناما الرد العمالي المستقل على ذلك الهجوم، في حين بدا نظام الليندي منعزلاً أكثر فأكثر عن أعداءه وأنصاره معًا وفاقدًا للمبادرة. كما ظهر في أوساط الحكم شقاق بين “اليمين” الداعي لوقف عملية الإصلاح وطمأنة البرجوازية، و”اليسار” الداعي لاستكمال برنامج الوحدة الشعبية وخاصة فيما يتعلق بالتأميم وتوسيع القطاع العام.

في مايو 1972 عُقد مؤتمر لعمال النسيج على المستوى القومي دعوا فيه للسيطرة العمالية على الصناعة وخضوع جميع المسئولين للمحاسبة من القواعد. وفي الشهر نفسه، عُقد مؤتمر للوحدة الشعبية حول الإستراتيجية خرج منه اليمين منتصرًا. هكذا كان العمال يتجهون يسارًا والحكومة تتجه يمينًا، وهو ما ستظهر نتائجه بوضوح خلال الشهور التالية.

ففي يونيو 1972، ألقت السلطات القبض على 22 عضوًا قياديًا في منظمة العمال الزراعيين ببلدة ميليبيلا، قرب العاصمة سانتياجو في أعقاب مظاهرة فلاحية تطالب بإعادة توزيع الأراضي وفقًا لقانون الإصلاح الزراعي، ووقف تواطؤ القاضي المحلي، أوليت، مع كبار ملاك الأراضي. على أثر ذلك، اندلعت موجة من المظاهرات والإضرابات العمالية في منطقة سيريليوس الصناعية المجاورة تضامنًا مع نضال العمال الزراعيين. وقد أثمرت هذه الإضرابات شكلاً تنظيميًا جديدًا أبدعه عمال سيريليوس وهو “الحزام الصناعي” أو الكوردون (مجلس عمالي يربط عمال منطقة بأسرها ويضم عمالاً زراعيين). وقد نشر كوردون سيريليوس إعلانًا في يوليو يطالب بالسيطرة العمالية على الإنتاج واستبدال البرلمان بمجلس عمالي يحكم البلاد. كما تأسس كوردون آخر في منطقة فيكونا ماكينًا. وفي أغسطس وسبتمبر 1973 وقعت صدامات عنيفة بين الجماهير والنظام في حي لوهير ميدو وهو أحد الأحياء الفقيرة في سانتياجو، ثم في إقليم بيوبيو عندما حاول المتظاهرون الدفاع عن محطة راديو حكومية ضد اعتداء يميني، فرد عليهم الليندي بإعلانه حالة الطوارئ في الإقليم.

بحلول شهر أكتوبر كانت فجوة كبيرة قد تنامت بين الحكومة من ناحية وبين العمال والفقراء الذين أتوا بها إلى السلطة من ناحية أخرى. وهنا قررت المعارضة اليمينية أن الوقت قد صار مناسبًا لإسقاط الليندي في ذلك الشهر، قام أصحاب اللوريات بإضراب استهدف شل المواصلات في البلاد؛ وقد نظمت هذا الإضراب مباشرة إحدى المنظمات شبه الفاشية الوطن والحرية إلا أنه حظا بتأييد البرجوازية بصفة عامة حيث أعرب أصحاب المحلات عن تأييدهم له بغلق محلاتهم كما حاول أصحاب المصانع وقف الماكينات، وكذلك صوتت المنظمات المهنية للأطباء والمحامين وغيرهم لصالح الانضمام للأحزاب. كان الهدف من الإضراب هو إجبار حكومة الليندي على الاستقالة، أو على البقاء في الحكم مع تطبيق الإجراءات التقشفية التي كان اليمين يطالب بها مما كان من شأنه زيادة الفجوة بين “الوحدة الشعبية” وبين قاعدتها الجماهيرية، وهو ما يضمن هزيمة الائتلاف اليساري في الانتخابات البرلمانية في مارس 1973.

أخفقت هذه الإستراتيجية، ويعود الفضل في ذلك تمامًا للطبقة العاملة فقد تمكن العمال من الحفاظ على نظام المواصلات بفضل جهودهم التطوعية؛ كما تكونت لجان داخل المصانع للحماية من التخريب والإشراف على استمرار الإنتاج؛ وكذلك شكل العمال مجموعات في المناطق العمالية مهمتها إجبار أصحاب المحلات على فتحها لضمان استمرار إمدادات الطعام والضروريات. وأثناء هذا الصراع الذي امتد على مدى العشرين يومًا الأخيرة من أكتوبر، احتل العمال نسبة كبيرة من المصانع وغيرها من أماكن العمل كما انتشرت الكوردونات ومثلت قيادة عمالية لعدد من المنظمات الجماهيرية التي تكونت لمواجهة المؤامرة البرجوازية.

عند وقوع إضراب أصحاب اللوريات وما تلاه من أحداث اتسم موقف حكومة الوحدة الشعبية بالتردد الشديد. وفي نهاية أكتوبر، وعندما كان العمال قد أحبطوا بنشاطهم المستقل خطة البرجوازية، قرر الليندي ضم العديد من الجنرالات لوزارته وأعلن حالة الطوارئ معطيًا بذلك السلطة الفعلية للجيش. وتحت ستار وقف البرجوازية عند حدها، كانت المهمة الحقيقية للجيش هي سحب المبادرة من أيدي الطبقة العاملة وإعادة المصانع المحتلة إلى أصحابها.

شهدت الشهور الستة الأولى من عام 1973 تصاعدًا كبيرًا في حدة الصراع، وصار الليندي يلعب أكثر فأكثر دور المتفرج على معركة البرجوازية والطبقة العاملة. وفي يونيو من ذلك العام تكررت أحداث أكتوبر 1972 بشكل أكثر كثافة. فقد وقع انقلاب عسكري يميني تصدى له العمال باحتلال المصانع وتشكيل اللجان التي تدافع عنها وتوسيع نطاق الكوردونات. ومثلما فعل في أكتوبر، واجه الليندي هذا الموقف بإعلانه حالة الطوارئ ووضع الأمور مرة أخرى في أيدي الجيش. ومرة أخرى، كانت مهمة الجيش هي تعويق النشاط المستقل للطبقة العاملة، وذلك النشاط الذي صار الليندي يخشاه أكثر من أي شيء آخر.

الانقلاب العسكري الدامي
بعد فشل الانقلاب وجه الليندي هجومًا حادًا للكوردونات متهمًا إياها بدفع البلاد نحو الحرب الأهلية. وفي أوائل أغسطس شكل وزارة جديدة غلب عليها الطابع العسكري، حيث رأى أن المهمة الأساسية هي إعادة “النظام”، أي القضاء على النشاط والتنظيم المستقل للطبقة العاملة.

خلال يوليو وأغسطس 1973، كانت المجالس المستقلة التي أبدعها عمال شيلي، قد وصلت إلى درجة عالية من الخبرة والنضج. إلا أن غياب الحزب الثوري المغروس داخل صفوف الطبقة العاملة حال دون تمكن الكوردونات من تطوير إستراتيجية ثورية بديلة للإصلاحية المسيطرة على القيادات التقليدية للطبقة العاملة الشيلية – ائتلاف الوحدة الشعبية واتحاد النقابات الموالى له. وفي ظل إفلاس القيادة الإصلاحية وغياب البديل الثوري، كانت الأرض ممهدة للانقلاب الدموي الذي أطاح بحكومة الليندي والذي قاده الجنرال بينوشيه، أحد أعضاء حكومة الجنرالات التي شكلها الليندي في أغسطس.

أدى انقلاب سبتمبر 1973 إلى حمام دم في شيلي لقد قتل 30 ألف شخص أغلبهم من المناضلين الاشتراكيين والنقابيين خلال الأثنى عشر شهرًا التالية للانقلاب، كما تعرض الآلاف للاغتصاب والتعذيب والموت جوعًا. حاول الإصلاحيون على امتداد العالم تبرئة حكومة الوحدة الشعبية من مسئولية هذا الانقلاب، وذهبوا إلى أنه عبارة عن مؤامرة نفذتها وكالة المخابرات الأمريكية. إلا أن الواقع كان أعقد من ذلك بكثير. كانت المخابرات الأمريكية بالفعل ضالعة مع اليمين الشيلي وخاصة كبار الجنرالات، إلا أن نجاح الانقلاب هذه المرة لا يمكن تفسره إلا بالإحباط الشديد داخل صفوف العمال إزاء ردود حكومة الليندي المخزية أمام محاولات الانقلاب المتتالية.

في التحليل الأخير وقع الانقلاب لأن المستوى المرتفع للصراع الطبقي في صيف 1973 اقترب من تهديد وجود المجتمع البرجوازي دون أن يتمكن من القضاء عليه بالفعل وقد أدرك بينوشيه وزملائه جيدًا أن الجيش النظامي هو آخر خطوط الدفاع عن الدولة البرجوازية، وتصرفوا على هذا الأساس. لم يكن الخيار في شيلي بين ديمقراطية الليندي وفاشية بنوشيه، بل بين الثورة العمالية الظافرة أو الثورة المضادة الدموية. وحيث أن القيادة الإصلاحية للطبقة العاملة قد استبعدت عمليًا خيار الثورة العمالية فقد صار الطريق ممهدًا للعودة الدموية “للنظام”.