بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

شيلي 1973.. عمال وعسكر

32 عاماً مرت هذا العام على الانقلاب العسكري الذي أطاح بسلفادور اللندي، والذي راح ضحيته عشرات الآلاف من العمال والفقراء من أبناء شيلي. 32 عاماً مرت على واحدة من أهم الخبرات في تاريخ الطبقة العاملة. ولكن من هو سلفادور اللندي، وما هي قصة هذا الانقلاب؟

في عام 1970 شهدت شيلي انتخابات رئاسية أسفرت عن فوز سلفادور اللندي، الذي كان ممثلاً لائتلاف ستة أحزاب يسارية يدعى “الوحدة الشعبية”. جرت الانتخابات في ظل فترة من التصاعد في الصراع الطبقي في مواجهة ارتفاع الأسعار والذي وصل إلى 50% خلال عامي 1968-1969، والذي ترافق مع الزيادة في معدلات البطالة بالإضافة إلى تشديد القمع. شهدت هذه السنوات إضراباً عاماً تلته سلسلة من الإضرابات وصلت إلى 1939 إضراباً في 1968، ارتفعت إلى 5259 إضراباً في عام 1969.

كان فوز اللندي أمراً طبيعياً إذن في ظل هذا التصاعد في الصراع الطبقي، حيث كان اللندي عضواً في الحزب الاشتراكي، والذي كان له هو والحزب الشيوعي الشيلي (والإثنان كانا أهم حزبين في ائتلاف الوحدة الشعبية) جذور عميقة داخل صفوف الطبقة العاملة الشيلية. كان الحزبان يمثلان ـ لهذا السبب ـ القيادة السياسية للطبقة العاملة، إلا أنهما كانا حزبان إصلاحيان يسعيان للوصول للحكم من خلال الانتخابات البرلمانية، وإقامة التحالفات الانتخابية.

لم يكن برنامج الوحدة الشعبية ثورياً على أي مستوى، حيث كان يحتوي على مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المحدودة. أما أهم ما كان في برنامج اللندي فهو تأميم مناجم الفحم المملوكة للولايات المتحدة الأمريكية بدون تعويض وهو ما جعل حكومة اللندي مسيطرة على أهم الصناعات التصديرية لشيلي.

لكن وبالرغم من محدودية الإصلاحات في برنامج اللندي إلا أن فوزه في الانتخابات الرئاسية أشعل قلق البرجوازية في شيلي، وذلك بسبب حالة التصاعد في الصراع الطبق نفسه والتي أثمرت فوز اللندي. وحتى يحصل اللندي على تأييد البرجوازية قام بعقد اتفاق سري مع الأحزاب اليمينية قبل توليه الرئاسة، حيث وقع على ما يسمى “قانون الضمانات”. كان قانون الضمانات عبارة عن وثيقة تنص على أن حكومة اللندي ستحترم بنية الدولة ولن تمس الأدوات التي طورتها البرجوازية للدفاع عن مصالحها الطبقية، نظام التعليم، والكنيسة، ووسائل الإعلام، والقوات المسلحة.

لكن، حتى هذا الاتفاق لم يكن كافياً لطمأنة البرجوازية. فانتصار اللندي في الانتخابات، بالإضافة لكونه دليلاً على زيادة الثقة السياسية لدى الطبقة العاملة، عزز بدوره من هذه الثقة. وهكذا شهدنا، في السنة التالية لتولي اللندي السلطة، 1758 إضراباً عمالياً و1278 واقعة احتلال أراضي.

وبالطبع لم يكن من الممكن أن تقف البرجوازية مكتوفة الأيدي أمام هذا التصاعد في نضالية الطبقة العاملة، وأمام وجود حكومة يسارية في السلطة. قامت البرجوازية بشن هجوم مضاد تمثل في تصدير الرأسماليين الشيليين أقصى ما يستطيعون من رؤوس أموالهم وامتناعهم عن إعادة استثمارها داخل شيلي. كذلك لجأت الرأسمالية الشيلية إلى تعمد تخزين السلع مما خلق اختناقات اقتصادية شديدة. من ناحية أخرى نظمت الأحزاب اليمينية مظاهرات عديدة ضد نظام اللندي، وصعدت من حملاتها داخل البرلمان ضد إصلاحات وتأميمات اللندي.

لكن ورغم هذه التوترات التي شهدها العام الأول لحكم اللندي، إلا أنه حافظ على مصداقيته وشعبيته بين الجماهير بسبب التحسن العام في الأوضاع الاقتصادية، والذي انعكس في انخفاض معدلات البطالة، وارتفاع أجور العمال الصناعيين بمعدل 38% وأجور العمال الكتابيين بمعدل 120%.

جاء العام الثاني لحكم اللندي ليشهد تصاعداً في هذه التوترات وبدايات لتفجرات في الأوضاع. فبينما ازداد الهجوم اليميني حدة، تنامى الرد العمالي المستقل. أما نظام اللندي فقد بدأ يصبح معزولاً أكثر فأكثر عن أعداءه وأنصاره معاً، ظهر في أوساط الحكومة خلاف بين اليمين الداعي لوقف عملية الإصلاح وطمأنة البرجوازية، واليسار الداعي لاستكمال برنامج الوحدة الشعبية خاصة فيما يتعلق بالتأميم وتوسيع القطاع العام.

تصاعدت الأحداث سريعاً ليزداد الانفصال بين حكومة اللندي والطبقة العاملة. ففي مايو 1972 عقد عمال النسيج مؤتمراً على المستوى القومي دعوا فيه للسيطرة العمالية على الصناعة ولإخضاع جميع المسئولين للمحاسبة من القواعد العمالية. وفي نفس الشهر عقدت الوحدة الشعبية مؤتمراً لها خرج منه اليمين منتصراً.

وفي الشهر التالي ألقت السلطات القبض على 22 عضواً قيادياً في منظمة العمال الزراعيين في بلدة ميليبيلا في أعقاب مظاهرة فلاحية تطالب بإعادة توزيع الأراضي وفقاً لقانون الإصلاح الزراعي. كان من نتيجة هذا أن اندلعت مجموعة من المظاهرات والإضرابات العمالية في منطقة “سيريليوس” الصناعية المجاورة. ومرة أخرى تبدع الطبقة العاملة شكلاً تنظيمياً ونضالياً جديداً وهو “الحزام الصناعي” أو الكوردون الذي ابتدعه عمال سيريليوس. كان الحزام الصناعي هو عبارة عن مجلس عمالي يربط عمال منطقة بأسرها ويضم عمالاً زراعيين.

تسارعت بعد ذلك وتيرة الأحداث، فتأسس كوردون جديد في منطقة أخرى، ثم وقعت صدامات عنيفة بين الجماهير والنظام في أحد الأقاليم الشيلية وذلك عندما حاول المتظاهرون الدفاع عن محطة راديو حكومية ضد اعتداء يميني. وكان رد اللندي على الجماهير هو إعلان حالة الطوارئ في الإقليم.

وهكذا كان اللندي يضع المسمار الأخير في نعشه. فقد بدا واضحاً للجميع أن الانفصال بين حكومة اللندي وبين العمال والفقراء الذين جاءوا بها للسلطة قد وصل إلى مرحلة متأخرة. وفي أكتوبر قررت المعارضة اليمينية انتهاز هذه الفرصة للإطاحة باللندي، فقام أصحاب اللوريات بإضراب استهدف شل المواصلات في البلد. نظمت الإضراب إحدى المنظمات شبه الفاشية، إلا أنه حظى بدعم وتأييد البرجوازية. كان الإضراب هادفاً لإجبار حكومة اللندي على الاستقالة أو البقاء في الحكم مع تطبيق الإجراءات التقشفية التي كان اليمين يطالب بها، وهو ما سيضمن هزيمة الائتلاف اليساري في الانتخابات البرلمانية التي كان من المقرر عقدها في مارس 1973.

لكن مرة أخرى تظهر الطبقة العاملة نضاليتها، حيث تمكن العمال من الحفاظ على نظام المواصلات، وكونوا لجان داخل المصانع للحماية من التخريب والإشراف على استمرار العمل. كذلك فقد شكل العمال مجموعات في المناطق العمالية لإجبار أصحاب المحلات على فتحها لاستمرار إمدادات الطعام والضروريات. بل أن العمال احتلوا نسبة كبيرة من المصانع وغيرها من أماكن العمل وانتشرت الكوردونات التي مثلت قيادة عمالية لعدد من المنظمات الجماهيرية التي تكونت لمواجهة مؤامرة البرجوازية.

وبينما يشتعل النضال العمالي وقفت حكومة اللندي موقفاً متردداً. وفي نهاية أكتوبر وبعد أن أحبط العمال بنضالهم المستقل خطوة البرجوازية قرر اللندي ضم العديد من الجنرالات لوزارته وأعلن حالة الطوارئ.

كانت هذه هي بداية النهاية لحكومة اللندي، فقد تكررت مرة أخرى أحداث أكتوبر 1972، وفي يونيو من 1973 وقع انقلاب عسكري يميني تصدى له العمال. كان رد فعل اللندي هو إعلان حالة الطوارئ مرة أخرى ووضع الأمور في أيدي الجيش. وبعد فشل الانقلاب وجه اللندي هجوماً حاداً للكردونات وشكل حكومة جديدة غلب عليها الطابع العسكري. وفي سبتمبر 1973 وقع الانقلاب الدموي الذي قاده الجنرال بينوشيه والذي أطاح بحكومة اللندي وأدى إلى مقتل 30 ألف مناضل اشتراكي ونقابي خلال العام التالي على الانقلاب.

لقد اقترب المستوى المرتفع للصراع الطبقي في صيف 1973 من تهديد وجود المجتمع البرجوازي، دون أن يتمكن من القضاء عليه خاصة في ظل غياب الحزب الثوري الذي كان يستطيع قيادة نضال الطبقة العاملة للنصر. لقد استبعدت حكومة اللندي الإصلاحية البديل الثوري وبالتالي لم يكن من الممكن منع الثورة الدموية المضادة التي قضت أول ما قضت على اللندي نفسه وبدأت عهداً من الحكم العسكري الدموي في شيلي.