بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

شيلي: 72 – 1973

مقدمة:

لقد كان فشل حكومة “إدوارد فيراي” المسيحية الديمقراطية (1964 – 1970) في تنفيذ إصلاحاتها التي وعدت بها بمثابة بداية لدخول الطبقة العاملة في سلسلة من النضالات المتصاعدة. ففي عام 1967 تزامن رفع الحكومة للحظر الذي كان مفروضًا على النقابات الريفية مع إقرار تشريع الإصلاح الزراعي مما أدى إلى معارضة عنيفة من قبل ملاك الأراضي بينما كان الفلاحون الذين لا يملكون شيئًا قد بدأوا فعلاً في موجة من احتلال الأراضي، ولقيت حركة الفلاحين هذه دعمًا مهمًا من قبل منظمة مابو “حركة العمل الشعبي الموحد” ومن الشباب المسيحي اليساري.

في حين نزح عدد كبير من العاطلين الريفيين للمدن استجابة لوعود حكومة “فيراي” بالتوسع الصناعي وأنشأ هؤلاء النازحون مدنًا من الصفيح على حواف المدن الرئيسية، ولما كانت هذه الفئات: سكان المدن الصفيحية والفلاحون بلا أراضي – يقعون خارج سيطرة التنظيمات التقليدية للطبقة العاملة فكان تأثير حركة الطلبة عليهم كبيرًا بمعنى أنه قد دفع بأحلامهم إلى الأمام.

بينما تصاعدت الحركة الطلابية عام 1968 – 1969 فوصلت ذروتها في مسيرة ضخمة في العاصمة سنتياجو من أجل إصلاح التعليم، كان اتحاد عمال شيلي قد دعا لإضراب عام في أوائل العام 1968، واستمر تصاعد هذه التحركات خلال الفترة حتى 1970 إلى أن وصل عدد الإضرابات في هذا العام الأخير 5295 إضرابًا شارك فيها ما يقرب من 300 ألف عامل.

كان هذا هو مناخ الانقسام الطبقي الحاد الذي أوصل “سلفادور ألليندي” إلى سدة الحكم في عام 1969 كممثل لتحالف من ستة أحزاب وحمل هذا التحالف اسم: الوحدة الشعبية.

شارك في هذا التحالف الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي والحزب المسيحي الديمقراطي والحركة من أجل العمل الشعبي الموجه (مابو) – العامل والفلاح – الراديكالي – العمل الشعبي المستقل.

مما سبق يتضح زيف المقلات التي تعزي نجاح “الوحدة الشعبية” في 1969 إلى الانقسامات التي حدثت في صفوف البرجوازية فهذه المقولات تتجاهل الدور الفعال للطبقة العاملة التشيلية في دفع الليندي إلى سدة الحكم بينما ظل البرلمان في أيدي البرجوازية وبهذا فاليمين في البرلمان يتحكم في سرعة التغيير الذي يستهدفه الوحدة الشعبية، من جهة أخرى كان ألليندي يطمع في أن تعطيه الفئات الوسطى أصواتها كي تحصل الوحدة الشعبية في البرلمان على أغلبية، لذا لم يكن ألليندي ليقدم على أي فعل يغضب الطبقة الوسطى والتي حصل على نسبة ما من أصواتها.

وبهذا أصبحت المعادلة واضحة تمامًا: يمكن كسب أصوات الطبقة المتوسطة للدرجة التي تستطيع بها الوحدة الشعبية قدرتها على السيطرة على نشاط الطبقة العاملة وتقييده.

خطة الوحدة الشعبية:

لم يكن هناك أي شيء ثوري في خطة ألليندي، ففي الزراعة عزم ألليندي على تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي الذي وصفته حكومة فراي عام 1967 كما هو متضمنًا نصًا على تعويض الملاك تعويضًا ضخمًا مع تحديد سقف للملكية بحوالي 125 فدان واحتفاظ الملاك بآلاتهم الزراعية وماشيتهم. وفي الصناعة، ضمت الوحدة الشعبية لقطاع الدولة عدد 150 شركة من أصل 3500 شركة ثم تم تخفيض هذا الرقم بعد ذلك. ومع ذلك كان أهم عنصر في خطة ألليندي هو تأميم مناجم النحاس الأمريكية بدون تعويض، وأعطي هذا التأميم لحكومة ألليندي سيطرة شبه كاملة على أكبر صناعة تصدير في شيلي.

وقد اختلفت الوحدة الشعبية قليلاً في مضمونها عن خطة فراي، فقد كانت خطة كينزية أورثوذكسية لإعادة تنشيط الاقتصاد ولم تتضمن أي تحدي لسيطرة رأس المال الخاص بل وفرت عددًا واسعًا من الضمانات البرجوازية ومنحت الملاك تعويضًا ضخمًا عن أراضيهم.

إلا أن البرجوازية، وفي مقابل السماح لألليندي بتولي الرئاسة طلبت منه التوقيع على قائمة ضمانات يلتزم فيها الليندي باحترام الدولة البرجوازية بكل مؤسساتها بما فيها الجيش، وباختصار كانت القائمة عبارة عن وعد بعدم عمل أي تحويل جوهري في المجتمع. وظلت القائمة سرية إلى أن تم الكشف عنها فيما بعد. إن وجود هذه القائمة يدحض مقولة أن الوحدة الشعبية قد استولت على “جزء من السلطة” يمكنها أن تشن منه هجومًا على المؤسسات الباقية في الدولة.

لقد كانت إستراتيجية الوحدة الشعبية إذن اقتصاد مختلط من ثلاث قطاعات: الخاص والدولة والمشترك وبالتبعية تضمنت هذه الإستراتيجية تعاونًا موازيًا على المستوى السياسي، فعندما كان يتحدث ألليندي عن “السلطة الشعبية لم يكن بالتأكيد يشير إلى أي مبادرات تأتي من الجماهير أو إلى أي صراع من أجل سلطة العمال، باختصار لقد ضمنت الوحدة الشعبية للبرجوازية أن تظل المبادرة بأيديها.

إن قطاعات عديدة من العمال والفلاحين وسكان مدن الصفيح كانوا على يقين بأن الانتصار الانتخابي قد جاء كنتيجة لمستوى متصاعد من النضال مما شجع فكرة أن المكاسب يمكن الحصول عليها فقط من خلال النضال. فبرغم أن ارتفاع أجور العمال اليدويين 31 % – العمال ذوي الياقات البيضاء 120 % – وذلك خلال العام الأول فقط إلا أن التناقضات التي لم تحل ظلت قابعة تحت السطح. فعلى سبيل المثال كثفت منظمات الفلاحين من عملية استيلائهم على الأرض بينما كان ألليندي يدعوهم لانتظار العملية القانونية!

وفي حين نجح رأسماليو شيلي خلال عام 71 في تصدير ما أمكنهم تصدير من رأس مالهم، قامت بعض فئات البرجوازية بعملية تخزين منظمة للسلع – تواكب ذلك كله مع ارتفاع نسبي في مستوى معيشة العمال مما أدى في النهاية لخلق جو من النقص وعدم الأمان وكان هذا هو المناخ الذي دفع البرجوازية لشن تحديها الأول للألليندي والوحدة الشعبية.

في الواقع كانت البرجوازية لازالت تتبوأ مراكز في جهاز الدولة، البرلمان والقضاء ووسائل الإعلام، فاختاروا اللحظة بعناية، نوفمبر 1971: خرجت مئات من سيدات الطبقة الوسطى في مسيرة وهن يحملن الأواني الفارغة وذلك أثناء زيارة فيدل كاسترو لشيلي، وكانت هذه المسيرة “مسيرة الحلل الفارغة” كما قدرت لها البرجوازية دليلاً على نقص حاد في السلع كما كانت خطوة في إعادة تعبئة البرجوازية للطبقات الوسطى ورسالة تحذير واضحة للألليندي بأن البرجوازية بصدد أن تفقد ثقتها به إذا لم ينجح في احتواء الطبقة العاملة. وللحقيقة فقد كان ألليندي غير قادر على السيطرة على حركة الطبقة العاملة، فتصاعدت موجات احتلال الأراضي والإضرابات في عام 71 بوضوح، وللغرابة فألليندي بدلاً من أن يتوجه للطبقة العاملة ليناقش معها خططه الاقتصادية إذ به يتوجه إلى البرجوازية ليناقشها في ذلك.

وكان رد فعل الطبقة العاملة على كل ذلك هو إعادة تنشيط منظماتها التقليدية من أجل النضال، وخاصة النقابات لحماية المكاسب التي حققوها.

وكان هناك انقسام محدود في الوحدة الشعبية، فيمين الوحدة كان يطالب بتعضيد ما تم كسبه وعدم التسرع في كسب المزيد، بينما كان اليسار يطالب بمد قطاع الدولة، وإعادة تأكيد الوحدة الشعبية لالتزامها بتأميم 90 شركة. كان الخلاف بين هؤلاء وأولئك خلافًا في الدرجة لا خلافًا في النوع، فبدا الجميع متفقون على ضمان أجزاء من السلطة للبرجوازية. لقد تجاهل هؤلاء بدرجات متفاوتة أن الوجهة المستقبلية للعملية السياسية يتم تجديدها خارج البرلمان.

وتجلت عظمة الطبقة العاملة في ابتداع أشكال تنظيمية جديدة وبديلة في مدينة سيريلوس، فأثناء الإضرابات ظهر شكل جديد من التنظيم سمي “الحزام الصناعي – الكردون” سرعان ما انتقلت فكرته لأكثر من مدينة أخرى. لقد كانت الكردونات هي البديل العمال لمؤسسات الدولة البرجوازية فسرعان ما طالب كردون سيريلوس بالسيطرة المباشرة للعمال على الإنتاج واستبدال البرلمان الذي لا يمثل مصالحهم بجمعية عمالية. وجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي أمر أعضاءه بألا تكون لهم أي علاقة بالكردونات، وهكذا فعل الجناح اليميني في الحزب الاشتراكي مصرين على اعتبار أن النقابات هي القيادة الرسمية للعمال.

وهكذا بدأت التناقضات تظهر شيئًا فشيئًا فهاجمت قوات الأمن مجمع لاهيرميدا الصفيحي الذي يقع تحت تأثير نفوذ واضح للحركة الثورية لليسار فقاومها السكان وكانت النتائج قتيل واحد و16 جريح والقبض على مئات من سكان هذه المدينة التي لا تؤيد سياسات الوحدة الشعبية.

وكان رد الحكومة على إضراب عمال المناجم هو إعلان حالة الطوارئ مما وضع مناطق المناجم تحت الحكم العسكري المباشر. وبعد ذلك بأسابيع أعيد فرض حالة الطوارئ مرة أخرى في مدينة بيوبيو.

لقد رأت البرجوازية في التناقضات داخل الوحدة الشعبية وفي تأرجحا ألليندي عاملاً في صالحها، فنظمت حملة علنية للمعارضة السياسية والتخريب الاقتصادي وفي المقابل كانت الوحدة الشعبية تدعو الطبقة العاملة أن تترك للحكومة مهمة الرد على حملات اليمين، وبدلاً من أن ترد على تهديد البرجوازية لها فإنها تقهقرت أمامها. وعندما أعلن ألليندي في نهاية سبتمبر عن قانون تحكم منظم في السلاح، بدا واضحًا أنه كان موجهًا ضد منظمات العمال بهدف طمأنة البرجوازية وتولى الجيش تنفيذ المهمة ونزع سلاح العمال.

أكتوبر.. بروفة ثورية:

لم يكن إضراب ملاك وسائقي اللوريات في 11 أكتوبر غير متوقع، فلقد أعطي أصحاب المتاجر بإضرابهم في سبتمبر ودعم اليمين البرلماني لهم، تحذيرًا مبكرًا للوحدة الشعبية، وهكذا بدأت البرجوازية تصعد من حملاتها ضد الوحدة الشعبية التي أصبحت في وضع ضعيف جدًا.

وبينما دخلت قطاعات من البرجوازية في إضرابات تضامنًا مع ملاك اللوريات مثل أصحاب المتاجر وبعض أصحاب المصانع وتضامنت معهم نقابات المهنيين، كانت المشكلة المباشرة هي استمرار نظام النقل لضمان نقل المواد الغذائية وإبقاء المصانع مفتوحة. ففي صباح اليوم الأول نزلت مجموعات من العمال المتطوعين لتسيير كل وسائل النقل المتاحة، وفي المصانع تم تشكيل لجان يقظة لمنع التخريب وتسيير الإنتاج، بينما أرسلت عدة كردونات مجموعات من الأفراد لإعادة تملك اللوريات، أما الحكومة فكانت حائرة، فبعد أن أعلنت الدعوة للتعبئة الجماهيرية للرد على الإضراب عادت وسحبت دعوتها بعد يومين.

لقد تطلبت المشاكل التي أوجدها الإضراب حلاً فوريًا ولم يكن من الغريب أبدًا أن الرد الأقوى والاستجابة الأسرع لمقاومة الإضراب قد جاءت من المناطق التي كانت قد طورت منظمات مشتركة للطبقة العاملة، فالمصانع التي اشتركت في الكردونات الأولى استطاعت أن تنتظم بأقصى سرعة وتقود عملية تنظيم المصانع الأخرى.

كان هناك سببًا آخرًا للنمو السريع للمنظمات المستقلة: الدفاع الذاتي، فبينما كانت البرجوازية مطمئنة لاستخدام قوتها الاقتصادية والوحدة الشعبية حائرة وتبدو عاجزة عن حماية نفسها كان لزامًا أن ينتزع العمال المبادرة بأنفسهم، ويلخص عامل في مصنع أسمنت التجربة في كلمات بسيطة وملهمة: “عندما تكون هناك مشكلة، يجب أن نكون نحن العمال في المقدمة”. والشيء الهام أن المنظمات الأهلية بسبب أحداث أكتوبر أصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعمال مما جعل الفعل المشترك واقعًا، وأصبحت الكردونات مراكز لتنظيم العديد من النضالات ينسقها ويوفر لها قيادة الطبقة العاملة.

إن عملية تعميم الأفكار في ظروف معينة لا تحدث بشكل عفوي إنها تحتاج التدخل الواعي من المنظمة العمالية الاشتراكية الثورية، فالاشتراكيون الثوريون يستطيعون إعطائها إطارًا ويستخلصون منها النتائج السياسية المناسبة، ولكن في شيلي لم يطرح أحد بوضوح فكرة الانشقاق عن الوحدة الشعبية والدعوة لتكوين منظمة ثورية مستقلة ومغروسة في النضالات اليومية للطبقة العاملة لقد منعت التنظيمات السياسية المختلفة بالفعل عملية دفع العجلة للأمام كما منعت عملية التعلم السياسي، ولكن بالرغم من هذا، أعطت أحداث أكتوبر للطبقة العاملة إحساسًا جديدًا تمامًا بقدرتها الجماعية مما سبب مشاكل خطيرة لألليندي وللوحدة الشعبية فيما بعد. لقد أكدت أحداث أكتوبر على إمكانية سلطة العمال، فلم تتغلب الطبقة العاملة فقط على تردد قيادتها بالفعل المستقل فحسب، لقد خرجت قيادة عمالية جديدة لم تتبع الحلول الوسط السياسية وتغلبت على كل أوهام الإصلاحيين والمترددين والجبناء، لقد قدمت الطبقة العاملة في شيلي صورة جزئية ناقصة لما تكون عليه دولة العمال.

وفي مثل هذه الظروف يمكن للطبقة العاملة بسهولة أن تستنتج أن الثورة من أسفل ضرورية لإنهاء الأزمة وكان ألليندي يدرك – ربما أكثر من غيره – هذا الأمر جيدًا ويتحسب له، فهو قد راهن دائمًا على مسألة التعاون مع البرجوازية، لقد أكد ألليندي أكثر من مرة: “لقد عقدت الوحدة الشعبية مستقبلها السياسي على قدرتها على التحكم في الطبقة العاملة وإطلاق برنامجها للتغيير بالتعاون مع غالبية البرجوازية”.

إلا أن ألليندي وزملاؤه لم يفهموا أن عجلات التاريخ لا تعود إلى الوراء وأنه قد تم عبور جسر تاريخي في أكتوبر، وأن البرجوازية قد فقدت الرغبة في التعاون منذ زمن بعيد، وبمعنى ما كنتيجة لهذا التخبط والاستسلام لوهم الإصلاحيين أصبحت حكومة ألليندي – مشاهدًا – في ساحة الصراع الطبقي تحاول في يأس فرض ذاتها على الأحداث من منطلق الدولة. ورغم أن معظم المنظمات الثورية لليسار اعترفت بفشل الوحدة الشعبية في قيادة الهجوم العكسي للجماهير ضد الملاك إلا أنهم استنتجوا أن الوحدة الشعبية يجب أن “تصلح” ذاتها على ضوءا هذا النقد ونتيجة لهذا التخبط في الرؤى والاستنتاجات ظل اليسار بدون وجهة بينما الأمور تتطور بمعدل أسرع مما يتصورون.

وزارة عسكرية:

بينما كان إضراب أصحاب اللوريات مستمرًا، فوجئ الليندي بإضراب الطيارين في نهاية أكتوبر وكان الرد هو إعلان حالة طوارئ على المستوى القومي، وتشكيل حكومة جديدة بها عدد من الجنرالات، وهكذا وضع ألليندي الحكومة بفاعلية في أيدي الجيش ومن ناحية أخرى كان ذلك يعني سحب المبادرة التاريخية من الطبقة العاملة بحجة تقييد البرجوازية.

المثير للحزن في لحظة كهذه أن هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم اشتراكيين ثوريين كانوا في حالة تشتت نظري كامل، فلم يكن لديهم أي موقف متماسك من أي من المسائل الملحة: مسألة التنظيم الحزبي، ودور الجيش وطبيعته، وهل يجب الانشقاق عن الوحدة الشعبية أم لا، وبالتالي لم يكونوا في موقع يسمح لهم بتقديم أي قيادة متماسكة تقود الطبقة العاملة إلى الاستيلاء على السلطة.

وفي 3 نوفمبر وبمصاحبة الإعلان عن الوزارة المشتركة بين الوحدة الشعبية والجيش، طالب ألليندي العمال بالعودة لعملهم وإعادة المصانع لأصحابها، وبهذا اتضح الأمر وبان للجميع أن مهمة الجيش هي عودة العمال لمصانعهم وعودة المصانع لأصحابها. وبعد أسبوع أعلن وزير الاقتصاد أنه سوف يتم إعادة 20 مصنعًا استولى عليها العمال خلال أكتوبر.

لم يكن نزول الجيش إلى الشوارع والقمع الذي مارسه ضد العمال، وحده يكفي للقضاء على الثقة التي اكتسبها العمال، فاستمرت المناوشات والتحركات العفوية ولكن منظمات الوحدة الشعبية قدمت الدعم للجيش في قمعه للعمال. فلم يرتفع صوت ضد وجود الجيش في الحكومة وامتدح الجميع “وطنية القوات المسلحة” فالحزب الشيوعي اعتبر أن الجيش قد تم كسبه بعيدًا عن البرجوازية، وهذه هي لغة الستالينيين دائمًا.. تضليلية والحركة الثورية لليسار راهنت على دعم الجيش للعمال في نضالهم ضد الاستغلال!

إن دروس التاريخ تعلمنا أنه لم يحدث أبدًا أن ساعد جيش نظامي أي طبقة عاملة في نضالها ضد الاستغلال، وفي إسقاط دولة البرجوازية التي تشكل القوات المسلحة عمودها الفقري. وهكذا فبدلاً من أن يكشف هؤلاء الثوريون المزعومون حدود الإصلاحية ومدى ما ذهبت إليه حكومة ألليندي في تقديم السلطة للبرجوازية، أعطى هؤلاء انطباعًا للعمال بأنه لا زال ممكنًا أن تصبح حكومة الوحدة الشعبية ثورية. لم تجرؤ أي منظمة – باستثناء منظمة يسارية صغيرة (اليسار المسيحي) – أن تتحدث بأن الوحدة الشعبية قد أصبحت عقبة أمام التطور النوعي للصراع الطبقي، وأن الطريقة الوحيدة لضمان ما تم كسبه هو التحرك للأمام على طرق الثورة الدائمة التي تحقق انتصاراتها على حساب هزائم البرجوازية. إن منظمة اليسار المسيحي هي الوحيدة التي اقترحت الانشقاق عن الوحدة الشعبية مقتنعة بأن “القاعدة أغنى بمراحل من القيادة، فاتحاد النقابات والكردونات أكثر فاعلية في مستواهم من الوحدة الشعبية في مستواها، فإذا تم تنظيم القوى الاجتماعية المؤيدة للوحدة الشعبية على مستوى المصنع والمنطقة فإن الوضع سوف يتحرك للأمام وسيصبح من المستحيل إيقافه”.

في نوفمبر وبينما يبدأ البرجوازيون في عمليات تخزين السلع، وألليندي يعيد 123 مصنعًا لأصحابها، تعيد الطبقة العاملة تنظيم الكردونات وتعم المظاهرات عدة مدن منها العاصمة ويعلن رئيس الكردون أنه “لن يكون هناك تنازل مهما كانت الضغوط”، والجديد في الأمر أن أحد الكردونات قد بدأ في إصدار جريدة للكردون وحمل العدد الأول منها تصريحًا شديد الأهمية: “لا يجب إعادة ولو مصنع واحد بل يجب الاستيلاء على مزيد من المصانع”.

وجاءت انتخابات 1973 لتحصل الوحدة الشعبية على 44 % وكان ذلك يعني صلابة الطبقة العاملة وأن الوحدة الشعبية رغم كل ما فعلت قد نسبت قطاعًا من البرجوازية الصغيرة. إلا أن اليمين كان يرى في نتائج الانتخابات تراجعًا خطيرًا مما يعني أن اليمين قد فشل في إضعاف التأييد الانتخابي لألليندي والوحدة الشعبية، فبدأ اليمين يناقش خططًا جديدة للتخلص من حكومة ألليندي، وتبقى استراتيجية لخلق أزمات اقتصادية مستمرة تحت مسمى “قلب السماء بالأرض” على الجهة الأخرى، لم يدرك ألليندي أن الـ 44 % تعني طلبا للفعل ومزيدًا من التقدم، لم يدرك ألليندي وزملاؤه مدى كثافة الصراع الطبقي وأصر على برنامجه للتغيير التدريجي.

ولما كان مقدرًا للفعل أن يحدث، فإنه سوف يتم خارج سيطرة الوحدة الشعبية إن لم تقد هي هذا الفعل.

مشروع جنيني لسلطة الطبقة العاملة:

كانت لجان التنسيق بين الكردونات مشروعًا جنينيًا لسلطة الطبقة العاملة، إلا أن سيطرة الحزب الاشتراكي عليها قد حولت لجان التنسيق إلى مجرد تكتل سياسي داخل الحزب الاشتراكي وعلى الأكثر أصبحت منظمات ضغط يتم استحضارها لكسب معارك جزئية داخل قيادة الحزب الاشتراكي نفسه.

وفي 19 أبريل 1973 وبسبب تراجع الحكومة عن تنفيذ اتفاقها معهم دخل عمال مناجم النحاس في إضراب. وكانت مطالبهم محددة في رفع مرتباتهم التي لم ترتفع مثلما ارتفعت مرتبات قطاعات أخرى. من جهة كان موقف اليسار شائنًا وانتهازيًا، فقد أدان اليسار الإضراب وأكد أن وراءه البرجوازية والإمبريالية، ومن جهة أخرى أصرت الحكومة على تحميل العمال نتائج انخفاض أسعار النحاس في السوق العالمي، والبرجوازية في كل الأحوال مستفيد وحيد فالعمال مستمرون في الإنتاج بينما سعر النحاس في انخفاض سريع ومستمر. لقد كشف إضراب عمال مناجم النحاس ليس فقط عن ضعف وتردي اليسار الشيلي بل وأيضًا ضعف الكردونات ذاتها، فالعناصر الأفضل تنظيمًا من العمال كانت خارج الكردونات تاريخيًا وكانوا أعضاء في نقابات تدعم الوحدة الشعبية وتمنع أي اتصال بالكردونات. في الأماكن الأخرى كانت الأحداث تتسارع، احتلال مصانع، ومسيرات ومظاهرات، وجدير بالذكر أنه عندما استولى العمال على مصنع للأجزاء الكهربية قررت الحكومة قطع الدعم الذي كانت تقدمه للمصنع عندما كان يملكه أجد الرأسماليين. ومع استمرار النضالات في طول البلاد وعرضها، بات واضحًا أن ألليندي والوحدة الشعبية قد تجاوزتهما الأحداث، فبينما الوحدة الشعبية تجتمع لأول مرة كمنظمة واحدة في بداية يونيو، بدأت الطبقة العاملة في عقد مؤتمرات عمالية موسعة لكل الصناعات وبدأت تتقابل في نهاية مايو لمناقشة إمكانيات التنظيم المشترك. وعندما قام الجنرال “سوبير” بمحاولته الانقلابية الفاشلة كان الرد الحاسم من الطبقة العاملة على الانقلاب يؤكد استحالة الحل السياسي الذي اقترحته البرجوازية للإطاحة بالوحدة الشعبية، ورغم أن الجيش لم يكن من حيث المبدأ ضد الانقلاب وإنما كان فقط ضد توقيته، وبمعنى ما كان ألليندي ذاته مسئولاً عن الثقة والإحساس بالأهمية الذي يتمتع بهما الجيش، فقد وافق مرارًا على زيادات ضخمة في مرتباتهم كما دعاهم عدة مرات للتدخل لحل مشكلات اجتماعية في الوقت الذي كان يدعو العمال لضبط النفس.

وفي يوليو كانت الطبقة العاملة في أفضل حالاتها التنظيمية ويملؤها إحساس الثقة بالنفس، ففي الشوارع كانت تشكل كردونات جديدة، لجان توزيع، لجان تنسيق، وكان كل يوم يأتي حاملاً معه تفاصيل جديدة لمجتمع عمالي. إلا أن غياب المنظمة الثورية المستقلة عن الوحدة الشعبية كان عاملاً من عوامل عدم اكتمال المشوار بل كان هذا هو العامل الحاسم في عدم إمكانية سلطة العمال. ومن جهة أخرى كانت البرجوازية تعبئ من أجل المواجهة، والدولة عاجزة تمامًا عن الفعل الحاسم، فبينما أعلنت حالة الطوارئ بعد انقلاب “سوبير” وشكلت حكومة جديدة لم يمثل فيها الجنرالات كان ذلك يعني ضمنيًا إطلاق يدعهم وإعطاءهم حرية قصوى في التحرك بإعفائهم من أي قيود سياسية، وفهم الجيش الرسالة فبدأ في التحرك وها هي البرجوازية توشك أن تستقبل مشهد انتصارها، وكان المشهد الأخير من الدراما الشيلية في يوليو وأغسطس 1973.

كان الجيش قد نجح في الأيام القليلة السابقة في احتلال عدد من المصانع واقتحام عدد من المستشفيات وبهذا تم توجيه المدافع نحو القوة الوحيدة المرئية التي كانت تتحدى دولة البرجوازية، وها هو “لويس كرفالان” زعيم الحزب الشيوعي الستاليني يصرح بأن العدو الرئيسي هو اليسار المتطرف. لقد واجهت الطبقة العاملة في شيلي خلال يوليو وأغسطس اللحظة التي كان يمكن فيها الاستيلاء على السلطة إلا أن اليسار الشيلي كان غير مؤهلاً لذلك، ولم تكن المشكلة هي فقط عدم تسليح الطبقة العاملة بل كان العامل الأكثر حسمًا هو غياب المنظمة الثورية المستقلة المغروسة في النضالات اليومية الحية للعمال والمبنية على أسس فهم الصراع الطبقي ونتيجته المحتملة، ولهذا كانت الدعوة التي وجهتها الحركة الثورية لليسار العمالي بأن يناضلوا بالسلاح دعة غير مسئولة على الإطلاق.

في نهاية أغسطس، ورغم انتشار جو من الإحباط داخل صفوف الطبقة العاملة الشيلية، كانت إمكانات الطبقة العاملة في المقاومة لا تزال قائمة، إلا أن تطلع كل منظمات اليسار للوحدة الشعبية ومراهنتها على إصلاحها ونظرها إلى نضالات العمال كمجرد ضغط لم تنجح هذه المنظمات في تقديم القيادة الثورية البديلة. ولهذا فإن كل المنظمات اليسارية تتحمل مسئولية التخلي عن الطبقة العاملة وتركها فريسة للبرجوازية لتقمعها بوحشية، ألليندي نفسه يتحمل جزءًا كبيرًا من المسئولية ولا يمكن مسامحته عليه.

لقد أعطت أحداث 1972، 1973 لمحة عن سلطة العمال وعن قدرة العمال على قبول تحدي الصراع الطبقي، وأوضحت أنه في مثل هذه اللحظة فإن عدو الثورة هو الإصلاحية، هي سياسات هؤلاء الملتزمين بالدفاع عن البرجوازية ودولتها أكثر من التزامهم بتغيير العالم.

مشهد أخير:

لقد كان الانقلاب الذي أنهى صراعات 1972 و1973 هزيمة مؤلمة ووحشية للطبقة العاملة، ولكنها لم تكن نتيجة لمؤامرة عالمية ولم تكن حتمية كما يدعي الستالينيون والإصلاحيون. لقد حاول هؤلاء تقديم تفسير يغطي على إصلاحيتهم وتحليلهم الخاطئ للجيش وحاولوا أن يلقوا باللوم على ما أسموه مؤامرة المخابرات المركزية الأمريكية، لقد كان الواقع منافيًا لذلك فقد وقع الانقلاب لأن المستوى المتصاعد للصراع الطبقي اقترب جدًا من تهديد المجتمع الرأسمالي كله، وفي هذه اللحظة لا تتنازل الطبقة الحاكمة ولو شبرًا واحدًا، وفيما كانت الطبقة العاملة على استعداد للثورة فإن غياب المنظمة الثورية المستقلة عن الوحدة الشعبية وقيام الوحدة الشعبية بنزع سلاح العمال من قبل سيطرة الإصلاحيين على المنظمات القاعدية، كل ما سبق يعني أن البرجوازية سوف تتحرك لحماية مصالحها ودولتها حتى لو اضطرت لاستخدام كل الأسلحة المتاحة.

ففي 11 أكتوبر قاد أوجستو بينوشيه الذي كان وزيرًا في وزارة سابقة لألليندي، انقلابًا عسكريًا وتم تنفيذ الانقلاب بوحشية غير عادية، فقتل ما يقرب من 30 ألف من أشجع قيادات العمال وعذب آلاف آخرين واعتقل الباقين، لقد كانت هذه الوحشية في التخلص من أشجع وأفضل قيادات العمال مقدمة ضرورية لسياسة تقشف اقتصادي تتيح للبرجوازية أرباحًا ضخمة في إطار مناخ من الإرهاب الدائم وتضمن لهم انعدام أو بالأحرى إعدام أي مقاومة محتملة.

دروس مستفادة:

– في اللحظة التي تتراجع فيها البرجوازية وتبدأ الطبقة العاملة في التقدم، وعندما يتم إضعاف البرجوازية للحد الذي يسمح للطبقة العاملة بالاستيلاء على السلطة، تلعب الإصلاحية الدور الرئيسي في إجهاض الثورة نهاية.

– إن الجيش أحد مؤسسات الدولة البرجوازية وعمودها الفقري ولم ولن يساعد أي جيش لدولة برجوازية أي طبقة عاملة في نضالها ضد الاستغلال.

– إن مسألة تسليح الطبقة العاملة مهمة حيوية، لمقاومة الجيش ولكسب الجنود بعيدًا عن نظام الجيش فالأسلحة تلعب دورًا أساسيًا في قلب ميزان القوى فقط عندما تستخدم لتحقيق هدف سياسي واضح، وهو استيلاء العمال على السلطة وتحطيم الدولة، وعندما يكون هناك ثوريون يفهمون أن تلك هي اللحظة المناسبة.

– إن غياب المنظمة الثورية المستقلة، والمغروسة في نضالات الطبقة العاملة الحية واليومية المبنية على أساس فهم الصراع الطبقي ونتيجته المحتملة، غياب هذه المنظمة التدخلية يجعل نجاح الثورة الاجتماعية أمرًا مستحيلاً.

– في لحظات تفوق البرجوازية النسبي، يصبح واجب الاشتراكيين الثوريين القيام بالدعاية السياسية الصبورة داخل حركة الطبقة العاملة ومع أولئك الذين يقودون النضال في الواقع والتي يصاحبها التنظيم السياسي والاشتراك في النضالات اليومية للطبقة العاملة أينما كانت تقاتل بهدف خلق اللحظة المناسبة لطرح مسألة الاستيلاء على السلطة.

– لا يمكن للطبقة العاملة الاستيلاء على مؤسسات الدولة الحالية مثل الجيش والشرطة ومجلس الشعب والقضاء واستخدامها في تأسيس حكمها. لأن هذه المؤسسات نشأت في ظل الرأسمالية وصممت لحماية الطبقات الحاكمة ضد العمال، إن الطبقة العاملة تحتاج إلى دولة مختلفة تمامًا تعتمد على مجالس العمال والميليشيات العمالية.