بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

صعود وتحولات الحركة العمالية في البرازيل

لا شك أن الموجة الأخيرة، من اتساع النشاط العمالي، قد وَلّدت جدلاً، في أوساط النشطاء والدارسين وصناع السياسة. وبرزت، خلال هذا الجدل، فكرةً يتم طرحها أحيانًا، في صورة السؤال التالي: بالنظر إلى أن هذه التحركات الجماعية، تتسم بأنها اقتصادية وفئوية، وليست سياسية، في طبيعتها، فهل يترتب على ذلك، أنها لا تستطيع أن تساهم في حدوث أي تغيير اجتماعي سياسي شامل؟

يحاول هذا المقال أن يتفاعل مع هذا القلق المشروع، عن طريق البحث في تجربة البرازيل، التي تعد واحدةً من أولى دول أمريكا اللاتينية، التي استطاعت التحول، من ديكتاتورية عسكرية، إلى ديمقراطية برلمانية. كما أن التحركات العمالية، والاستقلال النقابي، الذي شهده هذا البلد في الفترة من السبعينيات وحتى التسعينيات، وسمي بالحركة النقابية الجديدة، قد أنتج حزب العمال، وهو الحزب الذي جاء منه رئيس البرازيل الحالي، لولا دا سيلفا. وبالمقارنة بمصر، فقد انبثقت هذه الحركة وازدهرت، في ظل ديكتاتورية، أسوأ من النظام السلطوي المصري، كما أن هذه الحركة استمرت في ظل أزمة اقتصادية، أسوأ من الأزمة الاقتصادية التي تشهدها مصر، منذ فترة، والتي تفاقمت خلال العام الأخير.

غير أنه يجب، في البداية، توضيح بعض الحقائق الأساسية: أولا، تختلف مصر والبرازيل، بشكل كبير، فيما يتعلق بالبنى السياسية والديموجرافية والاقتصادية، ذلك أن عدد العمال في البرازيل، يبلغ أربعة أضعاف نظيره في مصر، وهم يمثلون تركيبًا إثنيًا معقدًا، فيما يخص التنوع السكاني والجغرافي. وقد تميز تاريخ البرازيل الحديث، بفترة من الديكتاتوريات العسكرية غير المستقرة، من 1964-1985، تلاها انتقال إلى الديمقراطية في منتصف الثمانينيات. كما أن لدى البرازيل، واحدة من أنجح الحركات الاجتماعية، هي “فلاحون بلا أرض”.

ثانيًا، لا تعد البرازيل، بأي حال، النظام الديمقراطي العادل الأمثل، الذي نريده بالنسبة لمصر. بل إن التفاوتات الضخمة مازالت تفسد الوضع في البرازيل، في ظل السوء المفرط في توزيع الدخل-فعلى سبيل المثال، يملك 1% من السكان 46% من مساحة الأرض- والعنف الذي تمارسه الشرطة، وإساءة معاملة النساء، وغيرها.

ثالثًا وأخيرًا، فإن الحركة النقابية الجديدة، التي نريد إلقاء الضوء عليها في هذا المقال، لم تسِر في طريق متواصل من النجاح، بما يعني الاستقلالية، والتمثيلية، والنزاهة، والديمقراطية، والوعي الطبقي. بل على العكس من ذلك، بعد أن بلغ نجاح هذه الحركة ذروته، اتسمت الحركة بالمزيد والمزيد من العناصر السلبية، فيما يتعلق بالتنظيم النقابي، منذ منتصف التسعينيات.

بالرغم من هذه الاختلافات، تتمثل أهمية البرازيل الأساسية، كمثال بالنسبة للحركات المصرية المثيرة للجدل، في عنصرين أساسيين، أولهما؛ أن البرازيل تُعد واحدةً من الحالات القليلة، التي حدث بها تغير ديمقراطي، بسبب عوامل داخلية وديناميكيات، كانت الحركة العمالية في طليعتها. ومن ثم فإن ذلك يفند الفرضية، التي يؤيدها بعض المعلقين، حول أن الحركة العمالية المصرية، مقيدة بحدود اقتصادية وفئوية. وكما أكد العديد من الدارسين “أنتج النضال النقابي في بداية السبعينيات نقابات عمالية أكثر استقلالية، نقابات سعت حركات العمال القاعديين بداخلها إلى تحويل نظام العلاقات الصناعية، وهو ما لبث أن تحول إلى معارضة سياسية للنظام العسكري” (1).

ثانيهما، يمكن أن يقدم نجاح وأفول هذه الحركة، دروسًا شديدة الأهمية، للحركة العمالية الصاعدة في مصر، التي تشهد تحولاً، في اتجاه حركة نقابية جديدة، خاصة وأن منحنى الصعود والهبوط، الذي اتسمت به الحركة العمالية في البرازيل، ليس حتميًا. ذلك أن الحركة تخضع للسياق التاريخي، الذي تنشأ فيه، ولحظة تطور الرأسمالية، والصراع الطبقي. ومن ثمَّ، فإن هذا المقال، بعد أن يلقي بعض الضوء، على إنجازات وديناميكيات الحركة النقابية الجديدة في البرازيل، سوف ينتقل إلى تحليل أسباب الهبوط النسبي، الذي تشهده هذه الحركة.

قصة النجاح: البداية

منذ بداية السبعينيات، بدأت البرازيل تشهد توجهًا جديدًا، يشبه للغاية ما تشهدة مصر، منذ عام 2006، مع حدوث إضراب المحلة. فقد شهدت البرازيل عددًا ضخمًا من الإضرابات، شاركت فيها العديد من القطاعات: عمال الصناعة، وخاصة أولئك العاملين في الصناعة الثقيلة والسيارات والصلب والصناعات المعدنية، والعمال الزراعيون، وموظفو الحكومة، والعديد من ذوي الدخل المتوسط. وعلى سبيل المثال، فُقد في عام 1988 63 مليون يوم عمل (2)، واتسمت الحركة بالإضرابات العامة في مهن معينة، مثل العاملين في البنوك عام 1995، وإضرابات جرى خلالها احتلال أماكن العمل، مثل إضراب جنرال موتورز في 1995، وناشيونال ستيل ووركرز في 1989. بل إنه قد حدثت إضرابات عامة، على مستوى البلاد بأكملها، مثل الإضراب الذي حدث في مارس 1989، وشارك فيه 35 مليون عامل، وكان الأكبر من نوعه في تاريخ البرازيل.

يرجع الحدثان الرمزيان اللذان أشارا إلى الظهور السياسي لهذه الحركة النقابية الجديدة، إلى عامي 1977 و1978. ففي أغسطس 1977، أقرت الحكومة العسكرية بحدوث تلاعب في الأرقام الرسمية، التي استُخدمت لحساب زيادات الأجور، بالنسبة للعمال الصناعيين في البرازيل في عامي 1973 و1974. وقد أدى التلاعب في الإحصاءات إلى خسارة العمال لـ 34.1% من الأجر الحقيقي خلال تلك الفترة (3). ومن ثم، فقد نظّم اتحاد عمال الصناعات المعدنية في ساو برناردو، بزعامة لولا دا سيلفا، حملةً، أجبرت الحكومة على أن تدفع للعمال ما سبق وأن خسروه، بفعل التلاعب في الإحصاءات. كانت هذه الحملة، التي سُمّيت “حملة الـ 34.1%”، هي نقطة البداية، التي دفعت العمال للتخلي عن خوفهم وعجزهم. وكان الحدث الثاني هو “المؤتمر الوطني لعمال الصناعة” في نهاية 1978. وبالرغم من أن هذا المؤتمر قد نُظّم بواسطة أعضاء قطاع بيليجو للنقابات، الذي يضم النقابات التي تسيطر عليها الدولة، فإن مجموعة من القادة النقابيين، الأكثر نضالية، قاموا بوضع برنامج واجتماع بديل، من أجل تنسيق عمل شبكة من القادة، الذين أعلنوا اعتراضهم على سيطرة الحكومة على اتحادات العمال وقانون العمل. ومن ثم؛ فبينما ساعدت أحداث 1977 على حث العمال، والأعضاء القاعديين، على العمل من أجل نيل حقوق محددة، وقابلة للتحقق، واقتصادية بشكل مباشر، فإن “المؤتمر الوطني لعمال الصناعة” قدم فرصة للتنسيق الفعال، بين قيادات المناطق والقطاعات المختلفة. وكان بمثابة الخطوة الأولى، نحو العمل السياسي، حيث أسس شبكة غطت البلاد بأكملها، وقدمت برنامجًا للتنسيق، خلال السنوات التي كانت مليئة بالحركة المثيرة للجدل. أدّى ذلك إلى تعظيم الفوائد الناجمة عن كل من هذه الإضرابات، وتسهيل عملية تبادل الخبرات، والتخطيط من أجل القيام بخطوات تالية.

استفادت القطاعات المتقدمة من الطبقة العاملة، من هذين الحدثين، بمساعدة ما تبقى من الأحزاب اليسارية ،التي تحولت إلى السرية مع مجيء النظم العسكرية، ودعاة لاهوت التحرير في الكنيسية الكاثوليكية، وتم البدء في بناء لجان مصنعية. وكما هو الوضع في اللجنة العليا للإضراب في حالة الضرائب العقارية في مصر، كانت هذه اللجان منتخبة ديمقراطيًا، بواسطة العمال، من أجل تسهيل تخطيط وإدارة الإضرابات، وعملية التفاوض، ثم أصبحت بديلاً عن الهيكل النقابي الرسمي، التابع للدولة.

مع انتشار الإضرابات والتحركات في المصانع، بدأت العديد من لجان المصانع في الالتقاء والتنسيق على مستوى إقليمي. وبينما لم تكن هذه عملية ميكانيكية، كما أنها لم تسِر في خط مستقيمن حيث شهدت فترات صعود وهبوط، فقد كان هناك نمط صاعد كما سوف يتم أيضاحه في الجزء القادم. وكان هناك نمو مثير للإعجاب، فيما يتعلق بعضوية النقابات، بين أصحاب الأجور المتوسطة، في قطاع الخدمات، مثل عمال البنوك والمدرسين والأطباء والموظفين الحكوميين، خلال هذه الفترة، وبدأ هؤلاء العمال في التنظيم في نقابات ذات أحجام كبيرة. وبحلول نهاية الثمانينيات، كان عدد النقابات في البرازيل قد بلغ 9.833نقابة. وبحلول منتصف التسعينيات، ارتفع هذا العدد ليصل إلى 15.927 نقابة، تتضمن النقابات الحضرية والريفية، ونقابات العمال، ونقابات الإدارة. وحدث نمو مثير للإعجاب، في عدد نقابات العمال، لم يقتصر على تلك المرتبطة بعمال الصناعة، بل امتد إلى قطاعات مختلفة، بما فيها من يعملون مستقلين، وكذلك العاملين بالدولة.

وبناء على هذا النمو، انبثقت اتحادات النقابات. وكان أكبرها وأكثرها أهمية “الاتحاد المركزي للعمال”، الذي تأسس عام 1983، بفعل الرغبة في إقامة حركة نقابية، تعتمد على الطبقة العاملة، وتحظى باستقلالية عن الدولة. بالتزامن مع ذلك، نشأ “حزب العمال”، وقد تأسس هذا الحزب في وقت مبكر، عام 1979، من أقوى قطاعات الحركة العمالية في البلاد. وأدى ذلك إلى التقاء التنظيمات النقابية الجديدة التي ولدت في داخل الهيكل النقابي لهذه الفترة، وحركة النقابات المعارضة التي تعمل خارج الهيكل النقابي الرسمي، الذي ترعاه الحكومة، ويعارض كلا من سيطرة الحكومة، والطبيعة العمودية للنقابات الرسمية، مع صعود الحركات الاجتماعية الأخرى ضد الديكتاتورية.

لماذا كانت الحركة ناجحة

حاولت النقابات، التي ظهرت كفاعل معارض، في نهاية السبعينيات، أن تضع مسافة بينها، وبين التنظيم النقابي الحكومي، الذي سادت قبل فترة الحكم العسكري، وأثناءها. وقد اعتبرت هذه الحركة العمالية الجديدة بمثابة “حركة نقابية جديدة” في البرازيل، تمثل جزءً من الحركات الاجتماعية. وتجدر ملاحظة أن أبعاد “الحركة النقابية الجديدة” التي سيتم التعرض لها، فيما يلي، تتضمن مطامح ونجاحات فعلية، فيما يخص العمل النقابي.

أول هذه الأبعاد، التركيز على الديمقراطية، وعلاقات العمل الداخلية. فمن جهة، حاولت النقابات إصلاح هياكلها الداخلية، كي تصبح أكثر عرضة للمحاسبة من الأعضاء. وتوجه هذا الفصيل النقابي، المستقل والمكافح، إلى التأكيد على القيادة الجماعية، وتجنب عقد الاتفاقات العاجلة، بين كبار القادة النقابيين.
وكان النجاح في تشكيل مستويات وسيطة للقيادة، وتمثيل نقابات المصانع، النتيجة العملية للاهتمام، الذي أولته النقابات الجديدة للعمال القاعديين. من جهة أخرى، نجحت نضالات “الحركة النقابية الجديدة”، في نهاية الثمانينيات، في الضغط على أصحاب العمل، في القطاع الصناعي بشكلٍ خاص، من أجل السماح بالتمثيل في أماكن العمل عبر النقابات، وهو ما كان ممنوعًا، في ظل التشريع العمالي. وأسفرت هذه العملية عن إقامة لجان مصنعية.

وبالرغم من أن هذه اللجان فقدت الكثير من نفوذها، من منتصف الثمانينيات-بفعل أسباب سوف نناقشها في القسم التالي- فإنها عبرت عن التزام بالطابع الديمقراطي لعلاقات العمل. يوجد مظهران لهذه الديمقراطية الداخلية؛ أولهما، يمكن أن نطلق عليه الشق “الرسمي” للديمقراطية النقابية، وهو يتعلق بالآليات الانتخابية. أما المظهر الثاني، فهو شقٌّ “غير رسمي”، إلى حد كبير، وهو يخص قنوات المشاركة، التي أتاحتها لضمان وجود دور أكبر لأعضائها، في العمل اليومي للنقابات.

ثانيا، الاستقلال عن الدولة ورفض النقابات الرسمية. ذلك أن النقابات الجديدة، رفضت الدور الحكومي الرسمي للنقابات، باعتباره يمثل تعبيرًا عن سياسات الدولة، وفتحت الطريق أمام اضطلاع النقابات بدور سياسي أكبر، إضافة إلى تمثيلها لمصالح أعضائها. وقامت النقابات الجديدة بوضع مسافة بينها، وبين النقابات الواقعة تحت نفوذ الدولة، وحافظت على وضعها كمعارض صارم للحكومة، ولسيطرتها على النقابات. والأكثر من ذلك، أن النقابيين الجدد رفضوا النقابات التي أُنشئت فقط بغرض تلقي نصيبها الإلزامي، فيما يتعلق بضريبة النقابة. وكان أحد التطورات المهمة، على صعيد النضال، من أجل الحرية النقابية، والاستقلال عن الدولة، يتمثل في معارضة الاقتطاعات الجبرية، من وراتب العمال، لأجل تمويل النقابات الرسمية، بما فيها من إدارة، تمتد من المستويات العليا إلى الدنيا، وهياكل فيدرالية، وبقايا الهيمنة والتشريعات الحكومية، التي عملت كأدوات تستخدمها الدولة، كي تقمع النقابات والطبقة العاملة. لهذا السبب، قررت النقابات الأقوى ،في القطاع الصناعي بشكل أساسي، أن تتخلى عن ضريبة النقابة الإلزامية، وجعلت العضوية في النقابة اختيارية، لكن على مستوى آخر، كان للنقابات الجديدة آمال كبيرة إزاء الدولة، حيث طالبت بأن يكون لها دور أساسي في عملية التنمية. ولعل ما يثير الاهتمام، أن العديد من الاحتجاجات ضد الخصخصة، ركزت على محورية دور الدولة، في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم، استمرت النقابات في الضغط على الدولة، وصياغة رسالة تقوم على الفصل، بين استقلالية العمال عن الدولة، وبين حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، التي يجب على الدولة الوفاء بها، أي رسالة في مواجهة الجوهر الأساسي للكوربوراتية(للشراكة الحاكمة).

ثالثا، عقد صلات قوية مع الحركات الاجتماعية، وعلاقة وثيقة مع الحزب اليساري الجديد، المرتكز على النقابات، “حزب العمال”. وفيما يخص علاقة النقابات الجديدة بالحركات الاجتماعية الأخرى، يمكن أن نقول إننا بصدد حركة عمالية، تتجاوز النقابات العمالية الرسمية، وتتضمن مجموعات، ومنظمات، تعني بحقوق العمال، والقضايا الاجتماعية، بالمعني الواسع للكلمة. كانت إحدى الأمثلة على ذلك، العلاقات مع الجماعات الجديدة، المؤيدة للديمقراطية، خلال السبعينيات، “حركة فلاحين بلا أرض”. واستطاعت الطبقة العاملة الجديدة الواعية، أن تنشئ صلات مع روابط الأحياء، التي كانت دومًا تابعة للنخبة الغنية، في الأحياء الفقيرة، وتخليصها من علاقة التبعية، ومن نمط الإدارة السائد بها. ولا تعني وضعية النقابات، كجزء من حركة عمالية اجتماعية أوسع، أنه لم تكن هناك توترات، فقد ظهرت خلافات استراتيجية كبيرة من اتحاد النقابات الأساسي في البرازيل، أي “الاتحاد المركزي للعمال” و”حركة فلاحين بلا أرض”، خاصة بعد التوجه نحو اليمين، الذي اتخذه الاتحاد المركزي للعمال في التسعينيات، في الوقت الذي أصبحت “حركة فلاحين بلا أرض” أكثر راديكالية وكفاحية، وأكثر قدرة على تنظيم الاحتجاجات الجماهيرية.

أخيرًا، تكوين منظور واسع حول معنى التمثيل. يتضمن المنظور الأوسع حول تمثيل الطبقة العاملة والحركة العمالية محاولات لإشراك وتنظيم العمال من خارج القطاع الرسمي. وحاولت الحركة النقابية الجديدة أيضًا ربط تمثيل مصالح العمال ببرنامج سياسي أوسع للديمقراطية والتغير الاقتصادي الاجتماعي. وإضافة إلى ذلك، حاولت العديد من النقابات توسيع نطاق التمثيل والشرعية عبر طرح برامج اجتماعية، مثل مشروعات الإسكان والتعليم والتدريب والمساعدة في البحث عن وظائف وإعادة التدريب. ويُسهل التشريع الحالي من عملية انتشار النقابات في اتجاه التشتيت، لأنه عن طريق هذا النظام، يستطيع أي قطاع مهني تكوين منظمة نقابية، في كل بلدية.

مشكلات وتحديات: أين مكمن الخطأ؟

كان نتيجة كل ما سبق، أنه خلال الثمانينيات، كان يمكن النظر إلى الوضع في البرازيل، باعتباره داعمًا بوضوح للتنظيم النقابي الجديد، والحركة الاجتماعية للعمال، التي كانت آنذاك تمضي في اتجاه يتناقض تمامًا، مع مسار الحركة في العديد من الدول الرأسمالية المتقدمة. لكنه خلال السنة الأخيرة من الثمانينيات ثم في التسعينيات، بدأت تظهر تيارات اقتصادية وسياسية وأيديولوجية، أدت إلى تراجع الحركة النقابية البرازيلية، وبدأت الحركة في التخلي عن التنظيم النقابي القائم على أساس طبقي، وقبول تنظيم نقابي غير صدامي، فيما يتعلق بالتفاوض والشراكة، يذعن لقواعد رأس المال، ولا يعترض سوى على أمور محدودة. وبدأت الحركة النقابية الجديدة، تتخلي عن النضال من أجل الاشتراكية والتحرر، وهو ما كان سمة مميزة في دعاية واستراتيجية الاتحاد المركزي للعمال وحزب العمال، وتقبل، بشكل غير نقدي، بالديمقراطية الاجتماعية، والأسوأ من ذلك، إنها بدأت في تشكيل سياستها، وفقًا للأجندة والأيديولوجيا الليبرالية الجديدة. وتحولت الحركة، كليةً، من حالة القتال، إلى حالة الدفاع.

كانت نتيجة هذا التحول، تراجُع قوة الحركة بوضوح، فلم تعد الحركة أقل قدرة على نيل أبسط المطالب فحسب ، بل إن قاعدتها التمثيلية انكمشت. وتشير دراسة حول النقابات، نُشرت بواسطة المعهد البرازيلي للجغرافيا والإحصاء، إلى أنه بينما ارتفع عدد منظمات العمال بمقدار 49% في الفترة من 1991-2001، حيث بلغ عدد هذه المنظمات 11.354 منظمة، فإن معدل زيادة العضوية بلغ 19.5% فقط ، في بلد يبلغ عدد سكانه 190 مليونًا. ووفقًا لهذه الدراسة، فقد انخفض متوسط عدد أعضاء المنظمة النقابية، من 2.104 إلى 1.720 في عشر سنوات.

غير أنه من المهم أن نفهم، كيف، ولماذا، حدث هذا التحول، وإظهار أن ما حدث، لم يكن قدريًا، أو دورة طبيعية للأحداث، لا يمكن تجنبها في الحالة المصرية. لقد جاء ضعف التنظيم النقابي الجديد، في البرازيل خلال التسعينيات، بعد عقد من النجاح، في وقت بدا أنه لا يمكن وقف مجيء الليبرالية الجديدة. حيث إن البرازيل تعرضت لأزمة دين كبرى، ومن ثم، أصبحت تحت رحمة مؤسسات التمويل الدولية، وفي ظل الهيمنة الأيديولوجية، والمادية، لليبرالية الجديدة، قاست الحركة النقابية الجديدة، من الآثار السلبية لعملية إضفاء المرونة على قوة العمل، وتخفيض قيمة العملة، والتضخم…إلخ. وأسفرت التغيرات في عملية الإنتاج وإعادة هيكلة الشركات، وهي غالبًا، استجابة للركود الاقتصادي، عن خسارة عدد كبير من العمال لوظائفهم، بينما كان على القوى العاملة المتبقية Kالتنازل عن الأمان الوظيفي، وقبول ظروف عمل أكثر قسوة؟ ويُعد ما حدث في قطاع السيارات، وهو يمثل قاطرة الصناعة،مثالاً جيدًا على ما حدث. فبينما كان هناك نحو 200 ألف عامل في مصانع السيارات في منطقة ساو برناردو، سنه 1987، انخفض عدد هؤلاء إلى 40 ألفًا عام 1996. (4). ولم يختلف الوضع في قطاع ذوي الياقات البيضاء؛ ففي القطاع المصرفي على سبيل المثال، وقد كان قطاعًا قياديًا في الحركة، هبط عدد العمال من 800 ألف عام 1989، إلى 570 ألفًا عام 1996، وهو ما يرجع إلى التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية. ولا نجد هذا المتغير الظرفي في الحالة المصرية، حيث إن التنظيمات النقابية الجديدة الصاعدة، بقيادة نقابة الضرائب العقارية، تأتي في وقت تتراجع فيه الليبرالية الجديدة كمنطق عالمي، كما أنها ستتراجع قريبًا، من حيث الديناميكيات المادية، بالرغم من، وفي الوقت نفسه، بسبب، الأزمة الاقتصادية.

كان أحد المتغيرات الظرفية الأخرى، هو التحول إلى الديمقراطية الانتخابية، عام1985، وعلى عكس ما قد يفترضه معظم الناس، ساهم التحول إلى الديمقراطية، في تراجع الحركات الاجتماعية، في أمريكا اللاتينية. ولم تكن الحركة العمالية في البرازيل استثناءً. ذلك أن الحكومات “المنتخبة”، لكولور وكاردوسو في البرازيل، على سبيل المثال، كانت تحظى بشرعية أنها قد “أُختيرت”، ومن ثم، شرعية تقديم إصلاحات، على طريق الليبرالية الجديدة، أكثر رسوخًا، من تلك التي طرحتها النظم العسكرية. وهكذا، في حالة النظم المنتخبة تقلص العنصر الكوربوراتي(عنصر الشراكة)، الذي كان لا بد للنظم العسكرية الحفاظ عليه، لأنه في الماضي لم يكن بوسع أية دولة الاعتماد على القمع وحده من أجل الاستمرار في الحكم. وبالتزامن مع ذلك، كما تمت الإشارة في السابق، جاءت هذه الحكومات، في وقت أدت فيه الأزمة الاقتصادية، والتضخم المفرط، إلى تقليل هامش المناورة، الذي كانت تتحرك فيها الأنظمة العسكرية السابقة، وحلفائها في الداخل والخارج، والأكثر من ذلك، إنه من الناحية الفكرية، ساد انطباع لدى الطبقة العاملة، والعديد من الحركات الاجتماعية، بأن التحول إلى الديمقراطية الانتخابية، كان بمثابة تغير ضخم، سوف يؤدي إلى تسهيل إمكانية نيل مطالبهم عن طريق صندوق الاقتراع. ومن ثم، لم تكن هناك حاجة ملحة، إلى الأشكال التي تم اللجوء إليها في الماضي، والمتعلقة بالتعبئة والفعل الجماعيين. ظهرت مقولة قوية ومنطقية مفادها أن هذه الحركات الاجتماعية، وفي قلبها الطبقة العاملة، هي التي قادت الطريق إلى الديمقراطية، بفعل النضالات التي خاضتها، وأن هذه هي المرحلة الأخيرة، التي عن طريقها يمكن لهذه الحركاتـ أن تستريح وهي واثقة Jمن أن المطالب الأخرى سوف تتحقق، وهي خرافة تحتاج الحركة العمالية المصرية الصاعدة، إلى الحذر منها.

لم يكن باستطاعة الحركة النقابية، في حالة البرازيل، أن تظل محصنة، في مواجهة هذه التغيرات المعقدة، وواسعة المدى. وكان الميل المسيطر، في هذه الحركة، هو النزوع إلى الدفاع، غالبًا بدون أي مشروع أو رؤية، حول مجتمع يتجاوز رأس المال. أثرت هذه الظروف الموضوعية على القرارات والاستراتيجيات والتكتيكات، التي تبنتها الحركة العمالية، ومن ثم، عمقت من تأثيراتها السلبية. وبدأت النقابات، والأحزاب السياسية المساندة لها، في المشي بثبات في اتجاه المؤسسية، ومن ثم البعد أكثر فأكثر، عن الحركات المستقلة، ذات الأساس الطبقي. وبدأت تبتعد عن النضال، من أجل السيطرة الاجتماعية على الإنتاج، وأصبحت تقبل بالمشاركة، في إطار النظام القائم. ومن ثم، تحركت النقابات في البرازيل، أكثر فأكثر، نحو اللجوء إلى ترتيبات المفاوضة الجماعية، التي وضعها نظام جيتوليو فارجاس السلطوي، وهي ترتيبات، منعت العمال في الصناعات الأكثر اجتذابًا لرأس المال، من ممارسة قوتهم كاملة، وإضافة إلى ذلك، فإن الهوة المتزايدة، بين العمال المتمتعين بالأمان الوظيفي، وهذه كانت بها نقابات من وقت مبكر، وبين أولئك الذين يفتقرون إلى هذا الأمان، قد قلصت من نفوذ النقابات، حيث وجدت النقابات صعوبة، في ضم العمال المفتقرين إلى الأمان الوظيفي، إلى عضويتها، وقد أضعف ذلك الحركة العمالية البرازيلية.

من ناحية أخرى، أصبح العمل الجماعي يعكس، بدرجة أقل، الخطاب الداعي إلى الاشتراكية، والثورة، والتغير الاجتماعي، على نطاق واسع، بعد أن كان هذا الخطاب شائعًا للغاية في السابق. وقد أدت الحاجة إلى التعامل مع القضايا اليومية الملحة، والخبرات التي توفرت للنقابات الجديدة، في الثمانينيات والتسعينيات، إلى حدوث تغير، في الهوية الأيديولوجية للاتحاد المركزي للعمال، وكانت هذه أساسًا، تقوم على التغيير الكلي في اتجاه الاشتراكية، وأنصب اهتمام هذه المنظمة، على تحقيق الأهداف الفردية لأعضائه، مما أدي إلى التخلي عن التركيز على الطبقة العاملة. وبالرغم من أنه قد ظلت هناك دائمًا، هوة تفصل بين الخطاب الذي كانت تطرحه إصدارات “الاتحاد المركزي للعمال”، وبين العمل النقابي الفعلي، الذي كان ينخرط فيه، فإنه مع التسعينيات، انتقل الاتحاد، من تفضيل حلول أكثر راديكالية، إلى التأقلم مع التغير، في الوضع الاقتصادي والسياسي. بهذا المعنى يمكن التمييز، بين البدائل المُثلى، والبراجماتية. فبينما كانت البدائل المثلى تركز بشكل أساسي، على إجراء تغييرات راديكالية في المجتمع، كان البديل البراجماتي، هو التفاوض، مثلاً، لأجل تقليص وقت العمل، بهدف الحفاظ على مستويات التوظف القائمة، دون الذهاب إلى أبعد من ذلك.

خاتمة

يبدو أن قصة نشأة ونجاح الحركة العمالية البرازيلية، ثم التراجع النسبي لهذه الحركة، يمكن أن تقدم للحركة العمالية المصرية عددًا من النتائج القيمة، يمكن تلخيصها على النحو التالي:

أولاً، خلافًا للحكمة التقليدية، التي تعتبر أن الديمقراطية السياسية، والنظم المنتخبة، تُعد شرطًا مسبقًا، لانتعاش الحركة الاجتماعية، ومن ضمنها الحركة العمالية، فإن الحالة البرازيلية، وحالة جميع دول أمريكا اللاتينية، تثبت عكس ذلك. أي أن الحركة العمالية في البرازيل سبقت على، بل وساهمت في، تحول النظام السياسي إلى الديمقراطية البرلمانية.

ثانيًا، إن التحول إلى الديمقراطية البرلمانية، لا يمثل ملاذًا آمنًا، بالنسبة للحركات الاجتماعية، أو الهدف النهائين الذي يجب أن تصل إليه، استنادًا إلى فرضية أن هذه الديمقراطية، سوف تؤدي إلى المزيد من المساواة والتحرر. على العكس من ذلك، يمثل هذا التحول في اتجاه الديمقراطية، مجرد مرحلة “انتقالية”، تتطلب استمرار النضال الجماعي، بهدف ضمان تطور الديمقراطية الانتخابية، التي تٌعد قاصرة بالتعريف.

ثالثًا، تتوقف النتيجة التي ستؤول إليها أية حركة على كل من الظروف الموضوعية واختيارات الفاعلين، حيث أن كلاهما ـ لا أيًا منهما منفردة ـ تلعبان دورًا حاسمًا في مصير الحركة. ويتمثل الأمر الجوهري هنا في كيفية قيام الفاعلين بتفسير الظروف الموضوعية (مثل الأزمة الاقتصادية، والتغيرات في نظم الإنتاج، والتحولات في الأيديولوجيا السياسية) والتعامل معها، وإعادة تشكيلها في نهاية المطاف، حيث إن ذلك سيؤدي إما إلى النجاح أم التراجع.

رابعًا، أظهر موقف العمال الريفيين، ومن يعملون مستقلين، وعمال التعاونيات، والعاطلين، والعمال في القطاع غير الرسمي في البرازيل، أنه لم يعد بالإمكان الاقتصار عند تعريف العمال، على البروليتاريا الصناعية في المدن، وإنه يجب الإقرار، بالحاجة إلى تبني استراتيجيات، وأشكال مختلفة للتعبئة، فيما يتعلق بهذه المجموعات، التي تتباين في مصالحها وأهدافها.

وأخيرًا، من المهم للغاية أن تقطع الحركة النقابية اليسارية مع التوجه المتنامي للبقرطة الذي أصبح سمة قوية للحركة النقابية، على مستوى العالم، وهو ما يفصل بينها وبين القاعدة في المجتمع، مما يؤدي إلى اتساع الهوة بين النقابات، والحركات الاجتماعية، وهو عَرَض لا تُعد الحركات النقابية المستقلة الجديدة محصنة ضده.

ـــــــــ

المصادر:

1-Marieke Riethof. The Brazilian Labor Movement: From Opposition to Participation. London: 2004.

2-Thomas R. Rochon and Michael J. Mitchell. Social Bases of the Transition to Democracy in Brazil. Comparative Politics, Vol. 21, No. 3, 1989.

3- Maria Helena Moreira Alves. Grassroots Organizations, Trade Unions, and the Church: A Challenge to the Controlled Abertura in Brazil. Latin American Perspectives, Vol. 11, No. 1, 1984.

4- Ricardo Antunes and Laurence Hallewell. The World of Work, the Restructuring of Production, and Challenges to Trade Unionism and Social Struggles in Brazil. Latin American Perspectives, Vol. 27, No. 6, 2000.