بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تحرر النساء في روسيا بين الثورة والثورة المضادة

في أوقات الاضطرابات والأعمال الإضرابية، تكبر فجأة المرأة البروليتارية – المنكسرة، المتحرجة، والتي لا حقوق لها – وتتعلم كيف تقف باستقامة واعتداد… إن المشاركة في الحركة العمالية تضعها على طريق تحررها، لا كبائعة لقوة عملها وحسب، بل أيضًا كامرأة وزوجة وأم وربة بيت.
ألكسندرا كولونتاي

كانت الحرب العالمية الأولى تعني للعاملات الروسيات – كما بالنسبة للعاملات في الكثير من دول العالم – أعباء إضافية فوق كواهلهن المثقلة بما يكفي من قبل، وفي الوقت نفسه أدت التغيرات في العمالة أثناء الحرب إلى زيادة قوتهن الاقتصادية، حيث زاد عدد العاملات زيادة ضخمة بعد أن أدى التجنيد على نطاق واسع إلى خفض عدد العمال في الصناعات التي جرى إحصاؤها بنسبة 6.12 % في الفترة ما بين 1914 و1917 وزاد عدد النساء في نفس الفترة بنسبة 8.18 % فكانت النساء تشكل نحو ثلث القوة العاملة عند بداية الحرب، ثم أصبحن يشكلن نصفها تقريبًا في عام 1917.

صاحب هذا التغير بالطبع تدهورًا اقتصاديًا أفرزته الحرب، كان للنساء العاملات باعتبارهن جزءًا من الطبقة العاملة دورًا في مواجهته. فنرى مثلاً في 16 إبريل 1915 اندلاع اضطرابات خبز في بتروجراد، حيث ألغي بيع اللحم ليوم واحد، فحطمت النساء سوقًا كبيرًا لبيع اللحم وقمن بنهبه، وتكرر المشهد في موسكو بعد يومين من هذا الحادث بسبب نقص الخبز. كما اشتركت النساء في الإضرابات التي بلغت مع عام 1915 تسعمائة وثمانية وعشرون إضرابًا، منها سبعمائة وخمسة عشر إضرابًا اقتصاديًا شارك فيها 400 قرابة ألف عاملاً، ومنها مائتين وثلاثة عشر إضرابًا سياسيًا شارك فيها ما يزيد عن 150 ألف عامل.

لم يقف الوضع عند هذا الحد، بل كانت عاملات بتروجراد هن اللاتي بدأن ثورة 1917، ففي 22 فبراير اجتمعت مجموعة من العملات لمناقشة تنظيم يوم المرأة العالمي في اليوم التالي، وبالفعل في 23 فبراير أعلنت العاملات في بعض مصانع النسيج الإضراب، فوافق البلاشفة وتبعهم عمال آخرون من المناشفة والاشتراكيين الثوريين في الانضمام إليه وتوسيعه، وكانت العاملات في مصانع النسيج هن اللاتي انتخبن مندوبات وبعثن بهن إلى المصانع المجاورة محملات بنداءات تطلب المساندة، وعلى هذا النحو كان اشتعال فتيل الثورة، وكما قال تروتسكي:

ثورة بدأت من أسفل، غالبة مقامة منظمتها الثورية ذاتها، حيث بادر إليها دون طلب من أحد، القسم المضطهد والمسحوق أكثر من الجميع وسط الطبقة العاملة، عاملات النسيج.

وهؤلاء النساء أنفسهن هي اللاتي تآخين مع الجنود، فأقنعوهم بعدم طاعة أوامر الضباط والامتناع عن إطلاق النار، فكن يتوجهن إلى الجنود بشجاعة تفوق الرجال ويأخذن البنادق ويتوسلن: “اخفضوا سلاحكم وانضموا إلينا”، وتعم الإثارة والجند، ويلوح عليهم الخجل ويتبادلون نظرات قلقة ويتذبذبون، ثم يحزم أحدهم أمره أولاً، وترتفع البنادق على استحياء فوق أكتاف الحشد المتقدم. وتعترف البرافدا بدين الثورة للنساء في افتتاحيتها:

فلتحيا النساء.. فلتحيا الأممية..
النساء كانوا أول من خرج إلى شوارع بتروجراد في يومهن، يوم المرأة، وفي موسكو حسمت النساء حاجتنا للجيش في كثير من الحالات فتوجهن للثكنات وأقنعن الجنود بالانضمام لصف الثورة.. فلتحيا النساء.

ولكن إذا كان للنساء هذا الدور في الثورة الروسية، إلى أي مدى استطاعت الثورة نفسها أن تحقق مطالب النساء؟

تجيب على هذا التساؤل القوانين السياسية المدنية والاقتصادية الجديدة التي منحت النساء الحق الكامل في الاقتراع، وأقرت قوانين مدنية وقوانين متعلقة بالطلاق تجعل الزواج علاقة طوعية، وتزيل التمييز بين الأطفال الشرعيين وغير الشرعيين، ووضعت قوانين عمالة تساوي حقوق النساء الرجال وتساوي بينهم في الأجر، وأخرى تعطى للأمهات إجازة مدفوعة الأجر، وألغيت من قانون الجنايات جرائم الخيانة وعلاقات المحارم والمثلية الجنسية.

فبعد ستة أسابيع من الثورة حل الزواج المدني محل قانون الكنيسة، وقبل انقضاء العام كان قد صدر قانون يقوم على المساواة الكاملة في الحقوق بين الزوج والزوجة، وكذلك بين الأطفال الشرعيين وغير الشرعيين، وبسط المرسوم الصادر في 19 ديسمبر 1917 إجراءات الطلاق إلى أبعد حد، وفيما يتعلق بالاسم الذي يستخدمه الزوجان نص المرسوم الصادر في أكتوبر 1918 على أن: “يستعمل المتزوجون اسم أسرة مشترك.. وللزوجين أن يختارا في عقد الزواج ما إذا كانا سيستعملان اسم أسرة الزوج أو اسم أسرة الزوجة، أو اسم الأسرتين معًا” كما صدر مرسوم حول تشريع الإجهاض، ولحماية صحة النساء نص المرسوم على “أن تجري عمليات الإجهاض مجانًا دون أي مقابل في المستشفيات السوفيتية، حيث تتوافر الظروف لتقليل أضرار العملية إلى الحد الأدنى”.

كان ينبغي بالإضافة إلى سن هذه القوانين، الانقضاض على الأساس الاقتصادي للأسرة التقليدية، وجرت محاولة لذلك في مجموعة من القوانين التي تلغي حق التوريث وتنقل ملكية المتوفي إلى الدولة، التي كان عليها أيضًا أن تتولى “عمل النساء” عبر مؤسساتها الجماعية – دور رعاية الأمومة، والحضانات، وروضات الأطفال، المدارس وحجرات الطعام الجماعية ومراكز إصلاح المراكز.

أما مهمة العناية بالأطفال وتربيتهم فقد كانت – ولا تزال – عبئًا آخر لا يقل إجهادًا للمرأة يقيدها للمنزل، ويستعبدها في الأسرة، لقد أصبح ينظر للأمومة من زاوية جديدة. فالحكومة السوفيتية تعتبرها التزامًا اجتماعيًا، وانطلاقًا من هذا المبدأ حددت عدداً من الإصلاحات التي تهدف إلى رفع عبء الأمومة عن أكتاف الأم ونقله إلى الدولة.

لكن مع الحرب الأهلية اصطدمت الإجراءات الثورية التي اتخذها البلاشفة بالتخلف المريع لروسيا، فقد خرجت روسيا من الحرب الأهلية في حالة من الانهيار الاقتصادي لا مثيل لها في تاريخ البشرية، فبلغ الإنتاج الصناعي نحو خمسي الحجم الذي كان عليه عام 1914 وانكمش عدد السكان في المدن، وفيما بين نهاية عام 1918، ونهاية عام 1920 قضت الأوبئة والجوع والبرد على تسعة ملايين روسي، وقتلت الحرب العالمية أربعة ملايين من كل القوميات، وأدت كذلك السياسة الاقتصادية الجديدة (1921 – 1928) إلى بطالة واسعة النطاق، فزادت من 175 ألفًا في يناير 1922 إلى 625 ألفًا في يناير 1923 ومليون ومائتين وأربعين ألفًا في يناير 1925 وحيث أن أول من سرحوا من العمل كانوا هم العمال غير المهرة، ومعظم النساء منهم، فقد كن القطاع الأكثر تضررًا.

وجهت البطالة ضربة عنيفة لمحاولات تحرير النساء، ودعمت اعتماد النساء على الرجال اقتصاديًا اكتسبت الاتجاهات الرجعية قوة، بينما راحت تتوقف المؤسسات الجماعية الكثيرة – المطابخ الجماعية وقاعات الطعام وبيوت الأطفال الجماعية – ضمن سعي الحكومة لخفض الإنفاق. ودفعت النساء ثانية إلى العبودية المنزلية وأضيفت محنة الأطفال إلى أعباء النساء. وأنجب التشرد والفقر الناجمين عن الحرب والحرب الأهلية جيشًا ضخمًا من الأطفال الذين لا أهل لهم.

أما حملة التصنيع الكثيف والتحويل القسري في الزراعة التعاونية في عامي 1928 – 1929 كانت نقط فاصلة في تاريخ روسيا بحيث حولتها إلى نظام رأسمالية دولة. فقد أدى طراز التصنيع الستاليني، بتركيزه المفرط على الصناعة الثقيلة إلى إهمال تلك القطاعات الاقتصادية التي كان من شأنها التخفيف من أعباء النساء العاملات مثل الأدوات المنزلية والسلع الاستهلاكية. كذلك فقد دعم الموقف الستاليني المواقف المحافظة، فالآن صارت السلطات تجد الأسرة ذات نفع، ليس فقط لأنها توفر ما لا توفره الدولة، أي العمل المنزلي ورعاية الأطفال، وإنما أيضًا لأنها تقوي ما تحتاجه الدولة من دعائم محافظة على المجتمع. ففي عام 1936 ألغي الإجهاض القانونية، فيما عدا حالات تهديد الصحة أو الحياة أو الأمراض الوراثية الخطيرة، وكذلك فرضت القوانين في عامي 35، 36 عقوبات على الطلاق، وهي رسم خمسين روبل عند الطلاق الأول ترتفع إلى 150 عند الطلاق الثاني و300 روبل عند الطلاق الثالث.

أما الأمر الأكثر أهمية فهو إضافة واقعة الطلاق في الوثائق الشخصية، وهوجمت الحرية الجنسية بشدة في الوقت الذي جري فيه تمجيد الأخلاق التطهرية. واتخذت خطوة أخرى في الثورة المضادة الجنسية، وهي إلغاء التعليم المختلط في عام 1943 تحت دعوى”.. أن التعليم المختلط أمرًا شائنًا فهو يؤدي إلى التعمية على السمات الذكرية والأنثوية وهي التي تتسم بقيمة اجتماعية”.

وبلغت الردة الستالينية في مجال الأسرة ذروتها مع صدور قانون في 4 يوليو 1944 يفرض عقوبات شديدة على الطلاق، فبداية أصبح الطلاق يتم بمجموعة إجراءات قضائية، ثم زيدت الرسوم زيادة كبيرة تتراوح بين خمسمائة وألفي روبل، وهي مبالغ تجعل الطلاق مستحيلاً إلا على الميسورين للغاية؟

وبتحول روسيا إلى نظام رأسمالية الدولة توقفت الإشارة إلى “قضية المرأة” كموضوع متميز له أهمية سياسية وأيديولوجية، ويشير فهرس قرارات الحزب والمراسيم الصادرة عنه في السنوات من 1917 وحتى 1967 إلى 301 بند حول المرأة خلال الأعوام 1917 – 1930، وثلاثة فقط خلال السبعة وثلاثين عامًا التالية.

أدت هزيمة الطبقة العاملة الروسية على أيدي البيروقراطية الستالينية إلى هزائم كارثية للطبقة العاملة على المستوى المحلي وعلى المستوى العالمي، فلحقبة كاملة تراجعت حركة الطبقة العاملة ككل، وكان نصيب نساءها من التراجع أكبر بكثير، وإذا كان التقدم الاجتماعي يمكن قياسه، كما قال ماركس، بتقدم النساء، فكذلك التراجع الاجتماعي. لم يكن إخضاع النساء مجرد واحدًا من وجوه الثورة المضادة الستالينية، بل كان أكثرها شراسة.