بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تحطيم الأغلال

ما الذي يصنع الثورة؟ يحاول سابي شجال التعرف على الظروف التي أدت إلى قيام بعض الثورات العظيمة على مر التاريخ، ويبين أن هذه الثورات كانت نتيجة لعملية طويلة من الأزمات والنضالات من قبل الطبقات المختلفة.

لقد تشكل عالم اليوم بأهم جوانبه من خلال أربعة ثورات رئيسية. الرأسمالية الحديثة ولدت من رحم الإقطاع الأوروبي في القرن السادس عشر، لكن المجتمع الجديد ما كان له أن يزدهر وينضج بدون الانتفاضات الثورية التي أزالت تمامًا طبقة ملاك الأرض الإقطاعية والملكية المطلقة بأوربا. وهكذا فإن الثورة الإنجليزية في أربعينات القرن السابع عشر، والثورة الأمريكية في سبعينات القرن الثامن عشر، والثورة الفرنسية في عام 1789، والثورة الروسية 1917 – هي الأحداث الفاصلة التي أرست قواعد نمو الرأسمالية الصناعية والديمقراطية البرلمانية.

لقد قادت الطبقات الوسطى الثورات الإنجليزية والفرنسية والأمريكية، تلك الطبقات التي كانت تحوز الثروة لكنها كانت تفتقر إلى النفوذ السياسي. وفي سبيلها إلى تحقيق هذا النفوذ دفعت الطبقات المستغلة والمقموعة لكي تخلصها من ميراث النظام القديم. أما في الثورة الروسية كان الوضع مختلفًا، فالطبقة العاملة التي كان عليها أن تغير المجتمع وذلك لأن الطبقات الوسطى كانت غاية في الفساد والوضاعة. لكن العمال لم يكونوا مستعدين للتوقف عند مرحلة الديمقراطية البرلمانية بل بدأوا في بناء الاشتراكية على الفور.

هناك بعض المكونات المشتركة التي يمكن أن نجدها في المجتمعات الأربعة في الفترة التي سبقت اندلاع الثورة مثل: الأزمة الاقتصادية، وجود قاعدة سابقة من النمو الاقتصادي، تزايد الطموحات، قلة درجة المنافسة وضعف الطبقة الحاكمة، كثرة الصراعات بين الطبقات، انتقال الولاء بواسطة القادة المثقفين.

لقد سبق اندلاع الثورة في جميع هذه المجتمعات فترة من الأزمات الاقتصادية أو على الأقل أزمة مالية. فقبل الثورة الإنجليزية، قام جيمس الأول وتشارلز الأول – وهما ملكين من أسرة ستيوارت – باستخدام نفوذهما من أجل دعم أصحاب الاحتكارات التجارية الفاسدين والنبلاء الطفيلين، وبالتالي تقويض نمو الرأسمالية وإعاقة قيام سوق تجارية وصناعية قومية. وأصبح الملكين في صراع شديد مع البرلمان بسبب سعيهما لرفع قيمة الضرائب على الطبقات الوسطى. وكان العامل الرئيسي الذي فجر الثورة الأمريكية هو الصراع الدائر بين المستعمرين الأمريكيين والدولة البريطانية حول مسألة الضرائب. وكان الشعار الأساسي هو “لا ضرائب بدون تمثيل”.

وفي عام 1787، دعى الملك لويس السادس عشر البرلمان الأقطاعي الفرنسي “مجلس الطبقات” إلى الانعقاد – وهو لم يكن قد انعقد منذ عام 1614 – وذلك بسبب الحالة السيئة التي كانت تعاني منها مالية الحكومة. وقد حاول النظام الملكي حل هذه الأزمة على حساب الارستقراطية، التي حاولت بالتاء إلقاء عبء المشكلة على الطبقات الوسطى – التجار وموظفي البنوك والمحامين والفلاحين من هذه الطبقات. ومرة أخرى ظهرت الأزمة المالية لأن الطبقة الحاكمة الطفيلية القديمة كانت تختبر قوة الرأسمالية الفرنسية الصاعدة.

وفي روسيا 1917، كان النظام القيصري قد انهار تمامًا في جميع نواحي الأنشطة الحكويمة. فبعد ثلاثة سنوات من الحرب العالمية أصبحت المالية الروسية مضغوطة إلى أقصى حد لها. كما أن الأسعار المرتفعة والندرة كانا عاملين هامين في ازدياد التوتر الطبقي.

وفي الحالات الأربع حاولت الحكومات والطبقات الحاكمة حل الأزمة على حساب الطبقات الاجتماعية الأقل. مما أدى في النهاية إلى نشوب الثورة، التي قادتها الطبقة الوسطى المدينية في إنجلترا وأمريكا وفرنسا بينما قام الفلاحون والحرفيون والعمال بالدور القتالي. أما في الثورة الروسية، فقد قاد العمال الثورة وقاموا بالاشتراك مع الفلاحين بالقتال الفعلي.

عامل آخر مشترك في الحالات الأربع، هو أن جميع هذه المجتمعات شهدت توسعًا اقتصاديًا وزيادة في دخلها القومي خلال العقود السابقة. ففي النصف الأول من القرن السابع عشر، نمت إنجلترا وزادت الرفاهية بسبب التقدم الزراعي ونمو التجارة. أما في أمريكا القرن الثامن عشر فقد انتعشت أحوال التجار والمزارعين بدرجة واسعة. ويمكن القول أن فرنسا 1789 كانت مثالاً هائلاً للمجتمع الغني بالرغم من وجود حكومة فقيرة. فالنمو السكاني والإنتاج الزراعي والتصنيع والتجارة الخارجية قد سجلت كلها تطورًا ملحوظًا خلال القرن الثامن عشر. وكان نصيب الأسد من هذا النمو المتزايد يصب لصالح الطبقات الوسطى خاصة القطاعات صاحبة الصوت الأعلى ضد الحكومة في ثمانينات القرن الثامن عشر، تلك التي كانت ترفض التخلي عن امتيازاتها بزيادة الضرائب أو القروض. كما كان الفلاحون أفضل حالاً من وضعهم في القرن السابق، فبحلول عام 1789 استطاع الفلاحون ادخار ما يكفيهم – وذلك بعد دفعهم مستحقاتهم للإقطاعيين وأيضًا ضرائب الدولة – وشراء ما يقرب من ثلث الأراضي. على الرغم من ذلك إلا أنهم كانوا في أشد حالات سخطهم، فالثراء الذي نتج عن إزاحة بعض العراقيل خلق حالة من الاستياء الشديد ضد ما تبقى منها.

وحتى في حالة روسيا في عام 1917 فالسنوات التي سبقت انهيار الحكومة تحت ضغوط الحرب قد شهدت نمو قدرة الدولة الإنتاجية لدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل. فالصناعة كانت تتطور تطورًا ملحوظًا منذ القرن التاسع عشر. وفي عام 1909، كان هناك نموًا اقتصاديًا كبيرًا جاء في أعقاب الركود في عامي 1907 – 1908، كا نما الإنتاج الصناعي بشكل مستمر حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.

لقد مكن التطور الاجتماعي والاقتصادي أقسام من الطبقة الوسطى من زيادة ثرواتهم ونفوذهم وبالتالي قوى من طموحاتهم. كما أن الفجوة المتزايدة التي أصبحت غير محتملة بين طموحات هذه الطبقات وما جنوه بالفعل دفعتهم إلى قلب النظام القديم. وجميع هذه الثورات أتت خلال الأزمات الاقتصادية التي أعقبت مباشرة فترات من تحسن مستوى المعيشة.

لقد استطاعت الطبقات الوسطى المدينية خلال الثورات في إنجلترا وأمريكا وفرنسا تحريك وقيادة الجماهير المحرومة الفقيرة مثل الحرفيين والعمال والفلاحين الذين لم تكن لديهم أي ملكيات زراعية، وتجميعهم خلف شعارهم الشهير “الحرية، المساواة، الأخاء”. وأحست الجماهير أنهم قد وعدوا الأرض كلها. لكن فور تحقيق الطبقات الوسطى للنفوذ السياسي الداعم لنفوذها الاقتصادي، قاموا بإقصاء الجماهير عن أي مشاركة في ذلك العالم الجديد. لقد أعادوا هيكلة السلطة لاقائمة حينذاك من أجل دعم ثروتهم. أما في روسيا فالوضع كان مختلفًا، لقد تراجعت الطبقة الوسطى إلى الخلف بسبب ذعرها من الحركة التي قادها بنجاح الجناح الآخر المقابل لها في بدايات القرن. وبدلاً منها، كان على الطبقة العاملة أن تقود الثورة.

لقد أدت الثروة والنفوذ المتزايدين للطبقات الوسطى إلى احتدام الصراع بينهم وبين النظام القديم. في إنجلترا نشبت صراعات مريرة بين النظام الملكي وملاك الأراضي من طبقة النبلاء من ناحية والطبقة الوسطى التي كان يقودها كروميل ن الناحية الأخرى. ولاقت البيوريتانية (التطهرية) قبولاً لدى الحرفيين والفلاحين الأفضل حالاً من الناحية المعيشية، وأيضًا لدى التجار الطبقة الوسطى وموظفي البنوك وحتى لدى التقدميين للطبقات العليا الذين كان كرومويل ممثلاً لهم. فبعد رفض هامدين دفع “ضريبة السفن” في 1637، كان هناك رفض عام في أوساط الطبقات الوسطى لدفع الضرائب خلال عامي 1639 – 1640.

وفي أمريكا كانت الطبقة الحاكمة مازالت في طور نموها وبالتالي لم تظهر أي من سخافات وانحطاط الطبقة الحاكمة الاستعمارية في بريطانيا أو تلك التي كانت موجودة في فرنسا وروسيا. وبصعوية شديدة جدًا، تفادت المستعمرة الأمريكية شكل من أشكال التمرد في الفترة بين قانون ستامب لعام 1765 ومعركة ليكسنجتون في عام 1775. ذلك بالإضافة إلى أن قسم كبير من الطبقة الحاكمة الأمريكية قد دعم الثورة.

وفي فترة ما قبل الثورة في إنجلترا وفرنسا وروسيا، كانت الطبقات الوسطى في حالة كره وسخط على طبقة النبلاء كما كانت تشعر بتفوقها على هذه الطبقة. ولكن حتى اندلاع الثورة بالفعل، كان أثرياء الطبقة الوسطى وخاصة في فرنسا، يريدون الانتماء إلى الطبقة الوسطى وخاصة في فرنسا، يريدون الانتماء إلى الطبقة العليا وليس إلغاءها. لكن بسبب أن الطبقة الأرستقراطية كانت في حالة دفاع عن النفس، فقد ذهبت آمال الطبقة الوسطى هباء.

أحد أهم الأسباب أيضًا التي مكنت من قيام الثورة كان انتشار الفساد في أوساط الطبقة الحاكمة بالإضافة إلى ضعفها وتفككها. ورأى الكثيرون أن الطبقة الحاكمة غير قادرة على القيام بمهامها. وفي السنوات التي سبقت اندلاع الثورة، كان هناك تصعيدًا للاحتجاجات ضد الطبقة الحاكمة. وكسبت مجموعات المعارضة دعمًا كبير مما جعل جهود الحكومة لقمع هذه الاحتجاجات مبتورة بسبب فقدانها هي نفسها للثقة. وبدأ الكثير من الفرسان الانخراط في أنشطة يبحثون فيها عن الماضي الذهبي للعصور الوسطى. في فرنسا، كانت سلطة الطبقة الحاكمة ضعيفة بسبب شكوك المواطنين في عدالة حكمها. وكان الكونت ميرابو من الأرستقراطيين الذين قاموا بدعم الحركة المطالبة بالملكية الدستورية. وفي روسيا ولمدة عقود قبل 1917، كانت الطبقة الأرستقراطية تتحسر على عدم جدوى الحياة والتخلف الذي كانت تعانيه روسيا. ومثلاً فإن الكاتب ليو تولستوي، والذي كان هو نفسه من ملاك الأراضي الكبار، ذهب إلى الحد الذي جعله يوزع أراضيه على الفلاحين.

ومع احتدام الصراعات الطبقية وضعف الهيمنة الأيديولوجية للطبقة الحاكمة تعاظم نشاط المثقفين وجماعات الضغط المطالبة بالتغيير السياسي الراديكالي. وظهرت الكثير من الشكاوي في عدد واسع من الرسائل والكتيبات والمحاضرات والمناقشات الجماعية. وقام مفكري التنوير في بريطانيا وفرنسا بالدعاية لأفكار تحث على التغيير الجزري، وبناء مجتمع قائم على العقلانية وحرية الفرد.

في إنجلترا، كانت الكنائس البيوريتانية وأيضًا اللجان المكونة من التجار وأفراد الطبقات العليا التقدميين تعمل كجماعات ضغط جنينية لإعطاء مبررات إيديولوجية وثقة للطبقات الوسطى التي بدأت في الظهور. وفي أمريكا، كونت لجان التجار ومشروعي الدولة جماعات ضغط وتنظيمات تقف في وجه النظام البريطاني الاستعماري. أما في فرنسا، فقد نمت الثورة في رحم المجتمع على مدى عقود قبل عام 1789. حيث نظمت العديد من حلقات النقاش بهدف السجال حول مفكري التنوير وأعمالهم، ثم تحولت هذه الحلقات تدريجيًا إلى التحريض السياسي.

وفي الثورات الثلاثة الأولى، لم يفكر أولئك المنشقون بشكل واعي بأنهم يعملون من أجل قيام ثورة. وحتى النهاية فقد كانوا يعتقدون أنهم بإمكانهم تحقيق إصلاحًا دستوريًا من خلال التحريض. أما في روسيا، فقد انتعشت المجموعات المنظمة المعادية للنظام القيصري لفترة طويلة مثل مجموعات الأحرار والفوضويين والمجموعات الاشتراكية المختلفة. وكان الحزب البلشفي هو الوحيد الذي رفع فكرة أن الطبقة العاملة هي التي ستقود الثورة الاشتراكية. وكانت السمة المشتركة بين الثورات الأربع هي صعود فكرة أن التغيير الجذري أصبح ضروريًا وممكنًا عندما أصبح النظام الاجتماعي القائم حاجزًا أمام التقدم الإنساني. وعلى الرغم من الضعف المتزايد إلا أنه أيًا من الطبقات الحاكمة لم تعتزم التخلي عن السلطة.

* * * *

إننا اليوم محاطون بأزمة اقتصادية حادة والمجتمع في انحدار واضح، بالإضافة إلى استمرار معدلات الربح في الانخفاض بما يقضي على أي فرصة لتحسن الرفاهية الاجتماعية أو ارتفاع المستوى المعيشي للعمال. أما الطبقات الحاكمة فهي ليست فقط غير مستعدة لضمان تحسين الأوضاع، لكنها تبحث عن طرق لسحب الحقوق والإصلاحات التي اكتسبت سابقًا ومحو مستويات المعيشة التي تحققت من خلال عقود من النضال.

وهذا ما يجعل مهمة بناء حزب عمالي ثوري جديد وربط نصراء القضية وناشطيها من جميع قطاعات المجتمع – مهمة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

ــــــــــ
للكاتب: سابي ساجال عن مجلة السوشياليست ريفيو عدد يوليو / أغسطس 1994