بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تعاليم السيد جمال الدين في وجوب إصلاح الدنيا والدين

جاء إلى هذه الديار في سنة 1286هـ رجل غريب بصير في الدين عارف بأحوال الأمم واسع الإطلاع جمّ المعارف جريء القلب، وهو المعروف بالسيد جمال الدين الأفغاني، اشتغل بالتدريس لبعض العلوم العقلية، وكان طلبة العلم ينتقلون بما يكتبونه من تلك المعارف إلى بلادهم أيام البطالة، والزائرون يذهبون بما ينالونه إلى أحيائهم، فاستيقظت مشاعر وانتبهت عقول وخف حجاب الغفلة.
الإمام محمد عبده

بدت مصر وقت وصول جمال الدين الأفغاني وكأنها تنتظر مُشعلا لفتيل الثورة. فالفقر يعصف بجموع الشعب، والتذمر يعم كافة الطبقات، والقصر الحاكم يمر بأزمة خانقة أوقعته بين سندان الدول الاستعمارية ومطرقة الشعب، مع احتضار الباب العالي وانكماشه أمام القوى الاستعمارية الفتية. لذلك كانت مصر هي المكان المناسب تماما للفيلسوف المنفي حامل بذور التمرد والإصلاح والثورة: جمال الدين الأفغاني.

أقام جمال الدين الأفغاني في القاهرة ثمان سنوات “1871ـ1879” تحت نظام حكم فردي استبدادي لعائلة محمد علي متمثلة في الخديوي إسماعيل. شاهد مصر تترنح تحت ضغط الديون وتدخل القوى الاستعمارية. سمع أنين المصريين تحت سياط السخرة التي حولت عرقهم ودماءهم إلى ذهب يتراكم في خزائن الخديوي والدول الدائنة. شاهد اعتصار المصريين من أجل دفع الضرائب وانتزاع أراضيهم لسداد الديون التي تراكمت على مصر.

في هذه الأجواء انغمس الأفغاني في معترك الحياة الفكرية والسياسية، واهتم في حلقات دروسه بالفلسفة الإسلامية ومنهجها، وربط ذلك كله بحاضر المسلمين الذين وقعوا فريسة للجهل والاستبداد والاستعمار. ومن هنا ساهم في بلورة مطالب الحركة الوطنية المصرية الوليدة لتحرير الشعب من مستبديه عن طريق إقامة أنظمة حكم حديثة لها دستور ومجلس نيابي يمثل الشعب.

وعن طريق حلقات الدروس، وأيضا الخطب، فتح الأفغاني أبواب الاجتهاد الموصدة لتحرير العقول وتنقية الدين من الأفكار التي تجعله متضاربا مع العلم، بالإضافة إلى دوره الرائد في خلق صحافة سياسية حرة تعبر عن مطالب الحركة الوطنية، وتنتقد استبداد الخديوي، وتتخذ من الدين وسيلة للتحرر الوطني. وقد ظل الأفغاني يلعب نفس الدور في كل البلاد التي أقام فيها. لذلك استحق لقب “باعث النهضة في الشرق”.

الأفغاني من أفغانستان إلى الآستانة

بدأت الأفكار السياسية للسيد “جمال الدين الأفغاني” تتشكل ضد إنجلترا كقوة استعمارية عندما كان وزيرا أول لدى “محمد خان” أمير أفغانستان، الذي كان ينافسه على الأمارة وقتها “شير علي” التابع لإنجلترا التي ساعدته على الإطاحة بـ”محمد خان”.

بعد استيلاء “شير علي” على مقاليد الحكم، ظل “الأفغاني”، الذي كان يجاهر بعدائه لبريطانيا العظمى، مقيما ببلاده يعاني من رقابة ومكائد الحاكم الجديد ومن تدخلات الإنجليز. لذلك عزم على المغادرة إلى الهند “1869” التي كانت خارجة من ثورة “1857” ورائحة العداء تجاه الاستعمار الإنجليزي لا زالت طازجة بها. وهناك لم يُسمح له بحرية الحركة، فأبحر إلى السويس وهبط منها على القاهرة في أوائل “1870” وأقام بمنزل في خان الخليلي وتردد على الأزهر. ونظرا لأنه لم يكن ينوي الإقامة بمصر، فقد أقام أربعين يوما فقط خرج بعدها إلى الآستانة.

في إقامته بالآستانة رحب به السلطان “عبد العزيز” ورجال الدولة والعلم، فانخرط في ممارسة نشاطه الفكري. فكان يلقي محاضرات بجامع الفاتح الكبير. وبعد ستة أشهر من إقامته بالآستانة، تم تعيينه عضوا بمجلس المعارف، فأوصى بتطوير التعليم، مما لم يلق قبولا من العلماء، وبالأخص “شيخ الإسلام” الذي تربص به حتى حانت الفرصة عندما ألقى “الأفغاني” خطبة بدار الفنون تحدث فيها عن النبوة والحكمة ووضع فيها العلماء والفلاسفة في مرتبة مساوية للأنبياء. شن “شيخ الإسلام” بعد الخطبة الحرب على “الأفغاني” مدعيا أنه قال أن النبوة صنعة يمكن اكتسابها واتهمه بالكفر والإلحاد، فأصبح وجوده بالآستانة غير مرغوب فيه مما اضطره للرحيل إلى مصر.

مصر منتصف القرن الـ19

حققت مصر في بداية عصر الخديوي “إسماعيل” قفزة كبيرة في الزراعة والصناعة مما اجتذب رؤوس الأموال الأجنبية. ولكن إسراف الخديوي ورغبته في حصر الحكم في ذريته جعلاه يشتري الفرمانات من الباب العالي ويضاعف الجزية التي تدفعها مصر لتركيا من 350 ألف إلى 700 ألف جنيه إسترليني، هذا بخلاف الرشاوى لوزراء الباب العالي والإسراف في منح الهدايا وبناء القصور. لذلك دخلت مصر في أزمة تراكم الديون بداية من 1875. فزادت سخرة الفلاحين، وساءت أحوال الموظفين، ووقعوا تحت استبداد الموظفين الأجانب والأتراك، هذا إلى جانب تأخر رواتبهم وأحيانا عدم صرفها.

ولم تكن حالة الجيش تختلف كثيرا، مما أدى إلى ثورته على وزارة “نوبار” وإسقاطها في أواخر عهد “إسماعيل”. فنتيجة لتأخر الرواتب وإحالة 2500 ضابط إلى الاستيداع، قام 600 ضابط و200 جندي، يصحبهم عدد من طلاب المدرسة الحربية، بالهجوم على وزارة المالية واحتلالها والتعدي بالضرب على “نوبار” والسير “ويلسن” وزير المالية الإنجليزي و”رياض باشا” وزير الداخلية وقاموا بحبسهم في إحدى الغرف، وكان ذلك الحادث مقدمة للثورة العرابية.

أما الأعيان وملاك الأراضي من المصريين، فقد أهلكتهم الضرائب وهددت ملكيتهم للأرض الزراعية. حتى الأرستقراطية الزراعية التي عاشت طويلا متمتعة بالامتيازات، والتي كان على رأسها إعفاؤها من الضرائب، بدأت تشكو هي الأخرى من سحب البساط من تحت أرجلها.

من قلب أزمة الديون تبلور الوعي الطبقي للجميع مسفرا عن التذمر تجاه سياسات الخديوي “إسماعيل”. ويمكننا القول أن أبلغ توصيف للحالة الاجتماعية بمصر وقتها، وخاصة حالة فقراء الفلاحين، جاء بجريدة الطائف 29/4/1882 على لسان “إدوارد ديسي”: “مررت بجماعة من المسخرين يعملون في رصف طريق لا يبعد عن القاهرة بأكثر من نصف كيلو متر، رأيت رجالا ونساء وأطفال يعملون تحت إجبار السوط وعلى كل عشرة من الشغالين كان هناك خولي يمسك عصا يظل يضربهم باستمرار وبدون انقطاع بالرغم من إنهم منهمكون في عملهم وريس الأنفار يحمل سوطا يلهب به ظهر الخولي والمهندس يحمل كرباجا يعاقب به رؤساء الأنفار. وكان المنظر نموذجا مصغرا للحياة الاجتماعية في مصر كلها وأبشع ما في هذا النموذج أن الجميع كانوا ينظرون إليه على أنه مسألة طبيعية.”

الأفغاني في مصر

في البداية لم يكن “الأفغاني” ينوي الإقامة بمصر وإنما جاء بنية السياحة واستطلاع الأحوال. وقد رحبت الحكومة المصرية، متمثلة في “رياض باشا”، به وأفردت له منزلا وراتب، خاصة وأن الخديوي “إسماعيل”، كجزء من مشروعه التحديثي، كان يرحب بالعلماء والمفكرين، خاصة اللاجئين هربا من اضطهاد الدولة العثمانية التي كان يرغب في الاستقلال عنها.

بعد فترة وجيزة من إقامته بالقاهرة، تكوّن لدى “الأفغاني” مجموعة من الطلبة شرح لهم عددا من الكتب الفقهية وبعض المسائل الفلسفية وأصبح بيته بؤرة للطلبة والمثقفين المتعطشين لتحرير العقول.

بدأ “الأفغاني” نشاطه السياسي في مصر في “1876” مع تفاقم أزمة الديون، والتف حوله عدد من العلماء والموظفين والأعيان والطلبة المتذمرين من استبداد الخديوي، ومن الأوضاع الظالمة التي يحيا فيها الشعب المصري، ومن التدخل الأجنبي الذي عكس نفسه في نظام المراقبة الثنائية ولجنة الدين العام.

وجد “الأفغاني” مصر بيئة خصبة لغرس أفكاره. فساهم في تأسيس صحافة سياسية معبّرة عن الحركة الوطنية الوليدة. وقد ساعد الجو العام في مصر وقت الخديوي “إسماعيل” على ظهور تلك الصحافة نتيجة لجوء عدد من الصحفيين والمثقفين الشوام الذين فروا من المذابح الطائفية التي دبرها الباب العالى بسوريا ولبنان. هذا إلى جانب اختمار الأفكار القومية في ذهن الكتاب والمثقفين المصريين وعلى رأسهم تلميذه “الإمام محمد عبده” و”عبد الله النديم” و”يعقوب صنوع” و”محمود سامي البارودي” و”إبراهيم المويلحي”.

غذّى “الأفغاني” الصحف بمقالاته، وكتب بالصحافة أيضا “الإمام محمد عبده” و”النديم”. وبالإضافة إلى هذا شجّع الأفغاني صحافة “يعقوب صنوع” الساخرة التي ركزت على انتقاد “الخديوي إسماعيل”. وقد عكست تلك الصحف نمو الشعور القومي لدى المصريين، وظهر بها لأول مرة شعار “مصر للمصريين” في مواجهة الباب العالي بتركيا، وطالبت بنظام ديمقراطي يحد من استبداد الخديوي، كما نددت بالتدخل الأجنبي في شئون مصر، وساهمت في تأجيج مشاعر الكراهية تجاه السياسات الاستعمارية للدول الغربية وطالبت بإسقاط الديون.

ومع نمو الحركة السياسية المطالبة بالإصلاح السياسي، كانت أزمة الخديوي مع الديون والتدخل الأجنبي تتفاقم. لذلك بدأ في التضييق على الحركة الوطنية، فأغلق وصادر الصحف المعارضة. فدخلت الحركة الوطنية إلى مرحلة جديدة اتجهت فيها إلى العمل السري. فكون “الأفغاني” أول التنظيمات السياسية كـ”جمعية حلوان” و”مصر الفتاة”. كما انضم أيضا إلى عدد من المحافل الماسونية التي انتشرت في السبعينات من القرن التاسع عشر وجذبت إليها المثقفين والسياسيين والأعيان، وكانت تتبنى شعار الثورة الفرنسية “الإخاء العدالة المساواة”. كما كون محفل “الشرق الماسوني” بعد خلافه مع المحفل الإنجليزي. وكانت تلك المحافل بؤرة يتجمع فيها كل الوطنيين المصريين، ومنهم “محمد عبده” و”النديم” و”سعد زغلول”. ومن خلال محفل الشرق الذي كان يضم أيضا “الخديوي توفيق” تكوّن “الحزب الوطني الحر” تحت شعار “مصر للمصريين” سنة “1879”، وكان من ضمن أفراده بعض زعماء الثورة العرابية.

وإلى جانب المساهمة في تأسيس صحافة سياسية ودعوته المصريين إلى الثورة في وجه الاستبداد، دعا “الأفغاني” أيضا إلى تجديد الدين بقوله “لابد من حركة دينية تهتم بقلع ما رسخ في عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها الحقيقي وبعث القرآن وبث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور وشرحها على وجهها الثابت بحيث يأخذ بهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وآخرة ولابد من تهذيب علومنا وتنقيح مكتبتنا ووضع مصنفات فيها قريبة المأخذ سهلة الفهم لنستعين بها على الوصول إلى الرقي والنجاح.” وقد جعلته دعوته تلك رائدا ومؤسسا لتيار الحداثة الإسلامي.

وفي خضم نضاله بمصر اختمرت فكرة الجامعة الإسلامية “إحياء الخلافة الإسلامية” في ذهن “الأفغاني”. ثم أعاد التفكير فيها وأخرجها إلى الوجود بعد نفيه إلى الهند. وكانت دعوته للجامعة الإسلامية ردا على ادعاءات الإمبريالية الدائمة “أن الدول الغربية تنتحل الأعذار في هجومها وعدوانها على الدول الإسلامية وإذلالها وإكراهها بقولها “إن الممالك الإسلامية هذه إنما هي من الانحطاط والهوان بحيث لا تستطيع أن تكون قوّامة على شئون نفسها بنفسها، في حين أن تلك الدول عينها لا تكف عن التذرع بألوف الذرائع، حتى بالحرب والحديد والنار، للقضاء على كل حركة من حركات النهضة والإصلاح في البلاد الإسلامية، ومن ثم يجب على العالم الاسلامي أن يتحد في حلف دفاعي كبير ليستطيع بذلك أن يصون نفسه من الفناء، وللوصول إلى هذه الغاية، إنما يجب عليه أن يأخذ بأسباب التقدم في الغرب وأن يكتنه أسرار تفوقه.”

تأزم الوضع في مصر مع ازدياد التدخل الأجنبي بتكوين وزارة مشتركة وما صاحبه من ارتفاع وتيرة الحراك السياسي، مما اضطر “الخديوي إسماعيل” إلى إقالة الوزارة فدفع ذلك إنجلترا وفرنسا لعزله.

وبعد اعتلاء “الخديوي توفيق” للعرش خلفا لـ”إسماعيل” أصدر الأمر بضغط من الإنجليز بنفي “الأفغاني” من مصر. فقبض عليه في “أغسطس 1879” وهو في طريقه إلى بيته، ولم يسمح له بأخذ أوراقه وملابسه، ونقل في عربة مغلقة إلى محطة السكة الحديد، ومنها سافر تحت الحراسة المشددة إلى “السويس”، ومنها إلى الهند. ونشرت الحكومة في بيان رسمي “بالوقائع المصرية” خبر نفي “الأفغاني” ذكرت فيه “أنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا.”

بعد نفي “الأفغاني” اندلعت الثورة العرابية وشارك فيها تلاميذه الذين تعرضوا بعد فشلها ووقوع مصر في قبضة الاحتلال البريطاني للاضطهاد والسجن والنفي.

كانت “المرحلة المصرية” في حياة الأفغاني هي ربما الأهم بين مراحل نضاله الفكري والسياسي. ففي مصر وجد السيد جمال الدين شريحة اجتماعية – مثقفي وأفندية مصر الطالعين كنتيجة لتحديث محمد علي وأبنائه – تبنت رؤاه السياسية في ضرورة تجديد الفكر الديني، وتطوير المجتمع، واستجلاب مؤسسات التقدم الغربية وغرسها في بيئة الشرق. وبمقدار ما توافق فكر الأفغاني مع شريحة “رجال عرابي” بمقدار ما كان لتعاليمه تأثير وقوة. ولكن بمقدار ما كان “رجال عرابي” يفتقرون، في مواجهتهم الكبرى مع الاستعمار، للجذور الشعبية وإمكانيات التعبئة من أسفل، بمقدار ما انهزم مشروع الأفغاني في التحديث من أعلى والإصلاح على يد الحكام.

الأفغاني في الهند

أقام “الأفغاني” بالهند من أواخر “1879” حتى “1881”. وقد ساهمت هذه الفترة في بلورة رؤاه السياسية، خاصة وأنه اختلط هناك بجماعات من المسلمين المثقفين المتشبهين بالأوروبيين انتقدهم في كتابه “الرد على الدهريين” الذي كتبه باللغة الفارسية وقام بترجمته إلى العربية “الإمام محمد عبده” بمساعدة “أبي تراب” خادم “الأفغاني”. وقد انتقد في هذا الكتاب، بخلاف الهنود الموالين للإنجليز، أفكار “البابيين” و”الباطنيين” وهي فرق شيعية. وقد بدت أفكار “الأفغاني” في هذا الكتاب أنه ضد المذاهب لأنها تفتت وحدة المسلمين.

أيضا شجع الهنود على إصدار الصحف، وكتب عددا من المقالات تؤكد على أهمية نشر الوعى بين المسلمين والحض على العلم للحاق بركب الحضارة، وعددا آخر من المقالات نُشرت بمجلة “المعلم الشفيق” تتحدث في التربية والثقافة والفلسفة.

وقد دعم نفي “الأفغاني” من مصر وتضييق الخناق عليه بالهند كراهيته للاستعمار الإنجليزي وزاد إيمانه بضرورة وحدة المسلمين. فطفت على السطح من جديد فكرة الجامعة الإسلامية. وبعد هزيمة الثورة العرابية سُمح “للأفغاني” بمغادرة الهند، فحمل أفكاره حول الجامعة الإسلامية وسافر إلى باريس.

العروة الوثقى

نزل “الأفغاني” إلى باريس في “1883” وظل بها حتى “1885”. ومن هناك بعث لتلميذه وصديقه “محمد عبده”، المنفي في بيروت، ليلحق به. ومن باريس أسسا جمعية “العروة الوثقى” وأصدرا لها جريدة حملت نفس الاسم وركزت، على مدى أعدادها الثمانية عشر، على الهجوم على الاستعمار الانجليزي والدعوة إلى الوحدة الإسلامية وشرح الأفكار الإسلامية والتأكيد على عدم تعارضها مع الحياة المعاصرة، إضافة إلى متابعات للأحداث في مصر والسودان والهند وإيران وغيرها، هذا بخلاف المقالات الفلسفية العامة.

وقد أكد “الأفغاني” في مقال له بالعروة الوثقى على أن جريدته ليست موجهه للمسلمين فقط: “لا يظن أحد من الناس أن جريدتنا هذه بتخصيصها المسلمين بالذكر أحيانا ومدافعتها عن حقوقهم تقصد الشقاق بينهم وبين من يجاورهم في أوطانهم ويتفق معهم في مصالح بلادهم ويشاركهم في المنافع من أجيال طويلة. فليس هذا من شأننا ولا مما نميل إليه ولا يبيحه ديننا ولا تسمح به شريعتنا. ولكن الغرض تحذير الشرقيين عموما والمسلمين خصوصا من تطاول الأجانب عليهم والإفساد في بلادهم. وقد نخص المسلمين بالذات لأنهم العنصر الغالب في الأقطار التي غدر بها الأجانب وأذلوا أهلها أجمعين واستأثروا بجميع خيراتها.”

وقد ظلت “العروة الوثقى” تصدر على مدار ثمانية عشر شهرا، ويقال أن “الخديوي إسماعيل” كان ممولها الرئيسي إضافة إلى “رياض باشا”، وربما أيضا الباب العالي والجنرال “حسين التونسي” والمستشرق الإنجليزي “بلنت” صديق “الأفغاني” و”عبده”. وكانت توزع 900 نسخة مجانية ما بين مصر ودمشق وبيروت والآستانة وشمال إفريقيا وبغداد ومكة والمدينة.

وقد أزعجت جريدة “الأفغاني” و”عبده” سلطات الاحتلال الإنجليزي بما تشنه من هجوم على الاستعمار وعلى سياسات الإنجليز في الشرق. لذلك منعت الحكومة المصرية دخول “العروة الوثقى” وأصدرت الأوامر بمصادرتها وتغريم كل من تضبط لديه مبلغ من خمسة جنيهات حتى خمسة وعشرون جنيها مصريا. وقد توقف إصدار الجريدة في “أكتوبر1884” لعدم وجود تمويل مالي.

قد حرص “الأفغاني” في السنة الأولى من إقامته في باريس على توسيع شبكة علاقاته بالمثقفين والكُتاب والصحفيين الفرنسيين، وكتب عدة مقالات بالفرنسية والعربية ركزت بشكل أساسي على أوضاع المسلمين وسيطرة الاستعمار على بلاد الشرق وعلى الدعوة إلى فهم الإسلام بإعمال العقل والمنطق. ومن خلال شبكة علاقاته اقترب من الاشتراكيين والفوضويين والنقابيين وتأثر بهم، مما طوّر من أفكاره، فقال في خاطراته: “إن الاشتراكية هي التي ستؤدي حقا مهضوما لأكثرية من الشعب العامل.” “لولا الزرع ولولا الضرع لما كان سرف الأغنياء ولا ترف الأمراء.” “موقف الزراع والصناع من الحضارة انفع من موقف الإمارة.” “رأينا شعبا يعيش بدون ملك، ولكن ما رأينا ملكا يعيش بدون شعب.”

بعد توقف “العروة الوثقى” ظل “الأفغاني” مقيما بباريس حتى منتصف “1885”. ثم خرج منها إلى لندن تلبية لدعوة صديقه المستشرق الإنجليزي بلنت الذي دعاه للدخول في مفاوضات مع إنجلترا لإنهاء مشكلة المهدي في السودان. وكان من المفترض أن يسافر في وفد مشترك مع الحكومة الإنجليزية لمقابلة السلطان العثماني، إلا أنهم استبعدوه من السفر ومقابلة السلطان بعد عدة مقابلات، خاصة أنه أصر على رأيه بضرورة جلاء الإنجليز عن مصر والسودان. بعدها بدأ “الأفغاني” السعي من أجل مشروع للاتحاد بين تركيا وأفغانستان وإيران، خاصة أنه كان يرى أنه لا سبيل لإضعاف الاستعمار الإنجليزي إلا بالوحدة بين الدول الإسلامية تحت ظل خلافة إسلامية. لذلك خرج من لندن إلى إيران.

الأفغاني في إيران

لم تكن أحوال إيران في القرن التاسع عشر تختلف كثيرا عن تركيا: نفس الاستبداد والفساد، وأيضا نفس التدخل الاستعماري في صورة امتيازات لاستغلال المناجم والغابات وإنشاء البنوك ومد خطوط التلغراف والسكك الحديدية. وقد كان التنافس على احتكار الإمتيازات في إيران بين انجلترا وروسيا على أشده.

نزل “الأفغاني” في سنة “1886” إلى ميناء “بوشهر” بإيران وأقام هناك ثلاثة أشهر اتصل خلالها بالمثقفين والكتاب الإيرانيين، كما عقد الحلقات للحديث عن أخطار الحكم المطلق وضرورة إحداث تغيير بإيران من أجل نشر الديمقراطية والعدالة.

بعدها سافر “الأفغاني” إلى طهران بناء على دعوة الشاه له، وقد راقت له في البداية أفكار “الأفغاني” الإصلاحية. ولكن ما أن بدأ “الأفغاني” في نشر أفكاره التي اجتذبت بعض رجال الدولة، ومنهم ابن الشاه نفسه، حتى أشيع عنه أنه يريد قلب نظام الحكم وتأسيس جمهورية. وهنا فكر الشاه في إبعاده، وعندما أحس “الأفغاني” بذلك طلب منه الإذن بالسفر إلى أوروبا، ورحب الشاه بطلبه فسافر إلى روسيا.

ذهب “الأفغاني” إلى موسكو يحدوه الأمل في تحسين العلاقات بين إيران وروسيا لضرب الامتيازات الإنجليزية في إيران. واتصل بالتجار الإيرانيين هناك الذين زاروا معه المصانع للتعرف على الصناعة الروسية.

عاد “الأفغاني” مرة أخرى إلى إيران في أواخر “1889” بعد أن توسط رئيس الوزراء بينه وبين الشاه الذي أمّنه على حياته. ولكن لم يطل الوفاق بينهما طويلا. فتحت ضغط السلطات البريطانية طلب الشاه من “الأفغاني” أن يقيم بمدينة قم بعيدا عن طهران. لكن “الأفغاني” لم يذهب إلى قم واصطحب تابعه “ميرزا كرماني” للإقامة في ضريح “شاه عبد العظيم” وهو ضريح مقدس بالقرب من طهران لإحراج الشاه.

في هذه الأثناء منح الشاه امتياز استغلال وبيع جميع أنواع الدخان في إيران للإنجليز، وبدأ “الأفغاني” يحرض تلامذته على معارضة امتياز احتكار الدخان. وانتشرت البيانات المحرضة والمعارضة للشاه حتى وصلت إلى غرفة نومه. وحامت الشكوك حول “الأفغاني”. وفي “9 يناير 1891” دهمت قوة من 20 فردا الضريح وقبضوا على “الأفغاني” ورحل إلى مدينة على الحدود الإيرانية التركية، ومن هناك ذهب إلى العراق. ومن البصرة بعث برسالة إلى الحاج “حسن الشيرازي” رأس السلطة الدينية الشيعية الذي كان يقيم بالعراق شرح له فيها مدى التغلغل الأجنبي بإيران ورجاه أن يوحد كلمة الشعب ضد الإنجليز أعداء الله والإسلام.

استجاب “الشيرازي” وأرسل منشورا إلى إيران أفتى فيه بتحريم التدخين حتى يلغى الامتياز. وامتنع الشعب عن بيع الدخان وتعاطيه، مما اضطر الشاه تحت ضغط رجال الدين والمقاطعة الشعبية إلى إلغاء الامتياز.

بعد طرد “الأفغاني” من إيران تم اعتقال وتعذيب بعض أتباعه ومنهم “ميرزا كرماني”، بينما استمر “الأفغاني” في إرسال بيانات التحريض إلى إيران، التي احتجت لدى الحكومة التركية وطالبت بتسليم “الأفغاني”. وسمحت تركيا “للأفغاني” بالسفر إلى لندن وهناك التقى بالوزير الإيراني المخلوع والمعارض “مالكم خان” الذي كان يهاجم الشاه من خلال مجلة القانون التي كان يصدرها من لندن ويرسلها إلى إيران بالبريد.

عمل “الأفغاني” أثناء أقامته الأخيرة بلندن على فضح الأوضاع في إيران من خلال الأحاديث الصحفية والندوات والمحاضرات، ومن خلال صحيفة “ضياء الخافقين” التي أصدرها من هناك وصدر منها خمسة أعداد وكانت تترجم مقالاتها التي تهاجم الشاه وتفضح سياساته الموالية للإنجليز إلى الفارسية وترسل إلى إيران لتثير الرعب في قلب الشاه الذي طالب بريطانيا بتسليمه أو سجنه وعندما يأس من الإمساك به طالب السلطان العثماني بدعوته للإقامة بتركيا.

دعا السلطان عبد الحميد “الأفغاني” للقائه في استنبول. وقد لاقت الدعوة قبولا من “الأفغاني” الذي كان يسعى لتنفيذ مشروع الجامعة الإسلامية، وخاصة أنه كان يؤمن بقدرات السلطان “عبد الحميد” على إصلاح نظام الحكم ويرى فيه خليفة المسلمين.

الجامعة الإسلامية

وصل “الأفغاني” إلى إستنبول في “1892” وانشغل بالدعوة إلى مشروع الخلافة الإسلامية وسعى لعقد مؤتمر إسلامي تشارك فيه تركيا وأفغانستان وإيران في استنبول، إلا أن شاه إيران وقف عقبة في وجه المشروع خوفا من هيمنة تركيا.

كما انكشف بعد وقت قصير الوجه القبيح للسلطان الذي بنى عليه “الأفغاني” آماله في وحدة العالم الإسلامي. فلم يكن السلطان “عبد الحميد” أقل استبدادا وفسادا وضعفا من الشاه. ضيّق السلطان خناقه على “الأفغاني” وبث حوله الجواسيس ينقلون همساته ويقيدون حركته، فتحول إلى نسر حبيس في قفص السلطان يسعى إلى الفرار بكل الطرق، حتى لقد أرسل إلى سفير بريطانيا يطلب اللجوء والحماية من أسر السلطان العثماني. لكن بريطانيا لم تستجب لطلبه. وزاد من معاناته اغتيال الشاه على يد تابعه “ميرزا كرماني” في “1896” وإلحاح إيران على تسليم “الأفغاني” بوصفه المحرض على اغتيال الشاه.

وافق السلطان على تسليم “الأفغاني” مقابل تسليم إيران لأعداء تركيا الفارين لديها. وحوصر بيت “الأفغاني” بالحراسة المشددة. وربما كان مرضه الأخير هو الذي أنقذه من التسليم لإيران. فقد أصيب بسرطان في الفم أدى إلى وفاته في “9 مارس 1897”. وقد أعلن “مالكم خان” المعارض الإيراني أنه قتل ولم يمت. وهناك شكوك حول قتله بالسم.

دفن “الأفغاني” في هدوء بدون جنازة كما لم ينشر خبر وفاته في جرائد تركيا. مات “الأفغاني” الذي قال “إني مثل النسر طيار المسافات الطويلة يرى فضاء الكون الشاسع يضيق من طيرانه. فكيف تريدون إذن أن تقيدوا قدمي وتسجنوني في هذا القفص الصغير؟” مشنوقا بشعرة معاوية التي احتفظ بها مع حكام لا سبيل إلى إصلاحهم.

على أي حال أدرك الأفغاني خطأه في أواخر حياته لأنه “بذر بذوره في الأراضي الجافة لبلاط الملوك أكثر مما بذرها في الأراضي الخصبة للفكر الشعبي، فكل شيء يذوى ويتعفن في الأولى، على حين يزدهر ويتألق في الأخرى” (الأفغاني في رسالة إلى صديق إيراني).

وبرغم خطابه الثوري العالي النبرة الموجه للشعب (“أنت أيها الفلاح المسكين تشق قلب الأرض لتستنبت ما تسد به الرمق وتقوم بأود العيال.. فلماذا لا تشق قلب ظالمك؟ لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك؟”) نجده في خضم مسيرته النضالية يستخدم كل توازنات القوى الممكنة للوقوف أمام الاستعمار الإنجليزي، مما أوقعه أسيرا لفكرة الحاكم “المستبد العادل” أو “المستبد المستنير” التي رمته مرارا وتكرارا في أحابيل الباب العالي والشاه وغيرهم من رجال الحكم في الشرق والغرب، وأفشلت مشاريعه في مقاومة الاستعمار والقضاء على الاستبداد.

غلّف سيرة “الأفغاني” الغموض الذي أثار فضول الباحثين. فقد اختلف الكثيرون في جنسيته – هل هو “أفغاني” أم “ايراني” – بما يترتب عليه اختلاف المذهب، سني في حالة إذا كان أفغانيا وشيعي إذا كان إيرانيا. وعلى الرغم من ظهور وثائق تثبت إيرانيته، إلا أن الباحثين السنة ظلوا على إصرارهم أنه أفغاني سني، وكأن المذهب الشيعي رجس من عمل الشيطان. وفي الحقيقة أن السيد “جمال الدين” قد حسم هذا الموضوع كما جاء بكتاب “جمال الدين الأسد ابادي” لـ”الميرزا السيد حسين خان عدالت” بقوله “كان كل من يسأل عن مذهب السيد يجيبه: بأني مسلم. وحدث بأن سأل أحد علماء السنة السيد قائلا: ما عقيدتك؟ فأجاب أني مسلم، فسأله ثانية: من أي المذاهب أنت؟ فأجاب السيد: إني لم أعرف في أئمة المذاهب شخصا أعظم مني حتى أسلك طريقته! إني أوافق بعضهم في أمر وأخالفهم في أمور!”

فما يهم عند تناول سيرة “جمال الدين”، السياسي ورجل الدين والفيلسوف، هو مواقفه السياسية والفكرية وتقييمه على أساسها وليس على أساس جنسيته، خاصة وإنه كان يرى الشرق بجميع شعوبه المسلمة من سنة وشيعة، أو من أصحاب الديانات الأخرى من مسيحيين وهندوس، يعاني من الحكم الاستبدادي والجهل والتخلف والاستعمار، ويرى أن الخلاص يكون بوحدة الشعوب وانتفاضها في وجه الاستعمار. وكان الدين هو وسيلته للتحرر، وحتى اختيار “جمال الدين” للقب السيد وليس الإمام أو المرشد أو الآية له مدلول أخرجه من التصنيف الضيق لرجل الدين.

“فالأفغاني” كان خطيبا سياسيا وصحفيا وفيلسوفا ذو شخصية كاريزمية جعلت من بيته منتدى للسياسيين والأدباء والعلماء، ومن مجلسه على مقهى “متاتيا” “بالعتبة” ندوة خصبة. وحتى عندما يصر البعض على تصنيف “الأفغاني” على أنه رجل دين، فقد كان رجل دين من طراز فريد. فدعوته إلى الإصلاح الديني كانت وسيلته لتحرير الشرق من الجهل والاستعمار، وأشبه بحركة لاهوت تحرير سابقة لحركات لاهوت التحرير بأمريكا اللاتينية، كما كانت متشبعة بأفكار “مارتن لوثر” التي قفزت بالمسيحية فوق ظلام العصور الوسطى وعبرت بها إلى عصر النهضة الأوروبي.

كان “الأفغاني” يحب أن يمازح أصدقاءه ويصف نفسه بالفيلسوف بقوله “الصوفي هو من يلبس المرقّع، أما الفيلسوف فهو من يجلس على قهوة متاتيا ويدخن الشيشة.” وكان يعقد المقارنة بينه وبين المتصوفة بقوله “فناء الصوفي في الله وفنائي في خلق الله.” على أية حال، فها هو رجل إصلاحي من الشرق خاض معارك كبرى في عصره وحاول، بطريقته الخاصة، بحدودها وعيوبها وأوهامها الإصلاحية، أن يخلق شرقا جديدا يحاكي “الغرب” الرأسمالي في تقدمه وحداثته، فانتهى به الحال، كمشروعه، مهزوما وغير قادر على انتشال “الشرق” من أزمته وخضوعه.. فلنتأمل سيرة هذا الإصلاحي العظيم، ولنتعلم من انتصاراتها وانكساراتها، ولنواصل معركتنا من أجل التحرير الجذري لشعوب الشرق الكادحة.

المصادر

1 – الثورة العرابية ـ صلاح عيسى

2 – جمال الدين الأفغاني بين دارسيه ـ د.علي شلش

3 – مذكراتي في نصف قرن ـ أحمد شفيق باشا

4 – العروة الوثقى ـ الأفغاني ـ محمد عبده

5 – جمال الدين الأفغاني والثورة الشاملة ـ السيد يوسف

6 – الأفغاني ومحمد عبده ـ و.س بلنت، ترجمة د. علي شلش

7 – عصر إسماعيل، الجزء الثاني ـ عبد الرحمن الرافعي

8 – تاريخ الفكر المصري ج2 ـ د. لويس عوض